بتنا نتجه نحو ممارسات طبية بدائية
في القرن الثاني عشر وفي إيطاليا بالتحديد، قدم الأطباء من المدرسة الطبية في ساليرنو توصيفًا للأعراض المرتبطة بحالة طبية تعرف بالبليثورا، والتي تتمثل في زيادة السوائل الدموية داخل الجسم، وقد وصفوها بأن وجه المصاب يظهر محمرًا، وعيناه تبدوان كبيرتين ولامعتين بشكل بارز، كما يتسم الخدان والجسم بالامتلاء.
إذا انتقلنا إلى أغسطس، آب 2025، أشار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، (روبرت ف. كينيدي جونيور1954)، إلى أنه يلاحظ حالة الأطفال وهم يسيرون في المطارات أو الشوارع، آذ يعانون من تحديات في (الميتوكوندريا Mitochondria) (1) والالتهابات، وهذا ينعكس على تعابير وجوههم وحركات أجسادهم ونقص تفاعلهم الاجتماعي.
على الرغم من أن القرن العشرين شهد تقدمات طبية وتكنولوجية جذرية، مثل علاج الأمراض البكتيرية الخطيرة، وفهم بنية الحمض النووي ودراسة حركات القارات، إلا أن القرن الحادي والعشرين يبدو وكأنه يتجه نحو العودة إلى ممارسات طبية بدائية تشبه تلك التي كانت منتشرة في العصور الوسطى، أذ استخدمت وسائل مثل الحجامة والشفاء بالتطهير، والمساج اليدوي. وهذه تعتبر مثيرة للجدل في الطب الحديث وقد يُنظر إليها على أنها مضللة.
دليل الممارسات الطبية في مخطوطة تعود إلى القرن الرابع عشر بيَّن مواقع في جسم الإنسان يجب إخضاعها للنزيف من أجل معالجة أمراض محددة. أما اليوم، فإن بعض المواقع الإلكترونية مثل موقع Etsy : وهو سوق إلكتروني عالمي للتجارة الإلكترونية، يربط بين الحرفيين والفنانين وأصحاب المشاريع الصغيرة المستقلة وبين المشترين الباحثين عن المنتجات الفريدة، اليدوية، المبتكرة، والقطع القديمة (الأنتيك) التي يمر عليها 20 عاماً على الأقل، بعيداً عن السلع المنتجة آلياً وبكميات ضخمة.
وفيه تعرض منتجات مثل "تعويذة تغيير الجسم" التي تعد بفقدان الوزن السريع و"جسم مثالي" بسعر زهيد، ويتم أيضاً تسويق "تعويذة الجمال الفائقة" مع خصومات ملحوظة بينما تُتاح إمكانية الاسترداد في حال عدم تحقيق النتائج المرجوة.
كذلك شهدت فعاليات - مؤتمر العلاج بالطاقة - حضور الآلاف في ولايات يوتا ومونتانا وأيداهو الأمريكية، آذ تجمع مختصو تقنيات التنفس وأساتذة الريكي وعشابين لتبادل المعارف القديمة. وفي نفس السياق، يوجد نقاش على منتدى Reddit في قسم r/astrology حول المواقع الفلكية الأنسب لإجراء "عمليات جراحية اختيارية".
يعود جزء من هذا التوجه إلى فقدان الثقة في المؤسسات العامة، وبصفة خاصة تلك المرتبطة بالصحة العامة، ويتأسس جزء من هذا الانعدام في الثقة على تداعيات جائحة كوفيد- 19 .
يرى (روي بيرليس)، أستاذ الطب النفسي من (جامعة هارفاردHarvard University) وهي جامعة أبحاث خاصة تقع في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية. (أن الجائحة كانت واحدة من المناسبات الأولى التي شهد فيها الناس كيفية تطور العمليات الطبية وما تتضمنه من تعثرات وبدايات غير مستقرة آذ يتعين على العلماء تعلم معلومات جديدة ويمكن ارتكاب الأخطاء).
اتسمت العملية العلمية خلال الأزمات بانعدام الشفافية ما أدى إلى فراغ في الثقة، استغلته شخصيات مؤثرة في مجال الصحة. يوضح بيرليس أن الناس أصبحوا يطرحون العديد من الأسئلة حول صحتهم، لكن المعلومات المتاحة رغم كثرتها تفتقر للدقة وتهدف غالبًا لترويج منتجات أو الانتقاص من مصداقية المؤسسات.
كما يتزايد اعتماد الأمريكيين على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وبرامج الدردشة الآلية للحصول على نصائح صحية. يشترك ملايين الأشخاص في قنوات مؤثرين صحيين على موقع يوتيوب مثل (إريك بيرغ)، الذي يدعي فوائد الفضة الغروية في علاج التهاب الحلق المصحوب بالبلغم دون دليل علمي حقيقي.
كما تنتشر رسائل مضللة من الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب 1946) ووزيره (روبرت كينيدي جونيور) حول الرعاية الصحية، خاصة فيما يتعلق بتغيير سياسات التطعيم المتبعة لعقود. فقد وصف ترامب جرعات اللقاح للأطفال بأنها "زجاجة مشروب غازي"، بينما هي أصغر بكثير من ملعقة صغيرة في الحقيقة. كما روّج (روبرت ف. كينيدي جونيور) لمزاعم مثيرة للشك حول اللقاحات ومضادات الاكتئاب والفلورايد، بالرغم من ضعف الأدلة الطبية المؤيدة لذلك.
(ميغ ليجا)، أستاذة تاريخ العصور الوسطى الأوروبية في (جامعة بينغهامتون Binghamton-University) (2)، تشير إلى التشابه بين الدعاية الحالية للمنتجات الصحية والمفاهيم الوسطى فيما يتعلق بالتطهير وإزالة السموم.
مواقع الإنترنت التي تروج لمنتجعات (الأياهواسكا ayahuasca) وهي ليست "منتجات" بالمعنى التجاري، بل هي مشروب مخدر ومهلوس تقليدي يُصنع من مزيج نباتي من غابات الأمازون يحتوي على مادة DMT المؤثرة عقلياً ويُستخدم في طقوس روحية وعلاجية.. تعرض تلك المواقع الفوائد العاطفية والروحية للتقيؤ الناتج عن تناول مزيج النبات.
ترى ليجا أن بروتوكولات "تنظيف الجسم بالعصائر" اليوم تعكس النهج الذي كان سائداً قبل ألف عام بسبب نقص المعرفة الطبية في تلك الحقبة. آنذاك، اعتمد الناس على أمور يمكنهم مراقبتها مثل دورات القمر أو الدورة الشهرية بسبب عدم توفر تكنولوجيا التحليل المعاصرة.
ترى ليجا أن مقارنة الأوضاع الحديثة بالمجتمعات القديمة ليست دقيقة. ما نفعله اليوم لا يتماشى مع فهمنا الطبي الحالي، حتى لو بدا متشابهًا ظاهريًا مع ممارسات - العصور الوسطى - التي شملت الفصد والحقن الشرجية، والتي كانت تبدو منطقية ضمن الإطار العلمي آنذاك.
والفصد + الحقنة الشرجية هما طريقتان طبيتان لعلاج أو تنظيف الجسم، الفصد هو إخراج كمية من الدم من الوريد (ويُعرف حديثاً بالفصد العلاجي لبعض الأمراض مثل زيادة الحديد)، بينما الحقنة الشرجية هي إدخال سائل أو دواء عبر فتحة الشرج إلى المستقيم لتنظيف الأمعاء أو علاج الإمساك.
ورغم أنّ سلطة الأطباء كانت محورية في العصور الوسطى وإن بدت بعض العلاجات آنذاك غير فعالة وقاسية لنا اليوم، إلا أنّهم أيضاً شهدوا انهياراً في الثقة المؤسسية مشابهًا لما حدث بعد جائحة كوفيد-19، مشابهًا للحالة التي واجهوها مع الطاعون الأسود.
(روبن إس. رايش)، أستاذ التاريخ بـ (جامعة سياتل(Seattle-University، وهي جامعة يسوعية كاثوليكية خاصة تأسست عام 1891، وتقع في حي فيرست هيل بمدينة سياتل في ولاية واشنطن الأمريكية.. أشار إلى تجربة الأطباء الأوروبيين الذين لم يفلحوا في علاج المرض بأدويتهم.
لكن على عكس ذلك، لم يواجه العالم الإسلامي أزمة ثقة مماثلة بفضل سياسات صحية عامة متماسكة. الممارسات الطبية كانت متشابهة إلى حد كبير عبر العالم، لكن التماسك في الرسائل ساعد على بناء مستوى من الثقة لم يكن موجودًا في أماكن أخرى.
كان لدى العالم الإسلامي فهم قوي لمفهوم الحجر الصحي كما أشارت الأحاديث النبوية إلى ذلك بإجراءات ورؤية واضحة أسهمت في تعزيز التدابير الصحية.
كانت - نظرية الأخلاط Humor theory - التي تتعلق بسوائل الجسم الحيوية مثل الدم والبلغم والصفراء والسوداء قد نشأت في اليونان القديمة واعتمدها الأطباء لقرون عديدة في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا كجزء من نظرياتهم الطبية الأساسية.
تعود جذور نظرية الأخلاط الأربعة، أو ما يعرف بالسوائل الحيوية للجسم - الدم والبلغم والصفراء والسوداء - إلى اليونان القديمة، واستمرت تأثيراتها لقرون في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.
سلّطت الباحثة رايش الضوء على بعض الأوجه المشتركة بين تلك الحضارات الفائتة والعصر الحديث، إذ نعيش اليوم في فترة يبحث فيها الناس عن تفسيرات للحياة الصحية ولا يعتمدون كثيرًا على آراء الخبراء. هذا الاتجاه نحو الطب العشبي والعلاج الشعبي يعكس حاجة ملحة للعودة إلى بساطة السابق، آذ بدت حياتنا الحالية معقدة بسبب النظم القاسية.
يشعر الناس بالإحباط من نظام الرعاية الصحية بشكل عام، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأدوية. يدرك بيرليس أن نظام الرعاية الصحية الحالي لا يخلو من العيوب، مشيرًا إلى النفوذ الكبير الذي مارسته صناعة الأدوية لأجيال. وكان تأخير الأطباء في تحديد المخاطر أحد أسباب هذا الاستياء. انتقاد الأفراد الذين يأتون بخلاصات خاطئة هو أحد الإشكاليات في مجال الصحة العامة.
فعلى سبيل المثال، قد يكون ولي الأمر الباحث عن علاج عاجل لطفله أكثر عرضة لتصديق أي إجابة تُقدّم له تلقائيًا، حتى وأن كانت قراءة دعاء الشفاء عليه من قبل مؤذن بجامع أو شخص ينتسب للدوحة الهاشمية، أو حتى أخذه لعرافة تكويه بالنار.
الفهم المتعمق لطبيعة الجسم البشري كان دائمًا محل اهتمام الإنسانية، حتى قبل تأسيس الطب الحديث. مع تطور الإدراك البشري للعالم المحيط به، تطور فهم الناس لأجسامهم أيضًا. لم تكن نظريات الطب في العصور الوسطى خاطئة تمامًا لكنها لم تقدم صورة شاملة لبيولوجيا الإنسان.
كان تحليل البول، رغم بساطته وعدم قدرته على تقديم تفاصيل دقيقة عن المرض، شائعًا جدًا في تلك الفترات. لكن مع تطورات القرن التاسع عشر، أصبح تحليل البول جزءًا مهمًا من فهم صحة المريض بشكل شامل.
نظرية المياسما Miasma theory : مثال آخر على المعتقدات القديمة التي صمدت لفترة طويلة، آذ اعتقد الناس بأن الهواء الفاسد من الجثث أو المياه الراكدة يحمل أمراضًا. رغم عدم دقتها الكاملة، إلا أن هناك بالفعل ارتباط بين التعرض للملوثات الصحية والنتائج الصحية السلبية. لكن بعض المعتقدات لا تزال بلا أساس علمي مثل تلك المتعلقة بإشعاعات الجيل الخامس.
شهد التاريخ تحولات ملحوظة في كيفية تقبل الناس للعلوم الطبية البديلة، ومع كل تحول يأتي الابتعاد عن الخرافات والاقتراب نحو العلم الموثوق.
الأطباء في - العصور الوسطى - اكتسبوا مكانة سياسية ودينية ولم تعد الأمور مجرد مسلمات تتحكم فيها الآلهة. لكن يبدو أن العصر الحديث يشهد تراجعًا عن هذا الدرس المهم، فنجد الناس يعتمدون على حدسهم بدلاً من الأدلة العلمية المعتمدة للعناية بأنفسهم.
ويميل العراقيون إلى استخدام الأعشاب والكتب المتعلقة بالطب التقليدي، مثل الطب الشعبي الذي يُنسب إلى أهل البيت، لأسباب تتعلق بالموروث الثقافي والديني العميق، وسهولة الحصول عليها، وانخفاض تكاليفها مقارنة بالعلاج الحديث.
كما أن ضعف الثقة أحياناً في الخدمات الصحية الحكومية، وانتشار المستشفيات الأهلية الباهظة الثمن، يساهم في تفضيل هذه العلاجات، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأنها آمنة لكونها طبيعية ومنسوبة إلى مصادر دينية.
أما من منظور الأسباب الثقافية والدينية، فإن التراث الديني يلعب دورًا محوريًا، آذ توجد نصوص ومرويات منسوبة للأئمة في التراث الإسلامي الشيعي تدعم القناعة بفعالية العلاج بمواد مثل العسل والحبة السوداء والأعشاب المحددة. كما أن الاعتماد التاريخي على العطارين والطب الشعبي يعتبر جزءًا من الهوية الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. هذا الأسلوب العلاجي الذي يمزج بين الاستشفاء الجسدي والراحة النفسية يقوي العلاقة الروحية بين الفرد ودينه.
ومن الناحية الاقتصادية والخدمية، نجد أن ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات والأدوية الأهلية يعزز من مكانة الأعشاب كخيار اقتصادي أقل تكلفة. مع ضعف الثقة في المؤسسات الصحية الحكومية ونقص الأدوية المتوفرة فيها يدفع العديد من الناس للبحث عن بدائل. وبالإضافة إلى ذلك، تتميز محلات العطارة بتوفرها الدائم وسهولة الوصول إليها بدون الحاجة للانتظار في طوابير طويلة.
على الصعيد النفسي والاجتماعي، يوجد اعتقاد خاطئ شائع أن الأدوية العشبية "إذا لم تنفع، فهي لا تضر" نظراً لكونها طبيعية. كما يلعب تأثير النصائح العائلية وتجارب الأقارب دوراً في تعزيز الاعتقاد بفاعلية هذه العلاجات.
***
شاكر عبد موسى/ باحث وكاتب/ العراق
.................
(1) الميتوكوندريا (أو المتقدرة) Mitochondria : هي أجزاء صغار داخل خلايا الجسم، وتُعرف باسم "مصانع الطاقة" لأنها تحول الطعام والأكسجين إلى طاقة يحتاجها الجسم ليعمل ويبقى حياً.
(2) جامعة بينغهامتون (Binghamton-University) هي جامعة بحثية عامة متميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعد واحدة من المراكز الجامعية الأربعة الكبرى التابعة لنظام جامعة ولاية نيويورك (SUNY). تضم الجامعة أكثر من 18،000 طالب، وتُعرف بقوة برامجها الأكاديمية والبحثية حتى أُطلق عليها لقب "آيفي العامة" (Public Ivy).








