أقلام حرة
جمال العتابي: حارس النبض.. حوار مع بطارية القلب
منذ أكثر من عام، استيقظَ في صدري ساكنٌ جديد. ليس قلباً آخر، ولا روحاً إضافية، بل حارسٌ صغير للنبض. قال الطبيب حيدر نزار الأعرجي يومها بلهجةٍ هادئة، كما لو كان يصف قطعةً من أثاث منزل:
عمو: لديك مشكلة في كهربائية القلب، أوضّح أكثر، يقول حيدر : يعني عدم انتظام ضرباته، يقتضي الحال زرع بطارية صغيرة تساعد القلب على تنظيم وضبط ايقاعه. كان الأمر بالنسبة له إجراءً طبياً روتينياً، بعد سلسلة مراجعات وفحوصات، استمرت لعدّة أسابيع. لكنني أدركت منذ تلك اللحظة، أن حياتي ستدخل تجربةً غريبة. أن يصبح في صدري جهاز صغير، يسهر في العتمة، كي لا يتعثر القلب في طريقه.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أفكر بالبطارية، بوصفها قطعة معدنٍ بارد. صرتُ أتخيلها
كائناً يقيم بين أضلعي، حارساً صامتاً يراقب النبض، كما يراقب حارس الفنار حركة البحر في الليل. اعتدت أن أراجع الطبيب في كل ثلاثة أشهر، كي يطمئن على ما فعلت يداه.
في إحدى الليالي، كان السكون يملأ البيت، يكاد المرء يسمع همس الدم في العروق .
وضعت يدي على صدري وخاطبت تلك التي يسمونها في المصطلح الطبي pacemaker heart:
ـ أيتها الصغيرة المختبئة في أضلاعي.. هل تسمعينني؟ لم يصلني صوت، لكنني شعرت بانتظامٍ دقيق في النبض. كأنها قالت: أنا لا أسمع…أنا أوقّت الحياة فقط.
قلت:
لكن قلبي كان يعرف الطريق وحده، كان يخفق حين يرى وجهاً يحبه، ويرتبك حين تقترب الذكريات، ويبطئ حين يجلس إلى حافّة الحزن. كان قلباً حراً مثل طائرٍ بري
يحلّق بلا أسلاك. هل ما يزال قلبي نفسه، العضلة التي ولدت بها؟ أم أنه أصبح ساعةً كهربائية تديرها إشارات خفية؟
ساد صمتٌ قصير. ثم جاء النبض أكثر هدوءاً، وأدقّ انتظاماً. كأن البطارية
ابتسمت في الظلام، فأجابت:
ـ لا تقلق يا صديقي. أنا لا أصنع الحب، ولا أعرف الشوق. أنا لا أكتب القصائد، لكنني أترك القلب حياً كي يكتبها. لا أفهم لماذا ترتجف القلوب حين يمر اسمٌ قديم في الذاكرة. أنا مجرد شرارة صغيرة كي لا ينطفئ المصباح.
قلت لها متأملاً:
ـ لكن حياتي الآن معلقة بكِ. نبضي بيدك، وخطوتي محسوبة بإيقاعك. أمشي، وأكتب، وأفكر، وأحلم بإيعازٍ خفي منك. أليس في هذا شيء من المفارقة؟ أن يصبح القلب الذي يمنح الإنسان الحياة، مرتبطاً بأسلاكٍ وبرامج؟
أجابت البطارية بهدوء الحكيم:
ـ أنت تنظر إلى الأمر من زاوية واحدة. أنا لا أقيّد القلب. إنما أحرسه فقط.. لا أقرر متى يحب، ولا متى يحزن، ولا متى يشتعل بالحنين. أنا أمدّ الزمن قليلاً كي يستطيع قلبك أن يفعل كل ذلك.
تأملت ما قالت طويلاً: ما أغرب هذا الزمن. الإنسان الذي يخشى الآلة، ليس بمقدوره الآن أن يفلت من سطوتها. قطعة إلكترونية صغيرة تقف بين الإنسان والموت مثل جندي صامت على بوابة الحياة.
قلت:
ـ وماذا عن الحب؟ هل بمقدور القلب الذي صار نبضه مبرمجاً، أن يحبّ كما كان يهفو للجمال؟
ـ الحب لا يسكن النبض وحده. أجابت: الحب يسكن الذاكرة. ويسكن الروح. مهمتي ضبط الإيقاع، لا تذهب بعيداً! أنا لا أخلق العاطفة. إنما أحرس الطريق، الذي يمشي فيه القلب.
قلت: إذن أنتِ لا تغيّرين شيئاً في الإنسان؟
ـ لا أغيّر الإنسان. نعم، عليك أن تدرك ذلك، ثم تابعت القول: أمنحه وقتاً إضافياً، كي يواصل إنسانيته.
سكتُّ طويلاً..
تذكرت الوجوه التي أحببتها، والأصدقاء الذين مرّوا في حياتي، المدن التي عبرتها، والكتب التي أصدرتها، الكلمات التي لم أكتبها بعد. كل ذلك كان يسكن هذا القلب.
هناك في الداخل تقيم حارسة صغيرة من معدنٍ وأسلاك.. القلب ما زال يعرف طريقه القديم. ما زال يرتجف حين يمر طيف حب. القلب وحده يعرف لماذا يخفق.
إذن نحن شريكان؟ أيتها الصغيرة المختبئة في صدري. هل تسمعينني؟ قلت لها.
ـ نعم. أجابت البطارية: أنا أضبط النبض، وأنت تملأ الحياة بالمعنى. أمدّ الزمن قليلاً، ولا أمدّه عبثاً، كي ترى الأشياء بوضوح أكبر:
لا تعد إلى أحلام الماضي وأوهامه البعيدة، لا تغرق في خيباتك القديمة، لا تفتش عن الرّماد في شرارة انطفأت منذ زمن. لا تكتب عن آمالك في مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. اكتفِ بهذا القدر! فالعالم اليوم تقوده قوى رأسمالية متوحشة.
ـ لولاكِ يا حارسة القلب، ما امتد هذا الليل كي أصغي إلى نبضي، ابقي ملاصقة له، احرسي خطاه كي يستمر.
***
جمال العتّابي







