عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بتول أحمد سليم: فاعلية ملامح الرمز بين الادبين العربيّ والغربي

يوظف الادباء (الرمز) للتعبير عن المعاني الكامنة في نفوسهم، حين لا تتمكن اللغة بصورتها الطبيعية الكشف عنها، فتأتي ايحاءات الكلمات وايقاعها وظلالها، لترسم صوراً وتعبيرات مفاجئة، تضع الملتقي في دائرة الشعور الذي يثير فيه الدافعية للتفاعل ومن ثم تأويل معاني تلك الصور بفعل طغيان عنصر الخيال الذي من شأنه أن لا يسمح للعقل والعاطفة إلّا أن يعملا في تشكل الرمز الذي يُعدُّ مألوفاً في التعبير على حالة واحدة لا يخلو منها الرمز والكناية، وهي حالة الإفصاح المباشر.

واللغة سهلت سبل التواصل وأوجزتها بطريقة يسيرة، فحين نقول نخلة: يتبادر الى الذهن شجرة سامقة ذات عسب، وهذه اللفظة تنوب في الدلالة وفي أداء المقصود فيما لو اطلعنا عليها عياناً بالاكتفاء بالإشارة دون النطق.

فالادب العربي لم يعرف الرمز كما هو عند أدباء الغرب، ولكنه عرف (أسلوب الكناية) التي هي احدى الفنون البلاغية من اقسام علم البيان في البلاغة العربية.

حين نصف (فتى رياضياً) نقصد بذلك الكناية عنهُ بقوة عضلاته المشدودة، ولو وضعنا لفظة (أرمز) بدل (أكنّي) فإن المعنى يستقيم في دلالته على المقصود. وللتعبير عن تبدل الحال، أو تغيّر المودة يقول العرب: (قلبتُ لهُ ظهر المجنّ) أي الترس الذي يستعمله المحارب فيصد به السهام والضربات.

فالفكر العربي المُتيقّظ البارع قد سبق الغرب في هذا الأسلوب الجميل الذي يوحي بالفكرة، والدلالة من خلال عبارة قصيرة مكثفة المعنى.

وفي قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان (حياتنا) يقول:

حياتُنا شبابٌ وفكرٌ أخضر

وعواطف من عملِ الربيع

وقلوبٌ من ندى الفجر

نجمعُها ونغسل ُبها أرضَ الازقة

أو نروي رمال الصحراء

ثم هي ليلى وضحاها

فاذا الزوبعة ُتذهبُ بنا

فنأخذ معنا كلَّ أحلامنا وأمانينا

ونحنُ على قدمٍ من الهاوية أو أقل

مازلنا نؤسسُ، ونبني، ونقيم

تتماهَى خلف ألفاظ القصيدة ايحاءات وشفافية تنمُّ عن فكرة غامضة في دلالتها على المعنى من خلال مبدأ (تراسل الحواس) الذي لجأ اليه الشعراء الرمزيون للتعبير عن معطيات حالة شعورية معينة ؛ لنقل الأثر النفسي، بما يفتح للمتلقى افاقاً رحبة للتخيل والتصور في اللاشعور. فالشاعر حين وصف (الفكر اخضر) منحه لوناً لطيفاً من الطبيعة المملوءة بالحياة، يشعر الانسان من خلاله بالسلام والأمان، وانشراح النفس. والعواطف (من عمل الربيع) الذي تبتسم فيه الدنيا، وتنبسط فيه النفوس. والقلوب (من ندى الفجر) في ظهور معلناً بداية يوم جديد، متخذاً من ذلك كله معادلاً موضوعياً للروح الإنسانية المتفائلة، المتطلّعة إلى المستقبل بضمير نقيّ أصيل.

أما في اسلوب الغرب عند استعمالهم للرمز تتبادر إلى الأذهان عبارة (ذاب بينهم الجليد) إذ تشير العبارة إلى رجوع العلاقات بين طرفين، أو كناية عن عودة أواصر المحبة والتعاون بعد انقطاعها مدة معينة من الزمن يقول (مالارميه: إنَّ شفقاً أبيض يبرد تحت جمجمتي) فيرمز إلى المخ ويُكنّي عنهُ فيصفهُ بهذا الوصف "شفق أبيض" في صورة قصيرة، وعبارة موجزة. إذ تمتد أواصر التواصل إلى الملتقى من خلال التفاعل الحي مع ما يلمّح به الأديب أو الشاعر، بتوالي التراكيب التي تثير العاطفة والخيال، وتثري الفكرة فتزيدها تأكيداً وغنًى في المعنى، وهذا هو المبدأ الذي تبدو عليه ملامح الرمزالقائم على آيديولوجيات بلاغية وفلسفية عميقة التأثير.

***

م. د. بتول أحمد سليم /كلية اللّغات/ جامعة بغداد

في المثقف اليوم