عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ليلى تبّاني: ثم لتُسألنَّ يومئذٍ عن النّعيم...

يا لمرارة خيباتنا حين ندرك أنّ أخطر ما فينا أنّه بمقدورنا أن نعرف أشياء كثيرة دون أن تتغير حياتنا بسببها، عرفنا أن العمر قصير وبدّدناه، ويقينا عرفنا أنّ الذين نحبّهم سيموتون ثمّ أجّلنا محبتهم إلى غد، وأيّ غد؟، عرفنا أنّ الظلم يترك ندبا في الأرواح، ومارسناه على من هو أضعف منّا، وكم عرفنا معنى الوحدة، وتركنا من هم بحاجة لوجودنا في حياتهم وحيدين، يااااه... عرفنا معنى الخوف ثمّ أصبحنا نحن أنفسنا مصدرا لخوف الآخرين، بل ربّما مصدرا لازعاجهم وإحباطهم من حيث لا ندري أو ربّما من حيث نقصد ونسعى، ولَكَمْ عرفنا أنّ الموت قادم يتربّص بنا من كلّ صوب، وفي كلّ وقت، ثمّ مشينا في الأرض كأنّنا خالدون... ما أعدل أن نؤاخذ على ما اقترفناه في حقّ أنفسنا! بل في غايات الحياة ذاتها، حين ظنّنا أنّ الحياة على الأغلب تكون في غرفة جميلة نجلس فيها، أو ربّما في قصر جميل يأوينا، أو في سيارة فارهة تشكّل بهرج حياتنا. بينما الحياة تحدث خارج إطار التفاهات المادية، ولا تحدث إلاّ في الخارج، خارج أسوار بيوتنا، وخارج نطاق معتقداتنا وقناعاتنا، بل يتشكّل ملمح الحياة مع تقاطعات إخفاقاتنا، واكتشافنا الحقيقة عند كل سقطة ووثبة... حينها ندرك أن الحياة تحدث داخل المعنى.

حينها نقتنع شيئا فشئا أنّ اليقين له بؤرة تعرف بمنطقة المعرفة الباردة، إذ يتدرّج من حرارة الغواية بالأشياء والأشخاص في غفلة منّا، ثمّ تُفتح أمامنا درجات متصاعدة من الإدراك، إدراك من يعلم بقين الحقيقة، ثمّ ينعم الله علينا فتتبدّى أمامنا الحقيقة، وتُكشف أمامنا السبل لإدراكها كما هي لا كما نراها أو كما سوّلت لنا أنفسنا أن نراها، فنراها بعين اليقين، لكنّنا سرعان ما نتلقّى ضربة موجعة، تكشف لنا بطلان ادّعائنا، لأنّنا علمنا، وكابرنا، ورأينا ومازال يهلكنا الأمل، ووصلنا إلى حقّ اليقين فصدمنا ببرودة المنطقة التي حللنا بها، كأنّها نهاية الطريق كلّه ! ما أغرب ما نمرّ به، نعرف فنرى، فنتيقن، ثمّ نُسأل عن يقيننا، كأنّ المعرفة ليست امتيازا، بل بداية مسؤولية، وكأنّ العين حين ترى الحقيقة لا تعود بريئة كما كانت قبل أن تراها. فليس كلّ علم يقينا مكتملا، قد أعرف أن الماء موجود، وقد أراه أمامي، لكنّني لا أذوقه، فإذا شربته صار جزءا مني. ولعلّ هذه هي المسافة بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ففي علم اليقين أعرف الحقيقة، وفي عين اليقين أراها، وفي حق اليقين لا تعود الحقيقة شيئا خارج وجودي، بل تدخلني وتطالبني بأن أكون على قدرها. لذلك فالسؤال الأخطر ليس" هل عرفت؟ "ولا حتىّ "هل رأيت؟" بل ماذا فعلت بعدما عرفت ورأيت؟

ولعمري فقد يعرف الإنسان أن الحبّ حرية ثم يحوّل من يحب إلى سجين، وقد يعرف أن الكرامة حقّ ثم يهين من لا يملك الدفاع عن نفسه، وقد يعرف أن الموت قادم ثم يعيش كأنه خالد. نحن لا نُختبر فقط بما نجهله، أحيانا نُختبر بما نعرفه. فحجّتنا قبل المعرفة أن نقول" لم نكن نعلم"، أما بعدها فيبدأ العذر في الانهيار، وقبل الرؤية نستطيع أن نقول "لم أرَ "، أما بعدها فإنّ الهروب من الحقيقة يصبح اختيارا. فلكم عرفنا الطريق الطريق ولم نمشه، ولكم عرفنا من يستحق اعتذارنا وأجّلناه، وكم من صديق يتعب في صمت، وقلب قريب منا يوشك أن ينطفئ، ثمّ نتصرف حيال ذلك ببرود، كأن الحياة تمنحنا فرصة أخرى لنجد من هؤلاء نسخا احتياطية نعيش بها الوقت بدل الضائع.

لذلك أحبّتي أوصيكم وأنا أعلم علم اليقين بأنّكم تعرفون، وأرى بعين اليقين ما ترونه، وأرى حق اليقين بأن تحوّلوا الحقيقة فيكم إلى مسؤولية، ومعارفكم إلى أخلاق، وأبصاركم إلى رحمة، وأن تتّخذوا من يقينكم تواضعا. فما إن عرفتم أكثر عذرتم أكثر، وما إن رأيتم أكثر حكمتم أقل. إذا لمستم هشاشة الآخرين فلا تتلذذوا بكسرهم، فلربما كان الجاهل أخفّ مسؤولية من العارف الذي لم يفعل شيئا بعلمه.

وهنا يصبح النعيم نفسه سؤالا. العقل نعيم، والصحة نعيم، والوقت نعيم، والحبّ نعيم، والقدرة على المعرفة نعيم، فماذا فعلنا بكل ذلك؟ كم مرة استعملنا الثقافة لاحتقار الآخرين بدل إنقاذ أنفسنا من الغرور؟ كم مرة تحدّثنا عن القيم ونحن نعيش ضدّها؟ كم مرة مر بنا النور فأغلقنا الأبواب في وجهه؟

إن المعرفة التي لا تغيّر صاحبها قد تكون شكلا آخر من أشكال الترف، لأن الحقيقة حين تدخل حياتك لا تتركك كما كنت، إنها تطلب ثمنها. وحين نعود إلى الآية، نفهم أن النعيم ليس ما نملكه فقط، بل ما أُتيح لنا أن نصنع به: " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ " آية 8 من سورة التكاثر، فيتحقّق معنى بيت الشعر للمتنبي:" ذو العقل يشقى في النعيم بعقله // وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ".

عندها لا يعود السؤال ماذا كنت تعرف؟ بل ماذا صنعت بما عرفت؟ ولا يكون الرعب في أن تكون قد عشت في الظلام، بل في أن تكتشف متأخّرا أنّك رأيت النور، ثمّ اخترت أن تطفئه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في المثقف اليوم