عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سعاد الراعي: رماد الغابة

رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك

الفصل الأول: من رواية قيد الانجاز

***

انكشفت الغابةُ أمام ناظري ندى كأنها كيانٌ هلاميٌّ وُلد من رَحِم العدم، متراميةً في امتدادٍ موحشٍ يلفظُ أنفاسَهُ الباردة تحت سماءٍ شتويةٍ رصاصية.

بدت تلك الأشجار العجفاء، التي عرّاها الصقيعُ من خُضرتها، كأطرافِ وحوشٍ كاسرةٍ تجمَّدَت في وضعيةِ الهجوم، تتحيّنُ لحظةَ انقضاضٍ على طريدةٍ ضلّت طريقها في ممرّات الحياة. بالنسبة لندى، كانت تلك البقعةُ الجغرافية، لا مكانًا سرمديًا، كأنها فجوةً زمنيةً سقطت فيها الطبيعةُ فاستحالتْ لوحةً من الرمادِ والموتِ الصامت.

كانت ندى تمشي في هذا الفراغِ الكونيّ، تقتفي أثرَ عزلتها التي أصبحت رداءها الوحيد منذ أن وطأت قدماها عتبةَ المصحّة. في كل صباح، بعد أن يفرغَ جسدُها من روتينِ الفحوصاتِ الصارم، وتتجرّع رتابة الإفطارِ الجماعي المغموسِ ببرودِ الوجوه، كانت تفرُّ من الحشود، إذ لم تكن تملكُ ترفَ الانتماءِ لنشاطاتهم، فجسدُها الواهنُ لم يعدْ يطاوعُها، وروحُها التي أنهكها التوجّسُ صارت ترى في الوجوه الجامدة عبئًا لا يُحتمل. لذا، آثرت الانكفاءَ خلفَ جدارِ صمتها، وجعلت من هذا الطوافِ اليوميّ في الغابة طقسًا للتطهّر، وملاذًا أخيرًا تحتمي فيه من سطوةِ الرقابةِ التي لا تنام.

ولكي تروّض وحوشَ القلقِ الكامنة في صدرها، وتكسر حدّةَ الصمتِ الذي ينهشُ أطرافَ وعيها، كانت تلجأُ إلى مناجاةِ ذاتها. كان صوتُها الخافت في برودةِ الغابة هو الجسرَ الوحيد الذي يربطها بهويتها المهددة بالذوبان. في تلك اللحظات كانت تعيشُ صراعًا إنسانيًا مريرًا، شاعرةً بأنها مراقبةٌ حتى في أقاصي أحلامها، فعيونُ الرقباء المتمثلة في مئاتِ الكاميراتِ المبثوثة في كلِّ زاوية من زوايا المصحّة، وأعين الموظفين التي تشبهُ في جمودها زجاجَ النوافذ، كانت تلاحقُ أدقّ نبضاتِ قلبها.

كانت المصحةُ تتعاملُ مع كيانها كمجردِ رقمٍ مدوّنٍ في إضبارة، أو كعائدٍ استثماريٍّ يضمنُ تدفقَ الأموال في الخزائن، لتُحقنَ يوميًا بجرعاتٍ من السكونِ الكيميائيّ القسري. تلك الأقراص الملونة التي كانت تُقدَّم لها بعد كل وجبة، كقربانٍ يُذبح فيه وعيها، كانت تمثل لها العدوَّ الحقيقي. كان الممرضون يمررونها كقضاءٍ مبرم، بلا نقاشٍ أو رحمة، آمرين إياها بابتلاع "النسيان" في هيئةِ حبوبٍ علاجية.

لكنَّ ندى، بذكاءِ الطريدةِ التي ترفضُ الاستسلام، دأبت على ممارسةِ أحدِ أغرب أنواعِ المقاومةِ الصامتة، كانت تتحايلُ على العيونِ المتربصة، وتخفي تلك السمومَ الملونة في تجاويفِ كفّها أو تحت لسانها بمهارةِ حاوٍ محترف، وتصطحبها معها في نزهتها الصباحية نحو جوف الغابة. هناك، بعيدًا عن حيزِ السيطرة، تفتحُ يدها وتنفضُ عنها تلك القيودَ الكيميائية، تاركةً للترابِ أن يبتلعَ ما أُريدَ لوعيها أن يبتلعَه. كان التخلص من تلك الحبوبِ في نظرها فعلً مقاومة، واستعادةً لمساحةٍ من الحريةِ المنهوبة، وكأنها بكلِّ قرصٍ ترميه، تغرسُ بذرةً من يقظتها الخاصة في طينِ الغابةِ البارد، ثم تعودُ أدراجها نحو المصحّة متلفعةً بهدوءٍ ظاهر، تحملُ خلفَ عينيها سرَّها الصغير الذي لم يكتشفه أحد، سرَّ الإنسانِ الذي يأبى أن ينامَ منقادًا، حتى وإن كان العالمُ كلهُ يتآمرُ لإغماضِ جفنيه.

جُبلت ندى منذ نعومة أظفارها على التماس السكينة ملاذًا وادعًا، مائلةً بطبعها إلى الصمت، متفاديةً لغط الحياة ومزالق الخصومة وصخبها. ملامحها السّمراء التي تفوح بهدوءٍ صوفيّ، وعيناها اللوزيتان اللتان تكتنزان بريقًا غامضًا، وشعرها الفحميِّ الجعد المحيط بوجهها كإطارٍ من أبنوس مصقول. كانت تبدو كطيفٍ يأنس بالظل، طيفٍ يخطو الهوينى فوق حواف الوجود، متسلحًا بالحذر كدرعٍ يقيها عثرات الزمن ومجاهل الغيب التي لطالما استشعرت ريبتها.

حين أزهر الحب في حناياها، وزُفت إلى جار صباها احمد لترتحل معه إلى مدينته البعيدة، استبشرت خيرًا وظنت أنها أرست ركائز حصنها المنيع. بيد أن الأقدار خبأت لها خلف جدران ذلك البيت ضيقًا لم تحسب له حسابًا. تجرعت مرارة الجفاء وفظاظة عبارات أهله ونفورهم منها، لا لجرمٍ جنته، وإنما، فقط، لكونها تنتمي في عُرفهم إلى فئةٍ وطائفةٍ وُضعت في خانة الآخر الغريب. وفي عتمة تلك الغربة، قوبلت وداعتها بإعراض صارم، فانتصبت كشجيرة ياسمين برية تطاول الأنواء وتجابه الريح العاتية بثباتٍ صامت، متمسكةً بوهج روحها وحبها، لتبقيه حيًا ومشتعلًا وسط أتون الضغائن المتراكمة.

ومع تباشير عقد الثمانينيات، ارتدى العراقُ عباءةً من الذعر والهلع، إذ أخذت السلطةُ الحاكمة آنذاك تبسطُ ظلالَها الثقيلة على البلاد، ملاحِقةً كلَّ صوتٍ ينشدُ التمايز، ومتعقبة كل مَن نأى بنفسه عن الانضواء تحت راية الحزب الأوحد الذي دانت له المقاليد. وفي تلك الأيام القلقة، انفتحت بواباتُ الحرب الضارية مع الجارة إيران، لتلتهم على مدار ثماني سنواتٍ عِجاف زهرةَ شباب الوطن في خنادق الجبهات، تاركةً خلفها جراحًا غائرة في كل بيت.

ومع تطاول أمد القتال وتعاظم الفقد، اختار الكثير من الجنود النجاة بأرواحهم بعيدًا عن جبهات المحرقة، وكان زوجها أحمد في طليعة أولئك الذين آثروا الحياة على الموت المجاني، ليمسي بين ليلة وضحاها مطاردًا تتربص به عقوبة الإعدام. وتحت وطأة هذا المصير الراعف، وعوضًا عن الاستسلام لليأس، انبعثت في روحيهما قوةٌ خفية وجسارة استثنائية، ففي ليلةٍ سديمية غاب قمرها، حزمت ندى حقائب الأمل وتسللت معه عبر المسالك الوعرة، متجاوزين بأعجوبة شِباك الملاحقة، يدفعهما عنادٌ فطريّ وتوقٌ جارف نحو فضاءٍ أرحب يضمن لهما كرامة العيش وبناء الغد من جديد.

كانت رحلةً مضنية، شقّا فيها عباب المخاطر وتوسّدا القلق الساكن في الضمائر، حتى بلغا أخيرًا ملاذًا آمنًا في أقاصي أوروبا. هناك، تحت سماء القارة الباردة وفي فيئها الرحب، تنشقت ندى عبير الاستقلال لأول مرة، وانفتحت أمام ناظريها بوابات الطموح التي ظلت موصدة لردح من الزمن؛ فأقبلت على مناهل العلم والتحصيل بشغفِ مَن يستردُّ إرثا مسلوبًا، مواصلةً دراستها بعزمٍ وثاب، كأنها تعيد صياغة كينونتها وتبني صرح ذاتها من جديد، متطلعةً بيقينٍ وعينين تترقبان فجرًا أكثر إشراقًا.

غير أن رياحَ الواقع كانت تملكُ مخططاتٍ أخرى. وجَدت نفسَها أمام استحقاقاتِ الأمومةِ ورعايةِ الأطفال ومسؤوليات البيت، فآثرت، بتضحيتها المعهودة، أن تُرجئ أحلامها الأكاديمية لتنخرط في سوق العملِ: عاملة في أحد المتاجر، محولةً كفاحها من منصاتِ العلم إلى كدّ الحياة اليومي، دون أن تفقد تلك المسحةَ من النبلِ والهدوء التي رافقتها منذ الصبا، كيقينٍ لا تزعزعه الغربةُ ولا تنالُ منه السنون.

على النقيض من انكفائها الاضطراري عن أحلامها، اختار زوجُها أن يمتطي صهوةَ طموحه، ممعنًا في تسلّق درجاتِ الدراسات العليا، يحدوه أملٌ مَرَضيٌّ في بلوغ سُدّةِ الوجاهةِ والمقامِ المرموق. وبدلًا من أن تثنيها أنانيتُه، انبرت تشدُّ على يديه بوفاءٍ باذخ، جاعلةً من عملها الضوء الذي ينير له دربه نحو غاياته، فاستحالت حياتُها دوامةً لاهثةً لا تهدأ، تعملُ في اليوم اثنتي عشرة ساعةً أو أكثر، منذ انبلاجِ الفجرِ الواثق وحتى مغيبِ الشمسِ المنهكة، تلملمُ بأصابعها المتعبة تكاليفَ العيش وتذللُ له العقباتِ.

بيد أن هذا الفيضَ من التضحية لم يُقابَل بعرفانٍ يبلُّ صدى روحها، بل اصطدم بجدارٍ صلدٍ من التعالي، إذ راح الأكاديميُّ المرموق ينسجُ من خيالاتِ غوايتِهِ الفكرية سياجًا يفصله عنها، وباتَ يرتجفُ خجلًا من مهنتها كبائعةٍ بسيطة، متناسيًا أنَّ لقمةَ فخرهِ ومِدادَ أبحاثه لم تكن إلا من عرقَ جبينها وتيبُّسَ أطرافها في عمل المتجرِ.

لقد حمل الزوجُ في حقائبِ رحيله كلَّ عللِ البيئةِ التي نشأ فيها، وكان أقساها تلك الغيرة وذلك الشكُّ القاتل الذي لم يكفَّ عن اتهامها به، حتى مع أقرب الناس صلةً إليه او إليها، فجاءت نرجسيّتُه خليطًا مشوَّهًا من ثقافةِ التسلّطِ القديمة وزيفِ الحداثةِ الأكاديمية. لم يخلعْ عنه يومًا معطفَ الريبةِ العمياء، ولا تخلّى عن شهوةِ اللومِ التي كانت تقتاتُ على أدقِّ التفاصيل وأتفهها. باتَ يرميها في كلِّ سانحةٍ بسهامِ التقصير، متهمًا إياها بإهمالِ مملكتها الصغيرة، مدعيًا أنه الراعِي الوحيدُ للأبناء، بينما هي ليست سوى جسدٍ ناضبِ الطاقة، دائمِ الشكوى والأنين.

ولعلَّ أنكى جراحهِ كان استكثارهُ عليها أنفاسَ الحريةِ الضئيلة. كان يرى في رغبتها في التأنقِ، أو تطلعها لسهرةٍ عابرةٍ في عطلةِ نهايةِ الأسبوع مع زميلاتِ العمل، تمردًا جامحًا وانفلاتًا يُحاكُ على حسابِ سمعته، ووقارهِ وحقوقِ أطفاله.

وهكذا، تسللت السنونُ كالرمل من بينِ أصابعها. كبرَ الأولادُ في ظلِّ هذا الصراعِ الصامت، فيما راحت وشائجُ العلاقةِ تذوي وتشحبُ كأنها نبتةٌ حُرمت الضوءَ والماء. تحولَ ذلك الدفءُ الذي كان يومًا ملاذَ ندى وعزاءها الوحيد في صقيعِ الغربة إلى صقيعٍ داخلي أشدَّ قسوة، وبرودٍ قاتلٍ جمدَ الضحكاتِ على الشفاه، واستبدلَ لغةَ الأرواحِ بضجيجِ اللوم أو صمتِ الجدران.

ومع تراكمِ الخيباتِ وانحناءِ الظهرِ تحتَ أثقالِ المسؤولياتِ المزدوجة، بدأت قلاعُ جسدها ونفسها بالتهاوي؛ فاضطرابُ الروحِ لم يجدْ بدًّا من أن ينضحَ على الجسدِ المنهك، وتفاقمت أوجاعُها حتى غدت ندى محضَ خريطةٍ من الآلامِ المستعصية. لم يحتملْ كيانُها المتهالكُ مزيدًا من الصبر، فانفجرَ الوهنُ في مفاصلها، وجرّها الألمُ مرغمةً إلى مشرطِ الجراح، لتخضعَ لعمليةٍ دقيقةٍ في عظمةِ الكتفِ التي أصابها الارتخاءُ والكلال والاثقال، كأنما أرادَ جسدُها أن يعلنَ صرختهُ الأخيرة: إنَّ الكتفَ التي حملتْ أحلامَ الآخرين طويلًا، لم تعدْ تقوى حتى على تحملِ القليل من الوجع.

تابع

***

سعاد الراعي

في نصوص اليوم