عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد عقبي: من التاريخ إلى تيك توك

كيف يُخترع ماضي الحضارات العربية.. عامر عبد الرزاق نموذجًا

لم يعد التاريخ في الفضاء العربي المعاصر مجالًا معرفيًا يقوم على التوثيق والتحليل، لكنه للآسف تحوّل في كثير من الأحيان إلى مادة سريعة الاستهلاك، تُنتَج وتُسوَّق وفق منطق المنصات الرقمية. لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ ولكن: ما الأكثر إثارة وانتشارًا وجذبًا للمشاهدات؟ ومن هنا، ظهر نمط جديد يمكن تسميته بـ“مؤرخ تيك توك”، الذي يعيد تشكيل الماضي وفق سرديات حاسمة، مبسطة، وغالبًا بلا أي أساس علمي.

يقدّم عامر عبدالرزاق نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فهو لا ينشر أبحاثًا محكّمة، ولا يشتغل داخل مؤسسات أكاديمية، يعتمد على فيديوهات قصيرة في منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، يطرح فيها أطروحات صادمة من قبيل: أن الجزيرة العربية ليست سوى العراق، وأن النبي يوسف عاش في العراق لا في مصر، بل ويذهب إلى الحديث عن “آثار لمركبات فضائية” في بلاد الرافدين. هذه الطروحات، رغم غرابتها، تجد جمهورًا واسعًا، وهذا يلزمنا أن نتوقف عند بنيتها وليس عند مضمونها فقط.

الشيء البارز في هذا الخطاب هو تفكيك الجغرافيا وإعادة تركيبها اعتباطيًا. فمصطلح “الجزيرة العربية” ليس تعبيرًا حديثًا أو قابلًا لإعادة التعريف وفق مزاج فرد أو قوم، كونه مفهوم ترسخ منذ قرون طويلة في مصادر متعددة، من الكلاسيكية اليونانية إلى الجغرافيا الإسلامية. اختزاله داخل حدود العراق لا يُعد اجتهادًا، بل إلغاءً تامًا لتراكمات معرفية طويلة، واستبدالها برسم ذهني فردي لا يستند إلى أي دليل.

ثانيًا، يقوم الخطاب على نقل الأحداث الدينية من سياقاتها دون سند. فشخصية مثلا النبي يوسف مرتبطة في النصوص القرآنية والتوراتية بمصر، ضمن منظومة لغوية وتاريخية متماسكة. نقل هذا الحدث إلى العراق يتطلب أدلة نصية بديلة أو تقاليد تاريخية موازية، وهو ما لا يُقدَّم. بدلًا من ذلك، يتم القفز من فرضية إلى “حقيقة” دون المرور بأي مسار استدلالي.

ثالثًا، نواجه تفسيرًا خارقًا للظواهر، مثل الحديث عن مركبات فضائية. هذا النمط ليس جديدًا، بل يتقاطع مع ما روّج له زكريا سيتشين، حيث تُفسَّر الفجوات المعرفية بإدخال عنصر خارق يحل كل الإشكالات دفعة واحدة. هنا يتحول الجهل إلى يقين، والغموض إلى دليل.

المشكلة الأعمق ليست في خطأ هذه الأطروحات، لكن في غياب المنهج. البحث في تاريخ وادي الرافدين، على سبيل المثال، يقوم على قراءة الألواح المسمارية لكن عامر وغيره لا يمثلون  أي مسار علمي، تُطرح ٱفكارهم وفق موجة الهشتاج والترند .

يبقى السؤال: لماذا ينتشر هذا النوع من الخطاب؟ الجواب يرتبط بطبيعة المنصات الرقمية نفسها. تيك توك وإنستغرام لا تكافئ الدقة، هي تكافئ الإثارة. الفيديو الذي يقول “كل ما تعرفه عن التاريخ خطأ” يحقق انتشارًا أكبر من محاضرة علمية موثقة.

إن ما نشهده اليوم هو تحوّل التاريخ إلى محتوى ترفيهي قابل للتلاعب. لم يعد الماضي يُقرأ، بل يُعاد اختراعه. ولم يعد الباحث هو من يحدد السردية، بل الخوارزمية. ومن هنا، لفإن  عامر عبد الرزاق ليس حالة فردية، بل نموذجًا وعرضًا لخلل أوسع في بنية الثقافة الرقمية العربية.

ما نحتاجه أن نعيد احترام المناهج العلمية، نشر المعرفة المبسطة دون تفريط، ربط الجمهور بالمصادر وتفكيك هذه السرديات بهدوء ودقة

إن الخطر الحقيقي ليس في خطأ معلومة، مصيبتنا في انهيار معيار التمييز بين المعرفة والادعاء.

***

حميد عقبي

...........................

للاطلاع على مداخلة كاملة وتفاصيل أكثر فيديو إليكم الرابط

https://youtu.be/yHtS1oK3YWw?si=PVvgSIxa3AyeQvZO