عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روافد أدبية

يا مُراداتَ المُتاقي والمُريدِ

وخيالاتَ خليقٍ وشهيدِ

*

أممٌ سادتْ وأخرى تَتداعى

نحوَ قاعٍ يَتساقى من وَعيدِ

*

أمّنا فاقتْ عَبوسا قمْطريرا

واسْتهانتْ بمَجيدٍ وتليدِ

*

كضَعيفٍ في ربوعِ الغابِ تَحْيا

أُسْدها عاثتْ فساداً بالسَعيدِ

*

نَقمةٌ دامتْ بنفطٍ مُسْتباحٍ

بعدوٍ مُستفيدٍ ومُبيدِ

*

عائداتٌ لبنوكِ الغيرِ تَسْعى

وإذا الأرقامُ بهتانُ الرصيدِ

*

نهبهمْ برهانُ حُكمٍ ووفاءٍ

لقويٍّ يَتواصى بالبليدِ

*

دميةٌ جارتْ وأخرى تحتَ أمْرٍ

فعَليها أنْ تراها بالوَصيدِ

*

مَذهبُ الأطماعِ قهرٌ وامْتلاكٌ

لشعوبٍ وبلادٍ ورَشيدِ

*

فتعلمْ كيفَ ترقى بثباتٍ

واقتحامٍ واعتصامٍ بالحَديدِ

*

برسالٍ أصلُها دامَ عظيما

أمّةٌ أحيّتْ عقولاً بالفريدِ

*

ما بقتْ دنيا ستبقى في عُلاها

تَتحدّى بحَجاها والسَديدِ

***

د. صادق السامرائي

اليومُ، ينفصلُ عنّي كجزءٍ لم أعدْ أحتملهُ،

كأن الزمنَ.. فقدَ توازنَه عند عتبةِ غيابكِ.

أمّي..

باتت وشمًا يذوبُ في الريحِ والظلِّ والمطرِ،

أصبحت نغمةً في صمتِ الأشياءِ،

رمزًا يتكرر.. في كلّ الضوء المبتورِ،

وفي كلِّ الفراغ الذي يبتلعني.

وأنا.. بقيتُ ناقصًا بما يكفي

لأكتشفَ "الفراغ الذي يبتلعني".

هذا اليومُ.. لا يشبه نفسَهُ،

كأن الزمنَ نسي اسْمهُ عند بابكِ.. ورحلْ.

أحاول أن أستعيدكِ، من ترتيب الأشياءِ:

أضع الكرسيَّ في مكانهِ،

أفتح النافذة ببطءٍ،

أعيد للصباحِ طقوسَه…

لكنّ الصباحَ، لا يعترف بي.

أمّي.. لم تمُتْ،

بل صارت حكاية تُشبه كلّ الأشياءِ،

تقاوم اللغةَ، كلما اقتربتُ منها.. تبعثرتْ

كدُررٍ يتيمةٍ.. مِنْ معنًى.

أتساءلُ:

هل أنتِ الآن في جهةٍ لا تحتاج اسمي؟

هل تخلّصتِ من ثقل الأمومةِ، كما تتخلّص النار من دخانِها؟

في داخلي معبدٌ صغيرٌ.. سقطتْ أعمدتُه،

وتماثيلُ الطفولةِ تتكسّر ببطء،

ولا كاهنَ..  ليعيد ترتيب الخوفِ.

هذا اليومُ.. يمشي بلا ظلٍّ،

كأن الشمسَ، قررت أن تعاقبني.

أجلسُ.. أفكّك صوتكِ:

كان يبدأ ناعمًا، ثم يصعد.. كدرجٍ نحو الطمأنينة،

الآن؛ لا شيءَ يصعدُ.

أمّي.. كنتِ تفسّرين العالمَ

بإشارةٍ من يدك،

أما أنا، فأغرق في التفاصيل؛

كمن يبحث عن قاعٍ

ولا يصلْ.

ألمس الفراغَ.. فيتمددُ،

أناديكِ.. فيتسعُ،

أصمتُ.. فيزداد وضوحًا.

كأنكِ.. لم ترحلي وحدكِ،

أخذتِ معكِ

الطريقة التي كنتُ أفهم بها نفسي.

هذا اليومُ.. ليس حدادًا، بل اختلالٌ في المعنى،

انزلاقٌ خفيف.. يجعل كلّ شيء في غير مكانهِ.

حتى أنا، لم أعدْ في مكاني.

أمّي..

أيّ نصٍّ هذا الذي كتبكِ ثُم محاكِ؟

وأيّ لغةٍ تستطيع أن تعيدكِ دون أن تخونكِ؟

أحاول أن أومِنَ أنكِ لم تخْتفِ،

بل انتقلتِ إلى صيغةٍ أخرى للحضور،

لكنّ قلبي، لا يزال بدائيًا، يريدكِ كما كنتِ:

صوتًا ويدًا ونظرةً تُصلح هذا العالم.

في النهاية.. لا أجدكِ،

بل أجدني.. واقفًا في هذا اليوم

كناجٍ من غرقٍ قديم،

يحمل ماءه في داخلهِ.. ويمشِي.

***

بقلم الشاعرة: آمال بن الطاهر

كلّا

أُطلقت مجلجلة

في مديات ملبّدة

لتتهاوى عروشهم

هوائية

الأوتاد

**

يحاولون وأدها

كلمّا تنبجس

صرخة كلّا

لكنّها تشرئب

معانقة السماء

سماء من غدت الكلّا

هوية لأنفاسهم المصادرة

**

كلّا وكلّا ... وكلّا

حدود خريطة

لعالم

يلفظ أنفاسه

ولا يدرك

أن إكسير حياته

خريطة منقوش على حدودها

كلّا رباعية الأس

**

ما أن أطلقت

الكلّا

حتى استشاطوا

فلا عذب الفرات بات يرويهم

ولا دماء

براءة

تستغيث عطشا

لتغدو

علامة تؤبّن سرادق لطفولة

تهراق دماؤها

في بقاع

منقوش على أطرافها

كلّا وألف كلّا

**

صرخة

ما تزال تجلجل

في فضاءات صمّاء

وما دامت

فثمّة نيران تضطرم

وثمّة خيام

تتناهبها

ألسنة اللهب

**

في صحراء ظامئة

انبجست

عين لكلّا

وكلما يحاولون طمرها

تتفتق

الصحارى

عيونا

ترتوي بها

ثمار غدت الزاد والزوادة

لرحلة بات يبابها يطرق القلوب

***

إبتسام الحاج زكي

ها أنتذا..

تحت خط الفقر

يزدادُ يقينكَ أنَّ (الشِبْعَ مُسْلِمٌ)

لايَتَعَاهد جيرانه!

وفوق هذا

تَأتيكَ كوارثٌ حصريةٌ

تحشو حلقك بِغُصَصٍ عويصةٍ

تتحاشى (الذوات)

والنفيسون.. كالعادة!

*

لا تَمُدْ إليكَ النجاةُ حبلها السري

قبل أنْ تَدهمُكَ الآخِذةُ بويلها

فيَخْرَبَ عُشَّك

وتطفو على النزوحِ العاري!

بل يغشاكَ

دُخانُ سيجارةٍ أُمَميةٍ.. وأُخرى

تَشْهَدُكَ بفاجعةٍ تَبتَلِعُكَ يقينًا

ولا تحُسُّ بمصيركَ

وهو للفُرجَةِ أقربُ من حَرْبْ!

*

فالعَالَمُ أبرَدُ مِن نَظْرَتِهِ

وحُمَّى إذاعتِهِ

تُفَاقِمُ أوجاعكَ النِّفطِية

بأحاديثٍ لاهِبَةٍ

لا يَراكَ إلا سَرَابُها المُنتَظرْ

وتُحَاصِركَ

بالمَنِّ.. والفتوى التِواءً

لتُعِيقُ أياديكَ عن النهوضِ

وإبتكار

حياتكَ الجديدة!

*

ها أنتذا

وطنٌ مُعتل الآخرْ

والرغيف الحُر

وثْبَتُكَ القادمة!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٦/٤م

أجادوها كما رُسِمَتْ وشاءَتْ

فلا تَعْجبْ إذا خَنَعتْ ولانَتْ

*

بتَضليلٍ وإعْماءٍ شَديدٍ

مَواطنُها من التدجيلِ هانَتْ

*

تَغيّر رأسُها وبدى خَنوعاً

سُراةٌ من رمالِ البينِ جاءَتْ

*

تنفّذ أمْرهم دونَ افْتكارٍ

وتَمنحهمْ مواثيقاً توالتْ

*

تدَحْرجتِ العقودُ على هَواها

مَصالحهمْ بمُعتقدٍ توارتٍ

*

مَواقعُها تخاصمُ مُرتقاها

وتَبْعثُها رميماً حينَ خانتْ

*

حُطامُ مَسيرةٍ من سوءِ فِكْرٍ

يُبشّرها بأحلامٍ تناءَتْ

*

إذا الأفهامُ في سَفهٍ وجَهْلٍ

ستُحرقُ أمّةً منها اسْتعارَتْ

*

تكرَّرَ غيّها وقَضى عليْها

أعاجيبٌ بها الألبابُ حارتْ

*

فما اعْتبرتْ ولا نظرتْ بحِلمٍ

كأنّ رؤوسَها أمِنَتْ ونامَتْ

*

فكانَ حَصادُها سَهلاً سَريعاً

بصَوْلاتٍ أبيْدتْ واسْتكانتْ

*

رأيْتُ سَذاجةً فاقتْ بَقيلاً

وسَحْبانٌ بها نُكْرٌ فخارَتْ

*

فهلْ بلغتْ مَواجعُنا زُباها

وهلْ عِشنا كما رغِبَتْ وجارتْ؟

*

ستبقى أمّةٌ ذاتُ امْتدادِ

وتَنويرٍ بقافلةٍ تهادَتْ

***

د. صادق السامرائي

9\3\2026

وقف عند حافة الشاطئ، يتأمل حركة الموج وهو يجيء ويغادر، كأن النهر بهذه الحركة التراتبية، يعيد أمامه حكاية العمر كلها.

كانت الشمس تميل نحو الغروب، وهي تنثر خيوطها الذهبية فوق الماء، فيما راحت النوارس تحلّق بعيدًا ثم تعود ادراجها، مثل ذكريات قديمة تأبى الرحيل..

 مد بصره نحو الأفق البعيد.. هناك، في تلك المسافة المعلقة بين زرقة السماء، وامتداد النهر، وهو يستذكر أحلامه القديمة التي لم تكتمل.

تذكّر طفولته في القرية، حين كان يركض حافي القدمين قرب ذلك الشاطئ، ويجمع الأسماك الصغيرة بغبطة، ويحلم أن يصبح سندبادا يجوب الٱفاق البعيدة... لكن الحياة، كعادتها، أخذته إلى أيام مزدحمة بالتعب والانتظار..

 جلس القرفصاء على الرمل، ميمما وجهه شطر الجانب الآخر من النهر.. ونسيم البر والبحر يمر به هادئا، ويداعب خدوده ..

كان غارقا في صمت طويل، كأنه يصغي إلى شيء لا يسمعه احد سواه.

فجأة رفع رأسه نحو الأفق.. وهو يحس بشيء من الطمأنينة.. وكأن النهر أعاد إليه عند حافة الشاطئ، ما كان فقده منذ زمن بعيد..

***

نايف عبوش

كيف يتسنّى لي؟

متى بالله عليك؟

في ايّ أرضٍ أو سماء؟

ام في حلم،،!

باتت أمنيةُ

لقياكِ

مصافحتكِ.

كحبٍّ امتلأ بكِ كفيّ

رغيفُ خبز، يُشبع بكِ قلبي

ظَمْآن أرتوي من فيضِ حنانكِ

وشيء من عطركِ

ترتوي بك صباحاتي وتنتشي

مع كل إشراقةِ شمسٍ

تكون لي ضوء ومحبة ونافذة أمل

ورشفة من فنجان قهوة .

***

كامل فرحان حسوني- العراق

 

تبعثرت أوراقُ حياتي في وصفِ شعورٍ غيرِ مرئيٍّ لنفسي.

هي حروفُ حزني التي تلعبُ لعبةَ الخفاء في قلبي، وحروفُ فرحي التي تخسرُ دائمًا، وسرعان ما تنكشف أمام أعينِ من حولي بأقلامهم الصمّاء والعرجاء.

أكذبُ على نفسي، وأوهمُ ذاتي بأنني بخير.

قد تظهرُ على ملامحي الابتسامة، لكنَّ داخلي وجعٌ دفينٌ لا يعلمُ به أحد.

قد أنطقُ بالصمت أنا وقلمي، وأبدو هادئة، وفي جوفِ قلبي ضجيجٌ كبركان، وصراعٌ مع الحزن بمقياسٍ عالٍ.

لا أحد يعلم ما بداخلي؛ يعتقدون أن قلبي كالإسفنج يمتصُّ كلَّ الأوجاع، وأن جدارَ قلبي لا ينكسر، لأنهم اعتادوا رؤيةَ ابتسامتي الكاذبة.

فسماءُ عينيَّ تمطرُ دموعًا كنتُ أخفيها بمظلّاتٍ كاذبةٍ من الكتمان.

نعم، أنا بخير… بكوني أمتلكُ أقدامًا فقدتِ الرغبةَ في السير، وعيونًا لا ترى سوى أشباحِ الراحلين والأمنياتِ البعيدة، وآذانًا تسمع صدى أوجاعها المخيفة في تلالِ الخيبة، وشفتين ترتجفان من قولِ الحقيقة.

ونفسي مثقلةٌ بالأحزان، فأنا من أولئك الذين يقدّمون الزهرَ بأيدٍ مجروحة، ويسندون أنفسهم ومن حولهم بالجبرِ والأمل.

فكلماتي ربيعٌ، حتى وإن كان الخريف يملأ صدري.

لقد أصبحت يدي عاريةً تبحث عن قلمي لتكتب عن أحلامي وأمنياتي التي نحروها.

لقد وصلتُ إلى قمّةِ ألمِ إيفرست، وعانقتُ الشمسَ بأوجاعي.

فهل أدركتَ أوجاعي، يا من تقرأ صمتَ كلماتي؟

***

ذكرى البياتي

 

حَقيقتُنا بلا حَقٍّ سِواها

أ حَقّ الحَقُ أمْ تاهَتْ خُطاها

*

تَسامَقتِ النواهيُ في عُلاها

وأدركتِ السوامِقُ مُنْتهاها

*

تُعللنا الشدائدُ بانْفراجٍ

وتُعْلِمُنا بآياتٍ قَناها

*

تَراشقتِ الخُطوبُ واسْتكانَتْ

وداهَمَها الشديدُ في رُباها

*

عَماءُ بصيرةٍ يُطوى بلُبٍّ

يُزعْزعُها ويُفقدُها حَجاها

*

تَكلَّمتِ الخوافقُ بلسانِ نَبضٍ

يُداعِبُها ويُسْقيها مُناها

*

عَلائمُ كُنهها قولٌ فَصيحٌ

فهلْ وَصلتْ لعلياءٍ كُماها

*

تُناشدُنا الليالي عَنْ هَوانا

وتَمْنحُنا بَراهيناً سُعاها

*

إذا نطقتْ عُقولٌ ذاتُ نورٍ

تُزنْدقها أباليسٌ تَراها

*

رياحُ وجودِنا سكنتْ بوادٍ

وداستْ في بَواطنهِ عِداها

*

مَساراتٌ بها الأمواجُ تَترى

تُسابقنا وما بَلغتْ مَداها

*

عماراتٌ من الأقوالِ شادَتْ

وأعْلمتِ الرواقدَ عن صِباها

*

سَيذكرُ صوتَها جيلٌ جديدٌ

رسالةُ أمّةٍ ربٌّ رَعاها

***

د. صادق السامرائي

أسند ظهره المثقل بالأتعاب إلى حائط منزله التي تآكلت جدرانه فهو منزل من عهد المستدمر الفرنسي الغاشم، كان يملكه فرنسي اسمه جاك يربي فيه الخنازير، كان يحدق في عش السنونوات الواقفة على حبل الغسيل بجسمها الصغير يكسوه ريش خفيف ذو لون داكن في ظاهرها وفاتح في باطنها، الصغار في عشها الطيني المبني بالأعشاب واللعاب الذي شكل مزيجا من الاسمنت القوي، مهندسان بارعان في تشييد هذا البيت المقاوم لزلازل الحياة، قال محدثا نفسه: " يا لها من أسرة مستقرة بجمعها الحب والتفاهم وتنتشر بين جنباتها روح السعادة " ..

كانت السنونو تضع الطعام في أفواه صغارها المفتوحة، استمتع بهذا المنظر البديع، سبّح الله، حتى الحيوانات تعيش وتكون اسرا بالرحمة التي هداها الله إليها " الذي خلق فهدى " ..

الحصول على سكن في عالم الحيوانات ليس امرا صعبا وحتى تأسيس أسرة بينما الإنسان المسكين يقضي عمره منتظرا مسكنا ضيقا أشبه بعلبة كبريت، هو وضع ملف سكنه منذ عشرين سنة كل مرة يطلبون منه تجديده.. وها هو قطار العمر يمضي سريعا يجتاز محطة الشباب ويتوقف في هذه المحطة، حيث وخط الشيب شعره وجحظت عيناه وبدت على محياه ملامح التعب والإرهاق...

حتى عندما أراد أن يتقدم إلى فاطمة حيث كان محملا بالأحلام والآمال العظام وكم كانت صدمته عنيفة عندما قوبل بالرفض، لحظتئذ ارتمى في أحضان اليأس وترك قلبه ينتحب، أقبل عليه خريف الزمن المر، راى أوراق السنين تبعثرها رياح الفقد والخسائر المتتالية...

تركت السننوة صغارها اقتربت من حبل قريب منه، رفع رأسه إليها، كانت الدموع حبيسة المآقي تريد أن تتحرر أن تخرج من سجنها...

شعر بأنها تواسيه، تساله عن حاله وتطمئنه وتقول له:

لا تحزن، تشبث بالأمل، غدا يوم جميل تشرق فيه شمس السعادة على حياتك وتنسى الأوجاع والآلام ...

استسلم لهذه التخيلات التي تعطيه بعض السكينة والراحة...

***

قصة قصيرة: شدري معمر علي

الجزائر

 

في الذكرى السادسة لرحيلك يا ولدي

أكتب إليك

لا لأن الكتابة تشفي

بل لأن الصمت صار أثقل من قدرتي على الاحتمال.

*

يا بني…

لم أتخيّل يوماً

أن الأب يمكن أن يقف أمام قبر ابنه

مرتبكاً كطفلٍ ضائع.

كنتُ أظنُّ أن ترتيب الحياة واضح:

الآباء يرحلون أولاً،

والأبناء يكملون الطريق.

لكنَّك غادرتَ قبلي

وكأن الزمن أخطأ العنوان.

كيف حالك الآن؟

هل وجدتَ مكاناً يليق بخفّة قلبك؟

هل ما زلتَ تضحك تلك الضحكة

التي كانت تدخل البيت قبل أن تدخل أنت؟

أبحث عنك كثيراً يا ولدي،

ليس في المقابر

بل في التفاصيل الصغيرة:

في كوب الشاي الذي كنتَ تتركه نصف ممتلئ،

في الباب الذي كنتَ تغلقه بعجلة،

وفي صدى خطواتك على السلم.

كبرتُ بعدك فجأة.

ليس عمراً…

بل حزناً.

الآباء يا بني

لا يعرفون كيف يرثون أبناءهم.

لا توجد وصايا لهذا النوع من الفقد،

ولا لغة جاهزة له.

أحياناً أنادي اسمك دون قصد،

ثم أتوقف

كأنني اصطدمتُ بجدارٍ غير مرئي.

وأحياناً أسمع صوتاً يشبهك

فألتفت بسرعة

كأن الحياة تمارس معي مزحة قاسية.

أمّك ما زالت تضع أشياءك في مكانها،

كأنك ستعود بعد قليل.

تغسل قميصاً قديماً لك

وتقول إن رائحتك لم تغادره بعد.

أما أنا

فأتظاهر بالقوة أمام الجميع،

لكنني حين أبقى وحدي

أتعلم البكاء من جديد.

كنتُ أحلم أن أراك تكبر،

أن أشيخ وأنا أراقب خطواتك الواثقة،

أن أسمع أولادك ينادونني جدّاً.

لكن الأحلام يا بني

لا تُسأل قبل أن تنكسر.

حين تتجمّع العائلة على مائدةٍ واحدة،

نختمها بإهداء ما قرأناه إليك،

ونقرأ سورة الفاتحة.

حفيداتنا يشاركن في القراءة

كلٌّ على طريقتهنّ الصغيرة، المرتبكة،

لكنّها تصل… بطريقتها أيضاً.

أمّا أمّك

فتردف الفاتحة بالتوحيد والقدر،

ولا أدري لماذا…

لماذا بالقدر تحديداً؟

لعلّها ما زالت تفكّر

بفكرة القدر،

تلك التي تُسكّن الألم

ولا تُفسّره تماماً.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع.

سأسألك عن كل السنوات التي غبتَ عنها،

وستضحك وتقول:

إنّ أهل الآخرة

لا يقتنون الساعات،

فالوقت هناك

لا يُقاس كما نقيسه نحن.

هل تشعر بنا؟

هل يصل إليك حديثنا؟

هل تعرف كم صار البيت هادئاً بعدك؟

حتى الضحك صار يمشي على أطراف أصابعه

خجلاً من الغياب.

أخوتك يكبرون

لكنهم ينظرون إلى صورتك

كأن الزمن توقف عندك.

أنت الوحيد

الذي لم يسمح له العمر أن يتقدّم.

تعرف يا ولدي؟

بدأت أفهم معنى البقاء بطريقة أخرى.

ربما لم ترحل تماماً.

ربما صرتَ جزءاً من نبضي،

من خوفي عليهم،

ومن دعائي الطويل كل ليلة.

أراك في وجوه الأطفال في الشارع،

في شابٍ يركض مسرعاً،

في ضحكةٍ تشبه ضحكتك

تخطف قلبي للحظة.

لا أخاف موتي الآن.

بل أنتظره بهدوءٍ غريب،

لا شوقاً للنهاية

بل شوقاً للقاء.

سأجلس معك يوماً

ونكمل الحديث الذي انقطع…

كما لو أنّ الغياب

كان مجرد تأخيرٍ في الموعد.

***

د. جاسم حسين الخالدي

كلّما كبرتِ تبدين

أكثرَ جمالاً

من كلِّ وقتٍ،

كأنَّ العمرَ

يتعلّمُ منكِ

كيف يكبرُ

ولا يشيخ.

كلّما كبرتِ

تمرُّ عليكِ السنينُ

لتزدادَ هيَ شباباً،

وأبقى أنا

أتهجّى الدهشة.

كلّما اقتربتُ منكِ

أكتشفُ

أنَّ الحبَّ

يبدأُ دائماً

من أوّلِ ضربة.

تكبرُ الأيامُ حولكِ،

وتصغرُ المسافاتُ حولي،

فأراكِ

كما لو أنّ الزمنَ

يكتبُ نفسَهُ

على هيئةِ امرأة.

*

القصيدةُ

التي لا تتعمّدُ

في ماءِ اسمكِ

تبقى بعيدةً عن النور،

كروحٍ

لم تعثرْ بعدُ

على نهرها الأوّل.

وأنا،

كلّما كتبتُكِ

أحسستُ أنّ الكلماتِ

تغتسلُ بي،

وأنَّ القلبَ

يخرجُ من ظلالهِ

خفيفاً

كفجرٍ جديد.

*

فاسمكِ ليس صوتاً يُقال،

بل ماءٌ سرّيٌّ

إذا مرَّ في اللغة أزهرت.

وإذا مرَّ في العمرِ ابتدأ.

وكلُّ قصيدةٍ

لا تعبرُ ضفّتَيكِ

تبقى على اليابسةِ

تنتظرُ اللقاء.

***

د. جاسم الخالدي

ثقافتُنا مِنَ الأنوارِ جاءَتْ

وفيها نبعُ ساميةٍ تنامَتْ

*

أصيلُ جذورِها يحيا بتُربٍ

يُعاصرُ أمّة قدحَتْ فثارَتْ

*

مُؤرخةٌ بأجيالٍ وإرْثٍ

مُؤزرةٌ بأسفارٍ أفادَتْ

*

عُروبتُها بضادِ البوحِ تَرقى

ومِنْ عربٍ إلى عَربٍ تَوالتْ

*

كبَودقةٍ أذابَتْ كلَّ فعلٍ

بإبْداعٍ تَجلّى فاسْتقادَتْ

*

لسانُ العُربِ عُنوانٌ بهيٌّ

تدوّنهُ المعاجمُ ما اسْتطاعَتْ

*

وإنّ لعُرْبها وثَبُ ارْتيادٍ

وإبْحارٍ بآتيةٍ توارَتْ

*

بلادُ العُربِ فَحْواها عظيمٌ

تُرسّخُهُ المآثرُ حينَ كانَتْ

*

ثراءُ علومِها أغْنى البَرايا

وأخْرَجَها إلى نورٍ فضاءَتْ

*

تطعّمَ ساقَها فزهَتْ بزهرٍ

تفاوَحَ عِطرَهُ وبهِ اسْتقامَتْ

*

أديبٌ عالمٌ صنوُ الثريّا

يُحفّزُ أمّةً غَفلتْ ونامَتْ

*

مِنَ الأعماقِ مؤئلها لأعْلى

ومِنْ إشراقِ جوهرِها أنالتْ

*

هيَ الدنيا بأجْمعها بعَقلٍ

تُفاعِلُ نابهاً فوَعَتْ ودامَتْ

*

عُصورٌ في مَعاقلها اسْتجارتْ

وأغنتْ مِن مَحاسنها وفاضَتْ

*

ومِنْ وَهجٍ وإشْراقٍ مَديدٍ

خِصالُ الكونِ في زمنٍ تراءَتْ

*

بنا عَربيّة خلدتْ بأرضٍ

تُذكّرنا بأمْجادٍ تباهَتْ

*

فمَنْ تركَ الأصيلَ إلى غَريبٍ

تَخطّى أمّةً فيهِ اسْتكانتْ

*

جديدٌ دونَ أصْلٍ لا جديدٌ

وكلّ جديدةٍ جُلِبتْ أماتَتْ

*

دعاةُ جديدِها أعوانُ نَضْبٍ

وأتباعٌ لأقوامٍ أغارَتْ

*

تعوْلَم نبْعُها والأصلُ يُمْحى

وما أعطتْ بها درراً وخابَتْ

*

فكنْ فيها بَثوقاً من ترابٍ

يُعاصرُ حِقبةً منهُ اسْتزادَتْ

*

أرانا مثلَ أفراخٍ بحِجرٍ

يَسيرُ بها ولا تدري أغارَتْ

*

مَعاركُ أمّةٍ في حَربِ إلاّ

تُبددُها أضاليلٌ تبارَتْ

*

فمِنْ نورٍ إلى نارٍ هُداها

وما عقلتْ ولا نظرتْ وطارَتْ

*

يفوزُ بَقيلُها بمُنى امْتلاكٍ

وسُلطتها على وطنٍ أساءَتْ

*

وفي خُدَعٍ وبُهتانٍ وجَوْرٍ

تَسابقتِ الخطايا واسْتثارَتْ

*

فهلْ وجدَ البصيرُ بها سَبيلا

لطيبةٍ بإخوانٍ تواصَتْ

*

تفتّقَ جرحُنا والروحُ شاغَتْ

وأوْجاعٌ بأوْجاعٍ تآخَتْ

*

تأجّجَ شعْبُها والناسُ جارَتْ

ومِنْ ضَرمٍ أكادَتْ ثمّ حارَتْ

*

أ مِنْ ولعٍ بغازيةِ النواهي

تفاهمَ حاذقٌ فنأتْ ورابَتْ

*

سَفاسفُ فكرِهمْ تُهدى إلينا

ومِنْ غَفلٍ بإبْداعٍ أطاحَتْ

*

ومِنْ نكدٍ وإمْعانٍ بنكرٍ

خَرائدُ أصْلنا عنّا أشاحَتْ

*

سَتبقى رُغمَ إعْصارٍ ونارٍ

ومَألبةٍ بما حَفلتْ أصابَتْ

*

أحاديثٌ مُحدّثةٌ وتَسعى

لمَحقِ وجودِنا ولنا أعاقتْ

*

قصائدُنا أزانتْ كلَّ عصرٍ

وعاشتْ في دواخِلنا ودامَتْ

*

فلا تنهرْ عُروضا ذاتَ شأنٍ

وتأتي دونها وترى اسْتعاضَتْ

*

فراهيديةُ الأوصافِ تَبقى

مُنغمةً بأرواحٍ تهادَتْ

*

ثقافتُنا لها الأقوامُ خانوا

وما خَمدتْ ولا أبداً توارتْ

*

هويةُ ذاتِنا ومُنى عُلانا

ثقافةُ مَجْدنا أنّى تنادّتْ

***

د. صادق السامرائي

27\1\2022

رأيته يبسط يديه على موج النهر

بكل حماسٍ

ليُنقّيه من الأعشاب

التي تغفو على سطحه

وعلى ثغره ضحكة

تحرسها امرأة عاشقة

تتقمص هاويةً

تلتحف بقُبل ذات

مذاق اللوز والسكر

رأيته في

مدارات الطرق جزافا

وعيونه إلى السفر الغجريِّ

متسق ومزاجي الهوى

يداعب عصفورا

ريش جناحيه مرتفع

وله ظلٌّ

كظلِ وردة صغيرة

فاجأها الطلق زوالا

ذاتَ نهارٍ قاظَ فتفتق برعم

لربيع قادم.

***

عارف عبد الرحمن

 

مــــــوَّال السلطةِ يُضْحِكُنا

باليوميِّـــــــــاتِ الصحفيةْ

*

يَتغنى فيها بـــــجــــديدٍ

ويُتَمتِمُ سِرًّا: (أُحجِيَّةْ)!

*

ويُهَـرِّجُ فيــــها: تنـــــميةً

يَتقيَّـــــــــأُ فيـها الظرفيةْ

*

ويُديرُ رحــى الأسعارِ بلا

ضَبطٍ للأيــــدي الهمجيَّةْ!

*

ويَغُـــضّ الطَّرْف إذاسَلَبَتْ

أو نَهبتْ شعبي (البـلديةْ)!

*

وينامُ على خبرٍ عــــــاجل

يصـحو بالصُّحفِ الرسميةْ

*

كي يَنــــفي .. ويُؤَكٍد فيهِ

إصــــلاح الوضع بجــدٍيةْ!

*

ويُمَـــنِّي الشعب بتحديثٍ

يَتَــــحدَّى ثــــــالث أَلْفِيَّةْ!

*

ويُلَقِّنَهُ وضْعًــــــــا أعـــمى

يَدفعَهُ نحـــــــــو (الأميةْ)!

*

كي يَسبِـــــــقَ وِفْقَ إرادتِهِ

ويُنَظِّر بُــــــــوق النوويةْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

تحتَ وطأةِ

صوت القاذفة الشبيحة

احبكِ

وخُطا تلك المسيرة التي تعبر الأفق

نحو هدفها البعيد نسبياً

أحبكِ

ورغم كلّ أراء المتحذلقين

ومدّعي التحليل الاستراتيجي

في مقهى الحيّ عن الفرط صوتي

أحبكِ

وسأبقى أحبكِ

رغم كل المحذورات

التابو (Taboo) في نظام شمولي سأحبكِ

وبهرجة الديمقراطية بكل وضاعتها وخداعها

احبكِ

فالحبُّ وحده من يُطفئ نارَ الحروبِ

يشدُّ على أيدي الثوار

ويلجمُ طيشَ المتجبرين، المعتدين

***

كامل فرحان حسوني

 

عليّ صبيٌّ كَبُر قبل أوانه! انخرط في عمالة الأطفال السوريين الذين نزحوا إلى الأردن بعد اندلاع الحرب الطائفية في بلاد الشام. أدرك عليّ أنّ نزوحه ليس نزهةً أو رحلة، بل هروبٌ من حربٍ ضروس أودت بحياة والده، وحوّلت بيته الكبير، الزاخر بالحب والأماني العِذاب، إلى كومة حجارة، وأجبرته أن يعيش في خيمةٍ ممزّقة في مخيم للاجئين، مع والدته وأخواته القاصرات الثلاث وجدته المُسنّة.

عليّ، الصبيّ حلو الملامح، الذي كان يحلم أن يصبح طبيبًا كوالده، تحوّل إلى المعيل الوحيد للعائلة بعد رحيل الوالد؛ إذ أدرك، كباقي الأطفال السوريين الذين انخرطوا في ورشات عمل كثيرة، وأحيانًا شاقة ومحفوفة بالمخاطر، أنّ العمل هو الوسيلة الوحيدة لتأمين مطالب أساسية في حياتهم الجديدة، التي اتّسمت بالحاجة والبؤس والتشرّد.

عليّ، الصبيّ الذي حوّلته الصدمة والعزلة والمعاناة، وهو دون الثانية عشرة، إلى رجل؛ مارس الكثير من الأعمال الحرة. عمل في تصنيف وتحميل الخضار، وهو الذي كان لا يعرف سوى السلطات الشهية التي تُحضّرها والدته في بيتهم الدافئ، الذي تحوّل إلى أطلال. واشتغل في ورشات الحدادة والصيانة، كالكثير من أترابه الصبية الذين رضوا ببيئة عمل سيئة وظروف معيشية قاسية مقابل أجر زهيد. ولطالما جلس في ساعات الفراغ بجانب الإشارات الضوئية ليبيع رقائق البطاطس، ليشتري حفنة حلويات وسكاكر بالنقود القليلة التي ربحها، ليعوّض أخواته عن طفولتهنّ المنقوصة، وعن يدّ والدهنّ الكريمة التي كانت تفيض بالخير والحب والحلوى.

لم يقلق عليّ نقص النقود التي كانت تتلقاها والدته من وكالة الإغاثة، والتي بالكاد تسدّ الحاجات الأساسية للعائلة، ولا دموعها الغزيرة التي لو شاءت لحاكت منها شالات. ولم يقلقه أنه ليس لديه أصدقاء، ولم يشفق على الساعات الطويلة التي أهدرها على الأرصفة وفي الأسواق بحثًا عن لقمة العيش، بدل أن يحمل قلمًا وكتابًا. هذا الاعتياد المؤلم خدّره، كما خدّر الآلاف من هؤلاء اللاجئين الذين انقطعت بهم سبل العيش بشكل مفاجئ، وباتت حياتهم في حالة من الجمود الشديد، بعد أن تبددت أمانيهم وضاعت ممتلكاتهم ومدخراتهم، وحتى أصولهم، في هذا الواقع الجديد.

ولطالما ردّدت جدته بأسى:

– "الغربة مُضيِّعة الأصل."

كلّ ذلك لم يقلقه! حتى إنه رضي، كباقي أفراد أسرته الصغيرة، بوجبة التونة المعلّبة والأرز التي كانت تتلقاها من وكالات الإغاثة، رغم أنّه في هذا السن الحرج كان بأمسّ الحاجة إلى ما يُقوّي جسده وروحه معًا. لكن الذي أقلق عليّ، "جمل المحامل"، هو وضع أخته جود، ابنة الخمس سنوات، التي أُصيبت بالتلعثم والتبوّل الليلي بعد الصدمة التي تلقتها إثر قصف بيتهم ومصرع والدها. وهي حتى الآن لا تُقرّ برحيله، وما زالت تتحدث عن الدمية الجديدة التي وعدها بأن يبتاعها لها في عيد الفطر.

ولطالما ذرفت مقلتاها الدعجاوان عبراتٍ كالدرر، سالت على خدّها النضر، لتوقد جمراتٍ تلسع قلب عليّ الحنون، الذي وعدها بأن يشتري لها أجمل دمية من المدينة الكبيرة عشية العيد.

نهض عليّ مع ساعات الفجر الأولى، صبيحة يوم العيد، وحمل صندوقه الكبير المُكدّس بأكياس رقائق البطاطس. كان عازمًا على بيعها في ساعات الصباح الباكر ليشتري لأخته دمية جميلة، كان قد رآها في أحد المتاجر في المدينة الكبيرة، قبل أن تخطفها يدُ أحدهم؛ فاليوم عيد، وكل الأطفال يحظون بالهدايا. ولو كان يملك نقودًا، لابتاع كل الألعاب في المتجر لأخته الغالية جود... ولكن ما باليد حيلة.

بدأ عليّ يسير في الشوارع المزدحمة، يميد به القلق ويجيش في صدره الهمّ، وتساءل في سريرته:

– "اليوم عيد! فكيف سيُبدّل الأطفال الكعك المحشو بالعجوة والطعام الدسم برقائق البطاطس الرخيصة؟"

حاول أن يتجاهل نظرات المارّة، وليتهم يدركون مدى حاجته للمال ليبتاع به حلمًا ورديًا يخفف عن أخته بعض الآلام. تجاهل الشمس الحارقة التي كادت تذيب رأسه، ومسح دمعةً عصيّة سالت على خدّه الأسيل، متجاهلًا العائلات التي تتجوّل برفقة أطفالها. وكاد قلبه ينفطر عندما تذكر والده الراحل وعائلته المشتتة.

استمر بالتجوال في الشارع الرئيس، يلفّ ويدور حول الميدان الكبير، ثم يعود إلى المتجر ليتأكد أنّ الدمية ما زالت في مكانها. وخُيّل إليه أنها تنتظر يدي جود كي تحتضنها.

ما أعظم فرحة عليّ حين نجح في بيع كيس البطاطس الأخير! دسّ النقود الزهيدة في جيب بنطاله الممزّق، واتجه مسرعًا نحو متجر الألعاب. فاضت في قلبه ينابيع الفرح عندما رأى الدمية تبتسم له من خلف الواجهة الزجاجية. دخل منتصب القامة، مرفوع الهامة، يتحسس جيبه المهترئ... ويا لسخرية القدر! اكتشف أنّ النقود قد سقطت منه.

حتى أحلام الفقراء تتمزّق مثل ملابسهم البالية!

نظر حوله كالمذعور، عاد أدراجه يبحث عن محفظته البائسة في الميدان والشارع المزدحم... لكن لم يجد إلا أضغاث أحلام. ومع ذلك لم يستسلم، فكيف ينكث بوعده لأغلى جود؟

دخل المتجر وخاطب البائع العجوز بعينين يملأهما الرجاء، وشرح له مصيبته، وهو يكاد يذوب خجلًا. لكن الرجل، بوجهه الجامد، قال ببرود:

– "الدفع قبل الرفع."

وأضاف وهو يحدّق في ملابسه:

– "كيف أفرّط بدمية باهظة لمتسوّل لا أعرف أصله من فصله؟"

آه لو يدرك مدى حاجة جود لهذه "القطعة البلاستيكية"!

حاول عليّ مرة أخرى، بإصرار يلامس التوسّل، أن يقنعه، مقسمًا أن يدفع الثمن غدًا وأكثر... لكن دون جدوى.

عندها، اندفع عليّ نحو الدمية، وخطفها، وركض كالعاصفة بين السيارات، غير آبه بالإشارات وصراخ البائع:

– "أمسكوا اللص!"

شعر كأنه يحلّق في السماء... لم يرَ سوى ضحكة جود وهي تحتضن الدمية:

– "أحبك يا أخي علي..."

لكن...

بالقرب من الميدان، أمام التمثال الحجري الذي يرمز للحرية... سقط عليّ.

وبُحّ الطير، وذبُلت ياسمينة الشام.

وسقطت الدمية، ودهستها العجلات...

توقفت حركة السير. سألوا: "ابن من؟"

ولم يجب أحد.

أُعلن عن موتٍ في الميدان.

يا جمل المحامل يا علي...

صدرك الصغير هدأ، ويدك الكريمة احتضنت الرصيف بدل فرحة العيد.

جاءت سيارة بيضاء، أخذت الصبي الغريب...

وبقيت أشلاء دمية مبعثرة بين الشارع والميدان.

***

قصّة قصيرة بقلم: شهربان معدّي

..........................

ملاحظة:

القصة مُهداة لهؤلاء الأطفال الذين كان يجب أن تُرفع رؤوسهم لتحديات العصر، وتُفتح قلوبهم لطيب العيش... لكن الحروب سرقت طفولتهم، وبدّدت ثروة لن تعود.

زحف القطار عجلاتهُ الثكلى تُردّدُ أُغنيةً حزينة

وعيونُكِ مسمّراتٌ في قيودي، لا ترى في الأفقِ مدينة

زحف القطارُ وتوارتْ جميلُ الآمالِ الجميلة

*

وتبعثرتْ خطواتُ عمري فوق دربٍ لا يردُّ الطمأنينة

والوقتُ يمضي كالغريبِ، بلا رفيقٍ يحملُ السكينة

وصدى الحنينِ بداخلي يشكو فراقًا لا يلينُ ولا يُجيدُ التهدئةَ الرزينة

*

وأنا أسافرُ في ظلالِ الذكرياتِ، أفتّشُ عنكِ بينَ كلِّ حكايةٍ دفينة

فأراكِ طيفًا عابرًا، وتغيبينَ في المسافاتِ الببعيدةِ المستكينة

ويبقى القلبُ أسيرَ الشوقِ، ينزفُ في صمتٍ حكاياتٍ حزينة

*

وأسائلُ الليلَ الطويلَ: أما سئمتَ حكايةَ العاشقِ الحزينة؟

أما رأيتَ الدمعَ كيف يُضيءُ في عينيه نارًا مستكينة؟

وكيفَ يحملُ في ضلوعِ الصمتِ ألفَ صرخةٍ مكبوتةٍ رهينة؟

*

يا قطارَ العمرِ تمهّل، إنّ في صدري بقايا من أنينٍ لا تُجيدُ لهُ سفينة

خذني إلى زمنٍ تُزهرُ فيهِ الوجوهُ، ولا تضيعُ بهِ القلوبُ الحائرةُ الحنينة

أو دعني ألوذُ بالصمتِ الأخيرِ، حيثُ لا ذكرى تُؤلِمُني، ولا روحٌ كسيرةٌ حزين

***

خليل إبراهيم الحلي - سيدني

 

دَفاترُنا بأعْمارٍ تَماهَتْ

نَخطُ بها ولا ندري تَناهَتْ

*

على جُرْفٍ منَ الويلاتِ نامَتْ

وأسْطرُها بأحْرُفنا تباهَتْ

*

أعاصيرُ الفناءِ إذا أتَتْها

لما فيها ببُغْتٍ إسْتباحَتْ

*

هوَ النسيانُ سُلطانُ انْطلاقٍ

وكلُّ وليدةٍ ذهَبتْ وغابَتْ

*

بها عِبَرٌ وما هَدأتْ خُطاها

تُسيِّرُها مَقاديرٌ تَنادَتْ

*

بنهْرِ وجودِنا مَوجُ ابْتداءٍ

فمَوْجةُ ذاتنا موجاً أزاحَتْ

*

تَرانيمٌ بها التيارُ يَشدو

بأجْيالٍ مُغفّلةٍ تهادَتْ

*

وساقتْ روحَ حالِمَةٍ بغيْثٍ

وأرْدَتها بقيعانٍ تَطامَتْ

*

تَساوى كلّ مّخلوقٍ بتُربٍ

فما نفعَتْ تَصاويرٌ تزاهَتْ

*

نعيشُ زمانَنا والبينُ يَسعى

يُدحْرجُنا لآفاتٍ توارَتْ

*

فهلْ نضَبتْ مَشاعرُنا لسوءٍ

يُدثّرنا بعاديةٍ أصابَتْ

*

فسادُ مسيرةٍ أرْدى شعوباً

وألقمَها بأضْرارٍ تَوالتْ

*

تَناثرتِ النفوسُ بما اعْتراها

فجوراً في مَواطِنها أبانَتْ

*

وتَقواها بلا أمَلٍ وفِعلٍ

وكلّ خليقةٍ فيها تلاحَتْ

*

إذا الإنسانُ من غَفلٍ تَغاوى

تُسربلهُ الخطايا كيفَ شاءَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

ثمة حمار على ظهره بردعة

يعاني من أوجاع الظهر

أيقظوه من أحلامه

عندما حان وقت النوم

في اصطبله المفضل

فهو كما تلاحظون

يتعارك دوما مع كوابيس لا تفهمه

ولماذا يضعون على أكتافه

صخرة سيزيف

وهو مبتور الساقين

قيل أنه منهمك من تدوين وصاياه

وسوف يضعها في صناديق الخشب

كانت تملكها عجوز شمطاء

*

حمار معتقل في قصر معتم

تحت حراسة العناكب

ضبطوه وهو يرأس اجتماعا سريا

مع ذباب الاسطبل الاميري

*

في وطني الكبير

فلاسفة الارهاب

يعتنقون الشك واليقين

يولد الطغاة من شواربهم الكثة

ويتحولون الى مرضى نفسيين

*

الأنظمة الهجينة

جدولها مزدحم

بالهاء الجماهير بالتفاهة

شعب جاهل وخانع

مات منذ سنوات طويلة

يعيش الآن في قعر قارورة

مفصولة عن العالم

دوما يتسلى بمشاهدة الحرباء

تغير ألوانها

وهي تسحب بلسانها قوس قزح

***

بن يونس ماجن

مُذْ كُنْتُ طِفْلًا

كُنْتُ أَفْتَتِنُ بِالنِّسَاءِ الجَمِيلَاتِ،

اللَّوَاتِي يَكْبُرْنَنِي عُمْرًا

وَيَتْرُكْنَ فِي قَلْبِي

دَهْشَةً مُبَكِّرَةً.

كُنْتُ أَتَّبِعُ خُطَاهُنَّ

بِعَيْنٍ صَغِيرَةٍ

لَا تَعْرِفُ مِنَ العَالَمِ

سِوَى فُضُولِهَا.

حَتَّى تَوَرَّطْتُ يَوْمًا

فِي خَطِيئَةٍ بَرِيئَةٍ؛

قَبَّلْتُ إِحْدَاهُنَّ،

وَحِينَ انْتَبَهْتُ

انْفَلَتَتْ مِنِّي كَلِمَةٌ

كَسَرَتْ حَيَائِي.

وَحِينَ كَبِرْتُ

لَازَمَتْنِي تِلْكَ العَادَةُ؛

عَادَةُ الِانْبِهَارِ

بِامْرَأَةٍ

تَسْبِقُنِي فِي العُمْرِ

كَمَا تَسْبِقُنِي

فِي الحِكْمَةِ وَالجَمَالِ.

فَأَحْبَبْتُ امْرَأَةً

تَكْبُرُنِي بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.

يَا إِلَهِي،

كَمْ كُنْتُ جَرِيئًا!

تَبِعْتُهَا

حَتَّى بَابِ بَيْتِهَا،

وَقَبْلَ أَنْ تَطْرُقَ البَابَ

الْتَفَتَتْ إِلَيَّ

كَأَنَّهَا قَرَأَتْ

كُلَّ مَا فِي قَلْبِي.

قُلْتُ لَهَا

مَا لَمْ أَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ.

ابْتَسَمَتْ قَلِيلًا،

ثُمَّ قَالَتْ:

أَتَذْكُرُ مَا قُلْتُهُ لَكَ؟

بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ

سَتَغْدُو شَابًّا،

أَمَّا أَنَا

فَسَتَرَانِي

عِبْئًا

عَلَى قَلْبِكَ.

وَمَضَتْ…

وَتَرَكَتْنِي

وَاقِفًا عِنْدَ البَابِ

بَيْنَ دَهْشَتِي الأُولَى

وَبَيْنَ كَلَامٍ

لَمْ أَفْهَمْهُ يَوْمَهَا،

لَكِنَّنِي

كُلَّمَا تَقَدَّمَ بِي العُمْرُ

سَمِعْتُهُ يَعُودُ

كَصَوْتٍ بَعِيدٍ

مِنْ تِلْكَ العَتَبَةِ القَدِيمَةِ.

***

د. جاسم الخالدي

الجمعة ١٣/ ٣/ ٢٠٢٦م

 

ويحدثُ يا سيّدي

أن ينقلبَ السّحر على الساحرْ

أن تُغيّر الشمسُ وجهةَ شروقِها

بأمرِ ربّها القادرْ

أن يصبحَ مؤمناً

مَنْ كان بالأمسِ كافرْ

أن يصيرَ الجاهلُ

في مجلسِ العلماءِ باقرْ

ويحدثُ أنْ

أبادلكَ الهوى

فقلبي في فنونِ الهوى مُراوغٌ شاطرْ

أن أسكبَ في قلبكَ الفرحَ

وقلبي بغيمِ الأحزانِ ماطرْ

لكنْ

ما لن يحدثَ أبداً

أن ْأحبَّ يوماً

فقلبي يا سيَّد الهوى

منذُ آخرِ الخيباتِ

عاقرْ

***

شعر وفاء يونس محمد

المواقع المسقفة بقطع من الصفيح هي مواقع معدة لغرض الرصد، كذلك للحماية من اشعة الشمس المحرقة.. وفي مكان صخري يطل على وادي عميق تنحدر إليه الصخور وتنتهي بانسياب عيون الماء التي تتوسطها حزم من القصب على طول المجرى وهو يلتف حيث تنعدم الرؤية في النهاية.

الموقع في حقيقته كهف تم تحويله الى مرصد للمراقبة له فتحتان احداهما تطل على الوادي حيث الحجابات الأمامية والأخرى لها فتحة شبه واسعة تتعرج منها صخور الى الخلف حين يعود الخفراء منها الى قاعدة المقر.

يبدأ الرصد كل ثماني ساعات عند إستبدال الطاقم.. ووجبة الغداء تقترن بوقت تسلق الصخور حوالي نصف الساعة أو أكثر خشية السقوط المتعثر.. فهو لم يظهر في اي وقت إلا عند الغداء ربما تكون رائحة الطعام تجذبه صوب مدخل الكهف.. وبعد وصول الوجبة تظهر من بين الصخرات الامامية للكهف أذنان طويلتان وفم يتحرك بشهية قصوى لرائحة الطعام التي تستفزه دائما عند وقت الظهيرة.. وحين فض غلاف الأكل أنتصب بدون حراك، سمين وجهه مخروطي واذناه كبيرتان تلتقطان أدق الحركات وأنفه يشم رائحة الطعام على بعد أمتار وعيناه سوداوان صغيرتان تلمعان وذيله طويل في نهايته شعر كثيف كإنه فرشاة حلاقة، لم ير مثله من قبل.. كان ساكنا وغير خائف ولا يتقدم نحو الطعام الشهي وهو عبارة عن قطع من اللحم مع قطع من الطماطم والبصل.. بدأ بالأكل وظل هو ساكنا أمامه يراقب.. قدم له قطعة من الخبز مشبعة بالسمن أخذها بين يديه الأمامية، تفحصها قبل أن يقضم منها شيئا، لم يعر له إهتماما وهو لم يكترث، بعدها بدأ يقضم قطعة الخبز وهو جالس على مؤخرته السمينة.. لم يكن خائفا أو مترددا حين قدم له قطعة من اللحم فأكلها بشهية ثم استدار لينزل من الصخرة الحادة حيث مهجعه بين الصخور.. لم يره طوال فترة المساء وحتى طلوع الفجر كان لوحة من الالوان أمتزجت لتتحول الى بركة بلون الشفق مثلما كان يرى اسراب من ألأوز البري تسبح عند الفجر وهي ترحل وفي مقدمتها قائد الخط الذي يعرف زمن الإقلاع وخط الثبات وخط الافق نحو البرك النائية..

ظهر ذي العينين الصغيرتين اللامعتين وإذنين متوترين ترتجفان من الرعب، لكنه إختبئ في زاوية الكهف، إنها الكلاب التي تراقب الحدود الملغومة.. ظهر ثانية فقدم له قطعة من الخبز اليابس قضمها ثم اختفى ولم يظهر ثانية وكأنما ابتلعته الأرض..

وضع رأسه على الوسادة الباليه وغط في نوم عميق.. وعند الفجر كان سرب القطا يمر بأصواته المذهلة وبضع منها قد حطت بالقرب من حافة الكهف المرصد المطل على وادي الصخور.. وأمام الكهف فسحة صغيرة من بضعة أمتار اعتاد ان يطهي طعامه كل يوم وربما كان المكان جذابا لهذه الطيور.. جلس على صخرة اعتاد الجلوس عليها كل صباح حيث تتجمع الطيور والعصافير حوله وعلى ذراعيه ورأسه ولا تخشى شيئا، إلا انه لآحظ طيرا غريبا بين الجمع المتهافت من الطيور ولاحظ ريشا على رأسه يشبه التاج واعتقد بأنه هدهد ولكن لم يكن كذلك بسبب لونه الغارق بالأزرق وساقاه طويلتان في نهايتها مخالب كمخالب نسر.. وضع صحن فطوره على الصخرة وذهب ليجلب قطعة من الخبز الحار لكنه حين عاد لم يجد في صحن فطوره أي شيء.. وكان الجرذ في نهاية السفح واقفا كالنمس يتربص.. فمن أكل فطوره، الطائر الأزرق أم الجرذ..؟ ظل في حيرة وتمتم مع نفسه.. لا بئس الطائر الجميل يسرني والجرذ يسليني في وحدتي، وعاد الى الكهف بلا طعام وجلس في مكانه يسبقه الجرذ منتصبا يتلفت وينظر الى كل مكان حوله بعصبية ظاهرة..

وحين عاد الى مقعده داخل الكهف تبعه بذيله الطويل الذي يكسو نهايته شعر كثيف وجلس وعيناه تلمعان.. تحرك خطوة وخطوة اخرى ثم ظل ساكنا يترقب ولكنه يخشى الإقتراب وحين دحرج اليه قطعة اخرى من الخبز تقدم فقضمها.. وضع رأسه على الوسادة وغط في نوم عميق.. استفاق عند الصبح فوجده ملتفا حول ذيله الطويل كانه وسادة من الشعر. كان يعد الفطور في الفسحة الامامية راى الطائر الازرق يتحرك، تقرب منه ولم يشعر بالخوف وظل ينبش في الارض بحثا عن طعام، اشعل النار وملء القدر ليصنع الشاي ومن ثم، ينزل الى القرية ليتبضغ.. وحين دخل الكهف لحقه الجرذ والطائر الازرق.. ظل هادءا والجرذ منتصب على مؤخرته السمينه والأخر متعجب ينظر ويتلفت دون خوف.

قدم لهما بقايا أرز، الأول لم يتحرك والثاني بدء يلتقط حبات الارز بشهية.. ثم نثر امامهما حزمة من الخضروات وبعض نقيع الخبز وظل الاول ساكنا والآخر بات يلتهم بسرعة، شبع الثاني ولم يأكل الاول ومع ذلك كانا قريبين منه.. خرج الطائر الازرق وحلق بعيدا، اما الجرذ فقد لازمه في الكهف كانه ظله المرتعش الذي يعكسه ضوء الشمعه المتهافت إلا انه غادر الكهف واختفى بين الصخور اسفل التل.

ساد المكان صمت غريب، لم يكن عاديا وتوقع العكس طالما الأجواء تنذر بالعاصفة.. وخلال بضع دقائق اشتعلت الارض بأزيز الرصاص ولم يعد يرى سوى الوميض ينير السهل كله من بعيد..!!

***

د. جودت صالح

قصة من العبث الروائي

5 / 3 / 2026

حين يخف الضجيج، ويهدأ الليل، ويتباطأ الوقت في أحضان شتاء بارد، وتنسحب الأصوات إلى هامش الصمت، بين القلب والعالم، هناك لحظات تتوقف فيها الكلمات عن التعبير.. وكل وجع يتحول إلى معنى، ليصير الإصغاء كنبع ماء صاف، وفي ارتعاشة ضوء القمر، وهو يتوسد صفحات الماء، تبتسم الروح بلا سبب، فتذوب الحواجز بين المحبين.. ودون انتظار كل شيء حول الروح يتلألأ، حتى الزمن في لحظة واحدة أعلن الاكتمال، كما لو أن الانصهار صار خيطا من نور، يربط بين القلوب، هكذا تتلاشى الفواصل، كي تتقاطع المشاعر الصادقة، إنه تلاق بلا شروط.. انسجام بلا حسابات.. اتصال بلا حدود.

***

بقلم د. وليد خالدي - الجزائر.

(سر)

أنا لم أخبرْهم عنك

إلا أنَّني ممتلئةٌ بك

ولأنَّ كلَّ إناءٍ ينضحُ بما فيه

عرفوا

أنّي أحبُّك

**

(ظلم)

قي محرابِ الحبّ

كانت امرأة

بكل أبعاد الأنوثةِ والأمومةِ

وكان رجلاً

بأقلّ الخسائرِ الممكنة

***

شعر وفاء يونس محمد

 

مداي أتسع،

الى ما وراء المدى..

وعلى الطريق الطويل

تراءى وضوح الصدى ..

ولاحت رؤوس

تجلد الوقت فيها

حتى غدى

واهناً كالندى ..

**

وحين تطوى الدروب

يمسك الوهم عنق المسافة

وحين يشرع الفراغ ابوابه

بوجه الزمان،

يشعل المعنى

في ظلمة المنفى

عود ثقاب

كي يسود الرجاء

ولكن الهراء

يسيح

على جانبي الطريق

الكسيح

يغازل مسخه ويغني

غناء الرقيع

ودون حياء

هل ترون الرجاء

بين مغترب وغريمه..

يتهامسان على الوعود

وشنارهما سحت

وشعارهما جريمه ..

ودخان تلك المنافي

يراقص لحنه الموتور

في عرس الغواني

لحن الدوالي

والعازفون عن النهار

يجتاحهم رعب الإنهيار..!!

***

د. جودت صالح

اسطنبول 7/شباط - 2026

دقّت ساعة حنيني.. إنه وقت الكتابة، أو ربما وقت الألم، لإيماني الشديد بأن الكتابة لم تكن يومًا موهبة؛ فهي خُلِقت في دمي في ذلك اليوم.

كان رذاذ المطر يعانق نوافذ ذلك البيت الذي يسكن مخيلتي، وصوت نجاة كان أشبه بحضن أمي الدافئ. إنه فصل الشتاء، فصل الحنين للذكريات كما يقولون… إنه مغناطيس الذكريات.

هنا التقيتُ بك للمرة الأولى بجوار المكتبة. كان الطقس مزدحمًا بالغيوم، وتكاد السماء تكون حبلى بجنينها الأول، ولغرابة الطقس وجماله خُيِّل إليّ بأن رحمها ضمَّ توأمًا.

وما أن وقعت عيناي على متاهات عينيك حتى أنجبت السماء حبيباتها الأولى.

في تلك اللحظة العابرة، حين تلاقَت العيون بلا موعد، شعرتُ كأن الزمن توقّف ليمنح القلب فرصة أن يتعرّف على قدره. لم تكن نظرة عادية، بل دهشة صامتة، تشبه نافذةً فُتحت فجأة على ضوء لم نكن نعلم أننا نحتاجه.

كان في النظرة ألف سؤال، وألف إجابة لم تُنطَق، كأن الأرواح سبقت الألسنة إلى التعارف. لا وعود قِيلت، ولا كلمات كُتِبت، ومع ذلك امتلأ القلب بيقينٍ دافئ يقول: هنا شيء يشبهني.

رائحة عطرك وذاك الزي العسكري جعلتاني أنجذب، لأرتمي بين يديك بخيالي؛ ربما تشبه رائحة التراب المبلل، وأنا أسير في طريقٍ أظنّه عطر الحب الذي شرع يفوح.

ولم أنسَ يومًا ارتباكات نظراتك التي كانت تفرّ هاربةً من نظراتي، مختبئةً بتلك الابتسامة.

لطالما كنتُ مختلفة عن صديقاتي، فلم أكن أقتنع مطلقًا بالحب من النظرة الأولى، وكنتُ دومًا أقول إن ذلك ليس إلا أكذوبة مارسها علينا دجّال الحب في رواياته.

ألم تسمع بدجل الحب مسبقًا؟!

إنه أكثر فظاعة من دجل السحر والشعوذة… أوليس للحب تأثير السحر في النظرة الأولى؟!

فالحب من النظرة الأولى ليس تهوّرًا، بل حدسٌ نقيّ، همسةٌ من القلب إلى القلب، تقول إن بعض اللقاءات لا تحتاج وقتًا لتبرّر نفسها؛ لأنها وُلدت صادقة منذ اللحظة الأولى.

ربما هدف الحب الأسمى يا صديقي أن تتقبّله بعقلانيتك قبل الغوص في تأثير سحره.

لكن الآن، وأنا ألبس تلك المعتقدات، كيف تراني وقعتُ تحت تأثير تنويم نظراتك المغناطيسية التي تقودني إلى حالة إفراطٍ في العشق هكذا؟

حيث لمع في عيني ضوء الرعد لأعود إلى حاضري ساعة سمعتُ أول همسات المطر وبداية صرخات الطرب الأصيل التي تذكرني بك.

لكنني الآن أشعر بأن برد الشتاء استقرّ في أورِدتي منذ فراقنا.

ألم أقل لك إني مختلفة ولم تصدّقني، ضاحكًا؟

فمنذ ذاك اليوم وأنا أعيش مع ذكرياتك في كل يوم، وكل صيف ليس إلا شتاءً ماطرًا.

فهل أدركت يومًا الحب من النظرة الأولى؟

***

ذكر البياتي

 

أنا امرأةٌ

بلونِ البنفسجِ ورائحةِ البخورِ

ونكهةِ البنِّ منذُ ولدْتُ

وعيناي مزارعٌ للآسِ

فهلْ تسألُني بعدُ

عنْ سرِّ حزني؟!

(شوق)

ويمطرُني الحنينُ

شوقاً لرؤياك

فهلَّا أينعَتْ في قلبكَ

ورودُ اللقاء؟

***

وفاء محمد يونس

شاب وسيم في مقتبل العمر يعمل مع عمّه في الحقل ويقيم في بيته يقضي جل وقته في العمل وبغتة يشعر بأن حياته على هذا النحو ستمضي دون ان يستمتع بالحياة غير الحقل فتبدأ الأفكار الجديدة تراوده عن نمط حياة جديدة ينطلق فيها بحرية إلى الجبال والأدغال ويصطاد الغزلان يتعرف على مجتمعات مختلفة يكتشف خفايا الحياة فيستقر على فكرة الهروب من كنف هذا العم وهنا يلجأ إلى حيلة كي يتمكن من ذلك بسلام ذات ظهيرة قرر العودة من الحقل إلى البيت وقال لزوجة عمه بأنه قد أرسله كي يذبح شاة لأنه رأى حلماً جميلاً قد يكون فأل خير عليهم صدّقته المرأة وتركته يذبح الشاة وعندما طهت المرأة اللحم ليكون جاهزاً بعودة زوجها شرع الشاب يأكل اللحم حتى شبع وعندئذ انطلق إلى الجبال هارباً من البيت اتخذ أول الأمر من الجبال مخبأ له وبدأ يسبب إزعاجات لبعض أهالي القرى الذين استطاعوا أن يتعرفوا على شخصيته فجاءوا بشكواهم إلى عمّه كي يتدخل ويوقف ابن أخيه عند حدّه أو أنهم سينتقمون منه شخصياً إن لم يمنعه من إلحاق الأذى ببعض السكان الذين يصدف أن يمرّوا بالقرب من تلك الجبال التي يختبئ فيها المتمرد الهارب لكن كل محاولات هذا العم باءت بالفشل ولم يستطع الإمساك به لأنه كذب على لسانه وذبح الشاة ثم هرب من البيت وفي أحد الأيام جاء شاب آخر إلى القرية يخطب فتاة وبعد أن خطبها تحدثوا عنه وأن هذا الشاب الأرعن يسبب الأذى لأهالي القرية فقال العريس بأنه يستطيع أن يمسكه ويأتي به مربوطاً ذليلاً إلى القرية وقد حدث أن التقاه هذا العريس ذات يوم بالقرب من الجبل وأخذ بتلابيبه وصرعه فلم يملك هذا العريس من أمره سوى أن يعترف له بالحقيقة وأنه فعل ذلك كي يُظهر رجولته أمام خطيبته وأهلها حتى يُعجبوا به عندئذ أراد أن يحقق له هذه الأمنية واتفق معه على تمثيل يقوم فيها العريس بوضع الرسن في رقبته ويقوده مربوطاً ذليلاً إلى حيث القرية حتى تتمكن خطيبته وأهلها وسكان القرية من رؤية المشهد واتفق معه بإطلاق سراحه عندما يظهر عمّه لأنه رجل شديد القسوة وسوف يعتدي عليه بالضرب المبرح ويعيده بالقوة إلى البيت وإلى العمل في الحقل وافقه العريس على ذلك وأخذ يقوده من رقبته من خلال الرسن المعقود حول رقبته وعندما رأى سكان القرية المنظر ابتهجوا وعبروا عن فرحتهم وإعجابهم بشجاعة عريسهم الذي يقود بزهو هذا المتمرد المزعج وقد ربطه من عنقه ويقوده كما يقود دابة اصطادها للتو من الأدغال عندئذ ظهر عمّه من بين الجموع وصار يجري إليه فطلب الشاب من العريس أن يدعه يهرب لأن عمّه بات على وشك الإمساك به لكن العريس حنث بعهده وأبى ذلك فما كان منه إلاّ أن انتفض واستطاع أن يحرر نفسه ويصطدم مع بعض السكان الذين أرادوا أن يمسكوا به وبعد عراك معهم استطاع أن ينجو بنفسه ويعود إلى مخبأه ويقرر ترك المكان القريب من القرية وينطلق إلى جبل يصطاد الغزلان والوعول ويمضي ردحاً من حياته برفقة الغجر في خيامهم ثم يقيم علاقات مع بعض الأصدقاء الذين يتعرف إليهم ويستمر في مغامراته بغية إكتشاف مباهج الحياة التي ينفتح عليها وتشاء الصدفة أن يذهب إلى قرية ويدخل بيتاً يتعرف فيه على سبعة أخوة يقيمون في هذا البيت مع أختهم الوحيدة وهي فتاة جميلة يقع في حبها عندما يراها لأول مرة وهي كذلك تُغرم به عندما ترى هذا الشاب الوسيم وتتعرف على سمات شخصيته وشهامته لكنه يتفاجأ عندما علم بأنها مخطوبة لابن زعيم العشيرة وسوف يزفها قريباً فيخطط بينه وبين نفسه كيف يمكنه أن يظفر بمحبوبته التي هي الأخرى وقعت في حيرة بين حبها وبين إرتباطها بابن زعيم العشيرة وبدت من بعيد خيمة للغجر وعندما يذهب إليها وجدهم على موائد الطعام كما لو أنهم في عرس فأخبروه بأن اليوم هو عرس ابن زعيم عشيرة القرية من خطيبته فيعود على الفور إلى حيث حبيبته ويستطيع أن يصلها سرّاً قائلاً لها بأنها إن كانت تريده سيخطفها على الحصان ويعيشان معاً في الأدغال

تخبره الفتاة بأنها تحبه ومستعدة للذهاب معه إلى أي مكان يشاء كي يعيشان معاً حينها أراد الشاب أن يحدث ذلك على الملأ وأن يتحول العرس إلى عرس له ولحبيبته فقذف قطعاً ذهبية إلى الفرقة المكونة من المغني وضارب الطبل وعازف المزمار وطلب إليهم أن يعلنوا ذلك على الملأ وعندما حدث ذلك اركبها خلفه على حصانه الأشهب وانطلق بها سريعاً أمام أعين الجميع عندئذ بدأت الخيول تجري خلفه إلاّ أنه كان أشد سرعة بحيث ابتعد مع محبوبته حتى توارى عن أنظارهم بعد أن أحسّا الأمان وقفأ على جبل وقال بأنهما سينالان قسطاً من الراحة بعد كل ذاك الإرهاق بعد أن جلسا طلب من محبوبته أن يضع رأسه على ركبتيها ويغفو فعلت ذلك وعندما نام الشاب لبثت الفتاة جالسة فرأت سبعة من تيوس الأيائل برفقة ظبية جميلة وبعد قليل جاء أيل أعرج أعور مكسور القرن واستطاع أن يبعد التيوس عنها ويبقيها لنفسه حينها تخيلت الفتاة بأنها الظبية الجميلة والتيوس السبعة هم أخوتها أمّا الأيل الأعرج الذي أخذها لنفسه فهو الشاب في تلك اللحظات لم تملك نفسها من البكاء حتى بدأت دموعها تتساقط على وجه حبيبها النائم وأيقظته من نومه وما إن فتح عينيه ورأى وجهه مبتلاً حتى أخذ ينظر إلى السماء دون أن يرى غيوماً فاستغرب لذلك لكنه عندما نظر إليها رآها مستيقظة تذرف الدموع عندئذ ظن بأنها ندمت على تركها لأهلها وهروبها معه فأخبرها بأنه مستعد أن يعيدها إلى أخوتها عفيفة دون أن يمسها إن كانت راغبة في ذلك فأخبرته بأنها غير نادمة وهي ستبقى معه حتى آخر رمق من عمرها لكن ما حدث أنها رأت ما رأت وتخيلت ما تخيلت فضحك الشاب قائلاً لها كيف تشبهه بالأيل الأعور الأعرج وأنه سينهض للحال حتى يعثر على ذاك الأيل ويصطاده تركها جالسة وراح يبحث حتى رآه منفرداً بالظبية الجميلة على قمة صخرة مشرفة على الوادي وقد أبعد عنها الأيائل السبعة كما روت له الفتاة حينئذ وقف الشاب وأخرج سهمه وراح يرميه فأصابه عندئذ جرى إليه وأراد ان يذبحه وقد جلس عليه فانتفض الأيل الأعور بشدة ودفع الشاب حتى هوى متدحرجاً إلى الوادي وبلغ شجرة يابسة وقد انغرز غصن يابس منها في صدره لبثت الفتاة تنتظره دون أن يعود وقد تأخر الوقت فنهضت تجري باحثة عنه حتى رأت الأيل الأعور مطعونا بالسهم وبعد قليل تناهى إلى سمعها أنين حبيبها من هوة الوادي السحيق. ألقت إليه نظرة فرأته فيما هو عليه وقد نفذ الغصن اليابس كسهم في صدره طلب منها الشاب أن تكف عن البكاء وترضى بما وقع وتعود إلى قمة الجبل لعلها ترى أخوتها يتعقبونها فتعود معهم عندئذ لاح أمام نظرها إثنان من أخوتها وما إن رأيا أختهما واقفة حتى تقدما إليها وسألاها عن الشاب أشارت لهما إلى موضعه فسألاه عمّا جرى معه دون أن يستطيع مساعدته في تلك الهوة السحيقة في عمق الوادي قال لهما بأنه وقع ما وقع بشأنه وعليهما أخذ أختهما إلى القرية عندئذ اجتمع الأخوة السبعة وأعادوا أختهم معهم برفقة خيل الشاب في الطريق أحسّت الفتاة بغصة وهي تترك حبيبها في نهايته البائسة تلك فخلعت خلخالها ورمته على الأرض ثم بعد قليل من المسير قالت لهم بأنها نسيت خلخالها الذهبي وطلبت منهم أن ينتظروها حتى تعود إلى موضعها وتأتي بالخلخال عند عودتها إلى حبيبها أخبرته بأنها سترمي بنفسها إليه وعليه أن يفسح لها مجالاً حتى تسقط إلى جانبه أراد الشاب أن يمنعها من ذلك لأن ما وقع معه كان رغماً عنه فلم تتردد الفتاة وقد لفت منديلها حول عينيها ورمت بنفسها إلى جواره دون تردد عندما طال انتظار الأخوة لها عادوا إلى حيث المكان فرأوها ساكنة بجانب حبيبها فلم يبق أمامهم سوى ان يعودوا خائبين دون أختهم .

استطاع هذان العاشقان أن يقدما نموذجاً لسمو عاطفة الحب والتضحية من أجله .

***

حسن شنكالي- العراق

إذا لم يأتك الجبلُ

اِذهب إلى الجبل

*

رجل عند سفح الجبل

يكسر الحجرَ

حدث نفسه وقال:

ليتني كنت الجبلَ

فكان

مر السحاب فبلله

قال الرجلُ الجبلُ:

ليتني كنت السحاب

فكان

هبت الريح فبعثرته

قال الرجلُ الجبلُ السحابُ:

ليتني كنت الريح

فطار

عندما هدأت الريح وسكنت

حط الرجل

رُويدا رُويدا

عند السفح !

***

سوف عبيد

 

 

الصفحة 1 من 6

في نصوص اليوم