فخ الأسئلة الملغومة والمناورة التضليلية
يطالعنا الفضاء الفكري بين حين وآخر بأسئلة مفخخة تهدف إلى خلق تقاطعات وهمية بين الثوابت الكبرى والانتماءات الوطنية.
وفي هذا السياق، تأتي هذا القراءة لتفكيك هذا الاشتباك المفتعل والقائم على التلاعب بالمصطلحات وتحديد مراتب الأولويات بدقة.
قراءة المصطلحات: اطلاق مصطلح العقيدة دون تحديد ماهيتها امر مخادع وفيه مناورة تضليلية؟
تتكرر بين حين وآخر سجالات تُطرح فيها أسئلة تبدو في ظاهرها بريئة ومستفسرة، لكنها في جوهرها تطوي مناورة فكرية تهدف إلى إيقاع المتلقي في مفاضلة مصطنعة بين أمرين لا ينبغي إعمال المفاضلة بينهما في الظروف الطبيعية: «العقيدة أم الوطن؟».
ماهية العقيدة المقصودة:
العقيدة المقصودة محل النقاش اليوم هي "الشريعة الاسلامية"، كعقيدة ربانية ابدية، ولا يقصد بها العقائد الارضية عند التفاضل.
وهي أحكام شرعية إلهية لا تتبدل ولا تخضع لإملاءات الجغرافيا والمكان.
موقف الشريعة الإسلامية:
جاء التأصيل الشرعي ليرسخ «أسبقية العقيدة وحفظ الكرامة الإيمانية» بدليل رباني قاطع من القرآن الكريم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]
الآية توبيخ صريح لمن قبل بالعيش تحت مظلة الظلم والقهر واستسلم لتعطيل أحكام عقيدته السماوية بحجة "الاستضعاف" أو التمسك بالوطن.
دعا النبي ﷺ بعد الهجرة قائلاً:
«اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».
وفي ذلك رمزية عميقة في التآلف بين العقيدة والوطن الذي يحميك وينصرك ايماناً بعقيدتك، ولو كان غير وطنك الأصلي.
العقائد الأرضية مذاهب شتى:
اما العقائد الارضية (الشيوعية، القومية، النازية، الامبريالية، الاحزاب القومية والدينية ......) فهي آراء وافكار شخصية تتبناها جماعات سياسية او اجتماعية تهدف الى تحقيق غايات سياسية او وطنية او اقتصادية او دينية وهي متنوعة ومتفرقة وعلى خلاف دائم او موسمي وقابلة للمراجعة والنقد وغالباً ما تضمحل بمرور الزمن ويتقدم عليها الوطن عند التعارض
مرجعية الوطن (الكيان والجغرافيا): الجغرافيا ليست قدراً أبدياً والشعوب في حركة مستمرة؛
ومن رأى أن وطنه الجغرافي يفتقر للديمقراطية أو العدالة، فله مطلق الحرية في الهجرة واكتساب وطناً وجنسية أخرى، وتنسى أجياله اللاحقة وطنها الأصلي عبر تعاقب القرون.
فأغلب أسر العراق وشعبه مثلاً ترجع جذورهم التاريخية إلى الحجاز واليمن بوصفهما وطنهم الأصلي القديم، وترانا لا نحمل اليوم جنسية اوطاننا القديمة.
تعدد الهويات الفرعية والجدل المزمن
عانى العراق والعراقيون عقوداً من محاولات طمس الهويات أو تغليب هوية فرعية على أخرى، مما جعل المواطن في اختبار دائم لولاءاته، وتبقى مثل هذه الاسئلة تدور وتدور عبر الأجيال.
خلاصة القول:
*إن العقيدة (الشريعة الإسلامية) هي المرجعية المطلقة والغاية العظمى لحفظ كرامة الإنسان، وتتقدم على تراب الوطن عند الإكراه والظلم بنص قرآني صريح.
* أما الوطن فهو الساحة الطبيعية لعمارة الأرض وإقامة العدل، ولا يتعارض وجودنا فيه مع العقيدة إلا في عهود القهر والطغيان.
* أما الأيديولوجيات الأرضية فتبقى خيارات بشرية مرنة قابلة للنقد والمراجعة ويتقدم عليها الوطن عند التعارض.
المقارنة بين العقيدة والوطن ليست مقارنة بين نقيضين أو خيارين يجب أن يلغي أحدهما الآخر، بل هما ركنان أساسيان في تكوين الإنسان وانتمائه، حسب الأصل.
***
فارس حامد عبد الكريم








