من أنت بدون قناعك؟ سؤال يتجاهله البعض عمداً، ويفر منه الآخرون خوفاً؛ إذ يظن الكثيرون أنه عندما يزيل المرء قناعه، فإنه لن يرى سوى وجهه المشوه، أو شخصيته السلبية، أو صفاته السيئة. لكن الخطأ التام ليس هنا، بل يكمن في طريقة التفكير ذاتها، وفي نظرتنا القاصرة لكينونة النفس البشرية.اليوم، وفي غمرة الصخب الرقمي والتحولات المتسارعة، أصبح للإنسان أقنعة متعددة ومتلونة؛ يرتدي قناعاً في حياته الاجتماعية، وآخر في حياته العملية، وقناعاً مختلفاً في حياته العلمية والأكاديمية. يغير الوجوه والسلوكيات ليتكيف، وليجاري عالم الشاشات والمعايير الزائفة. ولكن، أين يكمن صلب الإنسان؟إن المكمن الرئيسي وجوهر الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يكون بلا قناع.. بينه وبين ذاته فقط. هي تلك الشخصية الحبيسة التي لا تظهر إلا في لحظات الصمت المطلق؛ بين الإنسان وعقله، بينه وبين روحه، تنحصر بينه وبين نفسه في تلك الزاوية السرية التي يستحيل على العالم الخارجي اختراقها.والحقيقة الوجودية المجرّدة هي أن هذه الشخصية لن تخرج أبداً للعلن، ومهما تقدم العلم، ومهما تطورت التكنولوجيا، ومهما بلغت وسائل المكاشفة الرقمية، فإن هذا العمق سيظل عصياً على الخروج بتاتاً. ولماذا يستحيل خروجها؟ لأن مكمن نية الإنسان وكينونته كـ "البذرة"؛ إنها تنبت في الخفاء، وتتفرع جذورها في الظلام، وتثمر فكراً وسلوكاً في العلن، لكن البذرة نفسها يجب أن تبقى مدفونة في عمق الأرض. إن خرجت البذرة إلى السطح وانكشفت للنور المباشر، لن تنمو.. بل ستموت وتتلاشى.ولكن، دعونا نصدم أنفسنا بالحقيقة الأعمق قبل أن نغلق هذا الستار: هذه البذرة هي نفسها للجميع. نحن نولد بالجوهر النقي ذاته، والنواة البيضاء ذاتها، لكنها طُمست وتفرعت ببيئة الإنسان. البيئة المحيطة، وثقافة العصر المشوهة، والإدمان الرقمي، هي التي لوثت التربة، وفرضت على البذرة الواحدة المشتركة أن تنبت أقنعة غريبة وصادمة. هنا تنتهي الكلمات.. وتبدأ معركتك أنت مع عقلك لتسأل نفسك: أي قناع ترتدي الآن؟ وما الذي فعلته بيئتك ببذرتك النقيّة؟
***
بقلم: إيمان خريسات








