عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: على هامش الحروب!!

يقول زهير بن أبي سلمى (520 - 609) ميلادي:

"وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

*

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضرى إذا أضريتموها فتضرم

هذا شاعر وصف الحرب في زمانه البعيد، وهو يترجم السلوك البشري المعبّر عن أمّارة السوء الفاعلة فيه، والساعية لسفك الدماء وزهق الأرواح، وتحسب ذلك نصرا وفخرا.

فالحرب ليست قصصا تروى كما يرى الشاعر، وإنما هي الوجه الآخر لما فينا من عدوانية تجاه أبناء جنسنا، فالبشر يقاتل البشر ويمحق بعضه بعضا، وهذا ديدن السلوك المتوارث عبر العصور، فأول ما أظهره هو جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، كما يُروى.

وهذه إقترابات من زوايا متنوعة للحروب التي لن تتعافى منها البشرية، وهي من رواسخ طباع البشر.

أولا: حرب الحروب!!

كتبنا كثيرا عن الحروب وتوهمنا بأن الأفظع فيها الحروب التي ستستخدم فيها الأسلحة المتطورة، وخصوصا ما تم إختراعه في القرن الحادي والعشرين الذي يتلخص بقدرات إليكترونية عالية، وإمكانيات التحكم عن بعد في العديد من المخترعات الفاعلة في الأرض، ويأتي في مقدمتها المحلقات الذاتية التي يتم التحكم بها عن بعد بعيد، يفوق تصورات البشر، فيمكن التحكم بمقذوف طائر على سطح المريخ وأنت جالس في غرفة في الآرض.

وقبل أن تهب عاصفة الكورونا كنت أتحدث مع زميل عن بلاء الطائرات بدون طيار وما يتصل بها من مخترعات متناهية في الصغر، والتي ستصطاد البشر وتتسلل إلى بيوتهم وتخطفهم خطفا، وإذا بزوبعة كورونا تهب، وتزعزع تفكيرنا وتضعنا أمام مصير مجهول يتساوى فيه البشر، وتتأكد نهايته التي أغفلها طيلة حياته.

فهل ستعلمنا ما ينفعنا، أم أنها ستكون كسابقاتها تعصف بنا وتهدأ، ويمضي البشر على ذات السكة بعدوانية متنامية؟!

تتفاوت الأجوبة، وتتقاطع، ومنا مَن يقول بأننا سنتعلم ونكون أفضل في سلوكنا، ومنا من سيقول لن ينفعنا إلا أن نكون على شفا حفرة من الرحيل، والواقع يقول بأن البشرية محكومة بإرادة النفس الأمّارة بالسوء، ولا قدرة لها على التحرر من قبضتها وأهوال نوازعها ورغباتها المفلوتة.

والحقيقة المريرة التي نغفلها دوما ولا يعجبنا سماعها أو التفاعل معها، تتلخص بأن البشر عصي على التعلم والتفاعل الإنساني الرحيم، مهما توهمنا وشاهدنا من مواقف وحالات، لكنها شاذة وقليلة وغير سائدة، فالذي يسود هو التوحش ونداءات الغاب العاصفة في دنيانا، والتي تدفعنا إلى حيث تريد ونحسب أن ذلك ما نريد.

كم تحدثنا سابقا عن العدو الحقيقي للحياة، وما كان إلا حديثا منبوذا وصوتا مرفوضا، يدعو إلى السخرية، وعندما وقعت الواقعة تجمّد الناس وصاروا في حالة رعب مرير أمام مصيرهم وحتمية نهايتهم، التي لا يمكن التفاعل معها وتغيير نتائجها إلى بجهد عظيم.

فالبشرية لا قِبل لها على مواجهة العدو اللامرئي، وفي كل صولة يأخذ منها آلافا مؤلفة، وإن إستطاعت أن تنتصر على بعض الاوبئة لكن عواصفها لا تزال تهب وتحصد ما تريده من المخلوقات البشرية المبتلاة بالحياة.

والعجيب في أمر البشرية أنها تميل نحو تطرف مخيف في سلوكها، فالثراء الفاحش تطرف والفقر المدقع تطرف، وزيادة أعداد البليونورية تطرف وكذلك زيادة أعداد المفلسين الذين يحلمون بدولار يسد رمق وجودهم لبعض الوقت.

فهل ستستقيم الأمور وندرك أن الحرب الحقيقية هي ضد الظلم وإقامة العدل لكي ترحمنا الأوبئة.!!

ثانيا: حرب على حرب!!

حرب عجيبة رهيبة، العدو فيها لا يُرى، والعتاد لا ينفع، وأضراره لا تُعد ولا تُحصى، وما يفعله بالبشر لم يفعله فايروس قبله، وهو عنيد وبعيد عن الإصابة بما عندنا من الأدوية والوسائل العلاجية الأخرى.

فكيف للبشر القبض على هذا الفايروس وتحديد نشاطاته الإنتشارية الفتاكة؟

عدو يجتاح الأرض ويصيب أقوى دولها بمقتل!!

أوربا بعض دولها تستغيث وقد وصلت إلى حافات الإنهيار الكبير!!

أمريكا تصارع العدوان الفايروسي الذي يستنزف طاقاتها ويشل قدراتها، ويرهنها بموقف الدفاع الضعيف!!

البشر يهرب من الوياء وينزوي في البيوت، فالمدن الكبيرة تحت قرارات حذر التجوال، لأن الفايروس يصول وينتشر بسرعة مخيفة.

إنه أخطر فايروس عهدته البشرية على مر العصور، وهدفه القضاء على الملايين تلو الملايين، وبوسائل غريبة وفتاكة، فهو يشل عضلات التنفس ويقضي على فريسته الآدمية.

فما أن يشل العضلات التنفسية فأنه ينفي الحاجة لأجهزة التنفس الإصطناعي لأنها ستعحز عن تأهيل العضلات للعمل وإسناد الحياة.

مناظر الضحايا مرعبة ومهولة، وعجز القدرات البشرية أشد هولا، وما يرافق ذلك من تداعيات إنفعالية وسلوكيات إضطرابية يجعلنا أمام مصير واحد!!

فالبشرية في يقظة الموت، وبدت حقيقة الحياة أمامها، وإتضح ضعف البشر وعدم قدرته على الإنتصار على مخلوقات لا يراها، لكنها تتسلل إلى بدنه وتقضي عليه.

الموت هو الحاكم والسلطان!!

الموت يحكمنا، ويتسيّد على وجودنا!!

نعم إنه الموت !!

" وإذا المنية أنشبت أظفارها....ألفيت كل تميمة لا تنفع"!!

الموت الذي جاء البشرية بزي كورونا، وبصولته العولمية سيؤذينا!!

فهل سيعظنا ويحيينا؟!!

ثالثا: هل أنها حرب الإغتيالات؟!!

يقولون أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، والكثير من الخبراء والمفكرين يرون أنها حرب تكنولوجية وإليكترونية ولن تكون نووية، ويبدو أن المبتكرات بأنواعها، ومنذ أن إنطلقت بتسارع في القرن العشرين تميزت بإستخدامها للتعبير عن العدوان والشر.

فالطائرة إشتركت في الحرب العالمية الأولى بعد إختراعها ببضعة سنوات، والسيارة وغيرها من المبتكرات، وحتى وسائل التواصل المعروفة التي تألقت في القرن الحادي والعشرين.

ومن الواضح أن الطائرات المسيرة قد إكتسبت أهمية كبيرة وتطورت تقنياتها وتعقدت وصارت تصل إلى أهدافها بدقة متناهية، وهذا ما يحصل في العالم الذي يحقق بها صولات مروعة في أرجاء المعمورة.

وهذه الطائرات المسيرة تعددت أحجامها وتقنياتها وقدرات التحكم بها عن بعدٍ بعيد، إذ يمكن إرسالها إلى الكواكب الأخرى والتحكم بها من الأرض.

وقد تكون الحرب التي يُراد لها أن تتطور في المنطقة من هذه الطبيعة، التي تعني أن الإغتيالات تُواجه بإغتيالات متقابلة، والآلية التي سترد بها القوة التي تم إغتيال أحد قادتها، ربما ستكون بإغتيال ما يماثله من الطرف الذي إغتاله.

وهذا ربما يفسر التباطؤ في الرد وترك الأذرع المتحمسة المندقعة ترد، وفقا لما تقرره إنفعالاتها وتصوراتها القصيرة وتفاعلاتها الهوجاء.

ولسوف تخبرنا الأيام بإتجاهات ومسارات التواصل الإغتيالي ما بين أطراف لعبة الحرب العالمية الثالثة وميادينها المعروفة، والتي سيتحقق تخريبها وتدميرها بالكامل، فهذه الحرب لا تكون في أراضي الأطراف المتحاربة، وإنما على أرض طرف ثالث يتحقق تسخيره وتأهيله لكي يكون في غاية الحماس والإندفاع للسقوط في حبائل الويلات والتدعيات كالمنوّم أو المخمور بالضلال والبهتان.

أجل إن الحرب العالمية الثالثة تستند على معطيات الحربين العالميتين السابقتين لها، وخلاصة الدرس الكبير منهما أن لا حرب على أراضي المتحاربين، إنها أشبه بالمبارزة على أراضي المغرر بهم والملعوب بعقولهم ونفوسهم، وقد تم العمل بموجب هذا الدرس منذ الحرب الباردة التي أدت إلى إنهيار الإتحاد السوفياتي، واليوم الحرب أكثر سخونة بسبب التكنولوجيا المتطورة.

فهل لنا القدرة على الوقاية من السقوط في ميادينها؟!!

رابعا: حرب تأكل قرنا!!

الحرب العالمية الهائلة بدأت منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وهي متواصلة بآليات وأساليب متنوعة، وبقدرات متباينة وفقا لمعطيات الحالة التي تتفاعل معها، فهذه حرب تختلف عن جميع الحروب التقليدية التي أسدل الستار عليها القرن العشرون.

فالبشرية لا يمكنها أن تتواصل من غير حروب وهذا ديدنها منذ الأزل، وبموجب ما توفر من أدوات ووسائل تكنولوجية وإليكترونية وتواصلية متنوعة، فأن الحرب قد أخذت مناهج وإتجاهات ومنحنيات غير مسبوقة، فهي حرب على كافة المستويات وبقدرات معقدة ومتطورة.

إنها حرب نفسية وفكرية وعقلية وسلوكية ومائية وزراعية وتجارية وغذائية ودوائية وجرثومية وبايولوجية وإليكترونية ، وتستحضر ما يمكنها من أدوات التحارب والتدمير.

فكل ما يخطر على البال وما لا يخطر سيحضر في هذه الحرب المروعة، التي تشب في بقاع الدنيا وتطغى أحداثها ونوباتها القاسية على الأخبار المسموعة والمقروءة والمرئية.

ووفقا لما يبدو عليه الواقع الأرضي فأن المجتمعات عليها أن تعي بأنها تعيش حالة حرب شرسة ومتطورة ، وعليها أن تعتصم بإرادة وطنية واحدة، وتُفاعل عقولها وتستثمر في إمكاناتها وتبني ما يحافظ على ديمومتها وتواصلها، قبل أن تتحول إلى قشة في تيار الحرب القاهرة المستعرة.

الحرب تتخذ صفحات متنوعة فهي اليوم في سوحها الكبرى تجارية، وفي تفاصيلها الأخرى دموية تدميرية كما هو الحال في المجتمعات المسلوبة الإرادة والسيادة، وفي أخرى مشاعية الأسلحة الأوتوماتيكية الفتاكة، وعند آخرين صاروخية نووية إليكترونية بايولوجية ترهيبية آثمة.

وبين حين وحين تصعد موجة وتهبط أخرى، وينشغل الكتاب والمفكرون بما ينجم عن الأمواج المتلاحقة ويغفلون التيار وما يصب في نهر الوجيع البشري الدفاق.

والكثير من المجتمعات والشعوب تتحول إلى حطب لها ووسائل لتنفيذ أجنداتها وبرامجها الخلاقة، التي وجدت في مجتمعاتنا الطائفية والمذهبية والدين الذي تقرن به أحداثا ذات إنفعالية طاغية تعمي الأبصار وتشل العقول وتحجب قدراتها على النظر والتقدير.

ولكل حالة أدواتها ومفرداتها التحاربية التي يتحقق تأجيجها والإستثمار الفائق فيها، وما يجري في مجتمعاتنا يمضي وفقا لإرادة هذه الحرب، التي ستتواصل على مدى القرن الحادي والعشرين، وغايتها أن تنمحق الشعوب المطمورة بالأضاليل والبهتان، وتدوسها سنابك القوى الشرسة الإفتراس.

فهل سنتمكن من إستيعاب الصورة الحقيقية للأحداث والتداعيات، ونتفاعل معها بقدرات إحترازية ودفاعية ذات قيمة حضارية وإرادة وطنية حرة؟!!

خامسا: حرب المئة عام بين المسلمين!!

جبل الثلج الطافي فوق مياه التبويق الإعلامي لا يظهر منه إلا رأسه، والنسبة العظمى غاطسة في بحار الأوهام والأضاليل والخدع، والآليات الساعية للإعداد للحرب الطويلة الأمد ما بين المسلمين.

الأقلام تكتب والخطابات تتوالى ووسائل الإعلام بأنواعها تتراكض نحو الوعيد، وكأنها في ميادين تسابق نحو الجحيم.

فمن الذي سيربح من أجيج النيران إذا شبت في المنطقة؟

ومن الذي سيخسر؟

لماذا هذا الإندفاع الأهوج نحو الواقعة؟

العرب لن يتنعموا بحياة أمن وسلام ما داموا من المغرر بهم، ومن الذين يتحقق إمتطاؤهم لتنفيذ المشاريع المضادة لمصالحهم، وما دام المنصبين على وجودهم يتأمّرون ويتآمرون عليهم وهم العبيد لأسيادهم، الذين يحافظون على بقائهم في السلطة لأنهم ينفذون الأوامر ويؤكدون المصالح.

فاللعبة الجارية في الميادين العربية، والتي بدأت بمنزلق اليمن، غايتها أن تمضي الأرض العربية مستعرة على مدى القرن الحادي والعشرين، وأن تكون الحرب ما بين العرب وإيران متواصلة، وما بين العرب والعرب الذين يتم وصفهم بأنهم الأذرع لإيران في المنطقة، مما يعني أنها القارعة وما أدراك ما هي!!

قد يقول قائل أن في هذا الطرح نوع من الهذيان والخيال الجامح، لكن العارف بآليات السلوك الدولي والتفاعلاىت ما بين القوى التي تمتلك خبرات الحروب العظمى، سيعرف أن الأمور تجري بهذا الإتجاه، وأن الدروس المستخلصة من الحرب العراقية الإيرانية، أثبتت أن العرب والمسلمين يمكنهم أن يسقطوا في هوة الحروب الطويلة الأمد، ما دامت أموالهم مسخرة ضدهم.

وبادرة هذه الويلات ما حصل في اليوم والذي توهم القائمون عليها بأنها حرب بضعة أيام أو اسابيع، لكنها تواصلت وتطورت وستتطور أكثر وستمتد نيرانها لتشمل المنطقة بأسرها، وسيتحقق إمدادها بالأسلحة والمعدات والخبرات، والعمل الجاد على تنميتها وزيادة قدراتها التدميرية.

واليوم المسعى لنشوب حرب خليجية إيرانية وخليجية خليجية، مما يعني المسير على سكة إنهاكية ترويعية إستنزافية تدميرية، ستصنع خرابا هائلا وتبذيرا مروعا للثروات العربية، وستفقد دول المنطلقة سياداتها وقدراتها على العيش بلا إعتماد على مستعبد لها.

فالحرب القادمة مئوية المواصفات والتطلعات، وعلى العرب والقوى الإقليمية إدراك اللعبة قبل السقوط في أتونها والتمحن بتداعياتها المريرة القاسية.

فالخاسر هم العرب والإيرانيون، والرابحون قوى معروفة وتريد الهيمنة على المنطقة بأسرها.

فلماذا يجنح المسلمون إلى إفناء بعضهم، ولا يعتصمون بحبل الله الذي به يؤمنون؟!!

أ ليس من الأصلح للجميع أن تسود المحبة والأخوة وقيم حسن الجوار؟!!

فلا تكونن من الغافلين!!

وختاما علينا أن نعرف مواطن قوتنا ومصادر إقتدارنا، وأن نتحد في رؤانا وتفاعلاتنا اللازمة لتأمين مصالحنا والحفاظ على وجودنا العزيز، بدلا من إنزلاقاتنا المتكررة المعدة لإلهائنا ببعضنا، وتشتيت قوانا وتحويلنا إلى ضحايا قابلة للإفارس اللذيذ.

حروبٌ في مَواجعها نضيعُ

كأنّا من جَهالتنا نطيعُ

أرادونا كمُنطلقٍ لوهمٍ

لتضليلٍ وتكفيرٍ نبيعُ

لماذا أمّةُ الفرقانِ تاهَتْ

وأوْهنها التفرّقُ والفَجيعُ

***

د. صادق السامرائي

في المثقف اليوم