في قاعة المحاضرات القديمة بجمالياتها الحجرية ودفء أخشابها خلال في مرحلة الدراسات العليا في جامعتي الحبيبة جامعة القدس أبو ديس كنتُ أجلس في المقاعد الأخيرة أستمع بإنصات لأستاذ الأدب العباسي الدكتور نافع عبد الله ابن قرية دير سودان رحمه الله وهو يتحدث بصوت رخيم عن "مثلث النقائض".
كان يخطّ على السبورة بخط عربي أصيل أسماء الثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل، ويشرح كيف تراجع هذا الفن بشكله التقليدي القائم على العصبية القبلية والمفاخرة بالأنساب أيام العرب، وتحوّل إلى هجاء شخصي حضري أو سجالات أدبية وثقافية متأثرة ببيئة بغداد المدنية والنزعات الفكرية كالشعوبية.
في ذلك الزمن وبينما كانت صولات المعارك الكلامية ورماد الهجاء الأدبي يتطاير في أرجاء القاعة كنتُ أتأمل الهندسة الخفية للوجود، فاستقرت في ذهني يومها فكرة ساحرة بأنّ أشياء هذا العالم تُبنى في كلياتها على أشكال ثلاثية، لكنّ أضلاعها وزواياها متفاوتة الطول والاتساع.
مرت السنوات، وتدرجتُ في دراساتي العليا، وتلاطمت بي أمواج الحياة وصخب الميادين، وفي كل مرحلة كنتُ أجد نفسي أجمع شتات تجاربي في مثلثات شتى، منها ما كانت زواياه حادة تُؤلم، ومنها ما كانت أضلاعه متنافرة حتى استقر بي المطاف ذات مساء، لأرسم أجمل مثلثاتي على الإطلاق في مثلث السعادة.
نعم، لقد رسمتها في زاوية بيتي الهادئة التي تحجب فيها الستائر المنسدلة ضجيج العالم الخارجي حتى اكتملت أركان عالمي الخاص
كان الضلع الأول هو "العزلة" تلك المساحة الآمنة التي اقتطعتها لنفسي لياقةً ونقاءً لروحي التي أرهقها الزحام. في هذا الفراغ المقدس يسكت الصوت الخارجي ليعلو صوتي الداخلي.
وكان الضلع الثاني هو القهوة ذلك السائل الداكن الذي يتصاعد بخاره كبخور عتيق، عي طقس انتباه، ووسيط سحري يقف حارساً على حدود ذهني ليمنع الشتات.
أما الضلع الثالث، والأحبّ إلى قلبي، فكان "الكتاب" جليسي الذي لا يملّ، وسفيري القادم من أزمنة بعيدة الذي يحول عزلتي من جفاف إلى ثراء، ويمنح فنجان قهوتي مداه الفكري العميق.
أجلس اليوم في منتصف هذا المثلث، وأمتد بين أضلاعه الثلاثة بشغف وسكينة، وأشعر بأنّ العالم كله يهدأ حول هذه الأركان.
رفعْتُ فنجاني، ونظرتُ عبر النافذة إلى ركض الأيام، ثم كتبتُ في مفكرتي متسائلةً بابتسامة هادئة:
لقد اخترتُ أضلاعي التي أقمتُ عليها سكن روحي... فلو أردتم انتهاج مساري، أي مثلث تحبون؟ وما الأضلاع الثلاثة التي ستختارونها لتشيدوا عليها عالمكم؟.
***
غدير حميدان الزبون
فلسطين








