عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: حين تفسد القدوة!

مقدمة: القدوة ومعايير المكانة

في المجتمعات السليمة، تُقاس مكانة الإنسان بما يحققه من إنجاز، وما يقدمه من عطاء، وما يجسده من قيم. ولذلك تحظى بالتقدير والاحترام نماذج متميزة من العلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والمثقفين ورجال الأعمال والفنانين والرياضيين، وغيرهم ممن صنعوا حضورهم بفضل مواهبهم وجهودهم ومثابرتهم وتراكم خبراتهم. وتكمن أهمية هؤلاء في إنجازاتهم في مجالات تخصصهم، فضلاً عن كونهم نماذج إنسانية ومهنية تستلهم منها الأجيال الجديدة طموحاتها، وتتعلم من تجاربها طريق النجاح والتميز.

القدوة: المفهوم والأهمية

فالقدوة نموذج للقيم والسلوك، وللمسار الذي يسلكه الإنسان في الوصول إلى أهدافه. ومن هنا، فإن حاجة الشباب إلى القدوة لا تقل أهمية عن حاجتهم إلى التعليم والمعرفة؛ فهم لا يبحثون عن النجاح فحسب، بل يتطلعون أيضاً إلى معرفة السبيل الذي يقود إليه.

والطموح إلى التميز حاجة إنسانية مشروعة، وهو أحد المحركات الأساسية لتقدم المجتمعات. غير أن هذا الطموح يحتاج إلى بيئة عادلة يشعر فيها الشباب بأن الفرص متاحة أمامهم، وأن التقدم مرتبط بالكفاءة والاستحقاق، وأن الاجتهاد والنزاهة والمثابرة هي الطريق الطبيعي إلى تحقيق المكانة التي يطمحون إليها.

اختلال المعادلة: حين تنفصل المكانة عن الاستحقاق

غير أن هذه المعادلة تختل حين تنفصل المكانة الاجتماعية والمهنية عن الاستحقاق، ويصبح الوصول إلى مواقع النفوذ والوجاهة والثراء ممكناً من خلال التزوير واستغلال السلطة والعلاقات والمصالح، بدلاً من العلم والكفاءة والإنجاز. عندها تمتد المشكلة إلى الرسائل التي تبعثها هذه النماذج في وعي المجتمع، ولا سيما لدى الأجيال الشابة، نتيجة وصول أشخاص غير مؤهلين إلى مواقع لا يستحقونها.

فالشاب الذي يجتهد في دراسته، ويستثمر سنوات من عمره في اكتساب المعرفة والمهارة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الحصول حتى على فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاته، في الوقت الذي يرى فيه آخرين يتقدمون في مواقعهم ويحققون الثراء والمكانة بوسائل لا علاقة لها بالكفاءة أو الجدارة، يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة. فهو يتلقى من المؤسسات والمجتمع خطاباً يدعوه إلى الاجتهاد والالتزام والنزاهة، لكنه يرى في الواقع نماذج توحي له بأن هذه القيم ليست سبيل النجاح، وأن العلاقات والنفوذ والوسائل الملتوية قد تكون أكثر فاعلية في بلوغ الأهداف.

الآثار على الشباب: بين الإحباط والهجرة والضياع

وهذا الشعور المستمر بالإجحاف قد يتطور تدريجياً إلى حالة عميقة من الإحباط، تقود الشاب إلى اليأس من إمكانية النجاح في وطنه. وفي مواجهة هذا الانسداد، يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن سبل أخرى للخلاص، وفي مقدمتها الهجرة، بحثاً عن بيئة تُقدّر طاقاته وتمنحه فرصة عادلة.

أما إذا أُغلقت في وجهه أبواب الرحيل، وعجز عن التكيف مع واقع لا يحترم طموحه، فقد يقع فريسة للضياع النفسي والاجتماعي، وقد يدفعه اليأس إلى البحث عن مهارب وهمية تخفف عنه وطأة الخيبة وفقدان الأمل، ومنها الانزلاق إلى سلوكيات خطرة ومدمّرة، وفي مقدمتها تعاطي المخدرات.

وهنا تكمن خطورة فساد القدوة؛ إذ قد يفقد الشاب ثقته بعدالة الفرص، ويبدأ بالتشكيك في جدوى القيم التي تربى عليها، وربما يرى في تقليد سلوك أولئك الذين انتقدهم وسيلة لتعويض ما فاته وتحقيق ما عجزت الطرق المشروعة عن تحقيقه. وبذلك يتحول الانحراف من سلوك مرفوض إلى نموذج قابل للتقليد، فيما يجد الشباب المتمسكون بالقيم أنفسهم أمام صور متكررة تناقض ما يُطلب منهم الالتزام به.

الأثر المجتمعي والأسري: حين تتراجع القيم

ومع مرور الوقت، يمتد أثر هذه الظاهرة إلى منظومة القيم الاجتماعية بأكملها. فتصبح العلاقات أهم من الكفاءة، والمال أقوى من المعرفة، والنفوذ أكثر تأثيراً من الإنجاز، وقد يُنظر إلى النزاهة باعتبارها عائقاً أمام الطموح، وإلى الاستقامة باعتبارها ضرباً من السذاجة. وفي مثل هذه البيئة، يفقد أصحاب الكفاءات ثقتهم بجدوى جهودهم، فينصرف بعضهم عن العطاء، أو يهاجر بحثاً عن بيئة أكثر إنصافاً، أو يكتفي بأداء الحد الأدنى من واجباته. وهكذا يخسر المجتمع طاقات كان يمكن أن تكون داعمة لتقدمه.

وقد يتسلل تأثير هذا الخلل أيضاً إلى العلاقات الاجتماعية، وإلى داخل الأسرة الواحدة. فقد أصبح المال، في بعض البيئات، مقياساً للنجاح والمكانة، وأصبحت المقارنة بين الأفراد تستند إلى ما يملكونه أكثر مما تستند إلى ما يحملونه من علم أو خبرة أو قيم. وقد تتراجع مكانة رب الأسرة، مهما بلغ من العلم والمهارة والخبرة، في أعين أبنائه وأفراد أسرته، حين يُقارن بآخرين قد يكونون أقل منه علماً وكفاءة، لكنهم أكثر ثراءً أو قدرة على إظهار مظاهر الرفاه. وهذه صورة أخرى من صور اختلال المعايير، حين يتراجع تقدير الإنسان لما هو عليه وما يقدمه، لمصلحة ما يمتلكه وما يستطيع إنفاقه.

دور الإعلام الرقمي في تضخيم النماذج الزائفة

ولا يمكن إغفال دور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة واسعة لعرض نماذج من «النجاح» لا تستند بالضرورة إلى كفاءة أو إنجاز، وإنما إلى المظاهر والثراء السريع والقدرة على الاستعراض. فهذه المنصات تضخّم صوراً منتقاة من الرفاه والمكانة، وتقدمها للشباب وكأنها المعيار الوحيد للنجاح، فتعمّق الشعور بالإحباط لدى من لا تتاح لهم مثل هذه الإمكانات، وتُضعف تقديرهم للطرق المشروعة والمتدرجة في بناء المكانة. وهكذا تسهم، بحكم طبيعة المحتوى الذي ينتشر فيها، في ترسيخ ثقافة المظاهر وتهميش قيم الجدارة والاستحقاق.

ولا يعني ما سبق أن كل من يحتل موقعاً متقدماً يفتقر إلى الكفاءة، أو أن المال والنجاح المادي أمران يستحقان الانتقاص، كما لا يعني أن كل من لم يبلغ موقعاً متقدماً هو بالضرورة أكثر استحقاقاً ممن سبقه. فالمجتمعات تضم نماذج متفاوتة في قدراتها وإنجازاتها، والنجاح قد يتحقق بطرق مشروعة ومتعددة. لكن موضع الخلل يبدأ عندما تنفصل المكانة عن الجدارة، ويصبح النفوذ بديلاً عن الاستحقاق، ويُكافأ من يتجاوز القواعد، بينما يُحرم الملتزم بها من فرصته العادلة.

نحو إصلاح المعادلة: من المبادئ إلى الآليات

إن إصلاح هذه المعادلة لا يتحقق بالمواعظ الأخلاقية وحدها، ولا بمطالبة الشباب بالتمسك بقيم لا يرونها حاضرة في واقعهم. فاستعادة القدوة تبدأ بإصلاح المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وإخضاع أصحاب المسؤوليات للمساءلة، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المواقع العامة والمكانة المهنية بالكفاءة والنزاهة والاستحقاق.

وهذا يستدعي أدواراً متكاملة: فالأسرة عليها أن تعزز تقدير العلم والعمل، وليس المال والمظاهر؛ والمدرسة والجامعة عليهما أن تقدما نماذج حية للنجاح الشريف؛ والإعلام عليه أن يسلط الضوء على أصحاب الإنجاز الحقيقي، وليس أصحاب الاستعراض؛ ومؤسسات المجتمع المدني عليها أن تسهم في الرقابة المجتمعية والمطالبة بالشفافية والمساءلة؛ أما الدولة فعليها أن تضمن تكافؤ الفرص وتُعمل سيادة القانون.

والأهم من ذلك كله أن يرى الشباب هذه القيم متجسدة في أشخاص ناجحين يحظون بالتقدير والاحترام، وأن يلمسوا أن المجتهد يجد فرصته، وأن النزيه لا يُعاقب على نزاهته، وأن النجاح لا يتطلب التخلي عن المبادئ.

خاتمة: أخطر ما يمكن أن يخسره المجتمع

فالمجتمع الذي يريد من أبنائه أن يكونوا نزيهين ومجتهدين، عليه أن يوفر لهم واقعاً يجعل النزاهة والاجتهاد طريقاً ممكناً ومحترماً للنجاح، لا مجرد شعارات تُرفع في المناسبات.

إن أخطر ما يمكن أن يخسره المجتمع هو إيمان أجياله الجديدة بعدالة الطريق إلى النجاح. فعندما يفقد الشباب ثقتهم بقدرة العمل الشريف على إيصالهم إلى المكانة التي يستحقونها، يفقد العمل والاجتهاد والنزاهة جانباً كبيراً من معناها وقيمتها. وحين تفسد القدوة، يتعدى الضرر تشويه مفهوم النجاح وتراجع احترام الإنجاز الحقيقي، ويفضي إلى إضعاف منظومة القيم والأخلاق، حتى يصبح الانحراف خطراً يهدد تماسك المجتمع ويقوّض أسس نهضته.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم