مقاربات فنية وحضارية
احمد عابر: النجاة.. حين يصبح الانحناء شكلاً من أشكال المسؤولية
قراءة تأملية في لوحة ووترهاوس
رسم الفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس لوحة النجاة عام ١٩٠٦، في مرحلة متأخرة من مسيرته، حين لم يعد معنياً بالأسطورة بوصفها حكاية مكتملة، ولا بالبطولة بوصفها فعلاً صاخباً، بل باللحظة الإنسانية الهشة التي تسبق النتيجة. في هذه المرحلة، لم يعد الحدث هو ما يشغله، بل ما يكشفه الحدث عن الإنسان حين يجد نفسه على الحافة.
ينتمي ووترهاوس إلى التيار المتأخر من الحركة ما قبل الرافائيلية، لكنه هنا يتجاوز اهتمامها بالأسطورة والرمز، ليتوقف عند ما قبل الحسم: عند النقطة التي لم يعد فيها الفعل فكرة مجردة، ولم يصبح بعد نتيجة مؤكدة.
المشهد بسيط في تكوينه، غني في دلالاته. رجل منحنٍ على صخرة، يمد يده لامرأة توشك أن تغرق في مياه هادئة كئيبة، وامرأة أخرى تقف على الشاطئ، تراقب بقلق صامت. غير أن ما يمنح اللوحة ثقلها ليس موضوع الإنقاذ، بل الطريقة التي تعالج بها فكرة النجاة ذاتها.
1. النجاة ليست خلاصاً
ليست كل نجاة خلاصاً. فبعض النجاة امتحان. هكذا يمكن قراءة هذه اللوحة، لا بوصفها مشهداً لإنقاذ جسدي من خطر، بل بوصفها لحظة كاشفة لحدود الإنسان، ولمسؤوليته حين يواجه ضعف الآخر.
لا نرى الغرق، بل إمكانيته. لا نرى النهاية، بل المسافة التي لم تحسم بعد. في هذه المسافة يتجلى جوهر النجاة. جسد الرجل منحنٍ، لا ليحكم قبضته على اليابس، بل ليخاطر بثقله خارج منطقة الأمان. الانحناء هنا ليس تقنية للإنقاذ، بل موقف وجودي. فلكي تنقذ، عليك أن تقبل بعدم الاستقرار، وبالخروج من حصن السلامة.
حتى الماء يشارك في هذا المعنى. فهو ليس هائجاً ولا عنيفاً، بل هادئ على نحو لا مبالٍ. كأن الخطر الأكبر ليس في الصخب الذي يحذر، بل في الصمت الذي لا يطلق إنذاراً. أكثر ما يربك الإنسان ليس الخطر الصاخب، بل الخطر الصامت.
2. حضور الآخر: المسؤولية المشتركة
المرأة الواقفة على الشاطئ لا تشارك بالفعل الجسدي، لكنها ليست محايدة. حضورها صامت، لكنه مشحون بالانتباه والقلق. وجودها يوسع المشهد من فعل فردي إلى تجربة مشتركة. فالنجاة لا تحدث في عزلة. بعضها يمارس باليد، وبعضها يمارس بالحضور، وبالترقب، وبالاستعداد لتحمل ما قد يحدث.
هنا، لا يكون الخطر في السقوط وحده، بل في الانفصال. السقوط يعني أن ينقطع الإنسان عن العالم الذي كان ينتمي إليه. والنجاة ليست رفع الجسد فقط، بل إعادة وصل الإنسان بالعالم. ليست حركة في المكان، بل استعادة علاقة.
3. القرب ليس مسافة
في هذا المعنى، لا يصبح القرب مسافة تُقطع، بل حالة تُستعاد. فالمنقذ لا يقترب خطوة إلى الأمام فحسب، بل يتحول في موضعه. وقد عبر محيي الدين بن عربي عن هذا المعنى حين قال:
"فهو أقرب إلينا منا، لأن حبل الوريد منا، والحبل الوصل، فما كان الوصل إلا به."
النجاة لا تخلق الصلة، بل تكشفها. لا تصنع القرب، بل ترفع الحجاب عنه. المنقذ لا يمنح النجاة من خارجه، بل يوقظ إمكانية كانت قائمة، لكنها معطلة بالخوف أو الغفلة. المسافة التي نقطعها نحو الآخر ليست سوى اكتشاف لقرب كنا نجهله أو نتجاهله.
4. النية: ما الذي يحرك اليد؟
غير أن القرب وحده لا يكفي. فالفعل لا يقاس بصورته، بل بباعثه. اليد قد تمتد، لكن معناها يختلف باختلاف القصد الذي حركها. وقد صاغ أبو حامد الغزالي هذا المعنى بدقة حين قال:
"فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، وهو للنفاق كفاء، ومع العصيان سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء."
بهذا، لا تعود النجاة مسألة نجاح أو فشل، بل مسألة صدق. فالمنقذ في اللوحة لا يعلم إن كان سينجح، لكنه يعلم أن الامتناع لم يعد ممكناً. الفعل هنا ليس اختياراً مريحاً، بل ضرورة داخلية. لحظة يصبح فيها عدم الفعل خسارة أخلاقية أفدح من المخاطرة بالفعل.
5. من اللوحة إلى الحياة
هذا المعنى لا يخص اللوحة وحدها. في حياتنا اليومية نمر بلحظات مشابهة. نرى ضعفاً، أو حاجة، أو ظلماً، وندرك أن التدخل قد يكلفنا شيئاً من راحتنا أو توازننا. هنا يتكرر السؤال نفسه: هل نبقى في أماننا، أم نميل؟
اللوحة لا تقدم إجابة جاهزة، ولا تمنح عزاء سريعاً. لا تعد بنجاة مؤكدة، ولا تحتفي بالبطولة. كل ما تفعله أنها تكشف اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من مراقب إلى مسؤول. من كائن يحسب النتائج، إلى كائن يقبل أن يتحمل تبعات حضوره.
لهذا تبدو النجاة معاصرة. فنحن نعيش زمناً لا تنقصه الأفعال، بل تنقصه المسؤولية عن نتائجها. نميل أحياناً إلى الاعتقاد بأن النية الحسنة تكفي، أو بأن الحضور الرمزي يعفينا من الفعل الحقيقي. غير أن التجربة تعلمنا أن بعض اللحظات لا تقبل الحياد، وأن بعض الانحناءات لا يمكن تفويضها.
6. الخاتمة: النجاة كوعي
هذه ليست لوحة عن إنقاذ جسد من ماء، بل عن إنقاذ الإنسان من وهم المسافة. من الاعتقاد بأن الآخر بعيد، وأن ضعفه لا يخصنا. هنا، في هذا المشهد الصامت، تتجلى النجاة بوصفها لحظة وعي: أن تدرك أن القرب ليس خياراً، بل حقيقة، وأن الانحناء ليس ضعفاً، بل شكلاً من أشكال المسؤولية الصادقة.
لهذا تبقى اللوحة حية. لأنها لا تعلمنا كيف ننجح، بل كيف نكون صادقين حين تصبح النجاة امتحاناً، لا نتيجة.
***
د. احمد عابر






