أقلام حرة
عبد السلام فاروق: عصابات الأدب!
كانت الأمسية ثقيلة، كما هي كل الأمسيات عندما يجتمع الأدباء في صالون أحدهم. يتحدثون عن الرواية الجديدة، عن قصيدة النثر، عن التزام الأدب وقضايا الأمة. وفجأة، انكشف لي الخيط الرفيع الذي يربط بين أسمائهم جميعاً؛ هم أبناء عصابة أدبية واحدة.
دعوني أبدأ بالاعتراف، قد يكون صادما وضعه، كنت من الذين آمنوا بأن الأدب عالم شفاف. وأن الموهبة وحدها هي المفتاح الذهبي الذي يفتح للكاتب قلوب القراء وصدور الناشرين. كنت أتصور أن لجان التحكيم تجلس خلف طاولاتها لا يهمها إلا النص، لا يبالي أعضاؤها إلا بالجمال والحقيقة. لكن الزمن، أيها السادة، كاشف عظيم ومقلب كبير. فقد علمتني السنون أن خلف الأضواء تتحرك أيادي، لا تراها العيون، وأن هناك من يديرون الخريطة الثقافية من خلف الستار، كالعرائس التي يحركون خيوطها خفية!
شبكة العنكبوت
تأملوا معي هذه الصورة؛ دار نشر كبرى في القاهرة أو بيروت، وصحيفة يومية لها وزنها، وجائزة أدبية مرموقة، وبرنامج ثقافي على شاشة التلفزيون الرسمي. تبدو هذه المؤسسات مستقلة؛ أليس كذلك؟! لكن المفاجأة أن كل هذه المؤسسات تخضع لتوجيهات غير مكتوبة، وأسوء من ذلك، إنها مترابطة بعلاقات مريبة من المصالح والزمالات القديمة والولاءات الشخصية.
فإذا جاء شاب بشخصية جديدة، برؤية مختلفة، وأرسل مخطوطته إلى تلك الدار، فسيردون عليه بعد شهور بأنه غير ناضج. وإذا حاول النشر في صحيفة، فسيجد أن الصفحات الثقافية لا تفتح إلا لأسماء معروفة ومباركة. وإذا رشح نفسه لجائزة، فسيتفاجأ بأن القائمة القصيرة لا تضم إلا الوجوه نفسها التي يراها دائما على الأغلفة في معارض الكتاب.
والأدهى من ذلك، أيها الأصدقاء، أن هذه العصابات تمتلك آلة نقدية كاملة الصنع. آلة نقد الموضوعية، آلة الإنصاف، ثم آلة البحث عن الجمال الخالص. فإذا أرادوا أن يمجدوا أحد أبنائهم، كتبوا عنه مقالات مطولة تنهال عليه بالمدائح. ويصفونه بأنه عبقري زمانه! وإذا أرادوا أن يمحوا صوتاً خارجاً عن طوقهم، صمتوا عنه تماما. والصمت أسوأ ألف مرة من الهجوم. لأن الهجوم يعني أنهم يعترفون بوجودك. أما الصمت، فيعني أنك لا وجود لك أصلاً في الخريطة الأدبية.
وهنا أتوقف عند لحظة خطيرة؛ شاب يكتب قصته الأولى. يضع فيها روحه، يبكي عليها سويعات الليل، يظن أنه سيغير الأدب العربي. ثم يجد أمامه هذا الجدار الصلب. "أنا حقيقي" يصرخ في نفسه، "أنا مبدع". لكن لا أحد يسمعه. ولأنه يريد أن يقرأ، يضطر أن يتنازل. يضطر أن يرقص على أنغام العرابين. يكتب ما يطلبون لا ما يريد. وهنا، في هذه اللحظة بالذات، تقتل موهبة جديدة، ويخلق كاتب مستنسخ يكرر ما قيل من قبل بأسلوب هزيل ميت!.
جذور قبلية
اسمحوا لي أن أتجرأ أكثر.. هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا الجيل. إنها امتداد لبنى اجتماعية عميقة فينا. ترسخت عبر الحقب والقرون نحن مجتمع الأب الأكبر، مجتمع الشيخ الذي لا يسأل، مجتمع العائلة والمدرسة والقبيلة. كان الرجل في الماضي يفتخر بانتمائه إلى قبيلة عريقة، واليوم يفتخر بانتمائه إلى تيار أدبي أو مدرسة حداثية!.
لكن الفرق عظيم، فقد كانت القبيلة القديمة تعرف بمعاركها العلنية، وبسيوفها المصمتة التي تري بالعين المجردة. أما عصابات الأدب اليوم، فإنها تعمل بابتسامة عريضة وأريحية مزيفة، تحت شعارات رنانة عن الحرية والتنوير والنقد البناء. وهذه، بصراحة، هي أسوأ أنواع القبيلة؛ تلك التي ترتدي ثوباً مثقفاً وتتحدث بلسان المدنية، وقلبها بدائي لم يخرج من الغابة بعد.
ألم الضمير
وإني لأتساءل بصدق، ألا يعاني العرابون أنفسهم من هذا الوضع؟ ألا يشعرون بالفجوة بين ما يكتبونه بحبر أسود عن النزاهة وبين ما يفعلونه خلف الأبواب المغلقة؟
أظن أنهم يعانون. فالكاتب الحقيقي، حتى لو صار عراباً، يعرف في قرارة نفسه أن الأدب أكبر من هذه المناورات الصغيرة التافهة، وأكبر من هذه المصالح الدنيئة لكنه وقع يوماً في شرك المصالح، ووجد نفسه مضطراً للاستمرار، وإلا لأنهار كل ما بناه من أوهام. هي مثل دوامة المخدرات، تبدأ بتجربة صغيرة فضولية، ثم تصبح إدماناً لا يحتمل. إدمان السلطة، إدمان التحكم في مصائر الآخرين، إدمان الشعور بأنك أنت من يصنع الثقافة العربية ويمحوها بإشارة من يدك !.
كيف نتحرر؟
دعوني الآن أطرح سؤالاً ثقيلاً علي القلب هل هناك خلاص من هذه المتاهة المظلمة؟
الجواب، بكل صدق، لا أعرفه يقيناً. لكني أظن أن الطريق يبدأ من احتجاج فردي واع. أن يقرر كاتب ما أنه لن يدخل هذه اللعبة القذرة أبدا، حتى لو تأخرت شهرته عشر سنوات أو مات ولم يعرفه أحد. أن يقرر ناقد صادق أنه سينتقد الأدب لا الأشخاص. وأن يقرر قارئ عادي، يشتري كتاباً من مكتبة صغيرة، أنه سيبحث عن الموهبة الحقيقية بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
وهنا دور عظيم للمكتبات المستقلة، وللمواقع الإلكترونية النزيهة، وللمبادرات الصغيرة التي لا تخضع لأحد ولا تتبع أحدا. إن كانت العصابة قد سيطرت على المؤسسات الكبرى والأبواب العريضة، فما زالت هناك فجوات واسعة في الجدران. وما زالت هناك قلوب صادقة تعشق الأدب أكثر مما تعشق السلطة والكراسي الوثيرة.
في النهاية، أيها القراء، أنا أكتب كمن يئس من الإصلاح، لكنه لم ييأس من الكتابة نفسها. فالقارئ الحر، عبر التاريخ، كان دائماً يكتشف الجواهر الأصلية. كان دائماً يميز بين الذهب والألماس الشفاف وبين بقايا الصخور والزجاج المكسور التي تزين واجهات المكتبات الكبري.
الزمن، أيها السادة، وهذا الحكم النزيه الذي لا يرتشي ولا يخضع لأحد، الزمن وحده يطحن العصابات ويطوي صفحاتها، ويبقي فقط على الأدباء المبدعين الصادقين ولو جاءوا متأخرين أو ماتوا جائعين.
أما أنا، فقد اخترت غرفتي الصغيرة وقلمي المتواضع. سأكتب ما أشعر به، لا ما يريده هؤلاء العرابون. سأخطئ وأصيب، ولكن سأبقى حراً.
فليحتفظوا بعصاباتهم، وليصنعوا مجدهم الوهمي، وليوزعوا جوائزهم في الاحتفالات المزدحمة. بينما في الخلف، في عزلة الكاتب المبدع، تولد كلمات لا تشبه أحداً.
وهذه الكلمات، وحدها، هي التي ستبقى.
***
د. عبد السلام فاروق







