أضحت وسائل الاِتصال والتواصل من خلال الأنترنات منتشرة بين الناس كبيرهم وصغيرهم غنيّهم و فقيرهم وبين جليل القوم وبسيطهم حتى أنها غدت المصدر الأساسي للإعلام والوسيلة السهلة والناجعة للتواصل مع الآخرين بلا حواجز في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجالات والميادين فاِتخذ منها الشعراء والأدباء منابر لنشر مختلف نصوصهم التي كانت تلقى مصاعب كثيرة في الطباعة والنشر والتوزيع فصارت النصوص الأدبية من شعر وقصة وخواطر وغيرها تمثل ظاهرة جديدة في مسار تاريخ الأدب العربي إذ شاعت كتابة اليوميات على صفحات البعض سواء منهم الأدباء والشعراء والصحافيين أو غيرهم من الذين يرُومون التواصل مع الآخرين في شتّى المواضيع والاِهتمامات ومن بين أولئك الذين دأبوا على النشر اليومي وفي كل حين وآن وعلى مدار الساعات الصديق ـ منير فلّاح ـ الذي اِكتسب قلمه حضورا لافتا بما في نصوصه من طرافة وظرافة وخصائص جديرة بالمتابعة بحيث أعتبرها نوعًا جديدا من الأدب جدير بالاِهتمام جمعا ودراسة وقد اِقترحت عليه مرات عديدة أن ينبري لها ـ مُشمّرا على قلمه ـ أو بالأحرى على ـ لوحة حروفه ـ في هاتفه أو حاسوبه ـ فينشر مختارات منها ليؤلف من شتاتها كتابا أو أكثر وفي ذلك إضافة متميّزة ضمن هذا النوع الطريف من الكتابة التي تجمع بين الإفادة والتسلية وبين الجِدّ والهزل متّبعا أسلوب القدامى فقد جمع الجاحظ طرائف البخلاء والجواري وغيرهم من أصناف الإنسان والحيوان وجمع أبو حيان التوحيدي طرائف المُلَح والنّوادر والأخبار التي سردها في مسامراته فألّف منها ـ الإمتاع والمؤانسة ــ وعلى نهجه سار القاضي النّعمان في كتابه ـ المجالس والمسايرات ـ فجمع المسائل التي تطارحها مع المعز لدين الله الفاطمي ونقل كذلك ابن الجوزي الفقيه الجليل طرائف الأذكياء والمغفّلين وغيرهم في مصنفات كثيرة ففي المكتبة العربية عدد لا يُحصى ولا يُعَدّ من العناوين التي تخصّصت في الظرافة والطرافة والنوادر وحتى في المواضيع التي لا تتقيد بالموانع الأخلاقية والعقائدية من بينها كتاب - نزهة الألباب - لأحمد التيفاشي وكتاب ـ زَهر الآداب ـ لعلي الحصري القيرواني صاحب قصيدة ـ يا ليل الصبّ متى غده ـ ولعلّ كتاب ـ النّديم ـ للأديب التونسي الجيلاني بن الحاج يحي صاحب التآليف التاريخية والأدبية واللّغوية يُعتبر من آخر ما صدر في هذا الصّنف من الأدب الذي ظاهرُه هَزل وفُكاهة وباطنه جِدٌّ ونَقد .
وآخر هذه المصنفات الطريفة كتاب صديقنا منير فلاح ـ فايسبوكيات ـ ويضم ما تيسر لنا جمعه وإعداده من كتاباته اليومية التي دأب على نشرها في صفحته من الفايسبوك لتكون أنموذجا لبقية ما نشر وإن المتأمل فيها يجد فيها الكثير من سيرته الذاتية من حيث النشأة والتربية والدراسة والذكريات المختلفة التي تتراوح من اللعب في الطفولة إلى هوامش المراهقة والشباب وإلى المشاركة في التظاهرات السينمائية والطلابية والسياسية وغيرها من مشاهد حياته اليومية فقارئ هذه اليوميات بما فيها من تفاصيل شخصية دقيقة ووقائع تاريخية وهوامش وذكريات وإشارات ونكت تمثل حقّا أدب الحياة لأنها نصوص حيّة بما فيها من وهج الصدق ولذة المعاناة وهي نصوص يمكن مباشرتها من المداخل الاِجتماعية والنفسية وغيرهما من المناهج المختلفة بما في ذلك الناحية الأدبية سواء من حيث المعجمية أو الأسلوبية فبعض هذه النصوص في شكل الحكمة أو المثل ومن النصوص لها شكل الخاطرة والبعض صيغ في شكل حوار مسرحي أو كأنه تصوير بالكامرا بل إن بعض هذه النصوص يكتسي بُعدا فنيا واضحا إذ نلاحظ في بعضها حذقا لغويا واضحا عندما يعكس المعنى من الضدّ إلى الضدّ مثل قوله في ـ لازمة ـ
لا يحتاج الإنسان الي شوارع نظيفه ليكون محترماً !!
ولكن الشوارع تحتاج الي اناس محترمه لتكون نظيفه!
أو عندما يكرّر نفس الكلمة ولكن يتغيّر معناها في سياقها الجديد كقوله في ـ كحل
غدوة عاشوراء النساء الكل باش تكحل
بالنسبة للرجال بطبيعتهم العام و12 شهر وهم يكحلو
ويعمد أحيانا إلى الجناس حيث يعمد إلى تبديل ترتيب نفس الحروف من كلمة إلى كلمة فيتبدّل المعنى كقوله في - جناس ـ
داخلين لشهر أغسطس وأنا لتوا ما غطسطش
وأحيانا لكأنّك تقرأ نصّا من شعر الومضة أو الهايكو أو من قصائد ـ في غير العمودي والحر ـ كقوله في ـ العشاء ـ الذي اِعتمد فيه على إيقاع الترديد والخاتمة المفاجئة
ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺃﻛﻬﻮ،
ﺗﻨﺠﺢ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺸﺮﻱ ﻛﺮﻫﺒﺔ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﻤﻞ ﺑﻴﻬﺎ ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺒﺪا ﺗﺒﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻮﺻﻞ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﺮﺱ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺠﻴﺐ ﻭﻟﻴﺪ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻤﻮﺕ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮا ﻋﻨﺪﻙ
ﻭﺇﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮﻙ
ﺷﻌﺐ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﻄﺮﺓ
ﺗﻌﻤﻞ ﺟﺎﻡ ﻧﺠﻲ ﻧﺘﻌﺸﻰ
ﻋﻨﺪﻙ
صاحبنا كثيرا ما يذكر العشاء والطعام والنوم وهو لا يخفي هذه الصفات بل يعتبرها من خصائص
الشخصية الناجحة وهو معتز بعائلته التي نشأ فيها فيذكر طرائف وقعت له مع والديه وإخوته وأترابه في
صفاقس التي كثيرا ما يذكر كياسة أهلها في حسن التصرّف ولكن ضمن الاِنتقاد الظريف وهو لا يجد
حرجا كذلك في كشف وقائع محرجة له تلك التي يخرج منها كالشعرة من العجين مرّة ويكون ضحيتها
مرات عديدة فيقبل الأمر برحابة صدر
إنّ فايسبوكيات منير فلاح تمثّل سيرة شخصية وصور اِجتماعية إن شئت وهي هزل ومزاح إن أردت
وهي جِدّ ونقد وتوعية إذا تمعّنت وهي كشف للتونسيين وتصوير لحالهم وأحوالهم إذا غُصت وهي سفر
بين عديد البلدان والقارات من خلال أمثالها ونوادرها إن رحلت .
فأنت مقبل على أدب فيه إبداع وإمتاع وذوق وشوق
إنه أدب جديد
هو أدب الفايسبوك!
***
سُوف عبيد ـ تونس








