أقلام حرة
يونس الديدي: لا تأجّل الكلام
كم مرة وقفت فيها الكلمات على طرف لسانك، ثم ابتلعتها بحجة: "ليس الآن، سأقولها غداً"؟ كم من اعتذارٍ أجّلناه بانتظار اللحظة المناسبة، وكم من كلمة "أحبك" أو "أنا ممتن لوجودك" أو "أنا فخور بك" بقيت حبيسة الصدور، لأننا افترضنا—بسذاجة شديدة—أن الزمن يقف في صفنا؟
في زحمة الحياة اليومية، نقع جميعاً في فخ تأجيل التعبير عن مشاعرنا. نتعامل مع الوقت وكأنه رصيد بنكي لا ينضب، متناسين أن اللحظة الحالية هي كل ما نملكه حقاً. من منظور علم النفس الحديث، هذا التأجيل ليس مجرد كسل عاطفي، بل هو ظاهرة نفسية معقدة تستحق التفكيك، لنتمكن من تحرير أصواتنا قبل فوات الأوان.
وهم "الغد" وانحياز التفاؤل
في علم النفس المعرفي، يُعرف افتراضنا بأن المستقبل سيمنحنا فرصاً أفضل بـ "انحياز التفاؤل" (Optimism Bias). نحن مبرمجون عصبياً على الاعتقاد بأن الغد سيكون أكثر استقراراً وهدوءاً من اليوم، وأننا سنكون أكثر شجاعة واستعداداً للبوح. هذا الانحياز، رغم أنه يحمينا من القلق الوجودي ويساعدنا على الاستمرار، إلا أنه يسرق منا "الآن".
يخدعنا الدماغ بتصوير الغد كمسرح مثالي خالٍ من التوتر، فنقول: سأخبر والدتي بمدى حبي لها عندما أزورها في العطلة، أو سأشكر صديقي على وقوفه بجانبي عندما نلتقي الأسبوع القادم. ولكن، ماذا لو لم يأتِ هذا الأسبوع؟ إن العبء النفسي للكلمات غير المنطوقة، والذي يُعرف في علم النفس بـ "ألم الندم الاستباقي"، أثقل بكثير من أي حرج قد نشعر به في لحظة البوح.
الخوف من الهشاشة: لماذا نختبئ خلف الصمت؟
السبب الأعمق لتأجيل الكلام ليس الوقت، بل الخوف. تشير أبحاث علم النفس المعاصر إلى أن التعبير عن المشاعر الصادقة يتطلب حالة من "الهشاشة النفسية" (Vulnerability)؛ وهي المخاطرة العاطفية بأن نكشف عن ذواتنا الحقيقية دون ضمانات.
عندما نقول "أنا أفتقدك" أو "لقد أخطأت، سامحني"، فإننا نتخلى عن دروعنا الدفاعية، ونضع قلوبنا على طاولة الآخرين. لتجنب هذا الانكشاف، يخترع العقل حجة "اللحظة غير المناسبة". نحن لا ننتظر الوقت المناسب، بل ننتظر لحظة وهمية نكون فيها محصنين تماماً من الرفض أو الإحراج، وهي لحظة لا تأتي أبداً.
الكلمات التي لا نقولها لا تتبخر في الهواء، بل تترسب في لاوعينا، وتتحول بمرور الوقت إلى جدران عازلة بيننا وبين من نحب.
أمثلة من عيادة الحياة
دعونا نتأمل كيف يمارس هذا الصمت حضوره في حياتنا من خلال مشاهد يومية متكررة. في علاقة الأبناء بالآباء، قد نجد شاباً في الثلاثينيات يشعر بامتنان عميق لوالده الصارم الذي أفنى عمره من أجله. في كل مرة يجلسان معاً، يشعر الشاب برغبة في قول: "شكراً لك يا أبي، أنا أقدر تضحياتك". لكن هيبة الأب وجفاف العلاقة المعتاد يجعله يؤجل الأمر. يرحل الأب فجأة، وتظل تلك الجملة غصة في حلق الابن لا يمحيها الزمن.
أما في صداقات منتصف العمر، فغالباً ما تبتعد صديقتان تدريجياً بسبب مشاغل الحياة. تفكر إحداهن في إرسال رسالة تقول: "حياتي باهتة بدون ضحكاتنا المشتركة". ثم تتراجع قائلة: "قد تبدو رسالتي درامية، سأتصل بها غداً". يمر الغد وتتسع الفجوة حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة بينهما.
ويمتد هذا النمط إلى الخلافات الزوجية؛ حيث ينام زوجان وهما في حالة جفاء. يود أحدهما أن يكسر الجليد ويقول: "أنا آسف، علاقتنا أهم من هذا العناد". لكن الكبرياء يهمس: "انتظر حتى الصباح ليهدأ". وفي الصباح، تبتلعهم روتينيات الحياة، ويبقى الجرح مفتوحاً يتسع بمرور الأيام.
خرافة "اللحظة المثالية"
إن انتظار اللحظة المناسبة للبوح هو كمن يقف على ضفة نهر ينتظر توقف تدفق المياه ليعبر. اللحظة المثالية لا تُكتشف، بل تُصنع. مجرد نطقك للكلمة يحول أية لحظة عادية إلى لحظة عميقة وخالدة.
الاستقرار النفسي والصحة العاطفية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بـ التطابق (Congruence)؛ أي أن يكون ما نشعر به في الداخل مطابقاً لما نعبر عنه في الخارج. عندما نتوقف عن تخزين مشاعرنا في صناديق "الغد"، نصبح أكثر خفة، وأكثر اتصالاً بحقيقتنا الإنسانية.
البوح كفعل حياة
لا تأجّل الكلام. إن شعرت بالحب، أعلنه. إن أخطأت، اعتذر بشجاعة. إن أدهشك أحدهم، امتدحه فوراً. ولا توجد وعود بأن من نحبهم سيكونون بانتظارنا لنقول لهم ما كان يجب أن يقال اليوم. الكلمة الطيبة الصادقة هي أعظم شكل من أشكال تقدير الحياة؛ إنها نبض القلب مسموعاً، فدعه يصدح الآن، وفي هذه اللحظة بالذات.
***
بقلم: ذ. يونس الديدي أستاذ باحث







