حين يصبح الإنسان غريباً بين أفراد أسرته
تقرير إنساني عن العزلة الأسرية ومعاناة الإنسان في خريف العمر
ليست كل أشكال الغربة مرتبطة بالابتعاد عن الوطن أو مفارقة الأهل والأصدقاء، فثمة غربة أكثر قسوة وإيلاماً، يعيشها بعض الناس خلف أبواب منازلهم، حين يجد الإنسان نفسه وحيداً وسط أسرته، وتتحول المساحة التي يفترض أن تكون مصدر دفء وأمان إلى مكان تسكنه العزلة والصمت.
في خريف العمر، حين يحتاج الإنسان إلى من يشاركه تفاصيل يومه، ويطمئن عليه في لحظات تعبه، ويكون قريباً منه عند المرض والألم، تبدأ معاناة صامتة عندما تتحول العلاقة الزوجية إلى مجرد تعايش تحت سقف واحد، دون مشاركة حقيقية أو اهتمام متبادل.
ومن المؤلم أن يصل الأمر ببعض الأزواج إلى أن يعيش كل واحد منهم في مساحة منفصلة داخل المنزل، وكأن بينهما مدناً وحدوداً لا يمكن تجاوزها والمحيطات تفصلهما . أحدهما يطبخ طعامه بنفسه، ويقضي ساعات يومه وحيداً في غرفته، فيما يعيش الطرف الآخر في عالمه الخاص يستمتع بمسلسلات التلفاز، دون أن تجمعهما تفاصيل الحياة اليومية التي كانت يوماً أساس العلاقة الزوجية.
وتزداد هذه المعاناة قسوة عندما تقترن بالمتاعب الصحية. فأن يستيقظ الإنسان ليلاً مختنقاً بسبب نوبات الربو، ويضطر إلى الاستعانة بالبخاخات، أو يتألم ويحتاج إلى مساعدة قريبة، ثم لا يجد من يسمع أنينه أو ينتبه إلى حاجته إلا بعد أن يرفع صوته وينادي، فذلك شعور مؤلم يتجاوز حدود الوحدة إلى الإحساس بانعدام السند والأمان.
إن الإنسان في مراحل العمر المتقدمة لا يحتاج إلى الطعام والشراب والمسكن فحسب، بل يحتاج قبل كل شيء إلى الحنان والاهتمام والشعور بأنه ما زال مهماً في حياة الآخرين وهو رب اسرة ضحى بعمره وشبابه من اجلهم، وأن هناك من يسأل عنه، ويتفقد أحواله، ويشعر بتعبه قبل أن يطلب المساعدة.
ولا ينبغي أن تتحول سنوات العمر المشتركة إلى مجرد ذكريات، أو أن يصبح المنزل مكاناً للإقامة المنفصلة بدلاً من أن يكون مساحة للمودة والتراحم والتكافل.
إن هذه الحالة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول العزلة الأسرية والعلاقة الحميميه والحضن الدافئ، وغياب الحوار، وتراجع الاهتمام العاطفي المتبادل بين الزوجين، ولا سيما في مرحلة الشيخوخة، حين تصبح الرعاية الإنسانية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يمكن للإنسان أن يشعر بالغربة في بيته، وأن يبحث عن الأمان خارج المكان الذي يفترض أن يجد فيه أقرب الناس إليه هم من يهتمو ويحتضنوه
وهل هناك أقسى على الإنسان من أن يقضي خريف عمره وحيداً، لا يفصله عن أسرته جدار، وإنما تفصله عنها مسافات من الصمت واللامبالاة
إن خريف العمر لا يحتاج إلى مزيد من الوحدة، بل يحتاج إلى دفء القلوب، وصدق المواقف، وشعور الإنسان بأنه ليس وحيداً في مواجهة الحياة.
***
خليل الحلي
رئيس تحرير صحيفة العهد








