بين الإعداد المبكر وعقلية المنافسة
لا تظهر حالة الضعف والانهيار النفسي لدى بعض المنتخبات العربية في كأس العالم بشكل مفاجئ داخل أرض الملعب، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تبدأ من مراحل الإعداد الأولى للاعبين، سواء في الأندية أو المنتخبات السنية. فغياب التأهيل النفسي والذهني منذ الصغر، وعدم تدريب اللاعبين على الثقة بالنفس وإدارة الضغوط، يجعلهم أكثر عرضة للتأثر عند مواجهة المنافسات والمنتخبات الكبرى.
من أبرز الإشكاليات التي تؤثر على الأداء في البطولات العالمية، القناعة الداخلية لدى بعض اللاعبين بأن الخصم أقوى وأكثر مهارة وتكتيك وأكثر خبرة، وهو ما ينعكس سلباً على سلوكهم داخل الملعب وكيفية التعامل مع اللعبة والخصم. إذ يؤدي ذلك إلى انكماش دفاعي مبالغ فيه، وتراجع في الجرأة الهجومية، وضعف في صناعة الفرص والوصول غلى المرمى والتهديف، وفقدان عام للثقة بالنفس. ومع مرور الوقت خلال المباراة، يظهر هذا التأثير في شكل تفكك واضح بين خطوط الفريق، حيث يفقد التوازن بين الدفاع والوسط والهجوم، مما يسهل على الخصم فرض سيطرته وتهديد المرمى بأقل مجهود والانتصار وتحقيقة الفوز.
كما أن عامل الاحتراف يلعب دوراً محورياً في بناء عقلية اللاعب. فقلة عدد اللاعبين العرب المحترفين في الدوريات الأوروبية الكبرى مقارنة بالمنتخبات المنافسة تحد من اكتساب الخبرة والتعرض لمدارس كروية مختلفة. وفي المقابل، تظهر بعض التجارب العربية نماذج مختلفة؛ فمنتخب المغرب استفاد بشكل واضح من انتشار لاعبيه في أوروبا، ما عزز من خبرتهم وثقتهم وقدرتهم على المنافسة. أما المنتخب المصري، فرغم محدودية عدد المحترفين، إلا أنه استطاع الاعتماد على عناصر بارزة مثل محمد صلاح وعمر مرموش، حيث أسهمت الروح القتالية والإصرار في رفع مستوى الأداء ومنح الفريق حضوراً أقوى أمام الخصوم وترك إتباع إيجابي والفوز في المباريات.
إن بناء منتخب قوي قادر على المنافسة العالمية لا يمكن أن يعتمد على الموهبة الفردية والأموال المبذولة لِإعداد فقط، بل يحتاج إلى مشروع استراتيجي طويل المدى يبدأ من الفئات العمرية الصغيرة. ويشمل هذا المشروع تطوير المهارات الفنية، وتعزيز الصلابة النفسية، وبناء الثقة بالنفس، وبناء الصورة الذهنية في تقبل واحترام القدرات الفردية والجمعية، إضافة إلى توفير الاحتكاك المستمر مع مدارس كروية عالمية، وصناعة جيل من اللاعبين القادرين على الاحتراف في أعلى المستويات مقارنة بلاعبي أفريقيا.
وفي النهاية، فإن المنتخبات الكبرى لا تبنى بالصدفة، بل تصنع عبر منظومة متكاملة تقوم على العقلية التنافسية، والإعداد النفسي والفني السليم، والاحتكاك المستمر مع أعلى مستويات كرة القدم في العالم. وهي عناصر إذا اكتملت، يمكن أن تنقل أي منتخب من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المنافسة الحقيقية.
***
د. أكرم عثمان
23-6-2026







