أين يجد الإنسان ضالته في زمن المصالح؟
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}
تلك الآية الكريمة تلخص أقدم وأعمق الأزمات الإنسانية التي نعيش امتدادها الشرس في عالمنا المعاصر، حيث يمر المجتمع بتحولات حادة تشوهت على إثرها الروابط البشرية، فتحولت الأواصر التي جُبلت على المودة والرحمة إلى مساحات شاسعة من الاستثمار النفعي الضيق. لقد تراجعت القيم النبيلة أمام طغيان الأنانية الفردية وتغليب المنفعة الذاتية على الصالح العام، فأصبح الآخر في نظر الكثيرين لا يُرى كإنسان يستحق التقدير لأجل ذاته، بل مجرد أداة لتحقيق مأرب آني أو معبر يُتسلق عليه لنيل غاية واهية. هذا التحول العنيف أفرز واقعاً مأزوماً يتجلى في تناقض القول مع الفعل، حيث يرتدي البعض أقنعة اللطف والوداد في العلن، بينما تبطن سرائرهم حسابات مادية تجعل الود رهين العطاء فقط.
وهذا الزيف الاجتماعي ليس وليد اليوم، بل هو مسلك قديم حذر منه الشعراء والمفكرون على مر العصور، ولعل أمير الشعراء أحمد شوقي قد اختصر هذا السلوك الإنساني المتلون في بيتين سائرين ينبهان على خطورة الانخداع بالظاهر، حيث يقول:
يَمشي المِصَبِّحُ بِالسَلامِ غِشاوَةً ... وَيَبِيْتُ يَسعى في الخَفَاءِ مَلاحِيا
صَحِبوا النِفاقَ مِنَ الشَبابِ كَأَنَّما ... وَجَدوا عَلَيهِ مِنَ الأُبُوَّةِ كافِيا
هذه الصورة الشعرية البليغة نراها تتجسد بوضوح في شواهد حية من واقعنا اليومي؛ فنلمسها في خيبة المرء من قريبه الذي يفيض لسانه بالثناء والمحبة في المحافل والمناسبات العائلية، لكنه يتوارى عن الأنظار و تتبدل لهجته فور حاجتك لدعم معنوي أو وقفة إنسانية صادقة. كما تتجلى في زيف بعض الصداقات التي تظنها حصوناً منيعة، لتكتشف فجأة أن الطرف الآخر إنما كان يتقرب إليك ليحوز حظوة أو مصلحة معينة، وما إن انقضت حتى استحال ذلك الدفء بروداً وجفاءً لا مبرر له. ولعل بيئات العمل لا تخلو من هذه الشراسة الخفية، حيث يبتسم الزميل في وجهك مبرزاً أسمى آيات التعاون، بينما يسعى في الخفاء وبكل السبل لإحباط جهودك أو تسلق أكتافك لتأمين ترقية شخصية على حساب عرقك وجهدك.
وأمام هذا المشهد الضبابي المتكرر، يرتد بصر الإنسان حسيراً وهو يقف حائراً في منعرجات الطريق، باحثاً عن طوق نجاة يعيد لروحه الاستقرار ويحميه من وعثاء الصدمات المتلاحقة، وهنا تبرز منارة الحكمة في فكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لترسم معالم الخلاص. فقد وضع الإمام :دستوراً نفسياً واجتماعياً شديد الدقة لمعالجة هذه الحيرة من خلال قولين بليغين؛ أولهما
"راحة الإنسان في عشرة: العزلة عن الناس والصمت" أن تقصد بالعزلة هنا انقطاعاً سوداوياً عن الحياة أو هروباً من مواجهة الواقع، بل هي بمثابة مصفاة نفسية وعقلية يحمي بها العاقل لبه وصحته النفسية من الانجرار خلف صغائر الأمور والمعارك الهامشية، ليصبح الصمت ترفعاً عن مجاراة النفاق، وتغدو العزلة وقتاً مستقطعاً يعيد فيه المرء ترتيب أولوياته، وتأمل سلوكيات البشر بعين فاحصة مدركة دون أن يتأثر بأمواج زيفهم.
ومن رصيف تلك العزلة الحكيمة، ينطلق المرء نحو مجتمعه مطبقاً التوجيه العلوي الثاني: "كن معهم ولا تكن فيهم"، وهو القول الذي يمثل قمة الذكاء الاجتماعي والتوازن الروحي؛ إذ يوجهنا نحو تعايش واعي ومستقل، بأن نعيش مع الناس نشاركهم أوجاعهم وأفراحهم، ونؤدي مسؤولياتنا الاجتماعية والعملية والرحمية، ونبادلهم العطاء والدبلوماسية الراقية، لكن دون أن نسمح لزيفهم أن يتسلل إلى أعماقنا، أو تدع قيمك تذوب في قوالب منافعهم، فلا تهتز ثقتك بالمبادئ الثابتة مهما تقلب من حولك. ولكي يستمر الإنسان في مسيرة حياته بثبات يقي من الخذلان، تبرز التوصية بضرورة توطين النفس على أن تغير الأحوال قانون طبيعي في البشر، مع ضرورة وضع حدود واضحة وأشرعة متزنة لكل شخص في حياتك، بحيث يتعامل المرء مع الآخرين بظاهرهم الجميل دون رهن السلام الداخلي بنواياهم الباطنة، مع تلمس النماذج القليلة النادرة التي لا تزال تحتفظ بفطرتها السليمة لتكون هي الدائرة المقربة.
وفي نهاية المطاف، يدرك العاقل أن ضالته الحقيقية وسط هذا الضجيج العارم والعلاقات المهتزة لن توجد أبداً في رصيد العلاقات النفعية، بل تجد مستقرها الآمن في التصالح العميق مع الذات والالتجاء الصادق إلى الله سبحانه وتعالى؛ فالبشر راحلون ومتحولون، والمصالح تفنى بتغير الظروف، بينما يبقى وجه الحق ثابتاً لا يعتريه تبديل. وعندما يستند قلبك إلى الحي الذي لا يموت، ويمتلئ عالمك الداخلي بالقيم النبيلة والعطاء غير المشروط، ستنظر إلى أقنعة البشر المتهالكة من حولك بشفقة لا بنقمة، وتسير في دروب الحياة حراً، معافى من خيبات الظنون، مستمتعاً بتلك السكينة الفكرية الراقية التي تصنع لك سلاماً داخلياً لا يهزه ضجيج العالم وصخبه.
***
بقلم صبيح الكعبي








