عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد الحق طوع: إعادة البناء

الحياة تيَّار لا يتوقَّفُ، ولا شيء فيها ثابت؛ لا الألم، ولا الفرح، ولا الظروف القاسية. كل ما نمرُّ به زائل، لكن الطريقة التي نعبر بها هذه المرحلة الصعبة هي ما يترك أثره الحقيقي في داخلنا.

يخطئ الكثيرون حين يظنون الصمت على الأذى فضيلة؛ فلا يواجهون من يستبيح كرامتهم، بل يستمرون في دفع عربة الحياة مطأطئي الرؤوس، منحني الظهور، في صمتٍ مهيبٍ يختنق بالخوف. ومن حيث لا يشعرون، تتحول أجسادهم وعقولهم إلى مستودعٍ يمتص الألم والإنهاك، حتى يتلاشى التوازن تماماً؛ فلا هم تصالحوا مع أنفسهم، ولا هم سلموا من قسوة الآخرين.

الاضطرابُ النفسي لا يأتي صدفةً، ولا يحدث بين عشيةٍ وضحاها. ما نراهُ فجأةً كأنه انهيارٌ مدويٌّ هو في الحقيقةِ نتيجةُ تراكمٍ بطيءٍ وصامتٍ، طبقةً فوقَ طبقةٍ، تُضافُ كلَّ يومٍ دونَ أن يُلحَظَ أحدٌ، حتى من قِبَلِ نفسِ صاحبِها.

تظلُّ حيل النفس الدفاعية تعملُ بجهدٍ خارقٍ، تُقاوِمُ، تُرَمِّمُ الشقوقَ، وتُبقي السطحَ ملساءً وكأنَّ شيئًا لا يحدث. لكنَّ الجدرانَ الداخليةَ تضعفُ تدريجيًا، والخزانَ الذي يحملُ كلَّ هذا الثقلِ يفرغُ قطرةً قطرةً، حتى تبلغَ النفسُ حدَّها الأقصى من التحمُّل، تلك اللحظةُ الحرجةُ التي لا تزيدُ فيها حمولةٌ واحدةٌ على الأخرى، تتوقفُ فيها القدرةُ على الصمودِ؛ وتتشقَّقُ الجدرانُ التي صمدتْ طويلًا، ويقعُ الانهيارُ الذي يبدو مفاجئًا لمن يراقبُ من الخارج، بينما هو في الحقيقةِ نتيجةُ سنواتٍ من الصمتِ والاحتمال.

إنَّ لهذا التآكلِ أسبابًا عميقةً تسكنُ أعماقَ الحياةِ اليوميةِ؛ القلقُ الدائمُ الذي لا يهدأُ، والشعورُ المستمرُّ بعدمِ الأمانِ؛ كأنَّ الأرضَ لا تثبُتُ تحتَ الأقدامِ أبدًا.

 الأعباءُ التي يحملُها المرءُ وحيدًا، يُثقِلُ كاهلَهُ بها دونَ مشاركةٍ أو تفريغٍ، وكأنَّ المشاركةَ ضعفٌ لا يليقُ به.

المجاملاتُ الزائفةُ التي تُعاشُ بها الأيامُ أن تبتسمَ وأنتَ توجع، وتوافقَ وأنتَ ترفض، وتتكلَّمَ بغيرِ ما في قلبِكَ حتى ينسى الناسُ وتنسى أنتَ كيفَ تبدو ملامحُكَ الحقيقية.

 الرغباتُ والأحلامُ المكبوتةُ التي تُدفنُ حيَّةً تحتَ رمادِ:

«لا يمكن»

و«غير مناسب»

 فتتحولُ معَ الوقتِ إلى نارٍ تأكلُ من الداخلِ بلا لهبٍ مرئيٍّ.

 وأخطرُها وأبطأُها في التآكلِ، العلاقاتُ داخلَ الأسرةِ التي تقومُ على الخداعِ وكتمانِ الحقيقة. حيثُ يُفرَضُ الصمتُ كقانونٍ، وتُحذَفُ الحقائقُ كي يبقى المظهرُ سليمًا، وتعيشُ الأرواحُ في ظلِّ كذبٍ مُشترَكٍ يأكلُ من صحةِ كلِّ فردٍ فيها بلا رحمة.

هذه هي العواملُ تنحتُ في النفسِ ببطءٍ كالماءِ على الحجرِ. ولن نكونَ صادقينَ معَ أنفسِنا إن ظننّا أنَّ الانهيارَ علامةُ ضعفٍ؛  هو ردُّ فعلٍ طبيعي لنفاد القوة، ونتيجةُ طاقةٍ تحمَّلتْ أكثرَ من وسعِها، وصبرٍ حُبِسَ طويلًا حتى فاضَ واستفاض.

الانهيار هو صرخة الجسد والنفس حين تعجز الكلمات عن حمل الثقل.

وقد يكونُ الانهيارُ في عمقِ ألمِه، بدايةَ الحقيقةِ الأولى. حينَ لا يعودُ بوسعِنا أن نحملَ ما لا نطيق، نضطرُّ أخيرًا إلى التوقفِ، والنظرِ إلى ما تراكمَ في أعماقِنا، والبدءِ في إعادةِ البناءِ هذه المرةَ على أساسٍ من الوضوح و الصدقِ لا الصمتِ.

لا تتشبَّث بمن يجرحك، ولا تبقَ في مكان يسلبك راحتك.

غادر إلى حيث تستحقُّ السكينة. فالطيور المهاجرة لا تنتظر من يدفعها إلى الرحيل؛ هي تشعر بالتغيُّر في الهواء، وتعرف متى يحين وقت الانتقال. تترك ما لا يناسبها، وتبحث عن المكان الأفضل وعندما تجدهُ، تتابع حياتها بقوة وطمأنينة.

المغادرة ليست ضعفًا، هي بصيرة. اجعل من نفسك وطنًا لا سجنًا، وإذا قرَّرت أن ترحل فلا تحمل ذنبًا على ظهرك؛ فأحيانًا يكون أسمى أشكال الوفاء للذات أن تقول:

«كفى».

ثق أن التغيير ليس هروبًا، هو اختيار للحياة، وحقّك في العودة إلى نفسك.

عندما نفهم أن التغيير قدر كل شيء، نصبح أقل خوفًا من الفقد، وأكثر انسجامًا مع حكمة الزمن. نضجتْ واتَّسعتْ رؤيتنا، لنكتشف أن الثبات ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها حركة لا تهدأ؛ فكل شيء، مهما بدا صامدًا، يحمل في داخله بذرة تحوُّلِهِ. 

لا يوجد شيء ساكن تمامًا؛ فالمظاهر الخارجية للاستقرار والصلابة تخفي خلفها حركية مستمرة وتغيرات داخلية؛ تكشف لنا أن الوجود نفسه في حالة ولادة لا تنقطع .

هو ليس قالبًا جامدًا صُبَّ مرة واحدة، هو عملية مستمرة ومتجددة.

كل نهاية هي بداية لشيء آخر، وكل هدم يحمل في طياته بناءً جديدًا.

لا ينبغي أن نعيدُ بناءَ ما كُنَّا، بل نبنِي ما ينبغي أن نكون.

***

عبد الحق طوع - مدريد

 

في المثقف اليوم