أقلام حرة
جورج منصور: حين يوحّد الهدف ما تفرّقه السياسة
عندما يركض لاعبو المنتخب العراقي فوق المستطيل الأخضر، لا يركضون وحدهم؛ يركض معهم وطنٌ بأكمله. في تلك اللحظات، تتلاشى الحدود غير المرئية التي رسمتها السياسة، وتسقط الحواجز التي تراكمت عبر سنوات من الخلافات. هدفٌ واحد كفيل بأن يُسمِع صدى الفرح من البصرة إلى الموصل، ومن أربيل إلى بغداد، فتختلط الهتافات وتتوحد القلوب، وكأن العراق يستعيد ذاته التي يعرفها أبناؤه في أعماقهم.
حين يتأهل المنتخب، لا يسأل أحد عن دين الآخر، ولا عن طائفته أو قوميته. الشارع العراقي يتحول إلى لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تُعبّر عن وحدة حقيقية لا تحتاج إلى شعارات. الأعلام تُرفع في كل مكان، والأهازيج تنطلق بلهجات متعددة لكنها تحمل معنى واحداً: نحن هنا، معاً. في تلك اللحظة، يصبح الانتماء الأول هو للعراق، لا لغيره.
لكن، وعلى النقيض من هذا المشهد النقي، تقف الأحزاب السياسية في زاوية أخرى من الواقع. فبدل أن تستثمر هذه اللحظات الجامعة لتعزيز الوحدة الوطنية، تستمر في خطابها الذي يغذي الانقسام، ويعمّق الفجوات بين أبناء الشعب الواحد. تتعدد الأسماء والبرامج، لكن النتيجة واحدة: شروخ في النسيج الاجتماعي، وانقسامات تُضعف ما تبقى من الروابط المشتركة.
المفارقة مؤلمة؛ ففريق كرة قدم، بإمكانات محدودة، يستطيع أن يحقق ما عجزت عنه قوى سياسية تملك السلطة والموارد. لاعبون شباب يوحدون الملايين بعرقهم وإصرارهم، بينما تعجز النخب السياسية عن إنتاج خطاب جامع يُعيد الثقة بين الناس.
إن ما يقدمه المنتخب العراقي ليس مجرد انتصار رياضي، بل درسٌ بليغ في معنى الوطنية. هو تذكير بأن الوحدة ليست حلماً مستحيلاً، بل واقعاً يمكن أن يتحقق حين تتوفر الإرادة الصادقة. وإذا كان هدفٌ في مباراة قادراً على جمع العراقيين، فكم من الممكن أن يتحقق لو أن العمل السياسي اتجه نحو بناء الجسور بدل تعميق الهوة؟
يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا يستطيع الرياضيون أن يوحدوا ما تفرقه السياسة؟ وربما الإجابة تكمن في النية؛ فهناك من يلعب من أجل الوطن، وهناك من يتاجر به.
***
جورج منصور







