عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جميل شيخو: كيف يشارك الصالحون في صناعة الفساد والفاسدين

يقول أحد الأدباء (الذئب مجموعة من الخراف). وتفيد (مفارقة كومة الرمل) أنه يتعذر تحديد الحد الفاصل بين ما هو كومة وما ليس كومة، لأن الحالات تختلط في الأشياء المتدرجة من الحالة إلى ضدها. وهذه الحقيقة تكون حاضرة في الحالات الواقعية والحياتية مثل (الصلاح والفساد) الذي هو موضوعنا، وفي غيرها؛ حيث الواقع كائن خالط يخلط المختلفات والأضداد والمتناقضات ببعضها.

في الواقع السياسي والاجتماعي المعقد، يسود انطباع عام ساذج، أن الفساد العام هو جريمة فئة محددة منبوذة من "الفاسدين"؛ وأنهم عادةً وكما يتوهم المتوهم، نخب سياسية، ومسؤولون حكوميون، ورجال أعمال متنفذون، فقط، يستولون على المال العام أو الخاص بطرق غير مشروعة.

وهذا التوصيف يغفل حقيقة عميقة وخطيرة، وهي أن نشوء الفساد واستمراره واستفحاله، لا يعتمد فقط على الفاسدين، بل يعتمد بشكل كبير على دور الصالحين أو غير الفاسدين.

إن مشاركة المواطنين العاديين، والموظفين، ومنتسبي المؤسسات والنخب المثقفة، وحتى المعارضين السلبيين، في صناعة بيئة فاسدة أو حاضنة للفساد، قد تكون أكبر وأسوأ من فعل الفاسد المفسد نفسه. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال مثلا، بل هو انهيار للنظام القيمي والوظيفي للدولة، وهذا الانهيار نتيجة شراكة واسعة من عناصر المجتمع بأكمله، سواء جهلا أو عمدا، وبحسن نية أو سوء نية، وبشكل مباشر أو غير مباشر.

ولفهم عمق هذه المشاركة، يجب أولاً تفكيك مفهوم "الصالح أو غير الفاسد". في السياق الواقعي، حيث يُعرّف غير الفاسد غالباً بأنه الشخص الذي لم يسرق مالاً عاماً بشكل مباشر، أو لم يتلقَ رشوة. أو لم يرتكب أمثال هذه الأفعال. لكن هذا التعريف خاطئ ومخادع. حيث يؤكد الواقع أن الفساد، وخاصة الفساد العام المؤثر، ليس جريمة فردية محدودة، بل هو نظام حياتي ومعاشيً وثقافة سائدة. وفي هذا النظام، يصير عدم الفساد استثناءً مكلفاً ومرهقا ومؤذيا، يحرم الإنسان من أبسط حقوقه، بينما يصير الرضى بالفساد ضرورة معاشية وحياتية.

عندما يقبل الموظف البسيط بإنجاز معاملة مواطن مقابل رشوة صغيرة لتغطية نقص في راتبه، مثلا، أو عندما يغش التاجر في البضاعة، فهو لا يرى نفسه فاسداً، بل يرى نفسه ضحية واقع ظالم يضطره لهذا التصرف المقبول اجتماعياً. لكنه في الحقيقة يشارك في صناعة وترسيخ فساد عام. هذا التطبيع اليومي للفساد الصغير يجعل الفسادات الصغيرة تتراكم وتصنع الفساد الكبير العام الشامل. فالسلطوي الذي يسرق ملايين الدولارات مثلا، يجد غطاءً أخلاقياً واجتماعياً في مجتمع اعتاد أن السرقة الصغيرة مقبولة كـ "ذكاء" أو "حل مشكلة" أو سبيل معيشة.

ورغم أن الأصل أن النخب المثقفة، والإعلاميين، والأكاديميين، ورجال الدين، ومن يُفترض أنهم ضمير الأمة، هم الأكثر خطورة في هذه المعادلة. ففي الواقع، نلاحظ ظاهرة غريبة تتمثل في التطبيع الإعلامي للفساد. بدلاً من كشف الآليات وتفكيك الشبكات، تتحول النشلطات الجماعية والنقاشات الإعلامية أحياناً إلى صراعات ومنافسات وسجالات فئوية أو حزبية سيئة. وهذا الانحياز يحول الفساد من قضية حياتية ووجودية، تهدد كيان الحياة والمجتمع، إلى أداة صراع سياسي أو اجتماعي. وعندما يشارك المثقف أو الإعلامي أو الناشط في أي مجال، في هذه اللعبة السيئة، فهو يرسل رسالة واضحة للرأي العام مفاده أن الفساد مسموح به طالما أنه يخدم هويتك أو حزبك. هذا الموقف يدمر المعيار الأخلاقي الجامع (الحق والخير والجمال)، ويستبدله بمعيار أناني وانتهازي سيء. والنتيجة هي فقدان الثقة في إمكانية الإصلاح، والخضوع للواقع السيء، وشيوع اليأس المخدَّر والسخرية السوداء اليائسة.

الفرد البسيط ضحية وشريك، وتلعب الحاجة المعاشية واليأس من عدالة السلطة دوراً فعالاً في جعل هذا الفرد شريكاً في الفساد الخاص والعام. عندما تتراجع خدمات الدولة (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم)، يلجأ المواطن إلى البدائل الخاصة أو إلى الوساطات. هنا، يتحول المواطن من مطالب بحقه إلى باحث عن طريقة أو "واسطة" لتجاوز تعقيدات الواقع والإجراءات والبيروقراطية الفاسدة أصلاً.

كل مرة يستخدم فيها المواطن طريقة خاطئة للحصول على وظيفة، أو إنجاز معاملة إدارية، أو علاج في مستشفى حكومي، فهو يشارك في صناعة الفساد ويرسخ الواقع الفاسد؛ ولسان حاله يقول: أنا لا أثق بالسلطة وإجراءاتها وبالكفاءة وجدوى الكفاءة، بل أثق بالعلاقات الشخصية والشطارة والنفاق والتملق للأقوياء.    

من منظور المشروع الإصلاحي الذي غايته الأساسية المفترضة هي إقامة دولة عادلة، فإن مشاركة غير الفاسدين في الفساد يؤدي إلى تدمير الأسس الوجودية للدولة (المفترضة) والمجتمع. وعندما يشارك غير الفاسدين في الفساد، عن طريق السكوت أو التطبيع أو النفاق أو التملق أو العلاقات المشبوهة أو السلوكات الخاطئة، من أجل الحصول على مكاسب أو حقوق، فإنهم يحولون الدولة أو المجتمع من ميدان تعاون على الحق والخير والجمال، وتنافس شريف على أساس الكفاءة، إلى ميدانِ تَغالبٍ وتَناهشٍ وصراع وحشي وخبيث ومتخلف على مكاسب معاشية رخيصة أو وهمية.

وهكذا يضيع الحق كمعيار أعلى، ويضيع الخير في الفعل العام. ويتحول المجتمع إلى مجموعة من الكائنات الفاشلة البائسة المنعزلة، التي تتصارع وتتناهش من أجل البقاء، بدلاً من كونه جسداً واحداً يعمل لتحقيق غاية كبرى مشتركة خيرة وشريفة.

لذلك ينبغي على (الإنسان الصالح)! الذي ينتقد الفساد السياسي والإجتماعي وغيره، أن يراجع نفسه ويستنكر مشاركته في صناعة هذا الفساد العام، ويعرف أن مشاركته في صناعة الفساد ربما يكون أكبر أو أسوأ من فساد الفاسدين.

إن اعتبار مشاركة الصالحين أو غير الفاسدين أسوأ وأخبث من مشاركة الفاسدين في صنع وترسيخ الفساد العام الشامل، لا يعني تبرئة الفاسدين الكبار أو تهوين شرهم وجرمهم؛ بل يعني الإشارة إلى أن الفساد ربما يكون نظاما واقعيا واجتماعيا متكاملا، الفاسد الكبير هو الرأس، وغير الفاسدين هم الجسد الذي يحمل هذا الرأس ويسمح له بالتحرك. ويصنع له التقبل والرضى والدوام؛ والقبول الواقعي والإحترام الإجتماعي؛ وأن المشاركة اليومية في مظاهر وآليات الفساد الصغير؛ والسكوت والتملص من المسؤولية، كلها مظاهر سيئة وخبيثة تجعل الفساد يترسخ ويدوم، ويصير حتى محترما ومحميا. والفاسد الذي يمتلك سلطة ونفوذا وتأثيرا، يكون (مفسدا) وليس فاسدا فقط، ومن الخطأ تسميته فاسدا، والمفسد أسوأ وأكثر ضررا من الفاسد.

***

جميل شيخو

10 / 4 / 2026