عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

شاكر عبد موسى: تفاقم أزمة الجوع العالمي بشكل غير مسبوق

أدى النزاع المستمر وانخفاض الدعم المالي إلى دفع برنامج الأغذية العالمي إلى تبني سياسة "الأخذ من الجياع لإطعام من يعانون من المجاعة". 

كشف الرئيس المؤقت لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، إلى جانب أزمات عالمية أخرى، دفعت أعداداً قياسية من الأفراد إلى حافة الجوع، خصوصًا في ظل تراجع التمويل المخصص لمحاربة المجاعة. 

حالياً، يواجه نحو 363 مليون شخص حول العالم خطر الجوع الحاد، من بينهم 45 مليون تأثروا بشكل مباشر بالصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط الناتج عن تلك الأوضاع. 

على الرغم من التزايد الحاد في الاحتياجات الإنسانية، تقلص التمويل بنسبة كبيرة العام الماضي، آذ خفضت الولايات المتحدة، أكبر المانحين، مساعداتها بأكثر من النصف. 

(كارل سكو)، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي بعد تنحي رئيسة البرنامج السابقة (سيندي ماكين) لأسباب صحية، صرح بأن هذه الفجوة المتسعة بين الاحتياجات والتمويل أجبرت المنظمة على تقليص مساعداتها لمواجهة الطوارئ الغذائية والتركيز فقط على الفئات الأكثر تضرراً والمتضرعة جوعًا. 

وأكد سكو أن هذا الوضع يعكس واقعًا مأساويًا: "نقوم بتحويل المساعدات من الجياع لتصل إلى أولئك الذين يواجهون المجاعات الشديدة. يعود جزء كبير من هذا الوضع إلى الصراعات الدولية الدائرة. خلال العام الماضي وحده، أُعلن عن وقوع مجاعتين، وهي ظاهرة غير مسبوقة منذ عقود". 

في عام 2025، أُعلنت مجاعات في كلٍّ من غزة والسودان. ورغم تحسن الوضع قليلًا في غزة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر، تشرين الأول 2025 لا يزال السودان يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم مع استمرار ظهور بؤر مجاعة في مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان. 

وأشار سكو أن انخفاض التمويل بنسبة نحو 40% مقارنة بالعام السابق أثَّر بشكل مباشر على أعمال الإغاثة. في أماكن مثل أفغانستان واليمن، زادت الأزمة سوءًا بعد أن أوقفت إدارة ترامب جميع مساعدات الغذاء الطارئة لتلك الدول. وأوضح قائلًا: "اضطررنا لتخفيض دعمنا من 10 ملايين شخص إلى مليوني شخص في أفغانستان بسبب نقص التمويل، مما تسبب في فقدان الآلاف وظائفهم". 

يجدر بالذكر أن أكثر من 300 مليون شخص كانوا يعانون بالفعل من الجوع الحاد على مستوى العالم قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير، شباط 2026 والتي أسفرت عن إغلاق طهران لمضيق هرمز وقيام واشنطن بفرض حصار بحري أوسع على الشحنات الإيرانية.

قدّر برنامج الأغذية العالمي في خضم الصراع الإيراني أن أسعار النفط إذا ظلت تفوق عتبة 100 دولار للبرميل، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء إلى 45 مليوناً إضافياً.

وعلى الرغم من أن سعر خام برنت انخفض إلى ما دون هذا الحد في منتصف مايو، أيار 2026 فقد قضى أسابيع طويلة في مستويات تفوق 100 دولار خلال شهري مارس ومايو، ولا يزال أعلى بنسبة 30% مقارنة بفترة ما قبل الحرب. بل وتوجد مخاوف من احتمال ارتفاعه مجددًا.

أثرت الحرب وإغلاق مضيق هرمز بشكل كبير على معدلات الجوع حول العالم وكذلك على قدرة برنامج الأغذية العالمي على التصدي لخطر المجاعة. وأبرز هذه التأثيرات تجسدت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وهي مشكلة ترتبط بلا شك بزيادة تكاليف النقل نتيجة الأسعار المتزايدة للوقود.

وفقاً لسكّا، العلاقة بين أسعار الغذاء والطاقة وثيقة للغاية. ففي بعض المناطق، يتسبب ارتفاع تكلفة الطاقة بنسبة 30% في زيادات مماثلة بتضخم أسعار الغذاء. وفي الدول الأقل نمواً، حيث الفئات الأكثر عرضة للخطر، تشكل نفقات الغذاء الجزء الأكبر من ميزانياتهم. وكنتيجة لذلك، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين لتقليص استهلاكهم الغذائي بما يتراوح بين 30% و40%.

ارتفاع تكاليف النفط يضيف عبئًا إضافيًا على عمليات برنامج الأغذية العالمي، حيث تضاعفت نفقات النقل والتشغيل، كما أُغلقت بعض المنافذ نتيجة الصراعات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، التوترات الحدودية بين طالبان والحكومة الباكستانية أدت إلى إغلاق معابر حدودية، ما أعاق إيصال المساعدات الغذائية التقليدية. إضافة إلى ذلك، تسبب الصراع الخليجي في إغلاق حدود باكستان الطويلة مع إيران، ما اضطر البرنامج للبحث عن طرق أطول وأكثر تكلفة.

في هذا السياق، يشير سكّا إلى أن 85 ألف طن من المساعدات الغذائية الموجهة لأفغانستان بقيت عالقة عند الحدود الباكستانية لأشهر قبل تحويل مسارها إلى دبي. ومع تصاعد الأزمة الإيرانية، تعطلت الشحنات هناك أيضاً. نتيجة لذلك، اضطر البرنامج لإعادة توجيه المساعدة عبر تركيا وبحر قزوين وتركمانستان، ما أدى إلى تأخير وصولها لما يقارب سبعة أشهر.

من جهة أخرى، التضخم العالمي الذي أعقب ارتفاع أسعار النفط أثر سلباً على التزام الدول المانحة بتمويل برامج الإغاثة. تقلص مجموع المساهمات من 9.8 مليار دولار في عام 2024 إلى 6.5 مليار دولار في 2025، حيث انخفض الدعم الأمريكي من 4.4 مليار دولار إلى 2.1 مليار دولار، وتراجعت مساهمات المملكة المتحدة من 610 ملايين دولار إلى 435 مليوناً. ورغم تقدير البرنامج احتياجاته التمويلية بـ13 مليار دولار هذا العام، إلا أن استفادته اقتصرت على 2.8 مليار دولار فقط حتى الآن.

إلى جانب التأثيرات المباشرة للحرب الإيرانية على الأمن الغذائي العالمي، تُعد سلسلة التوريد للأسمدة واحدة من أكبر الأزمات المرتقبة. إذ يُشير سكّا إلى أن ما يقرب من ثلث الأسمدة البحرية في العالم تأتي من مناطق الشرق الأوسط التي تعاني اضطرابات.

وفي شرق إفريقيا تحديدًا، يعتمد المزارعون بشكل شبه كامل على هذه الإمدادات التي أصبحت شبه مستحيلة الحصول عليها الآن. ومع قرب موسم الزراعة في المنطقة، يقول سكّا إن غياب هذه الموارد سيُترجم إلى انخفاض كبير في الإنتاجية الزراعية بعد ستة إلى تسعة أشهر.

على الجانب الإنساني، ألقى سكّا الضوء على التحديات التي يواجها العاملون في مجال الإغاثة وسط تراجع المعايير والقوانين الدولية المتعلقة بحمايتهم. فمنذ ثلاث سنوات، قُتل أكثر من ألف عامل إنساني أثناء أداء واجباتهم.

كما تواصل قوات الحوثيين المدعومة من إيران احتجاز 38 موظفًا من برنامج الأغذية العالمي بتهم تتعلق بالتجسس دون إثبات صحتها، ما دفع المنظمة إلى تعليق عملياتها في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين.

ويعترف سكّا بتزايد المخاطر على العاملين في المجال الإنساني وسط غياب المساءلة الدولية. ويؤكد أن الهجمات بالطائرات المسيّرة فاقمت الوضع سوءاً وأصبحت حياة العاملين في هذا المجال أكثر صعوبة وخطرًا مما كانت عليه في أي وقت مضى.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث / العراق

.............................

* الغارديان// 27/5/2026