حين تتباعد المسافات
عشتُ طفولتي في كنف عائلة كبيرة، في بيت واسع يجمع تحت سقفه ثلاثة أجيال. كان أبي، رحمه الله، كبير العائلة والمسؤول عن إدارة شؤونها المالية والاجتماعية. كانت كلمته مسموعة ومحترمة من الجميع؛ يفصل في النزاعات، ويوجّه إخوته وأبناءه، ويسعى إلى الحفاظ على تماسك الأسرة ووحدتها.
لم تكن الحياة، رغم بساطتها، خالية من المشاحنات والخلافات الطبيعية التي تفرضها الحياة المشتركة، لكن المحبة والتسامح والشعور بالمسؤولية كانت عوامل تساعد الجميع على تجاوز الخلافات وتقاسم الأعباء. ولم تكن عائلتنا استثناءً؛ فقد كانت معظم العائلات العراقية، في زمن ليس ببعيد، كبيرة تضم الأجداد والجدات، والآباء، والأبناء، والأحفاد. وكانت البيوت تتسع للجميع، والأهم من ذلك أن القلوب كانت هي الأخرى واسعة تتسع للجميع. كان أفراد الأسرة يعيشون متقاربين، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، وينتقلون بينهم بصورة طبيعية بالخبرة والقيم والعادات. وكان الصغير يكبر وهو يعرف كبار عائلته ويحترمهم، ويجد فيهم السند والنصيحة والحماية.
ثم بدأت الحياة تتغير. فمع انتشار التعليم واتساع فرص العمل وتبدل أنماط الحياة، ظهر جيل جديد أكثر انفتاحًا على ثقافات وأفكار مختلفة. ومع اختلاف الظروف وطرق التفكير، اتسعت الفجوة بين الأجيال، وأصبحت الأسرة الصغيرة تحل تدريجيًا محل العائلة الكبيرة. استقل الأبناء في مساكنهم، وتوزعت الأسر، ولم يعد من الضروري أن يعيش الأبناء مع آبائهم أو حتى بالقرب منهم. ومع ذلك، بقيت صلة الرحم حاضرة. كانت الأعياد والمناسبات والعطل فرصًا تلتقي فيها العائلة، فتستعيد شيئًا من دفء الماضي، ولو لأيام قليلة.
لكن التغيير لم يتوقف عند هذا الحد. فقد شهد العراق خلال العقود الماضية ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية دفعت كثيرًا من أبنائه إلى الهجرة؛ بحثًا عن الأمان، أو هربًا من المضايقات، أو سعيًا إلى فرص عمل أفضل، أو رغبة في بناء حياة أكثر استقرارًا. وهكذا لم تعد العائلة الكبيرة موزعة بين بيوت متقاربة أو حتى داخل مدينة واحدة، بل أصبح أفرادها يعيشون في مدن وبلدان، بل وقارات مختلفة.
وأصبح اللقاء الذي كان أمرًا طبيعيًا في الماضي يحتاج إلى تخطيط وسفر ووقت، في ظل مسؤوليات العمل والدراسة وتربية الأبناء وغيرها من مشاغل الحياة. ولم تعد المسافات تلغي المحبة بالضرورة، لكنها جعلت الحفاظ على العلاقات العائلية يحتاج إلى وعي وجهد وإرادة.
أتذكر، في سبعينيات القرن الماضي، عندما كنت أدرس الدكتوراه في إنجلترا، أن عطلة الكريسماس كانت بالنسبة إلى بعض زملائي الإنجليز فرصة سنوية للقاء أهلهم. كنت أستغرب ذلك وأمازحهم، متسائلًا كيف يتحملون البعد عن ذويهم طوال عام كامل! وكنت أتفاخر أمامهم بما كنا نعيشه في العراق من قرب عائلي وتواصل شبه يومي مع الوالدين والإخوة. لكن الأيام دارت، وآل بنا الحال اليوم إلى ما هو أشد. ففي زحمة الحياة الحديثة، ومع تباعد الأبناء في أصقاع الأرض، أصبحنا نبحث عن فرصة نلتقي فيها بأبنائنا وبناتنا، وقد تمر سنة أو أكثر من دون أن تجمعنا بهم الأيام.
ومن هنا أرى أن مفهوم تماسك العائلة يحتاج اليوم إلى أن يُفهم بصورة مختلفة. فالتماسك لم يعد يعني بالضرورة أن نعيش تحت سقف واحد، أو في مدينة أو بلد واحد؛ فهذا لم يعد ممكنًا لكثير من العائلات. لكنه يعني أن تبقى العلاقة حية، وأن يبقى لكل فرد مكان في قلب الآخر. قد تكون المسافة بيننا آلاف الكيلومترات، لكن كلمة طيبة، أو اتصالًا هاتفيًا، أو سؤالًا صادقًا عن الأحوال، أو مشاركة في فرح، أو مواساة في حزن، يمكن أن تبقي خيط التواصل ممتدًا. فإذا تباعدت الأجساد، ينبغي ألا تتباعد القلوب.
ومع مرور السنوات، يكبر الأبناء ويتزوجون ويصبحون أرباب أسر، ويأتي الأحفاد، فتتسع العائلة من جديد، ولكن بصورة مختلفة. تتعدد الشخصيات والطباع والثقافات ووجهات النظر، ويصبح أفراد الأسرة موزعين في بلدان مختلفة. وقد يصل الأمر إلى أن يكبر أبناء العم والخال والعمة والخالة وهم لا يعرفون بعضهم إلا معرفة عابرة.
وكلما اتسعت العائلة، ازدادت تشعباتها واحتمالات الاختلاف فيها. وما كان يبدو بسيطًا داخل الأسرة الصغيرة قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتعدد الشخصيات والظروف. وليس الاختلاف في حد ذاته علامة على ضعف الروابط؛ فالعائلة الحقيقية لا تعني أن يتطابق أفرادها في آرائهم واختياراتهم، وإنما أن يعرفوا كيف يختلفون من دون أن يقطعوا ما بينهم من مودة ورحمة.
وهنا تكمن حاجتنا اليوم إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى. فتماسك العائلة لا يتحقق بمجرد صلة القرابة، بل يحتاج إلى أن يشعر كل فرد بأنه جزء من كيان أكبر منه، وأن نجاحه لا ينفصـل عن خير عائلته، وأن مساعدة القريب عند الحاجة مسؤولية أخلاقية، متى توفرت القدرة والإمكان.
ولا تخلو العائلات الكبيرة من الغيرة والتنافس، ولا سيما بين الإخوة وأبناء العم. وهذا أمر قد يكون طبيعيًا ما دام في حدوده الإنسانية. لكن المهم أن تتحول الغيرة إلى منافسة شريفة تدفع إلى الاجتهاد والنجاح، لا إلى الحسد والكراهية والتقليل من شأن الآخر. فنجاح أحد أفراد العائلة ينبغي أن يكون مصدر فخر للجميع، وحافزًا للآخرين، لا سببًا للفرقة.
والأبناء والأحفاد لا يتعلمون معنى العائلة من الكلمات وحدها، بل مما يرونه في سلوك آبائهم وأجدادهم. فإذا نشأوا في أجواء من المودة والاحترام والتسامح، وتعلموا أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن العتاب لا يعني الكراهية، وأن القريب يُساند عند الحاجة، حملوا هذه القيم معهم إلى أسرهم ومستقبلهم.
ولعل أجمل ما نستطيع أن نورثه لأبنائنا وأحفادنا ليس بيتًا كبيرًا يجتمعون فيه كما كان آباؤنا وأجدادنا، فقد لا نستطيع أن نوفر لهم ذلك. لكننا نستطيع أن نترك لهم عائلة كبيرة في معناها، متماسكة في محبتها، متعاونة في شؤونها، متسامحة في خلافاتها، لا تفرقها المسافات ولا تنهيها اختلافات الرأي.
فالعائلة قد تتغير أشكالها، وقد تتباعد مساكنها، وقد يحمل أفرادها جوازات سفر مختلفة، ويعيشون في بلدان وقارات متباعدة، لكن جوهرها ينبغي أن يبقى واحدًا: أن يجد الإنسان فيها من يحبه، ومن يقف إلى جانبه ويعينه عند الحاجة، ومن يفرح لفرحه ويحزن لحزنه.
فما أجمل أن تكبر العائلة، وتتسع دائرتها، وتتباعد المسافات، بينما تتقارب القلوب وتتكاتف الأيدي يجمعها قول الله تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى".
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








