عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عامر عبد زيد: المعرفة بوصفها بداية الدين

لا يبدأ الدين، في أعمق دلالاته الفلسفية والكلامية، من السلوك بوصفه مجموعة من الأفعال المفروضة، ولا من الطقس بوصفه ممارسة خارجية، ولا من الانتماء بوصفه هوية اجتماعية جاهزة، وإنما يبدأ من لحظة أكثر تأسيسًا، هي لحظة انفتاح الإنسان على سؤال الأصل الذي منه يستمد الوجود معناه، وعليه يتوقف إمكان الاعتقاد، ومنه تتحدد قيمة الفعل واتجاه الإرادة. ولذلك فإن المعرفة الإلهية لا تظهر في البناء الإسلامي الإمامي بوصفها مسألة نظرية تقع على هامش التدين، وإنما بوصفها الشرط الذي تتأسس عليه حقيقة الدين نفسه؛ إذ إن الاعتقاد بالله لا يمكن أن يكون اعتقادًا بالمعنى الفلسفي إذا لم يكن مسبوقًا بنوع من المعرفة، كما أن التوحيد لا يمكن أن يتحول إلى وعي ديني ما لم ينتقل من مجرد اللفظ إلى إدراك ما يدل عليه اللفظ من حقيقة وجودية. ومن هنا يكتسب القول المروي عن الإمام علي: «أول الدين معرفته» دلالة تتجاوز العبارة الوعظية إلى تأسيس ترتيب معرفي للدين يجعل المعرفة أصلًا، ويجعل التوحيد نتيجة أولى لها، ثم يجعل سائر مراتب الاعتقاد والعمل امتدادًا لهذا الأصل وتحققًا له في الوجود الإنساني. [1]

إن أهمية هذه الصياغة تكمن في أنها تقلب الترتيب المعتاد الذي قد يجعل الدين مجموعة من الأوامر والنواهي ثم يطلب من الإنسان أن يؤمن بها، في حين تجعل المعرفة سابقة على الامتثال، وتجعل الوعي بحقيقة المبدأ سابقًا على الحركة نحوه، وتجعل الدين في بدايته فعلًا من أفعال انكشاف الوجود قبل أن يكون نسقًا من أنساق التنظيم السلوكي. وهذا لا يعني أن المعرفة المقصودة هي الإحاطة بحقيقة الذات الإلهية، فالإحاطة بالمطلق تناقض معنى الإطلاق، وإنما المقصود معرفة تفتح للإنسان أفق الدلالة على الله، وتخرجه من العيش في عالم الأشياء إلى الوعي بأن الموجودات، على اختلاف مراتبها، لا تستنفد تفسير وجودها في ذاتها. ولهذا يربط التراث الإمامي بين معرفة الله وبين نفي الحدود عنه، وبين إثباته وبين تنزيهه عن التشبيه والتجسيم؛ فالمعرفة الصحيحة ليست إضافة صورة ذهنية إلى مجموعة الصور التي يمتلكها الإنسان، بل هي أيضًا تحرير للعقل من الصور التي تحول دون إدراك معنى الإطلاق. [2]

أول الدين معرفته

حين يجعل الإمام علي عليه السلام المعرفة أول الدين، فإنه يؤسس ضمنيًا لنظرية في التدين تجعل الإنسان كائنًا معرفيًا قبل أن يكون كائنًا طقوسيًا، لأن الدين لا يدخل عالم الإنسان من خارج وعيه، بل لا بد أن يمر عبر سؤال العقل والقلب معًا، وأن يتحول من خطاب مسموع إلى حقيقة معقولة ومصدَّقة. وفي الخطبة الأولى من نهج البلاغة تتجاور المعرفة والتوحيد والتنزيه في بناء متدرج يكشف أن التوحيد ليس مجرد إثبات أن الله واحد، بل هو مسار معرفي يبدأ بالاعتراف بالمبدأ وينتهي إلى إدراك عجز المعرفة الإنسانية عن الإحاطة بكنه الذات الإلهية. فالمعرفة هنا تحمل مفارقة تأسيسية: كلما تعمقت معرفة الإنسان بالله، ازداد وعيه بحدود أدواته المعرفية تجاه حقيقة الله. ومن ثم فإن المعرفة الإلهية لا تنتهي إلى امتلاك موضوعها، وإنما تقود إلى تنزيهه عن أن يكون موضوعًا عاديًا من موضوعات المعرفة البشرية. [3]

وهذه المفارقة ذات أهمية فلسفية بالغة؛ لأن معرفة المحدود تختلف عن معرفة اللامحدود. ففي معرفة الأشياء يمكن للعقل أن يتجه نحو موضوعه بوصفه شيئًا قائمًا أمامه، له حدود وخصائص يمكن ضبطها، أما الله فلا يمكن أن يكون «شيئًا» من الأشياء التي يقف العقل إزاءها من الخارج. ولذلك تصبح المعرفة الإلهية معرفة تتضمن نقدًا لأداة المعرفة نفسها، إذ يتعين على العقل، وهو يبحث عن المطلق، أن يكتشف أن بعض طرائق معرفته التي تصلح للموجودات المحدودة لا تصلح للحديث عن الله. ومن هنا كان التنزيه جزءًا من المعرفة لا نقيضًا لها؛ فأن تعرف الله يعني، في أحد أبعاده، أن تعرف أنه لا يشبه ما تعرفه من الموجودات.

وقد جعل الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد قضية المعرفة والتوحيد متصلة بقضايا النفي والإثبات، وبإبطال التشبيه والوهم الذي يحول الذات الإلهية إلى صورة متخيلة، بما يكشف عن حضور مبكر لنقد التصور الحسي والتشبيهي في الفكر الإمامي. [4] وهذا يعني أن المعرفة الإلهية لا تبدأ بملء الذهن بصورة عن الله، بل تبدأ بتطهير الذهن من الصور التي تمنح المحدود صفات المطلق، ومن ثم يصبح التوحيد فعل تحرير للعقل بقدر ما هو فعل إثبات للعقيدة.

المعرفة والتصديق والتوحيد

غير أن المعرفة وحدها لا تكفي لتفسير البنية الكاملة للإيمان؛ لأن المعرفة قد تكون مجرد إدراك ذهني، في حين أن التصديق يمثل انتقال المعرفة من مستوى الإدراك إلى مستوى الاعتقاد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذا الاعتقاد بنيته المعيارية والوجودية. ولذلك ينبغي التمييز بين أن يعرف الإنسان قضية ما، وبين أن يصدق بها، وبين أن يعيد بناء وجوده على أساسها. فالمعرفة يمكن أن تظل موضوعًا ذهنيًا، أما التصديق فيتضمن موقفًا من الحقيقة، والتوحيد يتجاوز الموقف الذهني إلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالمطلق.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المعرفة والتصديق والتوحيد بوصفها علاقة انتقال لا علاقة ترادف: المعرفة تكشف، والتصديق يثبت، والتوحيد يوحّد جهة الوجود والقصد. فالإنسان قد يعرف مفهوم التوحيد دون أن يكون موحدًا بالمعنى الوجودي؛ وقد يستطيع أن يكرر عبارة «لا إله إلا الله» دون أن تتحول هذه العبارة إلى مركز من مراكز وعيه. أما التوحيد في معناه الأعمق فهو أن ينتقل الاعتقاد من كونه قضية في الذهن إلى كونه مبدأ يعيد تنظيم رؤية الإنسان للعالم. ولذلك لا يكون التوحيد مجرد إجابة عن سؤال «كم إلهًا يوجد؟»، وإنما يصبح جوابًا عن سؤال أعمق: ما الذي يستحق أن يكون مصدرًا نهائيًا للمعنى والطاعة والرجاء والخوف؟

وهنا تلتقي البنية الكلامية بالبنية الفلسفية؛ إذ إن إثبات التوحيد لا يستقيم دون تحرير مفهوم الألوهية من تعدد المعبودات، ولكنه لا يستنفد دلالته في هذا النفي. فالتوحيد يقتضي كذلك ألا يتحول شيء من العالم إلى مطلق بديل، سواء كان سلطة أو مالًا أو جماعة أو إنسانًا أو فكرة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التوحيد بوصفه تحريرًا للإنسان من عبودية الوسائط التي تتضخم حتى تتحول إلى غايات نهائية. وقد أشار الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة إلى أن كمال الإخلاص لله هو نفي الصفات التي تجعل الذات الإلهية قابلة للتجزئة والتحديد، بما يكشف عن أن التوحيد ليس مجرد وحدة عددية، وإنما هو وحدة في مقام الألوهية ونفي الشريك والحد والمماثل. [5]

وأن الروايات الإمامية التي تربط العبادة بالمعرفة تكشف أن العبادة نفسها تفقد معناها إذا انفصلت عن الوعي بالمعبود. فليست قيمة الفعل الديني في صورته الخارجية وحدها، بل في نوع العلاقة التي يؤسسها بين الإنسان والحقيقة التي يتوجه إليها. ومن ثم تصبح المعرفة شرطًا لإخراج العبادة من العادة، والإيمان من الانتماء، والتوحيد من الشعار.

المعرفة الإلهية بين الفطرة والعقل

إذا كانت المعرفة بداية الدين، فإن السؤال التالي يتعلق بمصدر إمكانها: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الله؟ وهل المعرفة الإلهية وليدة العقل وحده، أم أنها مغروسة في بنية الإنسان قبل كل استدلال؟ هنا يظهر في الفكر الإسلامي تداخل الفطرة والعقل بوصفهما مستويين متكاملين، لا بديلين متعارضين. فالقرآن يربط الإنسان بالفطرة التي فطره الله عليها، ويجعل التوجه إلى الله متصلًا ببنية أصلية في الإنسان، ويربط النظر في الآفاق والأنفس بعملية عقلية تؤدي إلى اكتشاف الدلالة الإلهية. [6]

ولا ينبغي فهم الفطرة بوصفها معرفة تفصيلية جاهزة بمفهوم الله وصفاته وأفعاله، وإنما بوصفها قابلية أصلية للتوجه نحو المطلق، واستعدادًا للبحث عن العلة والمعنى والغاية، ونفورًا من أن يكون الوجود مجرد واقعة صماء لا تتجاوز ذاتها. ولذلك لا تتعارض الفطرة مع العقل، لأن العقل لا يأتي ليزرع في الإنسان سؤال الله من الخارج، وإنما ليكشف إمكانات السؤال التي تحملها بنيته الوجودية. فالفطرة تمنح السؤال جذره، والعقل يمنحه طريق البرهنة، والوحي يمنحه أفق الهداية والتصحيح.

وقد احتل العقل في المدرسة الإمامية موقعًا مركزيًا في بناء الاعتقاد، لا بوصفه سلطة مستقلة عن الوحي، وإنما ب بوصفه أداة لا غنى عنها في فهم أصول الدين وتمييز التوحيد الصحيح من التصورات المنحرفة. وتظهر هذه المكانة بوضوح في التراث الكلامي الإمامي، وتتجلى في أبواب العقل والجهل في الكافي، حيث لا يُقدَّم العقل مجرد قدرة حسابية أو ملكة نظرية، بل ب بوصفه عنصرًا في بنية التكليف والهداية والتمييز. [7] وبهذا المعنى فإن العقل لا ينافس الوحي على مصدرية الهداية، وإنما يهيئ الإنسان لفهم الوحي، ويمنحه القدرة على التمييز بين الدلالة الحقيقية والوهم، وبين التوحيد والتنزيه من جهة، والتشبيه والتجسيم من جهة أخرى.

إن الجمع بين الفطرة والعقل يتيح تجاوز ثنائية شائعة تجعل المعرفة الدينية إما حدسًا باطنيًا خالصًا أو برهانًا عقليًا مجردًا. فالفطرة من دون عقل قد تتحول إلى شعور غير محدد، والعقل من دون الفطرة قد يتحول إلى بناء تجريدي لا يمس الوجود الإنساني في أعماقه. أما المعرفة الإلهية في صورتها الدينية الكاملة فتقوم على تفاعل المستويين: قابلية داخلية تستجيب للمعنى، وعقل يفحص ويبرهن وينقد، ووحي يوجّه ويكشف ويصحح.

من المعرفة إلى اليقين

لكن المعرفة، حتى بعد تأسيسها بالعقل والفطرة والوحي، لا تبلغ غايتها بمجرد حصول التصور أو قيام الدليل؛ إذ إن الدين يريد للمعرفة أن تتحول إلى يقين، واليقين ليس كمية إضافية من المعلومات، وإنما تحول في علاقة الإنسان بالحقيقة. فالمعرفة قد تكون عرضة للتردد، أما اليقين فيمثل استقرارًا وجوديًا تصبح فيه الحقيقة مركزًا تنتظم حوله الإرادة والموقف والسلوك. ولهذا ارتبط اليقين في التراث الإسلامي بدرجات المعرفة والعمل، ولم يكن مجرد حكم منطقي معزول عن حياة الإنسان.

وفي هذا السياق يمكن قراءة الانتقال من «المعرفة» إلى «اليقين» بوصفه انتقالًا من معرفة الله بوصفه قضية إلى معرفة الله بوصفه حضورًا دالًا في الوجود. فكلما انتقلت المعرفة من مستوى المفهوم إلى مستوى الوعي الوجودي، أصبحت أكثر قدرة على إعادة تمثيل الإنسان. ولا يعني ذلك حلول الإله في التجربة الإنسانية أو إمكان امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما يعني أن معرفة المبدأ تتغير آثارها في الإنسان بحسب عمق تحققها فيه. ولهذا تكتسب المعرفة الأخلاقية والروحية أهميتها؛ إذ لا يكون اليقين كامل الأثر ما لم ينتج عنه تحول في طريقة رؤية الإنسان لنفسه والعالم والآخر.

ومن هنا يمكن فهم التأكيد القرآني على النظر والتفكر والتذكر والتدبر؛ فهذه الأفعال كلها تشير إلى أن الإيمان ليس قفزة تلغي العقل، بل مسار معرفي يعيد الإنسان فيه قراءة ذاته والعالم ب بوصفهما مجالًا للآيات والدلالات. [8] وإذا كان البرهان يحرر العقل من التناقض، فإن اليقين يحرر الوجود من التشتت؛ إذ تصبح الحقيقة التي توصل إليها العقل قادرة على أن تمنح الفعل اتجاهه، وأن تمنح الحرية معيارها، وأن تجعل الإنسان أقل قابلية للتعبد للأشياء المتغيرة.

وهنا تظهر القيمة الفلسفية لعبارة «أول الدين معرفته»: إنها لا تجعل المعرفة مرحلة عابرة تسبق الدين ثم تنتهي وظيفتها، وإنما تجعلها الأصل الذي ينبغي أن يعود إليه الدين باستمرار. فكلما انفصلت العبادة عن المعرفة تحولت إلى عادة، وكلما انفصل التوحيد عن المعرفة تحول إلى شعار، وكلما انفصل التصديق عن المعرفة تحول إلى تقليد، وكلما انفصل اليقين عن العقل والفطرة والوحي تحول إلى وهم ذاتي. أما حين تتكامل هذه المستويات، فإن الدين يصبح حركة صاعدة من المعرفة إلى التصديق، ومن التصديق إلى التوحيد، ومن التوحيد إلى اليقين، ومن اليقين إلى إعادة تشكيل الوجود الإنساني.

وعليه، فإن المعرفة الإلهية في المنظور الإمامي ليست مجرد مدخل إلى علم التوحيد، بل هي الأساس الذي يتحدد من خلاله معنى الدين ذاته. إنها معرفة تبدأ بالسؤال، وتتقوى بالعقل، وتتجذر في الفطرة، وتستنير بالوحي، وتتطهر بالتنزيه، وتتحول عبر التصديق إلى موقف وجودي، ثم تبلغ في اليقين صورة يصبح فيها التوحيد أكثر من قضية ميتافيزيقية، ليغدو طريقة في الوجود. ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ التوحيد بوصفه أصل المعرفة الإلهية، لا ب بوصفه إجابة عددية عن تعدد الآلهة، وإنما ب بوصفه إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمطلق والعالم، بحيث لا يعود الإنسان أسيرًا لمطلقات زائفة يصنعها داخل العالم، بل يتجه من العالم عبر العقل والفطرة والوحي إلى الحقيقة التي تمنح العالم إمكان معناه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

........................

الهوامش

1. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

2. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، كتاب التوحيد.

3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

4. محمد بن علي بن بابويه الصدوق، التوحيد، تحقيق حسين حسيني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

5. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

6. القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 30؛ وسورة فصلت، الآيات 53-54.

7. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج1، كتاب العقل والجهل.

8. القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 190؛ وسورة محمد، الآية 24؛ وسورة الحشر، الآية 21.

في المثقف اليوم