أقلام حرة
جورج منصور: أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً حاسماً في أوقات الحرب والأزمات، إذ تتحول هذه المنظمات من كيانات تعني بالتنمية المستدامة إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة حين تضعف أو تتراجع أو تنهار. وفي خضم الفوضى والاضطراب، تغدو هذه المنظمات أحد أهم أدوات حماية المجتمع وتعزيز صموده.
في المقام الأول، تضطلع منظمات المجتمع المدني بدور الإغاثة الإنسانية العاجلة، حيث تعمل على توفير الغذاء والماء والمأوى للنازحين والمتضررين، وتسهم في تقديم الخدمات الصحية الأساسية، لا سيما في المناطق التي تعرضت بنيتها التحتية للتدمير. وغالباً ما تمتاز هذه المنظمات بمرونة عالية وسرعة في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مقارنة بالمؤسسات الحكومية، بفضل عملها الميداني وشبكاتها المحلية.
إلى جانب ذلك، تؤدي هذه المنظمات دوراً محورياً في حماية الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. فهي تقدم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعمل على الحد من الانتهاكات التي قد يتعرض لها هؤلاء في ظل النزاعات، كالعنف والاستغلال والتشرد. كما تسعى إلى توثيق هذه الانتهاكات ورفعها إلى الجهات المعنية، بما يعزز فرص المساءلة ويكرّس مبادئ العدالة.
ومن المهام الجوهرية أيضاً تعزيز التماسك الاجتماعي ومنع تفكك النسيج المجتمعي. ففي أوقات الحروب، تتفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية، وهنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني في بناء جسور الحوار، ونشر ثقافة التسامح، والعمل على المصالحة المجتمعية. وكثيراً ما تؤدي دور الوسيط بين الأطراف المختلفة، محاولةً تخفيف حدة التوتر وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع.
كما تسهم هذه المنظمات في نشر الوعي وتوفير المعلومات الدقيقة، خصوصاً في ظل تصاعد الشائعات والحرب الإعلامية. فهي تعمل على توعية المواطنين بحقوقهم وسبل حمايتهم، وتقدم إرشادات تتعلق بالسلامة العامة، وتدعم الوصول إلى مصادر موثوقة للمعلومات، مما يسهم في الحد من الذعر وتقليص الفوضى.
ولا يقتصر دورها على الاستجابة الفورية، بل يمتد إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. حيث تشارك في إعادة تأهيل المجتمعات، ودعم سبل العيش، وتمكين الأفراد اقتصادياً واجتماعياً. كما تسهم في تدريب الكوادر المحلية وبناء القدرات، لضمان استدامة التعافي وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ورغم هذه الأدوار الحيوية، تواجه منظمات المجتمع المدني تحديات كبيرة، منها نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين فيها. كما قد تتعرض لضغوط سياسية وقيود قانونية تحدّ من قدرتها على العمل بحرية وفعالية.
في الختام، يمكن القول إن منظمات المجتمع المدني تمثل ركيزة أساسية في إدارة الأزمات والحروب، فهي ليست مجرد جهة مساندة، بل شريك فعلي في حماية الإنسان والحفاظ على كرامته. وكلما تم دعم هذه المنظمات وتعزيز استقلاليتها، زادت قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي، حتى في أحلك الظروف.
في السياق العراقي، برزت منظمات المجتمع المدني بوصفها فاعلاً أساسياً في التعامل مع الأزمات المتلاحقة، حيث لعبت دوراً حيوياً ومتعدد الأوجه في سدّ الفجوات الإنسانية والقانونية والاجتماعية التي تعجز الدولة أحياناً عن معالجتها بمفردها.
لقد عانى العراق من عقود طويلة من الصراعات، ما خلق بيئة معقدة تعمل ضمنها هذه المنظمات لتعزيز الاستقرار ودعم المتضررين. وقدّمت العديد من هذه المنظمات مساعدات إنسانية وإغاثية مباشرة، شملت الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، خاصة للنازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة.
أين غابت منظمات المجتمع المدني عن أزمات العراق والمنطقة؟
ليس السؤال اليوم عن أهمية منظمات المجتمع المدني، فهذه مسألة حُسمت نظرياً منذ عقود، بل السؤال الأكثر إلحاحًا: أين هي هذه المنظمات الآن، في لحظة تبدو فيها المنطقة، والعراق تحديداً، وكأنها تعيش حالة استنزاف دائم للأزمات؟
في الأدبيات، تُقدَّم منظمات المجتمع المدني بوصفها الضمير الحي للمجتمع، والوسيط بين الدولة والمواطن، والقوة المرنة التي تتحرك حين تتصلب المؤسسات الرسمية أو تنكفئ. لكن الواقع، في كثير من الأحيان، يطرح صورة أكثر تعقيداً، بل وربما أكثر إرباكاً.
خلال الحروب والأزمات، يفترض أن تتحول هذه المنظمات إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه الدولة حين تضعف أو تعجز. وهذا ما حدث بالفعل في العراق خلال مراحل عديدة، حيث اندفعت منظمات محلية ودولية لتقديم الإغاثة، وإيواء النازحين، وتوفير الخدمات الأساسية في مناطق أنهكها العنف والتدمير. كانت تلك اللحظة بمثابة اختبار حقيقي لدور المجتمع المدني، وقد نجح، إلى حد بعيد، في اجتيازه.
لكن المشكلة لا تكمن في الماضي، بل في الحاضر.
اليوم، لم تنحسر المعارك الكبرى، ولم تختفِ الأزمات، بل تغيّرت أشكالها. لم يعد التهديد مقتصراً على العنف المسلح، بل تمدد ليشمل هشاشة الدولة، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع، واستمرار الانقسامات العميقة. وهنا تحديداً، يصبح دور منظمات المجتمع المدني أكثر حساسية وتعقيداً، لكنه في الوقت ذاته يبدو أقل حضوراً وتأثيراً مما ينبغي.
جزء من هذا الغياب يمكن تفسيره بطبيعة التحول في أولويات العمل الدولي. فمع تراجع الاهتمام العالمي بالعراق مقارنة بسنوات الحرب ضد تنظيم داعش، انخفضت مستويات التمويل، وتقلصت البرامج الإنسانية، مما انعكس مباشرة على قدرة المنظمات المحلية على الاستمرار. فالكثير من هذه المنظمات، للأسف، لم تُبنَ على أسس مستدامة، بل نشأت في ظل اقتصاد المساعدات، ما جعلها شديدة الارتباط بإيقاع التمويل الخارجي.
لكن التمويل ليس التفسير الوحيد.
ثمة أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والبيئة السياسية التي تعمل فيها. ففي كثير من الأحيان، تجد هذه المنظمات نفسها محاصرة بين ضغوط السلطة، وتعقيدات الواقع الأمني، وحساسيات المجتمع. العمل في قضايا مثل العدالة الانتقالية، أو حقوق النساء، أو مساءلة الانتهاكات، لا يزال محفوفًاً بالمخاطر، ليس فقط على مستوى السلامة الجسدية، بل أيضاً على مستوى الشرعية الاجتماعية.
في هذا السياق، تميل بعض المنظمات إلى الانكفاء نحو العمل الأقل حساسية، أو إلى تبني خطاب تقني محايد يبتعد عن جوهر المشكلات. وهنا تفقد جزءاً من دورها النقدي، وتتحول تدريجياً من فاعل مجتمعي إلى منفذ مشاريع.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن منظمات المجتمع المدني في العراق لا تزال تؤدي أدواراً مهمة، وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً. ففي مناطق مثل نينوى وكركوك وأربيل وديالى، تواصل مبادرات محلية العمل على إعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحرب. تُعقد جلسات حوار، وتُنشأ لجان مجتمعية، وتُبذل جهود صامتة لإعادة ترميم ما لا يمكن للإعمار المادي أن يصلحه.
كما تستمر بعض المنظمات في العمل على إزالة الألغام، وتقديم الدعم النفسي للناجين، وتوثيق الانتهاكات، وهي أعمال بطيئة، لكنها عميقة الأثر. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى مجزأة، وغالباً غير قادرة على إحداث تحول واسع دون إطار وطني جامع يدعمها.
المفارقة أن الحاجة إلى منظمات المجتمع المدني اليوم ربما أكبر من أي وقت مضى. فالأزمات لم تعد طارئة، بل بنيوية، تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي، ومستقبل التعايش بين مكونات المجتمع. وهذه قضايا لا يمكن للحكومات وحدها أن تعالجها، حتى لو توفرت الإرادة.
السؤال إذن ليس فقط: أين هي منظمات المجتمع المدني؟
بل أيضاً: أي دور نريده لها؟ وأي بيئة نوفّرها لتؤدي هذا الدور؟
إذا استمرت هذه المنظمات في العمل ضمن هامش ضيق، وبتمويل مشروط، وتحت ضغوط سياسية واجتماعية، فمن الصعب أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية. أما إذا أُعيد التفكير في دورها، وتم تمكينها، وإشراكها فعلياً في صياغة السياسات، فقد تصبح أحد المفاتيح الأساسية للخروج من دوامة الأزمات.
في النهاية، لا يمكن بناء سلام مستدام أو استقرار حقيقي دون مجتمع مدني حي وفاعل. فالدول لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها الرسمية، بل أيضاً بحيوية مجتمعاتها وقدرتها على التنظيم والمبادرة والمساءلة.
وفي العراق، كما في كثير من دول المنطقة، لا يزال هذا الرهان مفتوحاً.
***
جورج منصور







