نحن لا نبدو دائمًا كما نشعر، فبين الملامحنا التي يراها الناس، والمشاعر التي تسكن أعماقنا، مسافات لا تُقاس بالكلمات. نرتدي وجوهًا هادئة لا لأننا نجيد التمثيل، ولا لأننا نرغب في خداع أحد، بل لأن بعض الآلام أكبر من أن تُروى، وبعض الانكسارات تعجز اللغة عن وصفها، فنختار الصمت حين تعجز الحروف عن حمل ما في القلب.
لقد أصبحنا نرتب ملامحنا قبل أن نرتب أيامنا، ونهذب ابتساماتنا قبل أن نواجه العالم، ونخفي ارتباك أرواحنا خلف ملامح ثابتة، حتى يبدو كل شيء على ما يرام. وحين يسألنا أحدهم: كيف حالك؟ نجيب ببساطة: بخير... وكأن هذه الكلمة أصبحت ستارًا واسعًا يخفي خلفه تعبًا طويلًا، وخيبات متراكمة، ودموعًا لم تجد الوقت لتنساب.
فليس كل من يبتسم يعيش السعادة، وليس كل من يضحك قد نسي أوجاعه، وليس كل من يصمت يشعر بالسلام. فهناك أرواح اعتادت أن تحمل أثقالها بصمت، وأن تخيط جراحها بعيدًا عن أعين الآخرين، حتى أصبح الألم جزءًا من هدوئها، وأصبح الصبر لغتها التي لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الانتظار.
وفي داخل كل واحد منا حكايات لم تُحكَ، ومواقف تركت ندوبًا لا تُرى، وكلمات بقيت عالقة في الحلق لأن الوقت لم يكن مناسبًا لقولها، وأحلام طال انتظارها حتى خفت بريقها، لكنها لم تمت. نحمل كل ذلك في قلوبنا، ونمضي، وكأن الحياة لا تمنحنا خيارًا آخر سوى الاستمرار.
لذلك، حين يخبرك أحدهم بأنه بخير، لا تكتفِ بسماع الكلمة، بل أنصت لما تخفيه نبرة صوته، وتأمل ما تقوله عيناه، فالعينان كثيرًا ما تعترفان بما يعجز عنه اللسان. اقترب منه بمحبة، وامنحه شيئًا من وقتك، وأشعره بأنه ليس مجرد عابر في هذا العالم، بل إنسان يستحق أن يُستمع إليه ويُحتوى.
فالقلوب المنهكة لا تبحث دائمًا عن حلول، ولا تنتظر سيلًا من النصائح، بل تحتاج إلى حضورٍ صادق، وإلى يدٍ تربت عليها برفق، وإلى روح تقول دون ضجيج: أنا أراك، وأفهم صمتك، وأشعر بما تعجز عن قوله، ولست وحدك في هذه الرحلة.
ما أجمل أن يكون الإنسان ملاذًا لقلبٍ متعب، وأن يمنح الآخرين شعورًا بالأمان في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، وقلّت فيه المساحات التي تسمح للروح أن تكون على حقيقتها. فربما كانت كلمة صادقة، أو نظرة مليئة بالرحمة، أو حضور دافئ، سببًا في إعادة الأمل إلى قلبٍ كان يوشك أن ينطفئ.
فلنكن أكثر لطفًا، وأكثر إنصاتًا، وأقل استعجالًا في الحكم على الآخرين، فلكل إنسان معركة يخوضها بصمت، ولكل قلب قصة لا يعرف تفاصيلها إلا الله. وما أجمل أن نترك في حياة من حولنا أثرًا من الرحمة، فربما كانت رحمتنا بهم هي النور الذي يعينهم على مواصلة الطريق.
***
ذكرى البياتي








