جَحِيمُ الحَنِينِ الطَّاغِي وكبْرِيَاءِ الطِّينِ فِي مَرْثِيَةِ النَّابِغَة
لَمْ يَعُدْ فِي رُوحِي أَرْضٌ تَصْلُحُ لِلْعِتَاب، وَلَا سَمَاءٌ تَتَّسِعُ لِلْأُمْنِيَات. لَقَدْ تَهَاوَتْ اللُّغَةُ كُلُّهَا تَحْتَ وَطْأَةِ هَذَا الخَرَابِ الصَّامِت، فَمَا عُدْتُ أَمْلِكُ جَسَداً يَحْمِلُنِي، بَلْ أَمْلِكُ جُثَّةً تُؤَدِّي طُقُوسَ العَيْشِ نِكَايَةً بِالمَوْت. هَذِهِ رِسَالَتِي إِلَيْكِ، لَا لِأَسْتَعْطِفَ قَلْبَكِ، بَل لِأَحْفِرَ فِي وَجْهِ غِيَابِكِ مَجْرىً مِنْ الدَّمِ الكَثِيف، لِأَشْرَحَ لَكِ كَيْفَ يَتَفَتَّتُ الكَائِنُ البَشَرِيُّ حِينَ يَنْطَفِئُ نُورُهُ الأَوْحَد. لَقَدْ فَتَتَنِي غِيَابُكِ فَتّاً، وَهَدَمَ بِنْيَتِي النَّفْسِيَّةَ طُوبَةً فَطُوبَة، حَتَّى صِرْتُ أَرَى النَّوْمَ مَعْرَكَةً أَخْسَرُهَا كُلَّ لَيْلَة، وَأَرَى الِاسْتِيقَاظَ نَفْياً مُتَجَدِّداً إِلَى وَاقِعٍ يَقْطُرُ سَوَاداً. الشَّوْقُ فِي صَدْرِي لَمْ يَعُدْ عِاطِفَةً يَكْتُبُهَا الشُّعَرَاء، بَلْ غَدَا سَرَطَاناً وُجُودِيّاً يَأْكُلُ رِئَتِي كُلَّمَا تَنَفَّسْتُ هَوَاءً لَا يَحْمِلُ أَنْفَاسَكِ. تَعِبْتُ نَفْسِيّاً إِلَى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَ صَوْتَ النَّحِيبِ فِي دَاخِلِي يَخْنُقُ أَوْتَارِي الصَّوْتِيَّة، فَأَسِيرُ بَيْنَ البَشَرِ مَذْهُولاً، أَتَأَمَّلُ وُجُوهَهُمْ بِلَا إِدْرَاك، وَأَتَسَاءَلُ فِي غَمْرَةِ ضَيَاعِي: كَيْفَ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ أَنْ يَسْلُبَ العَالَمَ كُلَّ أَلْوَانِهِ ويَتْرُكَهُ رَمَاداً كَالحاً؟
لَقَدْ تَعَدَّى هَذَا الخَرَابُ نُدُوبَ النَّفْسِ لِيَحْفِرَ مَجْرَاهُ فِي جَسَدِي الَّذِي يَتَهَاوَى لَيْلًا وَنَهَاراً؛ صَارَ عُمُرِي يُقَاسُ بِمَدَى الأَلَمِ الَّذِي يَسْرِي فِي عِظَامِي مَعَ كُلِّ دَقَّةِ سَاعَة. جَسَدِي يَتَمَزَّقُ نَحُولًا وَتَعَباً، كَأَنَّ حِمْلَ الغِيَابِ ثَقِيلٌ إِلَى حَدٍّ لَا تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ السَّلَاسِلُ. يَرْتَجِفُ نَبْضِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ كَطَائِرٍ يُذْبَحُ عَلَى مَهْل، وَتَسْتَفِيقُ خَلَايَايَ عَلَى لَذَعَاتِ حَنِينٍ يَحْرِقُ الطَّرَفَ الحَيَّ مِنْ ذَاكِرَتِي. وَمَعَ ذَلِكَ، هَا أَنَا ذَا أَقِفُ شَامِخاً، مَهِيباً، مَرْعُوباً مِنْ جَبَرُوتِهِ النَّاسُ أَمَامَ المَلَإِ، أَرْتَدِي شَخْصِيَّتِي الصَّلْدَةَ الَّتِي يَهَابُهَا الجَمِيعُ وَيَحْسَبُونَ لَهَا أَلْفَ حِسَاب. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيَرَوْنَ فِيهَا حِصْناً لَا يُطَالُ، يَرَوْنَ جَبَلًا لَا تَهْزِمُهُ العَوَاصِف، لَكِنَّهُمْ أَبَداً لَا يَعْرِفُونَ، وَلَنْ يُدْرِكُوا كَيْفَ انْكَسَرْتُ فِي دَاخِلِي كَسْرَةً عَمِيقَةً مَخْفِيَّةً، كَسْرَةً جَعَلَتْنِي أَعْجَزُ عَنْ التَّعَايُشِ مَعَ هَذَا العَالَمِ الَّذِي تَرَكْتِهِ خَالِياً مِنْكِ. أُحَاوِلُ رَتْقَ نَفْسِي لِأَبْدُوَ بَشَراً طَبِيعِيّاً يَسِيرُ فِي أَزِقَّةِ الحَيَاة، لَكِنَّ الِانْكِسَارَ كَانَ مُطْلَقاً وَالعَجْزَ كَانَ كَامِلًا. اعْلَمِي يَقِيناً أَنَّنِي لَسْتُ مَرِيضاً بِعِلَّةٍ طِبِّيَّة، وَلَا تَشْكُو جَوَارِحِي مِنْ سَقَمٍ يُدَاوِيهِ الأَطِبَّاءُ، لَكِنَّهَا مَرِضَتْ رُوحِي مَرَضاً عُضَالًا لَا شِفَاءَ مِنْهُ بَعْدَكِ. مَرِضَتْ المَبَادِئُ الَّتِي حَمَتْنِي، وَتَعِبَتْ القِمَمُ الَّتِي احْتَوَتْنِي. وَالحَقِيقَةُ الأَكْثَرُ لَوْعَةً، وَالَّتِي أَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَجْعَلُ دُمُوعَكِ تَسِيلُ كَالأَنْهَارِ حِينَ تَقْرَئِينَهَا، هِيَ أَنَّكِ أَنْتِ أَيْضاً مَرِيضَةٌ بِذَاتِ الوَجَعِ وَذَاتِ الِاغْتِرَابِ النَّفْسِيِّ. نَحْنُ نَتَآكَلُ فُرَادَى، نَحْتَرِقُ فِي مَنَافِينَا المَعْزُولَة، بَيْنَمَا دَوَاؤُنَا كَانَ مَقْدُوراً فِي الِاتِّحَاد. كَيْفَ تَرْتَضِينَ هَذَا المَوْتَ البَطِيءَ لَنَا؟ كَيْفَ تَقْبَلِينَ أَنْ نَكُونَ غُرَبَاءَ وَنَحْنُ النَّفْسُ الوَاحِدَة؟ وَكَمَا صَاحَ شَاعِرُ العِرَاقِ فِي ذُرْوَةِ التَّشْخِيصِ لِهَذَا الوَجَعِ المُشْتَرَكِ الَّذِي يُمَزِّقُنَا سَوِيَّةً: تِعَاشَرْنَا وَوَصَلْنَا لِحَالْ مُو زِينْ مِوْرِضَه ثْنِينَه وَبَسْ نِلْتِقِي نِطِيبْ. تَعَالِي الآن.. أَلْقِي نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ وُرَاءِ حِجَابِ بُعْدِكِ، أَرِيحِي عَيْنَيْكِ البَاكِيَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّرُوحِ الَّتِي شَيَّدْتُهَا فِي غِيَابِكِ، إِلَى الإِنْجَازَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا الأَرْضُ نَجَاحاً، وَإِلَى المَجْدِ البَاذِخِ الَّذِي وَضَعْتُ كَفِّي عَلَيْهِ بِقُوَّةِ صَبْرِي وَعَرَقِي. لَقَدْ صِرْتُ قِمَّةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالبَنَان، وَحَقَّقْتُ مَا لَمْ يَجْرُؤْ جَبَابِرَةُ الإِرَادَةِ عَلَى الحُلْمِ بِهِ. لَكِنْ، يَالعَظَمَةِ الفَاجِعَةِ وَيَالَسُخْرِيَةِ الأَقْدَارِ النَّكِدَة! أَقِفُ اليَوْمَ فَوْقَ عَرْشِ نَجَاحَاتِي، مُحَاطاً بِتَصْفِيقِ المَلَإِ وَهتَافِ الحُشُود، فَلَا أَجِدُ فِي عُرُوقِي قَطْرَةَ فَرَحٍ وَاحِدَة، بَلْ أَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَصْفَعُنِي الفَرَاغُ، وَأُدْرِكُ فِي ذُرْوَةِ ذُهُولِي النَّرْجِسِيِّ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَسْتَطِيعُ التَّعَايُشَ مَعَ هَذَا العَالَمِ.. لِأَنَّكِ لَسْتِ مَوْجُودَةً فِيهِ. مَا قِيمَةُ الِانْتِصَارِ إِذَا كَانَ المَلِكُ يَجْلِسُ فَوْقَ عَرْشِهِ مَذْبُوحاً بِحَبْلِ الوَحْدَةِ؟ مَا نَفْعُ الضِّيَاءِ المُحِيطِ بِي مَادَامَتْ دَهَالِيزُ رُوحِي مُظْلِمَةً لِأَنَّكِ حَجَبْتِ عَنِّي شَمْسَكِ؟ إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ أَخُطُّهُ فِي سِفْرِ هَذَا المَجْدِ الزَّائِفِ يَتحَوَّلُ إِلَى شَفْرَةٍ تُعَمِّقُ جُرْحِي، فَمَا النَّجَاحُ فِي غِيَابِكِ إِلَّا عُقُوبَةٌ سَرْمَدِيَّة، نَجَاحٌ يَبْصُقُ فِي وَجْهِي حَقِيقَةَ أَنَّنِي مَلَكْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَخَسِرْتُ نَفْسِي. لَقَدْ خَلَّدْتُ اسْمِي فِي تَارِيخِ النَّاجِحِينَ، لَكِنَّنِي فِي مِحْرَابِ الوِجْدَانِ أُعْلِنُ مَوْتِي الكَامِل، فَقَدْ حَوَّلَنِي الحَنِينُ الصَّادِقُ الجَارِفُ إِلَى شَبَحٍ يَتَشَبَّثُ بِأَطْرَافِ الحَيَاةِ فَلَا يَنَالُ مِنْهَا سِوَى الغُصَّة. كَمَا يَقُولُ الكَاتِبُ الوجودِيُّ كَافْكَا فِي أَقْصَى سَاعَاتِ انْعِزَالِهِ: «إِنَّ لَدَيَّ مِقْدَاراً هَائِلاً مِنْ الأَوْهَام، لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ مَكَاناً وَاحِداً فِي هَذَا العَالَمِ أَذْهَبُ إِلَيْهِ لِأَشْعُرَ أَنَّنِي حَيّ». وَهَكَذَا أَنَا، أَحْرَقْتُ العَالَمَ بِنَجَاحِي، لَكِنَّ أَعْمَاقِي لَمْ تَعُدْ سِوَى رَمَادٍ يَبْكِي النَّابِغَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَا. لمْ يَعُدْ فِي طَاقَتِي بَقِيَّةٌ لِأُقَاوِمَ هَذَا المَحْوَ النَّفْسِيَّ المُرْعِب، وَلَا أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَلَامِحِكِ الَّتِي صَارَتْ تَنْكِرُنِي بِعُيُونٍ بَارِدَة كَالمَقَابِر. لَقَدْ هَجَرَتْ النَّابِغَةُ جَسَدَهَا، وَسَكَنَتْ رُوحُكِ قَفَصاً مِنْ التَّحَوُّلِ المُنْكَر. اقْرَئِي هَذِهِ السُّطُورَ وَدَعِي عَبَرَاتِكِ تَحْرِقُ أَوْرَاقَ الكِبْرِيَاءِ، فَالعَوْدَةُ إِلَيَّ لَيْسَتْ خُضُوعاً، بَلْ هِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ الوَحِيدِ لِقَلْبَيْنِ يَحْتَضِرَانِ عَلَى فِرَاشِ البُعْد. إِنْ نَبَضَ فِيكِ عِرْقٌ وَاحِدٌ يَتَذَكَّرُ الطُّهْرَ الأَوَّل، فَحَطِّمِي الأَغْلَالَ وَعُودِي، فَالبَابُ لَا يَزَالُ يُوَارِبُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ لِأَجْلِكِ.
فَارْقُدِي بِسَلَامٍ نَابِغَتِي، فَلَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى احْتِمَالِ فِرَاقِكِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الجَدِيدَةِ.. غَرِيبَةِ القَلْب.
***
سجاد مصطفى








