أقلام حرة

فارس حامد: محاكمة الشهيد عمر المختار

(صورة من صور شجاعة المحامي وعدالته ونزاهته)

حينما تتكلم العدالة، بغض النظر عن القومية والدين وعن الميول والاتجاهات وبعيداً عن المصالح الذاتية، نكون ازاء موقف إنساني عميق الدلالة.

التفاصيل:

شهدت مدينة بنغازي الليبية بتاريخ ۱۹۳۳/۹/۱٥ محاكمة تاريخية، حيث جاء الجنود الايطاليون بقائد الثورة الليبية الشيخ المجاهد عمر المختار بعد أسره، إلى قاعة الجلسة مكبلاً بالحديد وحوله الحرس من كل جانب (بعد رفضه التعاون مع الحاكم العسكري الايطالي الجنرال <غرازيانى> حاكم ليبيا بإقناع الثوار  بتسليم أسلحتهم مقابل رقبته..)،

كما أتي بأحد المترجمين الرسميين وإسمه نصرت هرمس وهو عراقي الأصل.

فلما افتتحت الجلسة وبدأ إستجواب الشيخ عمر المختار، بلغ التأثر بالمترجم العراقي، حداً جعله لا يستطيع إخفاء تأثره وهو يرى المجاهد عمر المختار مكبلاً بالحديد ويحيط به حرس المحتل، وظهر عليه الارتباك والتوتر، فأمر رئيس المحكمة باستبعاده وإحضار مترجم آخر فوقع الاختيار على أحد المترجمين اليهود، ويدعى لومبروزو، من بين الحاضرين في الجلسة.

وبعد استجواب الشيخ عمر المختار ومناقشته، وقف المدعي العام بيدندو، فطلب الحكم عليه بالإعدام.

ثم وجه القاضي السؤال إلى المحامي المنتدب للدفاع عن عمر المختار وكان ضابطاً إيطالياً يدعى النقيب لونتانو، إذا كان ما لديه ما يعلق به على كلام المدعي العام والتهم الموجهة إلى موكله، وكان في اعتقاد القاضي ان المحامي سيؤيد كلام المدعي العام، ولكن المحامي خيب ظنه ودافع عنه كمحام نزيه وشجاع دفاعاً حقيقياً، هذا نصه :

وقف النقيب المحامي لونتانو وقال سيدي القاضي ان هذا المتهم الذي انتدبت للدفاع عنه، وكنت متردداً في أول الأمر ولكن ضميري حدثني بأنها إنسانية مني لا بد من قبول الدفاع وها انا أقف أمامكم.

وواصل المحامي لونتانى دفاعه قائلاً: كجندي إذا وقعت عيناي على عمر المختار في ميدان القتال، لا أتردد البتة في إطلاق الرصاص عليه وقتله، وافعل ذلك كإيطالي لأنه عدوي وعدو دولتي، غير إن الذي أريد قوله إن هذا الرجل عمر المختار يدافع عن حقيقة كلنا نعرفها، وهي الوطن وكم ضحينا نحن في سبيل الوطن وتحريره. ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلب حكماً، هو في نظري أشد هولاً من الإعدام نفسه وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظراً لكبر سنه وشيخوخته.

– تدخل المدعي العام، وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعه من إتمام مرافعته مستنداً في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع، وليس من حقه أن يتكلم عن كبر سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة.

أمر القاضي المحامي بأن لا يخرج عن الموضوع ويتكلم بإيجاز.

تكلم المحامي بحدة وقال:

ها هنا محل الشرح الكافي إذا كنا رجال العدالة الحقيقية، أما إذا كان غير ذلك فيجب ان نترك الموضوع واحكموا بمفردكم ولا لزوم لهذه المحكمة وجلستها،

وواصل قائلاً: إن عمر المختار الذي هو أمامكم وليد هذه الأرض قبل وجودكم فيها ويعتبر كل من احتلها عنوة عدو له ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته له الطبيعة والإنسانية …..

وهنا كثر الصياح من الحاضرين بإخراج المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام.

إلا إن المحامي النقيب لونتانو استمر قائلاً: العدالة الحقة لا تخضع لأي سلطان ولا لأية غوغاء وإنما يجب أن تنبع من ضميرنا وإنسانيتنا ….

وهنا قامت الفوضى خارج المحكمة، وقام المدعي العام محتجاً على المحامي.

استمر المحامي في دفاعه غير مبال بكل هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائلاً: إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتدبت من سوء حظي أن أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السبعين سنة وإني أطلب من عدالة المحكمة أن تكون رحيمة في تخفيف العقوبة عنه لأنه صاحب حق ولا يضر العدالة إذا أنصفته بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لأنه لا يرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل ما يحدث في هذا العالم المضطرب …..

وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه.

ولكن المحامي استمر في دفاعه قائلاً: سيدي القاضي حضرات المستشارين لقد حذرت المحكمة من مغبة العالم الإنساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إلا طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صاحب الحق من الذود عن أرضه ودينه وشكراً.

وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قاطعه القاضي برفع الجلسة للمداولة وبعد مضي فترة قصيرة من الانتظار دخل القاضي والمستشاران والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر لتلاوة الحكم القاضي

بإعدام عمر المختار شنقاً حتى الموت.

وعندما ترجم المترجم اليهودي الحكم إلى عمر المختار قهقه بكل شجاعة قائلاً: الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف – إنا لله وإنا إليه راجعون.

أما المحكمة، فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب، من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

......................

* مقتطف من مؤلفنا (المبائ العامة في اصول المحاماة) 2014

في المثقف اليوم