عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عامر ملوكا: العقيدة أم الوطن؟

ما الذي يجمع الإنسان بالآخرين بصورة أعمق: العقيدة التي يؤمن بها، أم الوطن الذي ينتمي إليه؟ وأيهما ينبغي أن تكون له الأولوية عندما تتعارض المعتقدات مع المصالح الوطنية، أو عندما يجد المواطن نفسه أمام خيار بين ولائه لجماعته الدينية ومسؤوليته تجاه بلاده؟ وهل يمكن أن يصبح الانتماء العقائدي مبررا لتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن؟

إنه سؤال يتجاوز الجانب الديني والفلسفي، ليمس جوهر وجود المجتمعات واستقرار الدول واستمرار الشعوب. فالعقيدة جزء مهم من تكوين الإنسان، والدين مصدر للإيمان والقيم والمعنى لدى ملايين البشر، لكن الوطن هو المساحة المشتركة التي يعيش فيها الناس، ويتقاسمون أرضها وتاريخها ومصالحها ومستقبلها، مهما اختلفت معتقداتهم.

وعندما نقول إن العقيدة تتقدم على الوطن، يبرز سؤال جوهري: أي عقيدة نقصد؟ وهل توجد عقيدة واحدة متفق عليها حتى بين أتباع الدين الواحد؟

إن الدين الواحد يضم مذاهب ومدارس فكرية متعددة، وقد تختلف هذه المذاهب في فهم النصوص المقدسة وتفسيرها، وفي تحديد ما هو واجب وما هو محرم. وداخل المذهب الواحد نفسه، تتعدد الاجتهادات والتفسيرات، وقد يصل أصحابها إلى نتائج متباينة رغم استنادهم إلى المصادر ذاتها. فإذا كان الاختلاف قائما بين أتباع الدين الواحد، فكيف يمكن جعل تفسير عقائدي محدد معيارا مطلقا للولاء الوطني؟

المشكلة ليست في تعدد العقائد، بل في تحويلها إلى وسيلة للتمييز بين المواطنين، أو إلى مبرر لاحتكار السلطة والحقوق والامتيازات. فحرية الإنسان في الإيمان حق أصيل، لكنها لا تمنحه الحق في فرض معتقداته على الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم. والدولة لا تحتاج إلى توحيد عقائد مواطنيها كي تكون قوية، بل تحتاج إلى توحيدهم حول المواطنة والعدالة والمساواة وسيادة القانون.

ولو كان الاشتراك في الدين الواحد كافيا لضمان الوحدة والسلام، لما شهد التاريخ حروبا بين شعوب تنتمي إلى الدين نفسه. فقد شهدت أوروبا حرب الثلاثين عاما بين 1618 و1648، كما شهد التاريخ الإسلامي صراعات بين قوى تنتمي إلى الدين نفسه، تداخلت فيها الخلافات العقائدية مع المصالح السياسية والصراع على السلطة والنفوذ. وهذا يؤكد أن وحدة الدين لا تلغي اختلاف المصالح، وأن بناء الدول واستقرارها يحتاجان إلى أسس أوسع من وحدة المعتقد.

أما الوطن، فهو ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل تاريخ وذاكرة وثقافة ومؤسسات ومصالح مشتركة، وهو الإطار الذي تتشابك فيه حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبل أبنائهم. وقد يهاجر الإنسان إلى بلد آخر، وينشأ فيه أبناؤه، لكنه يحتفظ بصلته بوطن أجداده، كما يمكنه أن ينتمي إلى وطنه الجديد من دون أن يتنكر لجذوره.

ولعل من الأمثلة التي تستحق التأمل قصة الملاكم الأمريكي جوني منصور، المعروف باسم Jonny Mansour، والملاكم جوليوس «جوجو» بلو، وهما من أصول عراقية كلدانية تعود إلى بلدة القوش في سهل نينوى. وقد نشأ في الولايات المتحدة واستفادا من البيئة الرياضية التي احتضنت موهبتيهما، ومن فرص التدريب والتطور التي أتاحها لهما المجتمع الأمريكي.

ومع ذلك، ظل ارتباطهما بجذورهما العراقية حاضرا في مسيرتهما، وأبدى جوني منصور وجوجو بلو تطلعهم إلى تمثيل العراق في أولمبياد لوس أنجلوس عام 2028. وهنا تكمن دلالة تتجاوز حدود الرياضة: إنسان ولد ونشأ في بلد آخر، واستفاد من مؤسساته، لكنه يحمل في داخله ارتباطا بوطن أجداده، ويتطلع إلى رفع اسمه في المحافل الدولية.

إن هذين الملاكمين لا يحتاجان إلى التخلي عن هويتهما الكلدانية أو انتمائهما المسيحي لإثبات ارتباطهما بالعراق، كما لا يحتاجان إلى إنكار فضل الولايات المتحدة التي احتضنت موهبتيهما. فهذه الانتماءات ليست بالضرورة متناقضة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يعتز بجذوره، ويقدر المجتمع الذي نشأ فيه، ويسعى في الوقت نفسه إلى خدمة وطن أجداده.

وهنا تبرز مفارقة مؤلمة تستحق التأمل: كيف يستطيع شاب عراقي الأصل يعيش في المهجر أن يحمل حلم تمثيل العراق ورفع علمه، بينما يقدم بعض أبناء العراق في الداخل مصالحهم الحزبية والطائفية والفئوية على مصلحة بلدهم؟

بينما يسعى رياضي في المهجر إلى تحقيق إنجاز يحمل اسم العراق إلى العالم، نجد بعض السياسيين والمتنفذين في الداخل ينشغلون بالصراع على السلطة والمناصب والمكاسب، حتى لو كان الثمن إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات بين المواطنين. وبينما ينظر أبناء المهجر إلى العراق بوصفه جزءا من هويتهم وذاكرتهم العائلية، يتعامل بعض أبنائه مع الوطن وكأنه غنيمة تتقاسمها الجماعات المتنافسة.

ولا يعني ذلك التعميم على العراقيين في الداخل أو أبناء المهجر؛ ففي العراق آلاف المواطنين الذين يعملون بإخلاص ويضحون من أجل مجتمعهم، كما أن أبناء المهجر ليسوا جميعا على موقف واحد. لكن المقارنة هنا بين نموذجين: نموذج يجعل الانتماء الوطني مسؤولية وعطاء، وآخر يقدم الولاء للجماعة والمصلحة الخاصة على حساب الوطن.

إن الوفاء للوطن لا يقاس بمكان الإقامة، ولا بالدين أو المذهب أو القومية، ولا بالشعارات التي نرفعها في المناسبات. إنه يقاس بما يقدمه الإنسان من عمل، وبمدى احترامه حقوق الآخرين، واستعداده للدفاع عن المصلحة العامة، ورفضه تحويل الدولة إلى أداة لخدمة جماعته أو مصالحه الشخصية.

وإذا نجح جوني منصور أو جوجو بلو في تمثيل العراق في أولمبياد لوس أنجلوس 2028 وتحقيق ميدالية، فسيكون إنجازه مصدر فخر للعراقيين جميعا، ولا سيما أبناء القوش والمسيحيين العراقيين. وسيكون إنجازا وطنيا يستحق الاحتفاء به بصرف النظر عن دين صاحبه أو مذهبه أو مكان ولادته.

إن الوطن الذي يستطيع أبناؤه في المهجر أن يجدوا فيه معنى للانتماء وفرصة للعطاء، هو وطن يستحق أن يلتفوا حوله. أما حين يشعر المواطن بأن حقوقه تتوقف على انتمائه الديني أو القومي، أو أن الفرص توزع وفق الولاءات الحزبية والطائفية، فإن الرابطة الوطنية تضعف، ويصبح الانقسام أكثر احتمالا.

ولا يعني الدفاع عن الوطن مطالبة الإنسان بالتخلي عن عقيدته. فالمواطن المسيحي لا يحتاج إلى التخلي عن مسيحيته ليكون عراقيا مخلصا، والمواطن المسلم لا يحتاج إلى التخلي عن إسلامه، كما أن أبناء القوميات المختلفة ليسوا مطالبين بالتنازل عن لغاتهم وثقافاتهم لإثبات ولائهم الوطني. المطلوب هو أن يدرك الجميع أن اختلافاتهم لا تلغي مسؤوليتهم المشتركة عن الوطن.

إن الإيمان، في نظر كثير من المؤمنين، يرتبط بقيم العدل والصدق والرحمة واحترام الإنسان، لا بتبرير الظلم أو إقصاء الآخرين. وعندما تتحول العقيدة إلى مبرر للفساد أو التعصب أو التمييز، يصبح من الضروري مراجعة فهمنا للانتماء، والتساؤل عما إذا كنا نخدم قيمنا حقا أم نستخدمها لتبرير مصالحنا الضيقة.

إن ديمومة الشعوب لا تقوم على تطابق معتقداتها، بل على قدرتها على التعايش واحترام التنوع وبناء مؤسسات عادلة وتقديم المصلحة الوطنية المشتركة على التعصب والانقسام. فالوطن القوي ليس هو الذي يتشابه أبناؤه في كل شيء، بل الذي يستطيع المختلفون فيه أن يعيشوا معا بكرامة، وأن يتمتعوا بحقوق متساوية، وأن يشعروا بأن مستقبلهم مرتبط بمستقبل بلدهم.

في النهاية، لسنا مضطرين إلى الاختيار بين الإيمان والوطن؛ إذ يستطيع الإنسان أن يكون مؤمنا مخلصا لوطنه في الوقت نفسه. لكن عندما تتحول العقيدة إلى مبرر للإضرار بالوطن أو التمييز بين أبنائه، تصبح المواطنة العادلة ضرورة لا غنى عنها.

قد تجمع العقيدة أتباعها، لكن الوطن ينبغي أن يجمع الجميع. وإذا كان أبناء العراق في المهجر قادرين على حمل حلم تمثيل وطن أجدادهم إلى المحافل الرياضية العالمية، فمن الأولى أن يكون أبناؤه في الداخل أحرص الناس على حمايته من الفساد والانقسام والتعصب.

***

د. عامر ملوكا

في المثقف اليوم