عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: الموروث الشعبي.. بين أصالة الذاكرة وتحديات العصرنة

لا شك إن الموروث الشعبي ليس مجرد حكايات تروى، أو عادات وتقاليد، ورثها المجتمع عن الآباء والأجداد، بل هو ذاكرة المجتمع الحية، ومستودع قيمه، ومرآة هويته الثقافية، التي تشكلت عبر عقود طويلة من التجارب الإنسانية والاجتماعية الزاخرة. وبالتالي فأنه كلما حافظ المجتمع على تراثه، ترسخت اصالة هوية حاضره، وتعمقت ثقته بمستقبله.

وتجدر الاشارة إلى أن ثقافة التراث الشعبي، باتت اليوم تواجه انحسارا واضحا، بعد تلاشي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية، التي كانت تمنح المجتمع تماسكه، ودفئه الإنساني، وغياب مجالس السمر في الدواوين التي كانت مدارس شعبية مفتوحة، يتناقل فيها الناس الروايات، والأمثال، والأشعار، والسير، وأخبار القبائل والأسر، جيلاً بعد جيل على قاعدة (المجالس مدارس).

كما رحل كثير من المخضرمين الذين حملوا هذا الإرث في صدورهم، حيث كانوا خزائن حية للذاكرة الشعبية، باثرائهم الحياة الاجتماعية، بما امتلكوه من معرفة واسعة بتاريخ موروث ديرتهم، وأنسابها ومروياتها، فكانوا جسورا تربط الحاضر بالماضي.

وفي المقابل، فرضت العصرنة تداعيات إيقاعها السريع على الناس، فأصبحت الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي، جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، باعتبارها أدوات لم يعد بالإمكان تجاهلها، أو الوقوف في وجهها، وبالتالي فإنه لابد من الاستفادة من إيجابياتها، بعد أن باتت سمة العصر، ووسيلة تواصل أوسع انتشارًا.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا ذاتها، وإنما يكمن في الخشية من أن تؤدي هيمنتها، إلى قطيعة تدريجية مع الذاكرة الشعبية، فينشأ عند ذاك جيل مستلب، يجهل تاريخ ديرته، وأمثالها، وحكاياتها، ومناسباتها، وعاداتها التي صنعت شخصيتها الثقافية عبر الزمن.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حس جماعي واعٍ، لإحياء الموروث الشعبي، يقوم على توثيق الموروث، وجمع الروايات الشفوية، والأمثال، والأهازيج، والأشعار، والعادات والتقاليد، وتصوير الأدوات القديمة، وحفظ الوثائق والصور، وتشجيع كبار السن على نقل ما يحملونه من ذاكرة الموروث الشعبي لديرتهم إلى الأجيال الجديدة، قبل أن يطوي الزمن صفحاتها إلى غير رجعة.

كما ينبغي الاستفادة في الوقت نفسه من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لتكون منصات فعالة لنشر التراث والتعريف به، من خلال البرامج الرقمية، والأفلام الوثائقية، والمواقع الإلكترونية، والنشاطات الثقافية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية الموروث، لا أداة لتقويضه، واندثاره.

ولابد من التذكير بأن الاهتمام بالموروث الشعبي والحفاظ عليه، لا يعني النكوص والعودة إلى الماضي، أو القطيعة التامة مع معطيات العصر، وانما يعني اعتماد حاضر أكثر انفتاحا، يستمد قوته من جذوره، وينفتح في الوقت نفسه على ٱفاق المستقبل.

ولاشك إن مسؤولية صيانة هذا الموروث، هي مسؤولية جماعية، فهي في نفس الوقت، مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، باعتبار أن ذاكرة الأجداد ليست ملكا لجيل مضى، وإنما هي رسالة ينبغي الحرص على أن تصل إلى الأجيال القادمة، لتظل هوية الموروث نابضة بالحياة في وجدانهم، وعصية على الاندثار.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم