عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

شاكر عبد موسى: هكذا يتعامل الغرب مع ارتفاع درجات الحرارة

قد يعتقد البعض أن موجة الحر التي تجتاح أوروبا صيف هذا العام/2026 قد تكون دافعًا لتسريع اتخاذ خطوات فعالة للتصدي لأزمة المناخ. إذ شهد أكثر من 150 مليون شخص في أوروبا درجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية, ما يعادل (95 فهرنهايت)، بينما وصلت الحرارة في بعض المناطق إلى أكثر من 40 درجة مئوية، في وقت لم يتم فيه تسجيل مثل هذا الارتفاع المبكر في درجات الحرارة من قبل. عندما ينتهي العلماء من تحليل البيانات، يُتوقع أن يصل عدد الضحايا إلى الآلاف.

إسبانيا، كواحدة من الدول القليلة التي تصدر تقارير يومية عن الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة، سجلت أكثر من 100 حالة وفاة يوميًا. فرنسا أشارت إلى وقوع ما لا يقل عن 1000 حالة وفاة إضافية بين الفترة من 24 إلى 27 يونيو 2026، وهو رقم مرشح للزيادة. بين تلك الحالات كانت وفاة أربعة أطفال صغار نتيجة حوادث مرتبطة بالحرارة، من ضمنها العثور على طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ميتًا في إحدى ضواحي باريس بعد أن تسلق سيارة وظل محصورًا داخلها.

المأساة هنا ليست مفاجئة، فالعلماء لطالما أطلقوا تحذيرات متكررة بشأن هذه الكوارث المناخية. ومع ذلك، لم تُبذل الجهود اللازمة من قبل الدول للحد من انبعاثات الوقود الأحفوري والتي تُعد السبب الرئيسي للظواهر الجوية المتطرفة، أو لتطوير أنظمة النقل والرعاية الصحية للتكيف مع آثار ذلك الواقع.

وفي نفس السياق، سجلت دول مثل ألمانيا وجمهورية التشيك وبولندا والمجر درجات حرارة قياسية تجاوزت 40 درجة مئوية. وانتقلت موجة الحر التي تسببت في مئات الوفيات بغرب أوروبا بشكل سريع نحو الشرق.

قبل سنوات كانت درجة الحرارة تصل إلى 25 درجة مئوية وهو مؤشراً لبداية يوم صيفي دافئ. واقي الشمس والقبعات كانت أدوات ضرورية، إلى جانب الآيس كريم والبحث عن ظلال لتمضية اليوم بهدوء بعيدًا عن أشعة الشمس. لكن الوضع اليوم مختلف تمامًا، إذ أصبحت درجة حرارة 25 مئوية تبدو منخفضة نسبياً مقارنة بما شهدته المملكة المتحدة مؤخرًا، آذ بلغت الحرارة القياسية لشهر يونيو, حزيران 37.3 درجة مئوية. ويبدو أن الطقس المعتدل أصبح مكافأة صغيرة وسط موجات الحر المستمرة.

تقف أوروبا الآن وجهًا لوجه مع واقع قاسي: فهي القارة الأسرع حرارةً على كوكب الأرض، آذ ترتفع حرارتها بمعدل مضاعف مقارنة ببقية العالم. ففي منتصف القرن العشرين، كان من النادر تسجيل "ليالي استوائية"، والتي تُعرف بأنها الليالي التي تبقى فيها درجات الحرارة أعلى من 20 درجة مئوية طوال الليل، وكانت محطة الأرصاد الجوية في مطار هيثرو بلندن خالية تمامًا منها. أما اليوم، أصبحت الليالي الاستوائية ظاهرة مألوفة وشائعة، كما سُجلت أربع ليالٍ متتالية بهذا الشكل خلال الأسبوع الماضي وفقًا لما ذكره مدوّن الطقس "لندن وجنوب شرق".

المملكة المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية لم تكن مهيأة للتعامل مع المستويات العالية من الضغط الذي فرضته الظروف المناخية القاسية على أنظمة الصحة والنقل. ففي المملكة المتحدة، أُغلقت مئات المدارس مبكرًا، وارتفعت درجات الحرارة في أماكن العمل إلى مستويات غير مريحة، بينما نصحت شركات السكك الحديدية المواطنين بعدم السفر.

وفي العاصمة لندن، سجلت خدمات الإسعاف أعلى معدل طوارئ لها على الإطلاق ضمن أخطر فئات البلاغات، حيث جرى التعامل مع 642 حالة تشمل توقف القلب والجهاز التنفسي وإصابات تهدد الحياة. وبعد يومين فقط، سُجل رقم قياسي جديد في عدد مكالمات الطوارئ (999)، متجاوزًا حتى الأرقام التي أبلغ عنها خلال فترة جائحة كوفيد- 19.

في شرق أوروبا، توقعت دول مثل بولندا، التشيك، وسلوفاكيا تسجيل درجات حرارة قياسية تفوق 40 درجة مئوية، في حين سجلت مدينة "باوتسن" الألمانية أدنى درجة حرارة ليلية تاريخية بلغت 29.4 درجة مئوية.

رغم الاعتقاد السائد بين علماء المناخ على مدار سنوات طويلة بأن الظواهر الجوية المتطرفة في البلدان المتقدمة ستؤدي إلى زيادة الدعم للطاقة المتجددة وتعزيز دور الأحزاب الخضراء والانتقال التدريجي بعيدًا عن الوقود الأحفوري، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. باتت قضايا المناخ تقع في صميم جدالات ثقافية أكبر تُناقِش كل شيء، بدءًا من استخدام التكييف إلى اتهامات مبطنة بالضعف عند الشكوى من درجات الحرارة المرتفعة.

أثارت موجة الحر التي ضربت أوروبا الأسبوع الماضي مناقشات محتدمة على منصات التواصل الاجتماعي حول التدابير اللازمة لحماية السكان مستقبلاً من الظواهر الجوية المتطرفة. وبينما اتسمت بعض ردود الأفعال بروح الفكاهة، كالفيديو الذي أظهر أشخاصًا في باريس يطهون البيض واللحوم على أسطح منزلقات تحت شمس الصيف الحارقة، ركز النقاش العام عبر الإنترنت بشكل رئيسي على ضرورة توسيع تركيب مكيفات الهواء في أوروبا لمجابهة الحر الشديد.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث/ العراق

.....................

* صحيفة الغارديان البريطانية 29 حزيران 2026

في المثقف اليوم