أقلام حرة

رابح بلحمدي: فلسفة المرض

حين يتخلّى الجسد عن دوره ويبدأ السؤال تأمل في هشاشة الوجود، وخذلان العادة، ورحمة ما لا يُرى

لم يكن المرض حدثًا طارئًا، بل انكشافًا. لم يدخل عليّ من باب الجسد فقط، بل من شقٍّ خفيّ في اليقين. أعرف المرض كما يعرفه الجميع: زائرًا ثقيلًا، يترك فوضى مؤقتة ثم يمضي. لكن هذه المرّة لم يمضِ سريعًا، ولم يكتفِ بإيلام الجسد؛ بل طالبني بأن أنظر. وهنا تحديدًا بدأت الكتابة. لا لأنني مريض، بل لأنني صرت واعيًا بأن المرض ليس حالة بيولوجية فحسب، بل موقفًا وجوديًا.

الجسد، هذا الكيان الذي نعامله كأداة مطيعة، قرّر فجأة أن يستقيل. لا تمرّد معلن، بل انسحاب صامت من أداء المهام. الأشياء التي كنّا نمنحها صفات الشفاء فقدت معناها: الطعام صار عبئًا، والدواء وعدًا مؤجّلًا، والزمن نفسه تكسّر إلى شظايا لا يمكن جمعها. عند تلك النقطة أدركت أن ما نسمّيه أسبابًا ليس سوى عادات نجحت طويلًا، حتى صدّقنا أنها قوانين.

المرض لا يشرح نفسه. لا يقدّم مرافعة دفاعية، ولا يعترف بمنطق. إنّه يفرض نظامه الخاص، نظامًا بلا لغة. الحُمّى، في جوهرها، ليست ارتفاع حرارة، بل ارتفاع سؤال: ماذا يبقى من الإنسان حين تُسحب منه السيطرة؟ حين لا يعود الجسد حليفًا، بل أرضًا متنازعًا عليها؟

في المرض يتراجع الإنسان خطوة إلى الخلف، لا ليهرب، بل ليرى المشهد كاملًا. هنا لا يعود الجسد مسكنًا مريحًا للروح، بل سؤالًا مفتوحًا بلا سقف. تشعر أن لك جسدًا لا أنك جسد، وأن هذا الجسد الذي دافعت عنه طويلًا بوصفه (أنا ) يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى شيء غريب، إلى عبء، إلى أرضٍ لا تُطيع قوانينها السابقة. المرض لا يسرق القوّة فقط، بل يسرق البداهة؛ يجعل كل ما كان عاديًا موضع شك، حتى التنفّس يصبح فعلًا واعيًا، وحتى الزمن يتردّد قبل أن يمرّ...

في تلك اللحظات، تنهار الثقة الصامتة التي عقدناها مع العالم. الأسباب التي طالما آمنتَ بها لا تختفي، لكنها تفقد صوتها. الدواء موجود، لكن يقينه يتآكل. النصائح حاضرة، لكنها لا تُقنع. كأن الوجود يهمس لك بأن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست آلية كما لقّنوك، وأن العالم لا يعمل دائمًا بمنطق الحساب، بل أحيانًا بمنطق الإذن. هنا فقط تفهم معنى أن تُؤخذ الأسباب بوصفها طاعة، لا ضمانة، وسلوكًا أخلاقيًا لا عقدًا مع النتائج.

في تلك المساحة الرمادية بين الوعي وغيابه، يتعرّى الإنسان من سردياته الكبرى. لا يعود المثقف مثقفًا، ولا القوي قويًا. يعود كائنًا هشًّا، معلقًا بين احتمالين، لا يفصل بينهما سوى نفَس. الإغماء ليس موتًا مصغّرًا كما نحب أن نعتقد، بل تعليق للحياة، تعليق للحكم، كأن الوجود يقول لك: انتظر، لم يُحسم الأمر بعد.......

المرض يُعلّمك قسوة الوحدة الداخلية. أنت محاط بالناس، لكنك وحدك في الجسد. لا أحد يشعر بالألم كما تشعر به، ولا أحد يمكنه أن يحمل عنك تلك اللحظة التي يضيق فيها الوعي، وتتشابك الصور، وتفقد الأفكار ترتيبها. هناك، بين يقظة ناقصة وغياب مؤقّت، تتساقط الأفكار كحبات عقد انفرط خيطه: لا فكرة تكتمل، ولا صورة تستقر. ليس هذا جنونًا، بل اقتراب خطير من الحقيقة: العقل نفسه هشّ، والوعي ليس صخرة بل موجة....

وحين يُحمل المرء في ضعفه، لا في قوته، يكتشف مفارقة موجعة: الأمان لا يُولد من السيطرة، بل من الاعتماد. أن يحيطك الآخرون، أن تُدار هشاشتك بأيدٍ متعبة لكنها صادقة، تلك ليست لحظة عاطفية، بل كشف أخلاقي. هنا فقط نفهم أن الإنسان لا يُقاس باستقلاله، بل بقدرته على القبول.......

الزوجة، في صمتها العامل، لم تكن تؤدي دورًا، بل كانت الواجب وهو يتحرّك. بعض القيم لا تُكتب في الدساتير، بل تُمارَس في غرف الانتظار، حين يتعب الجميع ولا ينسحب أحد. في العيادة، تحوّل الجسد إلى أرقام، لكن خلف الأرقام ظلّ سؤال بلا إجابة: هل الطب يعالج الجسد أم يؤجّل السقوط فقط؟ وهل الرحمة نتيجة، أم شرط سابق لكل نتيجة؟

المرض، في أعمق مستوياته، ليس ألمًا بل تفكيكًا. تفكيك صورة الإنسان عن نفسه، عن قدرته، عن استحقاقه. هناك تنهار الأوهام الصغيرة: وهم الاستحقاق، وهم التحكّم، ووهم العلاقة الآلية بين السبب والنتيجة. نفهم متأخرين أن الأخذ بالأسباب واجب أخلاقي، لا عقد ضمان؛ وأن الشفاء لا يأتي لأنه يجب، بل لأنه سُمح له أن يأتي.......

خرجت من التجربة لا مُتعافيًا تمامًا، بل أقلّ ادعاءً. تعلّمت أن الحياة لا تستمر لأننا نفهمها، بل لأن الرحمة لم تغلق بابها بعد. وأن المرض، مهما بدا قاسيًا، ليس دائمًا عدوًا؛ أحيانًا هو المعلّم الأكثر فظاظة، الذي لا يجامل، لكنه يقول الحقيقة كاملة.....

من لا يحتمل رؤية هشاشته، لن يحتمل الحقيقة ومن لم يمرض وجوديًا، لن يفهم لماذا نكتب حين ينهار الجسد.

***

بقلم رابح بلحمدي / الجزائر

في المثقف اليوم