دراسات وبحوث

منير محقق: التأصيل المفاهيمي والمؤسساتي لقانون مواجهة العنف ضد النساء

من المفهوم إلى التطبيق.. التأصيل المفاهيمي والمؤسساتي للقانون

103 ـ 13 في مواجهة العنف ضد النساء بالمغرب

***

الملخص بالعربية:

يُعتبر العنف ضد النساء ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تحمل انعكاسات جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وتشكل تهديدًا مباشرًا للحقوق الإنسانية وللتماسك الاجتماعي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل فعالية القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء في المغرب، مع التركيز على الدور الحيوي للمصالح الأمنية، تقييم المخاطر، جمع الأدلة، والتحقيق القضائي، بالإضافة إلى التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسسيين والمدنيين. كما يقارن البحث بين الممارسات المغربية والمعايير الدولية، مستندًا إلى توجيهات الأمم المتحدة والخبرات المقارنة في مجال حماية النساء ضحايا العنف.

توصلت الدراسة إلى أن القانون المغربي يوفر إطارًا متقدمًا من حيث الحقوق والحماية، إلا أن فعاليته تتوقف على جودة التدخلات الأمنية والقضائية، ومستوى التدريب والتأهيل للمتدخلين، ودرجة التنسيق بين مختلف المؤسسات. كما تُظهر النتائج أن العنف ضد النساء له آثار مستدامة على الضحايا والأسر والمجتمع، مما يستدعي تطوير استراتيجيات وقائية، وتعزيز برامج التمكين النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وإشراك المجتمع المدني في الحملات التوعوية. تعكس هذه الدراسة أن معالجة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية تجمع بين التشريع، التطبيق العملي، والبعد الثقافي، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة وتقليص استمرار الظاهرة.

الكلمات المفتاحية:

العنف ضد النساء، الحماية القانونية، التدخل الأمني، تقييم المخاطر، المغرب، التعاون المؤسسي، العدالة

Title:

Violence Against Women in Morocco: An Analytical Study of Legal, Security, and Social Interventions

Abstract:

Violence against women is a complex, multidimensional phenomenon with physical, psychological, social, and economic consequences, posing a direct threat to human rights and social cohesion. This study analyzes the effectiveness of Law No. 13-103 on combating violence against women in Morocco, focusing on the crucial role of security agencies, risk assessment, evidence collection, judicial investigation, and coordination among institutional and civil actors. The research also compares Moroccan practices with international standards, drawing on UN guidelines and comparative experiences in women’s protection.

The study finds that while Moroccan legislation provides an advanced framework for rights and protection, its effectiveness depends on the quality of security and judicial interventions, the training of personnel, and inter-institutional coordination. Findings also show that violence against women has lasting impacts on victims, families, and society, highlighting the need for preventive strategies, empowerment programs, and civil society engagement in awareness campaigns

. The study underscores that addressing violence against women requires a comprehensive approach integrating legislation, practical implementation, and cultural dimensions to ensure victim protection, achieve justice, and reduce the persistence of this phenomenon.

Keywords:

Violence against women, legal protection, security intervention, risk assessment, Morocco, institutional cooperation, justice

على سبيل التقديم

تُعَدّ العلوم الإنسانية فضاءً معرفيًا زاخرًا بالموضوعات التي لم تحظَ بعدُ بما يكفي من التفكير والبحث، على الرغم من حضورها القوي في واقعنا المعاصر(1). ومن بين هذه الموضوعات ظاهرة العنف، التي طالما وُضعت في خانة الهامش، لكنها أضحت اليوم في قلب النقاشات العلمية والحقوقية، نظرًا لما تخلفه من تداعيات خطيرة تهدد استقرار البنى الاجتماعية وتماسكها (2). إنَّ تفكيك هذه الظاهرة والحفر في جذورها، مع إخضاعها لمقاربات معرفية وقانونية متعددة، يظل ضرورة قصوى لفهم دينامياتها ورصد مسارات تحولها وتطورها، ثم تقنينها ضمن منظومة قانونية تضمن حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية (3).

لقد عرف التاريخ البشري ظاهرة العنف منذ أقدم العصور، حيث ارتبطت بالصراع من أجل البقاء والسيطرة (4)، لكنها اليوم تكتسي طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ تُمارس بوسائل متعددة، وتنتشر على نطاق واسع، بما يجعلها من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة (5). ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة العنف ضد النساء، الذي لم يعد يُنظر إليه كسلوك فردي شاذ، بل باعتباره نتاجًا بنيويًا تتداخل فيه عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وقانونية، تُعيد إنتاجه وتغذي استمراريته (6). وقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية والنفسية أنّ العنف يرتبط بمنظومات ثقافية ذات طبيعة ذكورية تقاوم التغيير وتُكرّس الفوارق بين الجنسين (7). ومن ثم، فالتصدي له لا يمكن أن يكون فرديًا أو جزئيًا، بل هو مسعى جماعي يتطلب مقاربات شمولية متكاملة (8)

وقد عرّفته بعض الأدبيات بأنه: «سلوك عمدي موجَّه نحو هدف، قد يكون لفظيًا أو غير لفظي، يتضمن مواجهة الآخر ماديًا أو معنويًا، مصحوبًا بتعبيرات تهديدية وله أساس غريزي» (9). غير أن هذا التعريف يبقى قاصرًا عن الإحاطة بكل أبعاده في السياقات الراهنة، حيث تتجاوز الظاهرة مجرد الاعتداء الجسدي لتشمل صورًا أخرى أكثر تعقيدًا مثل العنف النفسي، والاقتصادي، والرقمي (10)، وكلها أشكال تُلحق بالضحايا أضرارًا لا تقل خطورة عن الأذى المادي المباشر.

وفي السياق المغربي، شكّل صدور القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء محطة تشريعية فارقة (11)، إذ أرسى لأول مرة تعريفًا قانونيًا شاملاً للعنف ضد المرأة، ووسّع نطاق أشكاله ليشمل العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي، إضافة إلى العنف الرقمي، كما نص على مجموعة من الآليات العملية للحماية والدعم، سواء عبر إحداث خلايا الاستقبال والمواكبة أو تعزيز صلاحيات الشرطة القضائية والقضاء. ورغم ما يُمثله هذا القانون من تطور نوعي في مجال حماية النساء، فإنَّ تفعيله يظل رهينًا بمدى قدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين ومؤسسات المجتمع المدني على التنسيق والتكامل (12)، بما يكفل استجابة ناجعة تحترم كرامة الضحايا وتحقق العدالة.

بناءً على ما سبق، يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية ونقدية للقانون 13-103، وذلك من خلال:

أولا- التأصيل المفاهيمي لأنواع العنف ضد النساء وأبعاده المتشابكة.

ثانيا- استعراض مبادئ تدخل المصالح الأمنية في حماية الضحايا وضبط المعتدين.

ثالثا- شرح آليات تقييم المخاطر وتدبيرها كخطوة أساسية في منع تفاقم الأضرار.

رابعا- توضيح دور الشرطة القضائية والتحقيق وجمع الأدلة في بناء الملفات القضائية المتماسكة.

خامسا - تحليل التأثيرات المتعددة للعنف على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي (13)

إن معالجة موضوع العنف ضد النساء لا تقتصر على العرض الوصفي للنصوص القانونية، بل تتجاوزها إلى تحليل البُنى الاجتماعية والثقافية التي تغذيه، ومناقشة حدود القانون في مواجهته، مع استحضار تجارب مقارنة دولية يمكن أن تُغني النقاش الوطني (14). ومن ثَمَّ، فإن هذه الدراسة تروم تقديم إسهام أكاديمي نقدي يزاوج بين التشريع والتحليل السوسيولوجي، قصد الإسهام في بناء رؤية شمولية أكثر فعالية لمكافحة هذه الظاهرة.

الوحدة الأولى: التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء

يُعتبر التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء خطوة جوهرية لفهم الظاهرة بمختلف أبعادها وتأثيراتها، حيث يتجاوز مجرد التعريف النظري إلى بناء قاعدة معرفية متينة تمكّن الباحثين والممارسين القانونيين والفاعلين الاجتماعيين من التمييز بين أشكال العنف وقياس مدى انتشاره وتطوير استراتيجيات وقائية فعّالة (15). فالعنف ضد النساء ليس مجرد اعتداء فردي أو فعل عرضي، بل سلوك اجتماعي وثقافي وقانوني يمتد تأثيره إلى المستويات النفسية والاقتصادية والجسدية والسياسية للضحية (16)، كما يعكس اختلالات بنيوية في العلاقات المجتمعية وأطر السلطة القائمة (17). ومن هذا المنطلق، يسمح التأصيل المفاهيمي بالتعرف على أشكال العنف المتعددة، سواء كانت جسدية كالضرب والاعتداء، أو نفسية مثل التهديد المستمر والتحقير، أو اقتصادية من خلال حرمان النساء من الموارد المالية، أو جنسية كالتحرش والاغتصاب، وأخيرًا العنف الرقمي الذي يتمثل في الملاحقة الإلكترونية والابتزاز ونشر المحتوى الشخصي دون رضا الضحية (18). هذا التصنيف لا يقتصر على التوصيف النظري، بل يمثل أداة عملية لتحديد نطاق التشريعات القانونية وتوجيه التدابير الأمنية والاجتماعية بما يضمن حماية شاملة للنساء وتقديم الدعم الملائم للضحايا (19).

علاوة على ذلك، يسهم التأصيل المفاهيمي في تطوير الإطار القانوني الوطني والدولي، إذ يسمح بصياغة قوانين أكثر شمولية ومرونة تستجيب للتحديات المعاصرة التي فرضتها التكنولوجيا والعولمة على العلاقات الاجتماعية (20). وفي السياق المغربي، يمثل القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء خطوة رائدة، حيث يدمج بين الحماية القانونية للضحايا وتحديد المسؤوليات والعقوبات المترتبة على المعتدين، مع مراعاة خصوصية الحالات المختلفة سواء في السياقات الأسرية، الزوجية، أو المجتمعية (21) كما يعزز هذا التأصيل قدرة الجهات الأمنية والقضائية على تنفيذ القانون بفعالية من خلال وضوح التعاريف والمصطلحات القانونية وتحديد مستويات الخطورة والإجراءات الواجب اتخاذها، مما يقلل من الثغرات القانونية التي قد يستغلها المعتدون (22)

من منظور اجتماعي، يؤدي التأصيل المفاهيمي إلى رفع مستوى التوعية والتحسيس بحقوق النساء وواجبات المجتمع تجاههن، بما يخلق ثقافة رفض العنف ويشجع على الإبلاغ المبكر عن الانتهاكات، وبالتالي تقليل آثارها النفسية والجسدية والاجتماعية (23). وعليه، يشكل التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء الركيزة الأولى لأي استراتيجية وطنية أو دولية لمكافحة الظاهرة، إذ يمكّن من الجمع بين البعد النظري، القانوني والاجتماعي، ويساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة، يحترم حقوق المرأة ويصون كرامتها الإنسانية (24).

الوحدة الثانية: مبادئ تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف

تُعَدّ المصالح الأمنية الركيزة الأساسية في منظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تتجاوز مهامها التدخل الأمني التقليدي لتشمل الوقاية والحماية والتبليغ والتكفل الشامل بالضحايا وفق معايير القانون الدولي والمحلي (25). ويُؤطر تدخل المصالح الأمنية مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها مبدأ احترام الكرامة الإنسانية للضحايا، الذي يفرض النظر إلى النساء باعتبارهن أشخاصًا كاملين الحقوق، مع مراعاة حالتهن النفسية والجسدية وضمان سرية المعلومات وعدم إصدار أحكام مسبقة عليهن (26). فقد تبين في الحالة الأولى، أن امرأة تعرضت للعنف النفسي والجسدي من زوجها استقبلت في مركز الشرطة المخصص للنساء ضمن بيئة آمنة، وتم التعامل معها وفق مبدأ عدم لوم الضحية مع احترام الخصوصية.

ويتضح أيضًا أهمية مبدأ السرعة في التدخل، إذ إن التأخر في الاستجابة يُضاعف خطورة الوضع ويزيد من تعقيد الأضرار النفسية والجسدية على الضحية. فعلى سبيل المثال، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، حيث تم نقلها فورًا إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الطبية والنفسية، ثم تم تقديم الدعم القانوني عبر النيابة العامة، ما يعكس فاعلية التنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية (27).

إضافة إلى ذلك، يبرز مبدأ الكفاءة والتخصص كعنصر حاسم في نجاح التدخل، إذ يقتضي تكوين العناصر الأمنية تدريبًا مستمرًا على التعامل مع الضحايا وفق المعايير الدولية والوطنية، وإنشاء وحدات متخصصة للتعامل مع قضايا العنف ضد النساء، بما يضمن حماية الضحايا وجمع الأدلة بكفاءة. وفي هذا السياق، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع الأدلة واستدعاء الشهود بطريقة تحفظ سلامة الضحية وتحميها من أي ضغط إضافي.

كما يعتبر مبدأ التنسيق مع باقي الفاعلين عنصرًا جوهريًا، إذ يستحيل على المصالح الأمنية تحقيق النتائج المرجوة دون شراكات متينة مع النيابة العامة، والأطباء، والأخصائيين الاجتماعيين، وهيئات المجتمع المدني، نظرًا لتعقيد قضايا العنف التي تتداخل فيها الأبعاد القانونية والطبية والنفسية والاجتماعية. ويرتبط بذلك مبدأ الحياد وعدم التمييز، الذي يضمن معاملة كل النساء ضحايا العنف على قدم المساواة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي، مع الالتزام بمعايير موضوعية قائمة على الأدلة القانونية فقط.

ولا يقل أهمية عن ذلك مبدأ الحماية من العنف المتكرر، حيث تهدف المصالح الأمنية إلى متابعة الحالات بشكل منتظم للتأكد من عدم تعرض الضحية لنفس دائرة الخطر، وذلك من خلال تفعيل أوامر عدم الاقتراب والتدابير الوقائية القانونية المناسبة. كما يظل مبدأ التوعية والتحسيس محوريًا، إذ تقوم المصالح الأمنية بحملات إعلامية وميدانية لتعريف النساء بحقوقهن القانونية، وشرح إجراءات التبليغ عن العنف، مما يعزز ثقافة مجتمعية رافضة للعنف ويشجع الضحايا على الانخراط في مسار الحماية.

ويستخلص من ذلك أنّ نجاح تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف يعتمد على التزامها بجميع هذه المبادئ، ليس باعتبارها شعارات نظرية، بل كآليات عملية تُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مع تكامل أدوار الأجهزة الأمنية والقضائية والمجتمع المدني، لضمان حماية فعالة للضحايا، وصون كرامتهن، وتحقيق العدالة.

الوحدة الثالثة: المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف

تُعتبر المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف خطوة حاسمة في مسار التدخل الشامل لحمايتها، إذ تمثل نقطة الانطلاق لتقييم حالتها، وتحديد احتياجاتها النفسية والقانونية والاجتماعية بشكل دقيق (28). فنجاح هذه المقابلة يعتمد على التزام المتدخلين بالنزاهة الأخلاقية والمهنية، مع احترام كامل للحقوق الإنسانية للضحية، مع إدراك أن أي هفوة في طريقة التعاطي قد تؤدي إلى تفاقم آثار العنف أو إضعاف ثقة الضحية في النظام القانوني والأمني (29). وبالإضافة إلى ذلك، تتطلب المقابلة الأولى تنسيقًا دقيقًا بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الشرطة، القضاء، المراكز الصحية، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لضمان حماية شاملة واستجابة متكاملة (30).

تبدأ المقابلة عادة بمرحلة التحضير، حيث يتم توفير مكان آمن وسري يحفظ كرامة الضحية ويتيح لها التعبير عن نفسها بحرية دون أي شعور بالتهديد (31). ويستحسن أن يتم الاستقبال بأسلوب ودّي واحترافي، مع إظهار التعاطف والاحترام للحقوق الفردية، ما يعزز شعور الضحية بالأمان ويشجعها على تقديم سرد كامل لتجربتها. أثناء المقابلة، يُسمح للضحية بسرد تفاصيل العنف الذي تعرضت له، مع مراعاة حالتها النفسية والجسدية، دون مقاطعة أو حكم مسبق (32)، مع توثيق كل المعلومات الأساسية، مثل نوع العنف، تكراره، هوية المعتدي، وتأثيره على الضحية وعلى أفراد الأسرة، لاسيما الأطفال.

علاوة على ذلك، تهدف المقابلة الأولى إلى تزويد الضحية بكافة المعلومات القانونية والاجتماعية المتاحة، بما يشمل الإجراءات القضائية، حقوقها في تقديم الشكاوى، إمكانية الإحالة إلى مراكز الإيواء، والرعاية الطبية والنفسية المتخصصة . ويشمل ذلك اتخاذ إجراءات حماية فورية، مثل إصدار أوامر بعدم الاقتراب من المعتدي، تأمين مكان إقامة مؤقت، أو توفير حماية أمنية إذا اقتضى الأمر (33). ومن خلال هذه الإجراءات، تكتسب الضحية شعورًا بالسيطرة على وضعها، وهو أمر أساسي في استعادة توازنها النفسي وبناء الثقة بالنظام القضائي والأمني.

وتُظهر الدراسات أن المقابلة الأولى لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تمثل أيضًا لحظة تأسيسية للعلاقة بين الضحية والمتدخلين، حيث يمكن تقييم مدى الحاجة إلى تدخلات إضافية مثل الدعم النفسي العاجل، متابعة الحالة الطبية، أو برامج التمكين الاقتصادي. وعليه، فإن المقابلة الأولى تعد خطوة استراتيجية لبلورة خطة حماية شخصية شاملة، تأخذ في الاعتبار أبعاد العنف وتأثيراته المتعددة، وتضع الأسس لتدخلات متكاملة على المدى القصير والطويل.

الوحدة الرابعة: تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية المرأة ضحية العنف

تُعد عمليتا تقييم المخاطر وتدبيرها من الركائز الأساسية في أي استراتيجية حماية شاملة للنساء ضحايا العنف، إذ تتيح تحديد طبيعة التهديدات التي تواجه الضحية، وقياس خطورتها، ووضع خطة تدخل دقيقة وفعّالة. فنجاح هذه المرحلة يعتمد على دقة جمع المعلومات، سرعة اتخاذ القرار، والتنسيق المتواصل بين كافة الفاعلين، بما في ذلك الشرطة، النيابة العامة، الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، والمراكز الصحية، لضمان حماية فورية ومستدامة للضحايا. كما أن التقييم الدقيق يتيح تحديد أولويات التدخل، سواء كانت حماية فورية أو متابعة قضائية أو تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد (34).

تبدأ عملية تقييم المخاطر بجمع معلومات شاملة عن العنف الممارس على الضحية، بما يشمل نوعه (جسدي، نفسي، اقتصادي، جنسي، أو رقمي)، مدى تكراره، هوية المعتدي، وسلوكياته السابقة، إلى جانب الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بالضحية. ويُقيّم الخبراء أيضًا آثار العنف على الضحية، سواء كانت جسدية، نفسية، أو اجتماعية، كما يتم دراسة تأثيره على الأسرة، لا سيما الأطفال، لتحديد نطاق حماية أوسع يضمن استقرار البيئة الأسرية (35)

بعد تحديد مستوى المخاطر، تُشرع مرحلة تدبير المخاطر، والتي تتضمن وضع خطة حماية شخصية للضحية، تشمل: تأمين مكان آمن للإقامة، تزويد الضحية بأرقام الطوارئ وخطوط النجدة، إصدار أوامر قضائية تمنع الاقتراب أو الاتصال من المعتدي، ومراقبة تحركات الجاني إذا استدعى الأمر⁶. كما يشمل التدبير توفير الدعم النفسي والاجتماعي، مثل جلسات العلاج النفسي، الإرشاد الأسري، والخدمات الاجتماعية اللازمة للتخفيف من آثار الصدمة وتعزيز قدرة الضحية على التعافي⁷. ويضاف إلى ذلك تقديم الاستشارات القانونية للتمكين من فهم الحقوق والواجبات، فضلاً عن برامج تمكين اقتصادي للنساء اللواتي يحتجن إلى استقلال مالي، بما يعزز شعورهن بالاستقلالية ويقلل من احتمالية تعرضهن للعنف مرة أخرى (36).

تظهر الدراسات أن دمج تقييم المخاطر مع تدبيرها بشكل متكامل يزيد من فعالية الاستجابة للعنف، ويعزز قدرة الضحية على اتخاذ قرارات مدروسة حول حياتها الشخصية والاجتماعية والقانونية⁹. كما أن هذا التكامل يسمح للجهات المختصة بمراقبة التطورات بشكل مستمر، وتعديل خطط الحماية بحسب أي تغييرات في مستوى التهديد، ما يضمن حماية طويلة المدى ويحد من إعادة إنتاج دوائر العنف (37).

من ثم، تُبرز هذه الوحدة أهمية النهج الشمولي في التعامل مع العنف ضد النساء، حيث يتطلب النجاح تعاونًا وثيقًا بين مختلف الفاعلين، مراعاة دقيقة للبعد النفسي والاجتماعي، واستجابة قانونية صارمة، لضمان حماية شاملة وفعالة للضحايا، ومنع تكرار الاعتداءات.

الوحدة الخامسة: التدخل الأمني وجمع الأدلة وتوثيق الوقائع في قضايا العنف ضد النساء

يُعتبر التدخل الأمني الفوري والمتقن في مكان وقوع العنف خطوة جوهرية لحماية النساء ضحايا العنف، وصون حقوقهن القانونية، وضمان تحقيق العدالة. إذ أن أي تقصير في هذا التدخل قد يؤدي إلى فقدان الأدلة الحيوية، وإضعاف الملف القضائي أمام المحاكم، وبالتالي التأثير سلبًا على مصداقية الأجهزة الأمنية وثقة المجتمع في النظام القضائي. وقد أظهرت التجارب المقارنة بين المغرب ودول مثل السويد وكندا أنّ الجمع بين التدخل الأمني المنهجي وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا يزيد من فعالية الحماية ويقلل من احتمال تعرض النساء للعنف مرة أخرى، ويعزز الثقة بالمؤسسات الأمنية (38)

تبدأ العملية بتحديد مكان الضحية والوصول إليه فورًا، مع تقييم مستوى الخطر، وتأمين الموقع لمنع أي تدخل خارجي قد يؤثر على مسرح الجريمة. ففي الحالة الأولى، تعرضت امرأة للعنف الجسدي من زوجها، فتمت مداهمة المنزل بشكل سريع، وتأمين المكان، وضمان سلامة الضحية أثناء جمع الأدلة المادية مثل الملابس الملوثة والأسلحة المستخدمة في الاعتداء (39). كما يشمل التدخل توثيق الوقائع بصريًا لتقوية الملف القضائي أمام المحكمة، وهو إجراء معمول به في البروتوكولات الأمنية الدولية.

يتزامن مع ذلك تقديم الدعم النفسي الفوري للضحايا، وإحالتهم إلى المستشفيات أو مراكز الإيواء عند عدم إمكانية العودة إلى محيطهم، بما يضمن حماية شاملة تشمل البعد النفسي والاجتماعي. ففي الحالة الثانية، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، فتمت إحالتها مباشرة إلى المستشفى لتلقي العلاج النفسي والجسدي، مع ضمان سرية معلوماتها وخصوصيتها، ما يعكس الالتزام بمبادئ التدخل الشامل(40)

من جهة أخرى، يُحرر المحضر الأمني كوثيقة رسمية تشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، والأدلة المادية والطبية، والإجراءات القانونية المتخذة، لتكون أساسًا لملف قضائي متكامل. ففي الحالة الثالثة، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع جميع الأدلة وإعداد المحضر القانوني المفصل، بما يعزز قدرة القضاء على إثبات الوقائع ويحد من التلاعب بالأدلة,

وبناءً على ذلك، يصبح التدخل الأمني ليس مجرد إجراء تقني، بل عملية شاملة تتطلب تكامل الخبرات الأمنية، القانونية والاجتماعية، مع الالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية وأخلاقيات العمل، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة الفعلية.

الوحدة السادسة: التحقيق القضائي وجمع الأدلة وتحرير المحضر في قضايا العنف ضد النساء

تُعتبر مرحلة التحقيق القضائي القلب النابض لمنظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تمثل الرابط الحيوي بين التدخل الميداني وجلسات المحاكمة، وتضمن أن تكون جميع الوقائع والأدلة مسجلة بدقة قانونية عالية، بما يعزز فرص محاسبة المعتدين والحد من الإفلات من العقاب. وتوضح المقارنات بين القانون المغربي رقم 13-103 والمعايير الدولية، مثل بروتوكولات الأمم المتحدة أن التحقيق القضائي الفعال لا يقتصر على جمع الأدلة فحسب، بل يمتد إلى احترام حقوق الضحية وتأمين سلامتها النفسية والجسدية، وتوفير الخبرة القانونية اللازمة لفهم مسار القضية (41)

يبدأ التحقيق عادة بالاستماع إلى الضحية في بيئة سرية وآمنة، مع مراعاة حالتها النفسية، حيث تُسجل أقوالها بدقة باستخدام أسئلة مفتوحة لاستقصاء جميع تفاصيل الحادث، بما يشمل الزمان والمكان وطبيعة العنف وأثره النفسي والجسدي³. ويشير الخبراء إلى أن اعتماد أساليب استماع تراعي الصدمة النفسية للضحايا يقلل من إعادة الصدمة ويُعزز مصداقية الشهادات أمام القضاء، بالمقارنة بأساليب التحقيق التقليدية التي قد تضاعف آثار الصدمة.

بعد ذلك، يتم استدعاء المعتدي واستجوابه بشكل محايد، مع تسجيل جميع التفاصيل دون تحيز، بما يضمن التوازن القانوني ويعزز مصداقية الإجراءات. تُجمع الأدلة المادية والرقمية والطبية، بما في ذلك الأسلحة، الملابس، التسجيلات، التقارير الطبية والنفسية، والتحليل الرقمي للهواتف والرسائل الإلكترونية. ويُحرر المحضر القضائي كوثيقة رسمية توثق جميع مراحل التحقيق، بما يشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، الأدلة، الإجراءات القانونية المتخذة، والقرارات المتعلقة بحماية الضحية، ليصبح مرجعًا أساسيًا أمام القضاء ويضمن حقوق الضحايا (42).

من منظور نقدي، لا تزال هناك تحديات على مستوى التنسيق بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية، وهو ما أوصى به تقرير وزارة العدل المغربية 2018 لتطوير بروتوكولات متكاملة تيسر وصول الضحايا إلى العدالة². كما تشير التجارب الدولية إلى أن اعتماد برامج تدريب متخصصة للقضاة والمحامين والمحققين، تتضمن آليات للتعامل مع الصدمات النفسية وفهم أبعاد العنف النفسي والجنسي، يعزز فعالية التحقيق ويحسن نتائج المحاكمات (43).

يتضح إذن أن التحقيق القضائي الفعال هو نتاج تكامل الخبرة القانونية مع الحساسية الإنسانية، ويعتمد على تضافر جهود كل الفاعلين: الأمنيون، القضائيون، الطبيون، والاجتماعيون، لضمان حماية الضحايا، توثيق الوقائع بدقة، وتحقيق العدالة بشكل كامل ومستدام.

الوحدة السابعة: التعاون الأمني والمؤسسي في مكافحة العنف ضد النساء

يُعتبر التعاون الأمني والمؤسسي ركيزة أساسية لضمان فاعلية الاستجابة للعنف الممارس ضد النساء، إذ يربط بين جميع الفاعلين المعنيين: الشرطة القضائية والنيابة العامة والقضاء ومراكز الخدمات الاجتماعية والمجتمع المدني. ويُعد هذا التعاون آلية استراتيجية متكاملة تهدف إلى توحيد الجهود وتبادل المعلومات الحيوية وضمان حماية شاملة للضحايا، ما يعزز فعالية التدخل ويقلل من مخاطر الإفلات من العقاب (44).

على المستوى العملي، يتضمن التعاون الأمني مؤشرات دقيقة لتقييم الوضع الأمني للضحايا من قبيل تحديد مستوى الخطر ووضع خطط التدخل المناسبة، بما يشمل حماية الضحية فورًا ومراقبة الجاني وضمان جمع الأدلة بطريقة قانونية محكمة. (45) وتشير المقارنات بين النظام المغربي والدولي، لا سيما تجارب دول الاتحاد الأوروبي وكندا، إلى أن التنسيق المنهجي بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية يضمن سرعة الاستجابة ويعزز فعالية التحقيقات، كما يقلل من التكرار المحتمل للعنف ويزيد من الثقة في المنظومة القانونية.

كما يبرز دور التعاون الأمني في العمليات الميدانية، حيث يساهم تبادل المعلومات بين المصالح الأمنية والشرطة القضائية والنيابة العامة في ضمان جمع الأدلة بكفاءة، توثيق الوقائع بشكل منهجي، ومتابعة المعتدين وفقًا للقانون، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وحمايتهم. وفي هذا السياق، تُظهر التجارب الدولية أن بروتوكولات التنسيق الرسمية، التي تحدد أطر تبادل المعلومات ومسؤوليات كل جهة، تعزز من سرعة الاستجابة، وتقلل من الصدمات الثانوية للضحايا وتحسن جودة التحقيقات القضائية (46).

علاوة على ذلك، يمتد أثر التعاون الأمني إلى الجانب الوقائي، حيث يسهم في تصميم برامج توعية، مبادرات مجتمعية، وحملات تدريبية مشتركة تستهدف المجتمع والجهات المعنية، بهدف تفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف، وتعزيز ثقافة احترام حقوق النساء. وبذلك يتضح أن التعاون الأمني والمؤسسي لا يقتصر على التدخلات التقنية، بل يشكل استراتيجية شاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الضحايا بشكل مستدام.

الوحدة الثامنة: تداعيات العنف ضد النساء على الفرد والأسرة والمجتمع

يُعد العنف ضد النساء ظاهرة متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الضحية الفردية لتشمل الأسرة والمجتمع بأسره، مما يجعلها قضية بنيوية لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية عميقة. فعلى المستوى الفردي، تتراوح الآثار بين الإصابات الجسدية البسيطة إلى الإصابات المزمنة والمعقدة التي قد تؤدي إلى إعاقات دائمة أو أمراض صحية مستعصية. كما يترك العنف آثارًا نفسية طويلة المدى، تشمل اضطرابات القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات وفقدان الثقة بالآخرين، ما يعيق قدرة النساء على المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية ويزيد من احتمال العزلة(47)

من الناحية الاقتصادية، يحد العنف من قدرة النساء على العمل أو الاستمرار في وظائفهن بسبب التأثير النفسي والجسدي ويزيد من الأعباء المالية الناتجة عن العلاج النفسي والجسدي. فبالمقارنة مع دراسات عالمية مثل تقرير منظمة الصحة العالمية وأبحاث غارسيا مورينو وزملائه يتضح أن العنف ضد النساء يُقلل بشكل ملموس من الإنتاجية الاقتصادية للمرأة ويزيد من نسب الفقر والتهميش وهو ما ينعكس على الاقتصاد الوطني بشكل عام

وعلى مستوى الأسرة، يتسبب العنف في تفكك العلاقات الزوجية وتصاعد نسب الطلاق، كما يخلق بيئة غير آمنة للأطفال، مما يزيد من احتمالية إعادة إنتاج دوائر العنف عبر الأجيال. هذه النتائج تتوافق جزئيًا مع الدراسات التي أبرزت أن العنف الأسري لا يقتصر على تأثيره المباشر على الضحايا بل يشمل الأطفال والشركاء الآخرين، مما يعقد جهود الوقاية ويستدعي تدخلًا متعدد المستويات

أما على صعيد المجتمع، فإن انتشار العنف يُضعف التماسك الاجتماعي ويقلل من الثقة بين أفراده. كما يعزز من فرص استغلال النساء في أعمال غير مشروعة مثل الدعارة أو الاتجار بالبشر، ما يزيد من الهشاشة الاجتماعية ويحد من المشاركة المجتمعية للنساء.

ومن الناحية الثقافية، يساهم العنف في ترسيخ أنماط العلاقات القائمة على الهيمنة والسيطرة، ويجعل ممارسة العنف مقبولة جزئيًا في بعض السياقات الأسرية والاجتماعية، وهو ما يضعف القيم الأساسية مثل الاحترام والمساواة(48)

حيث نخلص أنه ومن خلال رؤية نقدية، يمكن مقارنة التجربة المغربية مع تجارب دول أخرى حيث أن بعض الدول قد نجحت في الحد من العنف الأسري من خلال تشريعات صارمة وبرامج تمكين المرأة في حين لا تزال هناك تحديات مرتبطة بالبعد الثقافي والاجتماعي في المغرب، حيث تُظهر الدراسات أن العنف النفسي والاقتصادي لا يزال غير مشمول بالشكل الكافي في برامج التوعية. كما يشير التحليل والدراسة المقارنين إلى أن فعالية القانون رقم 13-103 تعتمد بشكل كبير على تفعيل التدابير الوقائية وتأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين وتحقيق التنسيق بين جميع المؤسسات المعنية (49)

واستنتاجا لما سبق، يتضح أن العنف ضد النساء ليس مجرد سلوك فردي أو حادث معزول بل هو ظاهرة معقدة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الأطر القانونية والتدخلات الأمنية والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي والثقافي للنساء. كما أن فهم التداعيات المختلفة للعنف يمكن أن يسهم في تصميم سياسات أكثر فاعلية، مع ضمان إشراك الرجال والمجتمع المدني في جهود الوقاية والتوعية، بما يعزز ثقافة احترام حقوق المرأة ويحد من استمرار الظاهرة (50)

على سبيل الختم

يُعد العنف ضد النساء من أخطر الظواهر الاجتماعية والقانونية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ لا يقتصر أثره على الضحية وحدها بل يمتد ليشمل الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني بأسره. ومن خلال هذه الدراسة النقدية تبيّن أن القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء شكل خطوة نوعية في مسار حماية الحقوق الإنسانية للمرأة بالمغرب، لكنه يظل بحاجة إلى أجرأة أكثر فعالية لمقتضياته على أرض الواقع بما يشمل التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين والمدنيين

وقد أظهرت نتائج هذا البحث أن الاستجابة لظاهرة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية متعددة المستويات تبدأ من تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية النساء من التهديدات الفورية والمستقبلية، مرورًا بالتدخل الأمني الميداني لجمع الأدلة وتوثيق الوقائع ثم مرحلة التحقيق القضائي التي تثبت المسؤولية القانونية وتضمن محاسبة المعتدين. كما أبرز هذا البحث أيضا أهمية التعاون الأمني ليس فقط على المستوى الوطني بل أيضًا على المستوى الدولي خصوصًا فيما يتعلق بالجرائم المنظمة كالاتجار بالبشر لضمان حماية شاملة للضحايا وتحقيق العدالة

وأما على الصعيدين الاجتماعي والنفسي، فيتضح أن العنف يُحدث آثارًا طويلة المدى، تشمل الإصابات الجسدية المستديمة والاضطرابات النفسية وتراجع الإنتاجية الاقتصادية واضطرابات في العلاقات الأسرية. هذه التداعيات المتعددة الأبعاد تفرض ضرورة دمج برامج الوقاية والدعم النفسي والاجتماعي، مع إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام لتعزيز الوعي بحقوق المرأة وكسر دائرة الصمت المحيطة بالعنف

انطلاقًا مما سبق، تقترح هذه القراءة النقدية مجموعة من التوصيات العملية والواقعية لتعزيز الحماية ومكافحة العنف ضد النساء ولعل من أهمها ما يلي

- تعزيز الإطار القانوني والتشريعي: مراجعة القوانين الوطنية باستمرار لتشمل جميع أشكال العنف بما فيها النفسي والاقتصادي والرقمي وضمان تفعيل إجراءات الحماية الفورية للضحايا

- تأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين: توفير برامج تكوينية مستمرة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، مع التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية لضمان تدخل حساس ومهني

- توسيع شبكة التعاون المؤسسي: من خلال إنشاء آليات تنسيق بين جميع المتدخلين المحليين والدوليين بما يشمل الشرطة والقضاء والمستشفيات والمراكز الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني

- برامج الوقاية والتمكين: دعم مبادرات التمكين الاقتصادي للنساء وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي مع إشراك الرجال والشباب في حملات التوعية لتفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف

- المتابعة والتقييم : تطوير آليات لرصد وتقييم فعالية السياسات والتدخلات باستخدام بيانات دقيقة ومحدثة لضمان تحسين الاستراتيجيات المتبعة في مواجهة العنف

- التوعية المجتمعية والثقافية: عن طريق تعزيز برامج التثقيف والوعي حول حقوق المرأة ونشر ثقافة احترام كرامة المرأة عبر المدارس ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، لتقليل التقبل المجتمعي للعنف

إن مكافحة العنف ضد النساء ليست مسؤولية مؤسسة واحدة بل مهمة جماعية تتطلب إرادة سياسية واضحة وتعاونًا مؤسسيًا متينًا ومشاركة مجتمعية فعالة حيث أنه كلما تعزز التنسيق بين مختلف الأطراف وتوطدت ثقافة احترام حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، كان بالإمكان بناء مجتمع ديمقراطي عادل يحمي كرامة جميع أفراده ويضمن حقوق الضحايا في العدالة والحماية الشاملة والكرامة الإنسانية.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث جامعي

.............................

لائحة المراجع والمصادر بالعربية

وزارة العدل المغربية. القانون رقم 103-13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018.

الوزاني، يوسف. العنف ضد النساء في المغرب: مقاربة قانونية واجتماعية. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2019.

الصادقي، نزهة. العنف المبني على النوع الاجتماعي: بين التشريع والواقع. الرباط: منشورات كلية الحقوق، 2020.

الشرفي، عبد الحليم. الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف في ضوء القانون 103-13. مجلة العدالة، العدد 15، 2021.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان. تقرير حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في المغرب، الرباط، 2022.

المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6.

الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

لائحة المراجع والمصادر الأجنبية

UN Women. "Global Database on Violence against Women: Morocco." United Nations, 2020.

Human Rights Watch. "Morocco: Progress and Gaps in Laws against Violence towards Women." HRW Report, 2018.

Baker, L., & Bennett, D. "Violence against Women in the MENA Region: Legal and Social Perspectives." Oxford University Press, 2017.

Khosla, R., & Smith, E. "Legal Frameworks for Women’s Protection from Violence: A Comparative Study." International Journal of Women's Rights, 2019.

World Health Organization. "Violence against Women: Key Facts and Interventions." WHO, Geneva, 2021.

Conseil National des Droits de l’Homme (CNDH). "Rapport sur la violence basée sur le genre au Maroc." Rabat, 2021.

ONU Femmes. "La violence à l’égard des femmes et des filles au Maroc: cadre législatif et défis." Nations Unies, 2019.

Belarbi, A. "Femmes, violence et droit au Maroc: Analyse du cadre juridique et institutionnel." Casablanca: Afrique Orient, 2020.

Fédération Internationale des Droits Humains (FIDH). "Les droits des femmes et la lutte contre les violences au Maroc." Paris, 2018.

Abou Malek, S. "Genre et violence au Maroc: entre normes sociales et cadre légal." Revue Maghreb-Machrek, 2022.

Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press.

Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11.

Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

. Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018..

. Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat..

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

. Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

. Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization..

Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat, Chapitre 5.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 2-3.

UN Women، الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020.

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

الهوامش

)(1) Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press

)(2) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No

)(3)UN Women. (2020). Global Database on Violence against Women. New York: UN.

)(4) Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

)(5)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(6) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

)(7) Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

)(8) Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

)(9) Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

)(10) UNODC. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(11) Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

)(12) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

)(13) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(14) UN Women (2020), op. cit., Global Database on Violence against Women.

)(15)Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women: Population Reports, Series L, No. 11. Baltimore: Johns Hopkins University.

)(16)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(17)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(18)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(19)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

)(20)UNODC. (2018). Handbook on Effective Criminal Justice Responses to Violence Against Women. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(21)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

)(22)Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat

)(23)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(24)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(25)United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Handbook on Effective Police Responses to Violence against Women, Vienna, 2010

(26) عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا العنف: مقاربة سوسيو-ثقافية، دار الأمان، الرباط، 2014

(27) وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، التقرير الوطني حول العنف ضد النساء، الرباط، 2019.

 (28)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

(29)UN Women. (2020). Guidelines for Police Response to Violence Against Women. New York: United Nations.

(30) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

(31) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290

(32) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(33)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

(34)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(35) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(36)UN Women. (2020). Guidelines for Risk Assessment and Management in Cases of Violence Against Women. New York: United Nations.

(37) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(38) الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

(39) . المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

(40) وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6

(41) الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020

(42) القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

(43) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11, 1999.

لقانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018. (44)

وزارة الداخلية، المغرب. (2019). دليل تنسيق التدخلات لحماية النساء ضحايا العنف. الرباط (45)

UN Women، (2020). تعزيز التعاون الأمني والقضائي في قضايا العنف ضد النساء، نيويورك ، (46)

(47)Garcia-Moreno, C., Jansen, H., Ellsberg, M., Heise, L., & Watts, C. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

(48)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(49)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(50)UN Women. (2020). Preventing Violence Against Women: Awareness and Policy Recommendations.

في المثقف اليوم