صورة كمقدمة
في يده كتاب، كل الأعين تترصّده، تُحصي حركات شفتيه، واصبعه حين ينتقل بين الصفحات، تنظر إليه شزراً وتوجُّساً كأنه يحمل ممنوعات أو قنبلة موقوتة تنتظر ساعة انفجارها، بينما تحمل الأيادي الأخرى هواتف تكان الأعين تشقُّ شاشاتها لتدخلها، بين الصورة والصورة، تتهامس الألسن، وتشير الأصابع، وتتغامز الأعين، نظرات حذرة مستنكرة ومتوجّسة، تثير كثيرا من الأسئلة، بينما يستمر الكائن الغريب في القراءة بنفس الحركات في غير اهتمام بما يدور حوله.
مفارقة صادمة، تثير كثيراً من الأسئلة، بين كوننا "أمّة اِقرأ"، وبين الواقع الثقافي المرير الذي وصلنا إليه، هي واحدة من أعمق الفجوات الحضارية التي نعيشها، إذ حوّلت القراءة في وعينا الجَمْعي إلى طقس نخبوي، بدل أن تكون القراءة أداة حية وعلمية لفهم الكون وتطوير الحياة يتقاسمه الجميع.
صناعة النُّفور من القراءة..
في زمن تحكّمت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وسلطان الصورة، وارتخاء الفكر عن السؤال، ومسائلة الواقع الذي اعتاد أهله العتمة والظُّلمة والفكر النّائم المريح، زمن تحولت فيه القراءة إلى فعل منافٍ للأعراف، حين أصبح القارئ متمرّداً يهدّد ما تواضع عليه النّاس، وما جاءت به النظم المعلوماتية، علينا أن ننظر في أصل هذا النفور، في البدايات والمنطلقات الأساس، فعندما ارتبطت القراءة في عقل الصِّغار بالامتحانات، ولا تتجاوز الحفظ والتلقين والنقط والخوف من الرسوب، نشأت العداوة تجاه الكتاب، واضمحلّ شغف القراءة، لأنها هنا، لا تولِّدُ المتعة والفضول العلمي، بل تنتهي بانتهاء الامتحان، فيُعلن الصّغار تحرُّرهم من الكتاب الذي ارتبط في وعيهم بالقيد والتوتّر والانتظار. فالقراءة في أوطاننا لا تؤدّي إلى التّساؤل والنقد والتفكير الإبداعي وفهم العالم من حولنا، خصوصاً حين هجمت علينا، من حيث ندري أو لا ندري، وسائل التواصل الاجتماعي بنُظُمها المعلوماتية المُصمّمة بدقة العارفين لاختطاف الإثارة البصرية وحجزها في خانات ضيقة تهتم بالصورة واللون بعيدا عن القراءة وفك شفراتها، وسلب العقول وقولبتها لتقرأ ببلادة مُمنْهجة، وتبتسم ببلاهة ظاهرة تُبدي للنّاظر التفاهة التي تغوص فيها حدّ غياب الوعي، حتى أصبح حامل الكتاب وسر القراءة يغرّد وحيداَ خارج السّرب، وتلك ضريبة الوعي الواعي بأهمية القراء في مجتمع يقدّس السير مع القطيع.
"اِقرأ" أمر بوصفه واجبا إنسانيا..
في زمن العميان، يعيش الغربة من يتمسّك بالقراءة كمنهج حياة، وكواجب وفرض ، ومتّهم، بل خطر على ما تعارف عليه التّافهون الذين جعلوا الكتاب خلف ظهورهم، وأطفأوا النور، واستحلوا العمى حين رأوا في العتمة راحة.
"اِقرأ"، أمرٌ واضحٌ وجلي، والأمر واجبٌ تنفيذه وتطبيقه، ليس اُعبد أو جاهد أو هاجر..، "اِقرأ"، لا للتهجّي وفك رموز الحروف والكلمات، بل فعل إدراك ووعي وبحث عن الحكمة التي هي ضالّة المومن/الإنسان، ليبني وعيه على علم لا عن جهل وتقليد، وتبصّر لا عن اتباع هالك. فالذي يُعطي الوجود معناه وقيمته هو الإنسان القارئ الواعي بما يقرأ، والواعي بالأمر، فيتأكّد المعنى ويتحوّل الوجود من عشوائي تبعي إلى خروج واع عن المألوف وما تواضع عليه الآخرون، فيتأكّد الأثر، وينغرس المعنى، وتُعَمّر الأرض بالحق والعدل والخير، وتتحقق بذلك حقيقة الاستخلاف في الأرض. فاِقرأ أعمق من فتح كتاب، إنها إنصاتٌ لنبض الوجود واكتشاف سنن الكون، وفهم الغاية العظمى منه. وبالصّدّ عن الأمر، نُحيي عصر حرق الكتب وقتل القارئين الذين أسّسوا للسؤال والبحث فيما يمنح الأشياء حقّها وقيمتها، إذ يتجلّى كُره القراءة بوصفه موقفاً دفاعيا، لأنّها تُسفِّه اختيارات العُمْي الذين بنوا "ثقافتهم" على الاتّباع والتقليد وسياسة القطيع، يأخذون من الآخر حياته ويتلبّسونها هانئين مفتخرين بعقولٍ مرتاحة لا تسأل، ولا تفكّر في الحال ولا في المآل، وعيونٍ اطمأنّت للحياة في غيابٍ تام عن البحث والسؤال في جدوى البُنى القائمة على التّضليل والمتحكّمة في هذا العمى الذي استفحل، ضدّ القراءة والكتاب، واستسهل ما وصل إليه من تردّي وتفاهة بعيون لاصقة بشاشات لا تتجاوز مساحتها حجم الكفّ.
إن صناعة العمى والنفور من الكتاب، واغتيال شغف القراءة، تجعل النّظر في الكتاب نقمة، وجريمة وتخلُّف، ومن القارئ المتبصّر مغتربا منبوذاً، وحمله للكتاب تهديد لما ارتاح وتعارف عليه العُمي الذين يبحثون عن السّهل الذي أحدثته النّظم المعلوماتية والذي أصبح متهافتاً عليه، ومُستباحاً، ومشاعاً من دون ضوابط، عبر الأساليب النّاعمة كالتّسطيح المُمنهج، وإغراق الفضاء العام بالمعلومات التّافهة، وتحويل القراءة إلى تُهمة فكرية لا طائل منها.
هل يحتاج العالم إلى القراءة؟..
القراءة أكثر من فهم، إنها تحوُّل وليست استيعاباً عقليا فحسب، بل ولادات في فضاءات المعنى تتعدّد وتتجدّد، والكتاب، للأسف، في زمن العميان يبحث عن موطئ قدم، لا لمنافسة الهواتف النّقّالة، وسطوة النظم المعلوماتية، فبحكم تعقّله لا يمكنه أن يدخل في حرب، والحرب خُطّة وليست خدعة، لأن الكتاب لا يخدع قارئه، فهو يسعى إلى بعث الأمر الإلاهي من تحت الرّماد، وفتح قنوات تواصلية جديدة لإحياء الفعل القرائي على أسس فكرية ناقدة مبنية على السؤال والنّقاش المثمر. فالقراءة عمقٌ في زمن السّطحية، ومقاومة للرداءة في عصر الميديا، وحصن من الانقياد للشائعات والتّضليل الإعلامي.
أن تقرأ، في زمن العميان، يعني أن تعيش غريباً كالقابض على الجمر، وسط غرباء اختاروا غربتهم حين تواطأوا على كراهية الكتاب والفعل الثقافي عموماً، لأن القراءة نداء عميق يأتي من داخلنا، تُرمّم ما انكسر منّا وتُؤثّث تفاصيل الحياة بما يصلح لوجودنا.
القراءة مرهم للنفوس التي أعْمَتْها مباهج الحياة، وسهّلت وصولها إلى ما تريد من دون جهد أو إعمال للفكر، فالعُمي استحلّوا السّهل، فباتوا في عماهم ضد التغيير، وضد السؤال، وضد القراءة، إذ، وحدها القراءة نور ودونها العُقم والعقر، وتدنّي المعنى وإنسانية الإنسان، وانمحاء الغاية من الوجود. القراءة في وضعٍ لا تُحسد عليه في مجتمعات تزداد عمى وبعدا وتعقيداً، منكفئة على ذاتها تتناقل أسرارها داخل دائرة تضيق كلما مرّ الزمن، بينما عجلة العالم تدور مسرعة تحصد كلّ شيء، ولا تعترف بشيء.
يتجلّى كُره وعداء القراءة بوصفها موقفا دفاعياً، لأنها تُسفِّه اختيارات العُمي التي تنبني على القراءة بداية ومنتهى..
القراءة تمثل رحلة كاملة للوعي الإنساني وتطوره. فهي الشرارة الأولى لطلب المعرفة وخوض غمارها وجني ثمارها لبناء العقل والحضارة والإنسان، وهي الغاية الأخيرة التي نصل بها إلى عمق فلسفة الحياة وفهم العالم. وهي رحلة بلا نهاية، لأنها الادراك التّام لاتّساع جهل الإنسان أمان المعرفة ليشقّ مجاهلها ومداراتها، لتصبح النّهاية بداية لرحلة جديدة في دائرة مكتملة لا تنتهي.
في مجتمعات تُفضّل العتمة والاستسلام للتضليل، واستساغة السرعة في الحصول على المعلومة مقزّمة لا تُسمن ولا تُغني من علم، تكون القراءة حافلة بالمخاطرة، إذ أصبحت خط الدفاع الأخير عن العقل البشري وعن السؤال. فالقراءة تمنحك مساحة خاصة للتفكير بعيداً عن ضغوط القطيع والنظم المعلوماتية، وتؤهّلك لخوض حرب التجهيل، وتُعيد للغة عمقها وقدرتها على التعبير عن الرفض، وتخلق لدى الفرد صلابة نفسية وفكرية تمنعه من الانهيار أمام قطعان التجهيل، وترفض الوصاية على العقل، وتصر على أن تكون شاهداً على الحقيقة، لأنها تحمل داخلها أسلحتها القادرة على إنقاذنا من أنفسنا ومن براثن السطحية والرداءة التي طبعت أدق تفاصيل حياتنا، حين فقدنا القدرة على الإصغاء لذواتنا الحائرة.
ختاما..
القراءة تعيد تشكيل وعي الفرد، وتستأنف بناءه الإنساني ليواصل تواجده الحضاري والتغييري للخروج من قهره الاجتماعي وتجاوز ذاته للإطاحة بالعزلة والأنانية، وهدم الجسور والحدود الذاتية، للوصول إلى الآخر وإلى العالمية والتاريخية، والمشاركة البنّاءة بدل الارتهان للجاهز والسائد من الأفكار.
القراءة صمّام أمانٍ فكري ونفسي وحضاري، وضمان استمرار السؤال والتّطوّر والابتكار، وحصن لحماية إنسانية الإنسان، والراعي الوحيد لعدم انقراض الوعي البشري، وهي فعل هدم وبناء، لأنها تعيد فحص الأسباب، وطرح السؤال حول البنى المتحكمة في هذا العمى الذي يتفشّى بسرعة بين الأوساط، خصوصا الشبابية منها، كما أن نظرتنا لها يجب أن تتغير وتتحول إلى فعل مقاومة جذري.
الرهان اليوم على أولئك الذين يصرّون على فتح الكتاب، ويؤمنون بان التغيير يتطلب صبرا ووقتا وتضحيات، لأنهم آخر حُرّاس الذاكرة، الواقفون على ثغور المحو، والشاهدون على أن الإنسان ذاتٌ مفكّرة لا مقلّدة، يُثير الأسئلة لترى ما وراء الأفق.
***
عبد الهادي عبد المطّلب
الدار البيضاء/المغرب








