كيف ينسى الإنسان أن أساس اعتقاده كان وهماً؟
من أخطر الأوهام التي يقع فيها الإنسان، أن يتحول الظنُ في ذهنه، مع التركيز والوقت، من احتمال يفتقر إلى إثبات، إلى حقيقة يتعامل معها باعتبارها أمراً محسوماً، ثم يتجاوز ذلك إلى اعتناقها عقيدة، وتأسيسِ منظومة من الأفكار والأحكام والمواقف والسلوكات عليها. والمشكلة لا تقف عند الخطأ الأول، بل تتفاقم حين ينشغل الإنسان ببناء ما يتفرع عنه، حتى ينسى طبيعة الأساس الذي بدأ منه، فلا يعود يتذكر أنه انطلق من ظن أو وهم، لا من حقيقة ثابتة.
تبدأ الحالة غالباً بفكرة عابرة، أو انطباع شخصي، أو تفسير متسرع لواقعة، أو استنتاج لم يخضع للفحص الكافي. وقد يكون الظن صحيحاً بالمصادفة، وقد يكون خاطئاً، لكن الإنسان لا يمنحه دائماً الوقت الكافي والجهد الكافي ليختبره ويتحقق منه. إذ سرعان ما يجد فيه تفسيراً مريحاً لما يراه أو يشعر به، فيتعلق به، ثم يبدأ في التعامل معه باعتباره حقيقة.
بعد ذلك تبدأ مرحلة البناء؛ فيشتق الإنسان من الفكرة الأولى أفكاراً أخرى، ويربط بينها بعلاقات منطقية، ويضع لها تفسيرات وتفصيلات، ويستحدث مصطلحات ومفاهيم، وربما يؤلف حولها نظرية متماسكة. وقد يكون بارعاً في هذا البناء، دقيقاً في ترتيب عناصره، قوياً في الدفاع عنه، قادراً على الإجابة ولو ظاهرا عن الاعتراضات التي تواجهه. لكن كل هذه المهارة تخفي حقيقة جوهرية، هي أن سلامة البناء المفترضة أو الموهومة أو حتى الحقيقية، لا تقتضي سلامة الأساس الذي أقيم عليه.
فربما تكون المقدمات خاطئة، بينما تكون النتائج متسقة معها منطقياً ولو ظاهرا. ومن الممكن أن يكون الاستدلال سليماً في صورته، لكنه لا ينتج حقيقة، لأن نقطة انطلاقه غير صحيحة. إن العقل يستطيع أن يبني قصراً متناسقاً فوق أرض غير صالحة للبناء، لكن لن تجعل هندسة القصر الأرض صالحة لإستمرار البناء متينا.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتكاثر التفريعات؛ لأن كثرتها تمنح الفكرة الأصلية مظهراً من الحقيقية والعمق والرسوخ. يرى الإنسان أمامه شبكة واسعة من النتائج والتفسيرات والتفاصيل، فيستبعد أن تكون جميعها خاطئة وقائمة على خطأ أولي بسيط. إذ يقع هنا في خداع معرفي كبير، وهو الخلط بين كثرة العناصر التي ما بُنيت على الفكرة وبين قوة الدليل على صحتها. والحقيقة أن مئة نتيجة مشتقة من مقدمة واحدة لا تمثل دليلا مستقلاً واحدا على صحة تلك المقدمة.
وقد تتدخل الجماعة لتضاعف هذا الوهم. فعندما تتبنى مجموعة من الناس الفكرة أو العقيدة نفسها، وتدافع عنها، وتنتج حولها أدبيات ومصطلحات ومواقف مشتركة، تكتسب الفكرة قوة اجتماعية إضافية. يصير قبولها علامة انتماء، والاعتراض عليها موضع تهمة، ومراجعتها نوعاً من التخلي عن الجماعة. وعندئذ لا يعود الإنسان يدافع عن صحة الفكرة أو العقيدة وحدها، بل يدافع أيضاً عن موقعه الاجتماعي وهويته ومكانته داخل المجموعة.
وهنا تنشأ دائرة مغلقة خبيثة، يؤيد الأفراد الفكرة، لأن جماعتهم تؤيدها، وتزداد الجماعة تمسكاً بها، لأن أفرادها يتبادلون تأييدها. ويتحول التوافق الاجتماعي، من دون دليل مستقل، إلى ما يشبه البرهان. وقد تكون الفكرة منتشرة، محترمة، مدعومة بأسماء كبيرة، ومحاطة بمؤسسات وزعامات وتقاليد، ومع ذلك تظل خاطئة. فالشيوع لا يساوي الحقيقة، والقبول لا يرادف المطابقة للواقع، والذكاء في الدفاع لا يعوض النقص في البرهان والإثبات.
والأشد خطراً أن الإنسان يفقد القدرة على رؤية الفكرة الأولى منفصلة عن منظومتها اللاحقة. فإذا ناقشته في إحدى نتائجها، أجابك بعشرات التفاصيل، وإذا ناقشته في تفصيل، أحالك إلى نظرية أوسع، وإذا ناقشته في النظرية، استدعى تاريخاً طويلاً من التأييد والتفسيرات. وهكذا يبتعد النقاش تدريجياً عن السؤال الأساسي: ما الدليل الذي جعل الفكرة الأولى حقيقة وصحيحة أصلاً؟ إنه يكثر من الإجابات عن الأسئلة الفرعية حتى يضيع السؤال الذي تتوقف عليه جميع الإجابات.
ولمواجهة هذا الوهم، لا يكفي أن نراجع النتائج، بل يجب أن نعود باستمرار إلى الأصول والأسس والمقدمات. ينبغي أن نسأل عن أصل كل اعتقاد: هل هو حقيقة أم استنتاج أم افتراض أم انطباع أم تقليد ورثناه عن الآخرين؟ وهل الأدلة التي تدعمه مستقلة، أم أنها كلها تعود في النهاية إلى المصدر نفسه؟ وهل اختبرناه بما يكفي من الاعتراضات والوقائع المضادة؟ وهل كنا سنقبله لو صدر عن جماعة نختلف معها؟
إن من علامات التفكير الناضج أن يحتفظ الإنسان بتاريخ معرفي واضح لأفكاره؛ فيعرف كيف نشأت، وعلى أي أدلة قامت، وما الذي ثبت منها، وما الذي بقي احتمالاً. فلا يسمح للنتائج المتراكمة بأن تمنح المقدمات حصانة أو مكانة لا تستحقها، ولا يسمح للجهد الذي بذله في بناء فكرة أو اعتقاد، أن يتحول إلى سبب يمنعه من هدمها إذا ظهر فساد أساسها.
وليس المطلوب أن يشك الإنسان في كل شيء، أو أن يمتنع عن بناء النظريات والمواقف، بل أن يميز بين الحقيقة والوهم وبين اليقين والشك وبين درجات اليقين، وأن يجعل قوة اعتقاده متناسبة مع قوة دليله. فهناك فرق كبير بين فكرة نؤمن بها لأنها ثبتت، وفكرة نتمسك بها لأننا اعتدناها، وفكرة ندافع عنها لأننا استثمرنا فيها الكثير، وفكرة نخشى مراجعتها لأن مراجعتها قد تهدد انتماءنا أو صورتنا أمام الآخرين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يخطئ في تقدير حقيقة، بل أن يفقد القدرة على اكتشاف خطئه، وأن يتحول الخطأ لديه إلى نظام معرفي متكامل، يحمي نفسه بنفسه. عندها لا يعود الوهم مجرد فكرة خاطئة، بل يصبح مصدراً لإنتاج أفكار خاطئة جديدة، وآلية لتفسير الواقع وتحريفه، ومانعاً من الوصول إلى الحقيقة، وربما يصير دينا ومنهج حياة زائفا.
فالذكاء في بناء الفكرة لا يثبت صحتها، والتماسك في تفريعاتها لا يصحح أصلها، وكثرة المؤمنين بها لا تجعلها حقيقة. وقد يكون أعظم إنجاز للعقل، بعد سنوات من البناء والتفصيل والدفاع، أن يعود إلى نقطة البداية ويسأل بشجاعة: هل كان الأساس حقا وصحيحاً منذ البداية؟ ويعرف أن ما بني على باطل فهو باطل، مهما كان كبيرا ومهيبا وراسخا ومتينا، ظاهراً.
***
جميل شيخو
الموصل، الجمعة 6 / 11 / 2026








