عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نهاد الحديثي: الطاولة العائلية.. وفجوة الحوار بين الأجيال

لم تكن الطاولة العائلية يوماً مجرد مكان لتناول الطعام، بل كانت مدرسة يومية تُروى فيها الحكايات، وتُنقل فيها الخبرات، ويستمع فيها الصغير قبل أن يتحدث، ويحتضن الكبير أسئلة الأبناء بصبر، أما اليوم فرغم أن أفراد الأسرة قد يجتمعون في المكان نفسه، إلا أن الحوار الحقيقي أصبح غائباً وحلّ محله الصمت أو النقاشات السريعة التي تنتهي غالباً بسوء فهم أو خلاف، ويُحمّل كثيرون "التكنولوجيا" مسؤولية هذه الفجوة، لكن الحقيقة تبدو أعمق من ذلك، فالهواتف الذكية ليست سوى أداة، أما السبب الأعمق، فيكمن في اتساع الفجوة القيمية، واختلاف لغة الحوار، وتباين الطريقة التي يفهم بها كل جيل العالم ويتعامل معه،، فجيل الآباء نشأ في بيئة تُعلي من قيمة الطاعة والانضباط والصبر، بينما نشأ جيل الأبناء في عالم منفتح، يتلقى فيه الفرد آلاف الآراء يومياً، ويتعلم منذ صغره أن يسأل ويناقش ويبحث عن تفسير لكل شيء، لذلك عندما يتحدث الأب بلغة الأوامر يفسرها الابن على أنها رفض لشخصيته، وعندما يناقش الابن بحرية قد يراها الأب خروجاً عن الاحترام، هنا لا تكمن المشكلة في اختلاف الرأي، بل في اختلاف "لغة التواصل" بين الطرفين

إن أخطر ما يواجه الأسرة اليوم ليس اختلاف الأجيال، فهذه سنة كونية صاحبت كل المجتمعات، وإنما الاعتقاد بأن الاختلاف يعني الصراع، فالابن لا يريد أن يكون نسخة من والده، كما أن الأب لا يستطيع أن يربي أبناءه بالطريقة نفسها التي نشأ بها قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. فلكل زمن تحدياته، ولكل جيل أسئلته،، ولذلك، فإن بناء جسور التواصل يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة، فالوالدان لا يفقدان مكانتهما عندما يستمعان إلى أبنائهما، بل تزداد مكانتهما احتراماً، كما أن الأبناء لا ينتقصون من شخصياتهم عندما يصغون إلى خبرات آبائهم بل يختصرون على أنفسهم كثيراً من التجارب المؤلمة

وتشير دراسات في علم النفس الأسري إلى أن جودة التواصل بين الوالدين والأبناء تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بالاستقرار النفسي والأسري، وتعزيز الثقة والحد من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأبناء.. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الأسرة اليوم هو أن تستعيد "الطاولة العائلية" لا بمعناها المادي، بل بمعناها الإنساني، وأن تبحث عن نقاط الالتقاء قبل نقاط الخلاف

وقد سبق الإسلام إلى ترسيخ هذا المعنى، فجعل الحوار منهجاً في التربية والدعوة، فالقرآن الكريم لم يقتصر على عرض الأوامر، بل عرض نماذج راقية للحوار بين الآباء والأبناء، ومن أجملها حوار نبي الله لقمان مع ابنه، حيث بدأ بالنصح بلغة المودة: "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان: 13). فاختار النداء اللطيف قبل النصيحة، والحوار قبل التوجيه، ليؤكد أن الكلمة اللطيفة تفتح القلوب قبل أن تصل إلى العقول،، ويقدم القرآن نموذجاً آخر ملهماً لحوار الأب مع ابنه عندما قال نبي الله إبراهيم عليه السلام: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى" (الصافات 102). ورغم أن الأمر وحي من الله، إلا أن إبراهيم عليه السلام فتح باب الحوار مع ابنه، ليعلمنا أن إشراك الأبناء في الحديث والاستماع إلى آرائهم لا ينتقص من هيبة الوالد، بل يعزز الثقة والاحترام المتبادل

وفي النهاية، لن يكون التحدي الحقيقي هو أن نجعل أبناءنا يفكرون كما نفكر، ولا أن نتبنى نحن كل ما يؤمنون به، بل أن نبقي بيننا جسراً للحوار لا تهدمه اختلافات العمر، ولا تغيرات الزمن، فالأسر القوية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل من الحوار طريقاً إلى التميز، لا سبباً للفرقة.

***

نهاد الحديثي

في المثقف اليوم