بينما كنت أستطلع أسماء الكتّاب الكبار الذين سيحلّون ضيوفا على الصالون الدولي للكتاب سيلا، حضرني وبقوّة اسم الروائي الكبير "محمّد مولسهول"، المعروف أدبيا بــ "ياسمينة خضرا"، كنت قد اطلعت على بعض أعماله، منها سنونوات كابل، الصدمة وصافرات انذار بغداد، وتشكّل هاته الأعمال ثلاثية الشرق التي يعالج من خلالها قضايا المشرق، وكانت قد نالت رواجا واسعا، لكن ما استوقفني بإشارة من قارىء نبيه هو روايته " فضل اللّيل على النهار "، الرواية التي كانت محلّ انتقاد لاذع من المفكر الروائي القدير "رشيد بوجدرة" في كتابه "زناة التاريخ"، ورغم اطلاعي العابر على كتاب بوجدرة، إلى أن أهمية الموضوع جعلتني أعود اليه وأمعن قراءة ما بين السطور والكلمات، والحقّ ان عاودني الدّهش فتساءلت: أليس من حقّ كل كاتب أن يروي التاريخ من زاويته، كما يحق للناقد أن يختلف معه؟ أم أنّ على مولسهول أن يرى الأحداث بعينيّ بوجدرة حتّى يرضى عنه؟
ولكي نكون أكثر انصافا بل أكثر عدلا، لا بدّ أن نفهم أوّلا ما الذي دفع بوجدرة إلى تأليف كتابه. فهو لا يقدّمه بوصفه خلافا أدبيا مع كاتب أو اثنين، بل بوصفه معركة لحماية الذاكرة الوطنية من قراءات يراها مشوِّهة للتاريخ الجزائري، ومتصالحة مع السردية الاستعمارية، ومفتونة بالاعتراف الفرنسي والجوائز الغربية. وقد شملت حملته أسماء متعدّدة، منها بوعلام صنصال وكمال داود ووسيلة طمزالي وسليم باشي وعلي بومهدي، كما تناول فريال فورون، التي انتقد روايتها عن جدّها بوعزيز بن ڨانة، معتبرا أنّها قدّمت صورة تبريرية لشخصية يحمّلها مسؤولية ارتكاب جرائم في حقّ الجزائريين. واعترض على رواية صنصال "القرية الألمانية" لما رآه فيها من تشبيه جيش التحرير الوطني بالنازية، وانتقد رواية طمزالي "تربية جزائرية" بسبب روايتها عن إعدام والدها وما يرتبط بذلك من رواية اعتذار منسوبة إلى عميروش، كما أخذ على علي بومهدي طرحه الذي يفهم منه أن ديغول منح الجزائر استقلالها هدية. أما كمال داود، فتركز اعتراضه عليه في كتاباته ومواقفه التي رأى فيها إساءة إلى الجزائريين وتبريرا، مباشرا أو غير مباشر، للسردية الاستعمارية. وفي اعتقادي أن تلك المبرّرات في جوهرها، حجج بوجدرة كما عرضها في كتابه، ولست أراها سوى اتهامات ينبغي أن تُفحص كلٌّ على حدة، لا أن تتحوّل بمجرد ورودها في كتاب هجائي إلى حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
لكن ما يعنيني، على وجه الخصوص، هو موقفه من ياسمينة خضرا، لأنّ الخلاف هنا يمسّ سؤالا أدبيا وفلسفيا بالغ الأهمية، فيما إذا كان الروائي يُحاسَب على ما كتبه فعلا، أم على التاريخ الذي كان ينبغي له، في نظر ناقده، أن يكتبه؟
في رواية "فضل الليل على النهار"، يختار خضرا أن يروي مأساة يونس، الذي يُعرف لاحقا باسم جوناس، وأن يجعل من الحب والصداقة والهوية والذاكرة مداخل إلى مجتمع جزائري ممزّق في زمن الاستعمار. وقد أخذ عليه بوجدرة أن الرواية، في قراءته، تلمّح إلى إمكان التعايش الودي بين الجزائريين والمستوطنين الأوروبيين، وتمنح العلاقات الإنسانية مساحة قد تُلطّف صورة الاستعمار، فيما يتراجع خلفها العنف الذي صنعه القهر والإقصاء والمجاعة والمقبرة والمقصلة. ورأى في هذا المنحى ضربا من الحنين إلى الماضي الاستعماري، أو مساهمة في صناعة صورة متصالحة معه. وهنا أجدني أمام سؤال لا يقلّ أهمية عن سؤال بوجدرة نفسه: أليس من الممكن أن يكتب الروائي عن إنسانية فرد داخل منظومة ظالمة من دون أن يبرئ المنظومة؟ أليس من الممكن أن يحب جزائري امرأة فرنسية، وأن تجمع الصداقة بين شخصيات تنتمي إلى ضفّتي الاستعمار، من دون أن تصبح الرواية بيانا سياسيا يروّج للتعايش الاستعماري؟ إن إنسانية الفرد لا تمحو مسؤولية النظام، كما أن تصوير علاقة حب لا يساوي المصالحة مع التاريخ. ومع ذلك، يظلّ من حقّ الناقد أن يسأل: هل نجح الروائي في إظهار اختلال موازين القوة؟ وهل أنصف الضحية التاريخية؟ وهل تحولت الحكاية الفردية إلى ستار يحجب البنية الاستعمارية؟ تلك أسئلة مشروعة، لكنها تحتاج إلى تحليل النص، لا إلى افتراض النوايا.
يضع بوجدرة الروائي مولسهول، في خانة من يرى أنّهم يساهمون في إعادة تشكيل الذاكرة الجزائرية على نحو يخدم الحنين إلى المستعمِر أو يخفّف من مسؤوليته التاريخية (وهو اتهام مباشر بخيانة الوطن). غير أنّ الخلاف الجوهري هنا، هو أنّ التاريخ يختلف عن الرواية، وإن كانت الأخيرة تستعير منه مادتها، كما أنّ الروائي ليس مؤرخا ملزما بأن يكتب سجلا شاملا لكلّ الجرائم والوقائع. فهو في الحقيقة حرّ في اختيار شخصية، وزاوية، ولحظة، وصوت، ليصوغ منها عالما فنيا. ولهذا يجوز أن ننتقد ما اختاره وما أهمله، لكن لا يجوز أن نفترض أنّ كل ما لم يضعه في مركز الحكاية قد تعمّد إنكاره، أو أنّ كل شخصية أنسنها قد أراد بها تبرئة تاريخها، وإلاّ انحرفنا بتأويلاتنا من قرّاء ونقّاد إلى حرّاس نوايا.
أما بقية الأسماء التي تناولها بوجدرة، فإنها تكشف أن معركته أوسع من خلافه مع خضرا. فقد رأى في كتابات صنصال عن التاريخ الجزائري، ولا سيما "القرية الألمانية "، تحريفا لصورة جيش التحرير، وفي طرح كمال داود عن المجتمع الجزائري إساءة إلى الإنسان الجزائري وتغذية لصورة استشراقية عنه، وفي رواية وسيلة طمزالي إعادة صياغة لوقائع الثورة على نحو يراه مشككا في شرعيتها، وفي موقف سليم باشي من الجزائر، حين وصفها بالديكتاتورية، تعميما لا يقبله. كما انتقد علي بومهدي بسبب تصوّره لدور ديغول في استقلال الجزائر. ولم يقف بوجدرة عند هؤلاء، بل تناول أيضا ألبير كامو، لا من حيث موهبته الأدبية التي أقر بها، بل من حيث مواقفه السياسية من استقلال الجزائر والثورة التحريرية، ولم يكن متفرّدا في طرحه حول كامو، خاصة أن هناك من سلط الضوء على مواقفه وكتابته مقارنة مع معاصره سارتر ومواقفه المشرّفة ضد وطنه الأم.
قد نتفق مع بوجدرة في ضرورة مقاومة تزوير التاريخ، وفي أن الاستعمار ليس حكاية عاطفية بريئة، وأن الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تتحوّل إلى سلعة تُسوَّق لإرضاء الأدب وقرّاء غايتهم التسلية. لكن الاتفاق مع المبدأ لا يفرض علينا قبول كل حكم أصدره، ولا يمنح أحدا سلطة تصنيف الكتّاب بحسب مقدار وفائهم للصورة التي يتبناها عن الوطن. فالتاريخ يحتاج إلى الدقة، لكنه يحتاج أيضا إلى التمييز بين الوثيقة والتأويل، وبين الخطأ التاريخي والاختيار الفني، وبين نقد موقف سياسي وإدانة صاحب الموقف كلّه. ثم إن أخطر ما في هذا النوع من السجال هو الانتقال من مناقشة الفكرة إلى تشخيص صاحبها وتصنيفه. حين نستدعي مفهوم "عقدة كراهية الذات" عند فرانتز فانون لتفسير مواقف كتّاب مختلفين، فإنّنا ننتقل من نقد ما كتبوه إلى تفسير دوافعهم النفسية والهوياتية. وقد يكون مفهوم الاستلاب الاستعماري أداة فكرية مهمة لفهم بعض الظواهر، لكنّه لا يصلح وحده مفتاحا شاملا لكل اختلاف... وإلا تحول من أداة للتحليل إلى تهمة جاهزة، ومن مفهوم فلسفي إلى ختم يُطبع على جبين كل من خالفنا. ليس كل من اختلف مع قراءتنا للتاريخ كارها لذاته، وليس كل من أنصف شخصية من المستعمِرين متواطئا مع الاستعمار. المعيار هو الحجة، والقرائن، والنص، لا التخمين في أعماق الضمائر. وسبر القلوب وتأويل العبارات وتحريف غاياتها الدلالية.
إبداع ما قدّمه مولسهول، وجميل ما قام به بوجدرة، لكن علينا أن نعود إلى منطقه في تأويل النوايا والعبارات، ونقف عند العنوان "زناة التاريخ"، فيستوقفني بما يحمله من فظاظة (على أن يتّهمني انا الاخرى بخواء الكتابة ووردية عالمي الحالم الواهن كما وصف عالم احلام مستغانمي)، فهل تحتاج فكرة الكتاب إلى هذا القدر من الخشونة كي تثبت قوّتها؟ أليس في اللّغة من سعة ما يسمح بنقد حاد وعميق دون أن يتحوّل العنوان إلى إدانة جارحة تسبق الحجة؟ لبوجدرة حقّ اختيار عنوانه، ولنا حق مساءلته، فحرية التعبير لا تعني أن تكون اللّغة فوق النقد. فقد تكون العبارة الصادمة قادرة على جذب الانتباه، لكنّها لا تصبح، بمجرد صدمتها، دليلا على صحّة ما تقوله. فالقوة ليست أن تجرح فحسب، بل أن تقنع، وليست أن ترفع صوت الاتهام، بل أن تجعل حجتك قادرة على الصمود أمام السؤال. وانا حيال ذلك، لست أدافع عن خضرا بوصفه كاتبا لا يخطئ، ولا أطالب بوجدرة بالصمت. إنّما أدافع عن حق الاختلاف، لا قداسة للروائي، ولا عصمة للناقد، ولا زاوية واحدة لكتابة التاريخ. فحرية الرواية لا تعفيها من النقد، وحرية النقد لا تمنحه سلطة مصادرة حق الكاتب في الرؤية والتخييل. وليس مطلوبا من خضرا أن يكتب كما يكتب بوجدرة، كما ليس مطلوبا من بوجدرة أن يوافق على كل ما يكتبه خضرا أو غيره، إنّما المفروض أن يبقى الخلاف على أرض الأفكار، وأن نناقش الرؤى بما فيها من قوة وقصور، بدل أن نجعل الاختلاف في ذاته قرينة اتهام.
وما أحوجنا، ونحن نستقبل محمد مولسهول ضيفا مقتدرا مكرّما للصالون الدولي للكتاب، إلى الاحتفاء بتعدّد الأصوات بدل تحويل الأدب إلى محكمة تُوزَّع فيها صكوك الوطنية والوفاء للتاريخ. إن استضافة كاتب لا تعني تبني كل مواقفه، كما أن نقده لا يعني إسقاط منجزه كلّه. نحن نستقبل مشروعا أدبيا لنقرأه، لا لنمنحه حصانة، ولا لنضعه في قفص الاتهام قبل أن نفتح كتبه. ومن حقنا أن نختلف مع خضرا، مثلما من حقنا أن نختلف مع بوجدرة، فالوطن الذي يثق بذاكرته لا يخاف تعدد القراءات، بل يختبرها ويغربلها ويستخرج منها ما يقوّي وعيه.
أقولها وبصوت عال، يا جناة اللغة وطغاة النوايا، اكتبوا كما تشاؤون وانتقدوا كما تشاؤون، لكن لا تجعلوا اختلاف الرؤية خيانة، ولا تجعلوا فظاظة اللفظ دليل قوة، ولا تتّخذوا من النوايا المفترضة بديلا عن النص. فالأدب الذي لا يحتمل الاختلاف أدب مقيّد، وما الطائل من أدب مكبّل بالاتهامات والكتابة حرّية، كما أنّ النقد الذي لا يحتمل الرد ليس حوارا وأساس تقدّم الأمم لغة الحوار، ثقوا أيها الجناة الطغاة الغلاة، أنّ اللغة التي تحتاج إلى الإهانة كي تثبت قوّتها هي لغة أضعف من أن ترتقي بها الشعوب.
***
ليلى تبّاني - الجزائر








