عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

غريب دوحي: إمبراطور الضحك

شارلي شابلن هل كان شيوعياً؟

"إن معرفة الإنسان هي أساس كل نجاح" شارلي شابلن

في شهر نيسان من عام 1889 م ولد اثنان من الرجال أولهما أبكى العالم بحروبه ومجازره الدموية هو ادولف هتلر والثاني اضحك العالم بأفلامه ومقالبه وطرائفه هو شارلي شابلن حيث ولد في لندن وقد سخر شابلن من هتلر في احد أفلامه المسمــى (الدكتاتور)، هذا هو الفرق الجوهري بين المولودين في نفس الشهر ونفس السنة والفارق كبير بينهما وصدق قول الشاعر أبي الصيفي حين قال:

فحسبنا هذا للتفاوت بيننا         وكل إناء بالذي فيه ينضح

وشارلي شابلن هذا الذي عاش بين 1889 – 1977 م ممثل ومؤلف ومخرج ومنتج سينمائي انكليزي الأصل أمريكي الجنسية، ومنذ صباه جذبه التمثيل الصامت فعمل في ملاهي لندن وظهرت مواهبه مبكراً ويبدو إن حياة لندن لم ترق له فهاجر الى الولايات المتحدة عام 1913 لعلها تفتح له آفاق جديدة في العمل السينمائي وحينما حط رحاله منها ابتكر شخصيته " شارلو " الهزلية فأصبحت له شهرة كبيرة بعد ان مثل عدة أفلام نالت استحسان الجماهير مثل " المتشرد" و " كارمن " و " المهاجر " وهي أفلام تفصح عما في داخلية نفسه من لواعج وآلام عكسها في أفلامه بشكل هزلي وقد صقلته التجربة فاخذ بعد إعوام قليلة ينتج أفلامه ويخرجها بنفسه فأنتج فيلم " حياة كلب " و " الغلام " وبذلك نال شهرة عالمية إلا انه لم يستقر في الولايات المتحدة ابل غادرها الى سويسرا في عام 1953 . لقد تناولت الصحافة العالمية الأمريكية منها والأوربية أعمال شابلن بالنقد المرير أحياناً وبالإعجاب أحياناً أخرى حسب الأيدلوجيات السياسية والفكرية التي تحملها هذه الصحف، غير إن الناس كانوا يرون فيه حبه لكل البشر بغض النظر عن القومية والدين واللون كما انه لم يكن مجرد مهرج يريد إضحاك الناس فهو ينتصر للفقراء ويدافع عنهم ذلك لأنه نشأ في كنف أسرة فقيرة وقد ذاق في طفولته مرارة الفقر والعوز .

جاء في مجلة العربي الكويتية العدد 231 – 1978 إن الكاتب الانكليزي سومرست موم " ارتكب " تحليلاً لشخصية شابلن زعم بها انه الفقير الدائم مهما أصابه من ثراء فهو يحن الى أيام الفقر ويسعى الى ممارسة مظاهره في تلذذ وقرأ شابلن هذا التحليل السخيف فجاء رده عليه كفنه العظيم حاسماً وبسيطاً وفاضحاً قال.. (ما رأيت قط في حياتي فقيراً يحن الى الفقر..)

ما يميز شابلن انه لم يعتمد على الكلام القبيح أو قضايا الجنس المبتذل، كان يسعى الى خلق المقالب التي يقع فيها هو في كثير من الأحيان وعادة ما تكون هذه المقالب ضد الأثرياء والمجرمين وأنظمة الحكم الفاسدة، وما ميز أفلامه إنها كانت ذات أهداف اجتماعية يسخر فيها الأغنياء الذين يذهبون الى المستشفيات الخاصة لإجراء عمليات تخليصهم من الشحوم المتراكمة في أجسامهم أي ما يسمى اليوم بعمليات ( شفط الشحوم )، لقد اتخذ شابلن بعض الأمور كعلامات لإعماله مثل : السروال العريض والقبعة والعصا والحذاء القديم المتهرئ وهذه العلامات عادة تثير الضحك عند المشاهدين وفي السينما الصامتة تعزف الموسيقى التصويرية من قبل فرقة موسيقية داخل السينما، فان أول فيلم مثله هو " آكل العيش " 1914، وهكذا جمعت أفلامه بين البؤس وحب الإنسانية وقد لاقت نجاحاً كبيراً مثل " الأزمنة الحديثة " " وملك في نيويورك " واجتاحت شخصيته العالم كله وغدت صوره على واجهات السينما وأوراق اللعب حتى تأثر فيه بعض الفنانين العرب واخذوا يقلدونه في حركاته ومنهم الفنان المصري نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وشكوكو .

في احد أفلامه يقوم برفع قطعة حمراء سقطت من سيارة نقل مواد البناء كانت توضع للتحذر وركض خلف السيارة لإعادتها الى مكانها وصادف أن كانت في الشارع مظاهرة لمجموعة من العمال احتجاجاً على ظروف العمل تدخلت الشرطة لتفريقها وبما انه كان يحمل قطعة حمراء ويركض أمام العمال تصور رجال الشرطة انه كان يقود التظاهرة مما أدى الى حجزه .  

والحق يقال إن شابلن كان يمتلك إحساساً طبقياً واضحاً تمثل في أفلامه الصامتة بشكل إيماءات دالة على ذلك الإحساس المرهف الذي تجسد في أعماله المختلفة لذلك كسب حب الجماهير، يقول عن هذا ( إن الناس يحبون الصراع بين الأضداد الصراع بين الخير والشر والقوي والضعيف والغني والفقير، ومن حسن حظي إنني صغير الحجم فالناس تدرك إن الإنسان الصغير الحجم يحظى دائماً بعطفهم وقد استفدت من هذه الظاهرة بضم أكتافي وادلل شفتاي، فلو كنت اكبر من حجمي هذا لفشلت في فهمتي).

محاكمة شارلي شابلن:

بعد انتقاله الى الولايات المتحدة وتحديداً في عام 1948 وجهت الحكومة الأمريكية اتهاماً بأنه ينتمي الى الحزب الشيوعي الأمريكي وكانت الحكومة الأمريكية وقتها تخشى انتقال الأفكار الشيوعية لها خاصة بعد الانتصار على النازية وسطوع نجم الشيوعية في العالم لذلك نشطت المخابرات الأمريكية في رصد تحركات عدد من الشخصيات المهمة كما شكل الكونجرس الأمريكي لجنة لمحاكمة هؤلاء الذين يشتبه في انتمائهم الى الأحزاب الماركسية وكان من بين ضحايا هذه الإجراءات الممثل الكوميدي شابلن فعرض على لجنة التحقيق التي ألفها الكونجرس الأمريكي عام 1948 وقامت هذه اللجنة باستجوابه ووجهت إليه عدة أسئلة نشرتها مجلة (الجيل) اللبنانية في عددها (3) لسمنة 1998 وجاء فيها:

هل شاركت في أنشطة الحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك احد أعضاء الحزب الشيوعي؟

هل قدمت أي مساعدات للحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك متعاطفاً مع دوافع الحزب الشيوعي الأمريكي؟

هل سبق وان دعوت أحداً من موظفي السفارة الروسية الى منزلك؟

ما رأيك في الحكومة السوفيتية؟

هل تعتقد إن نمط الحياة الشيوعية أفضل من نظيره الأمريكي؟

هل كنت عضواً في جمعية الصداقة الأمريكية – السوفيتية؟

هل تعتبر نفسك تابعاً للخط الشيوعي؟

هل ساهمت في تدعيم نشاط الحزب الشيوعي الأمريكي؟

مسكين شارلي شابلن لقد وقف أمام لجنة التحقيق ساخراً كعادته وأجاب بطريقة عفوية تعبر عن إنسانيته ومرحه وحبه لكل الناس واحترامه للقانون قال مخاطباً لجنة الكونجرس العاتية (أنا مواطن عالمي وانتظر اليوم الذي تسقط فيه الحدود بين بلاد العالم ..) وقال (أنا اكره النازية والفاشية إنني شعرت بالفرح عندما أنجزت فيـــــلم "الدكتاتور" الذي هاجمت فيه هتلر وسخرت منه ..) وأجاب على احد الأسئلة التي وجهت له إنني لست معادياً للاتحاد السوفيتي إلا إذا قام بغزو أمريكا . لقد أدان شابلن في استجوابه الديمقراطية الأمريكية واعتبرها ناقصة، واعترف انه ليس له أي انتماء سياسي أو حزبي لكنه يحب الاتحاد السوفيتي لأنه قام بعمل عظيم أدى الى انهيار النازية وهذه النتيجة هي من مصلحة الروس والأمريكان لان هتلر كان عدوهما المشترك .

وقال في بعض إجاباته: إنني ليبرالي تقدمي وأؤمن بوحدة الشعوب وتحسين مستوى المعيشة للشعب الأمريكي وإنني لا أحب الحرب بل أحب عملي الذي هو صلب اهتمامي الأساسي .

كانت هذه الإجابات كافية لان يكون شابلن بريئاً ونبيلاً وعزيز النفس فغادر الولايات المتحدة الى سويسرا عام 1953 وواصل منها عمله وأفلامه الصامتة التي ضحكت العالم حتى رحيله عامة 1977 م . 

***

غريب دوحي

في المثقف اليوم