عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

في مقابلة أخيرة مع «المجلة الفلسفية الفرنسية» (1 أغسطس 2024)، يبين الفيلسوف الأميركي المعروف مايكل فالزر أن الصراع السياسي الدائر حالياً في الولايات المتحدة يتعلق بمقاربتين متمايزتين للأمة الأميركية: إما النظر لهذه البلاد بصفتها من دون هوية إثنية، وحدتها الاعتبارات السياسية وبنيتها الدستورية وتاريخها الخاص والتزامها القوي بالديمقراطية، أو النظر إليها من زاوية القومية الإثنية المتمحورة حول البيض المسيحيين المهددين بمخاطر الهجرة والتعددية العرقية والدينية.

«فالزر» يُفسر صعود التيار القومي الإثني بامتعاض الطبقات العاملة والريفية من سياسات الليبراليين الجدد الذين راهنوا مطولا على القدرة على حسم الصراع الانتخابي من خلال تصويت الطبقة الوسطى العليا المتعلمة والأقليات السوداء والإسبانية (ذوي الأصول اللاتينية).

ما تغير أن فكرة الحركية الاجتماعية التي هي جوهر الحلم الأميركي تراجعت جذرياً، بما انعكس سلبا في تزايد أصناف التفاوت واللامساواة خصوصا في المدن الصناعية العتيقة، إلى درجة انهيار آفاق الصعود المهني والاجتماعي.

إن هذا الوضع يمهد حسب «فالزر» للحالة النازية كما حدث في ألمانيا في الثلاثينيات، حيث تركزت هذه النزعة المتطرفة في أوساط العاطلين عن العمل وأصحاب المهن الهشة وفي صفوف الطبقة الوسطى التي تستشعر مخاطر التراجع والانهيار. وما يحدث حالياً في الولايات المتحدة هو بروز قاعدة اجتماعية من هذا النوع، هي الدعامة الأساسية للترامبية، في الوقت الذي تسعى فيه القيادات الديمقراطية إلى إعادة الاعتبار للنقابات العمالية وحركة الشغيلة وفق معايير الليبرالية الأميركية الأصلية التي تقوم على المساواة الاجتماعية والديمقراطية الدستورية.

هل ستنجح المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في تنشيط الليبرالية الأميركية على أساس تجديد المسألة العمالية في أفق العدالة الاجتماعية من حيث هي محور الخطاب السياسي للحزب «الديمقراطي»؟ السؤال مطروح بقوة، لكن «فالزر» يرى أن مسألة القومية المسيحية ستظل حاضرة بكثافة في الحقل السياسي الأميركي، مهما كانت نتيجة الانتخابات المقررة في نوفمبر القادم.

من المعروف أن هذه النزعة القومية المسيحية تتغذى من مفهوم «الديانة العمومية» التي هي القاعدة المرجعية الصلبة للمجتمع الأميركي، وإن حاولت اختزالها في الطابع الإثني الانغالوساكسوني، بينما تفيد المعطيات الموضوعية أن الديانة العمومية تتوسع تدريجيا لتشمل مختلف المعتقدات بما فيها اليهودية والإسلام، ضمن النسيج القومي الأميركي الخاص. تلك هي قراءة فالزر للواقع السياسي الأميركي الحالي في توتره الجدلي بين النزعتين الليبرالية والقومية الدينية، وقد خلص منها إلى أن البلاد سائرة نحو تصدع فكري واجتماعي حاد، لكنه لن يصل إلى خطر الحرب الأهلية التي يحذر منها كثير من السياسيين من مختلف الاتجاهات.

ما نريد أن نضيفه على هذا التحليل المهم، هو أن صراع الأفكار المحتدم حالياً في المجتمع الأميركي لم يعد محصورا في الحزبين الكبيرين اللذين يتقاسمان منذ عقود طويلة الحياة السياسية الأميركية. فالنزعة الليبرالية في مقوماتها الثلاث (الفردية والمساواتية والديانة العمومية) تخترق مختلف الاتجاهات الحزبية وإن كانت تتأرجح بين نزعة محافظة تقليدية ونزعة راديكالية تفكيكية لكل الثوابت والتصنيفات السائدة، كما أن المقاربة الهوياتية حاضرة في كل الاتجاهات وإن كانت تتفاوت بين نزعة اجتماعية اختلافية وأخرى عرقية إثنية.

ما حدث مع ظاهرة ترامب منذ عشر سنوات هو خروج الصراع السياسي عن محدداته وتقاليده المألوفة، باعتبار الطبيعة الشخصية للرجل الذي وإن كان يعبر عن حالة أميركية عامة، إلا أنه ترك بصماته الخاصة على المشهد السياسي. صحيح أن الظاهرة الشعبوية المحافظة تتجاوز السياق الأميركي وتمتد إلى العالم الليبرالي الغربي بكامله، لكن لها خصوصيات مميزة في المجتمع الأميركي الذي هو خليط واسع من هجرات متتالية إلى حد التشكيك في هوية قومية لهذه البلاد الواسعة. لم تعرف أميركا مسارات التحديث الأوروبي من نهضة وتنوير وثورات اجتماعية، بل إن ما عرف بالثورة الأميركية كان في حقيقته حركة استيطان وتحرر وضعت شروط الحكم السياسي على أساس هوية اجتماعية تشكلت قبل الدولة ضمن منظور تشاركي توافقي حسب ملاحظة الفيلسوفة الشهيرة حنة ارندت.

إن هذه الخصوصية التاريخية (المجتمع السياسي المتزامن مع نشأة الدولة)، هي التي تمنح الحالة السياسية الأميركية صلابتها، باعتبار أن النزعة القومية، وإنْ قامت على اعتبارات إثنية أو دينية، فإنها تظل مقيدة بالطابع المدني المفتوح للمجتمع. الجدل الحقيقي هنا يبقى متمحوراً حول مطلب العدالة والمساواة وإن اصطدمت المقاربات القائمة حولهما.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 4 أغسطس 2024 23:45

كان من ضمن قائمة المصادر العربية في رسالة الإسلامي السعودي عبد الحميد أبو سليمان للدكتوراه «النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية» التي أنجزها في جامعة بنسلفانيا عام 1973، كتاب «الجهاد في سبيل الله» لأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب الذي أصدره الاتحاد العالمي للجمعيات الطلابية في طبعته الثانية 1970.

هذا الكتاب أصدره هذا الاتحاد في طبعته الأولى عام 1969، وقد ضم فيه كتيب المودودي «الجهاد في سبيل الله» المعرّب عن الأردية والصغير جداً، الصادر عن لجنة «الشباب المسلم» بالقاهرة عام 1950، بمقياس 5.15x5.11 سم، وضم فيه رسالة لحسن البنا في الجهاد، وفصلاً من كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب عنوانه «الجهاد في سبيل الله».

كان أول متأثر ومتبنٍّ في العالم العربي لرؤية المودودي الجديدة لفريضة الجهاد في الإسلام، سيد قطب، وقد ظهر ذلك في الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة لكتاب «في ظلال القرآن» الصادرة عام 1961، وفي كتاب «معالم في الطريق» المسلوخ من بعض أجزاء من كتابه «الظلال» في طبعته المزيدة والمنقحة. الكتاب المسلوخ صدر عام 1964 في طبعات متعددة في ذلك العام!

رؤية المودودي الجديدة للجهاد، كانت أن البلاد الإسلامية هي «دار حرب» وليست «دار إسلام»؛ لذا فاستئناف الجهاد يجب أن يبدأ بها، وذلك بالانقلاب على حكومتها، لتكون «دار إسلام». وبعد أن تكون «دار إسلام» يمتد الجهاد إلى أنحاء المعمورة.

وحين صدر ذلك العمل التجميعي، كانت تلك الرؤية متخمرة لدى الشباب المسلم بفضل كتاب «معالم في الطريق» الواسع الانتشار في الستينات الميلادية، وكتاب «واجب الشباب المسلم اليوم» للمودودي، وكتاب «ردّة ولا أبا بكر لها» لأبي الحسن الندوي، الصادرين في تلك الآونة.

لنرَ في أي موضع من رسالته أحال الإسلامي السعودي عبد الحميد أبو سليمان إلى كتاب «الجهاد في سبيل الله» للمودودي والبنَّا وقطب.

أحال إليه بعد قوله في رسالته: «كما أخفق المنهاج الليبرالي هو الآخر في الإصلاح الداخلي للحكومة وفي تكوين مجتمع ديمقراطي حر، وفي إيجاد نظام دولي تحدد فيه العلاقات بين الدول على أسس من السلام والتعاون بينهم وبصورة خاصة مع القوى الغربية».

أحال إليه مع كتابين منشورين باللغة العربية؛ الأول للإسلامي محمد المبارك «الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية»، والآخر لليساري نايف حواتمة «أزمة الثورة في الجنوب العربي: نقد وتحليل»، ومع تسعة كتب منشورة باللغة الإنجليزية، هي: «الفكر العربي في العصر الليبرالي» لألبرت حوراني، و«نشأة تركيا الحديثة» لبرنارد لويس، و«ردة الفعل في الشرق الأوسط تجاه الثقافة الغربية» لهاملتون جيب، و«الحرب والسلام في قانون الإسلام» لمجيد خدوري، و«مصر تسعى بحثاً عن مجتمع سياسي» لنداف سفران، و«إطار وأسس الدبلوماسية العثمانية في عهد سليم الثالث 1789 – 1807» لتوماس ناف، و«الإسلام في التاريخ الحديث» لولفريد كانتويل سميث، و«ما هو الإسلام؟» و«الفكر السياسي الإسلامي» لمونتجمري وات.

ما الذي جعل أبو سليمان يحيل إلى كتاب «الجهاد في سبيل الله» للمودودي والبنا وقطب للتوسع في معرفة أسباب إخفاق الليبرالية في العالم الإسلامي؟!

ما الذي جعله يحيل إليه في غير موضوعه؟!

سؤال بوسعك أن تعيده بصيغ متعددة، لكن – مع كل تغيير لصيغته – لن تفلح في الإجابة عنه!

إذا نظرنا في العام الذي أنجز فيه أبو سليمان رسالته للدكتوراه، وهو عام 1973، فإنه في هذا العام وفي السنين التي قبله، بوسعنا القول إن الليبرالية أخفقت في دول عربية، كمصر والسودان والعراق وسوريا. ويصعب إطلاق هذا القول على العالم الإسلامي.

تركيا الحديثة كانت إلى عام 1946 محكومة بنظام الحزب الوحيد؛ حزب الشعب الجمهوري. وكون هذا الحزب هو الحزب الوحيد لا يعني أنه غير ديمقراطي وغير ليبرالي أو حزب شمولي، على شاكلة الحزب الاشتراكي الوطني في ألمانيا، والحزب الفاشي في إيطاليا، والحزب الوحيد في البلدان الشيوعية. ومع انتقال تركيا الحديثة من الحزب الوحيد إلى التعددية الحزبية، حدثت ثلاثة انقلابات عسكرية، واحد منها فشل. وفي العام الذي حاز فيه عبد الحميد أبو سليمان درجة الدكتوراه، رُفعت الأحكام العرفية وأجريت انتخابات نيابية عامة.

إندونيسيا منذ استقلالها إلى انتهائه من كتابة رسالته، ثم مناقشتها، كانت دولة سلطوية. وماليزيا كانت دولة مستقرة على ديمقراطية توافقية. وباكستان منذ تأسيسها لم تكن دولة ليبرالية – علمانية.

إن الإسلامي عبد الحميد أبو سليمان كان يخلط عن قصد وبتضليل متعمّد بين الحداثة أو العلمانية وبين الديمقراطية في المجال السياسي!

بعد فراغه من الحديث عن عصر الليبرالية في العالم الإسلامي، تحدث عن عصر اليسار فيه، فقال: «عملت الدول الإسلامية، وخاصة الدول العربية منها، عقب ظهور الاتحاد السوفيتي بعد الحرب الثانية كقوة عظمى، على استخدام المساعدات الاقتصادية والتقنية والسياسية السوفيتية لصالح قضيتهم. وهكذا فليس غريباً من هذا المنظور أن أبرزت هذه التطورات الجديدة وأفرزت بعض جوانب النظرية الماركسية أوفدتها إلى محيط الفكر الإسلامي، وخصوصاً مفهوم حرب التحرير (وهي الصيغة العصرية للجهاد) بيد أن المصطلحات والمفردات الأيديولوجية الماركسية تنبع من فلسفة تتعارض، بل وتتناقض مع الأيديولوجية الإسلامية التقليدية».

هل – فعلاً – حرب التحرير الشعبية هي الصيغة العصرية للجهاد؟

إن حروب التحرير الشعبية من أنواع الحروب في الماركسية. وهي تخالف المقولة الماركسية التقليدية التي تضمن الحصول على النصر مع توفر «الحالة الثورية»، التي يعقبها كفاح حاد قصير الأمد؛ لأنها تقوم على الحرب الطويلة المدى أو الكفاح الممتد الشاق الذي يخلق «الحالة الثورية»، ولا ينتظر حلولها أو مجيئها.

يعرِّفها الجنرال الفيتنامي جياب بأنها: «تحول مستمر وتدريجي يتبع خطاً مستقيماً من حرب العصابات إلى الحرب المتحركة مروراً بمرحلة انتقالية هي حرب المواقع». وللحديث بقية.

***

علي العميم

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد - 29 مُحرَّم 1446 هـ - 4 أغسطس 2024 م

 

حلقة جديدة من الحرب الثقافية في فرنسا

لا يزال الخلاف الذي يقسّم النخبة الثقافية والسياسية بخصوص «الووكية» في فرنسا تترصّده وسائل الإعلام، حتى إنه لا يمر أسبوع من دون أن يكون هناك هجوم ضد هذه الحركة الآيديولوجية الثقافية المحسوبة على اليسار.

للتذكير، فإن «الووكية»، المشتقة من فعل الاستيقاظ باللغة الإنجليزية، هي مفردة انتشرت في الولايات المتحدة في العقد الثاني من هذا القرن، وهي تعني حرفياً أن يكون الشخص يقظاً إزاء الظلم وانتهاك حقوق الأقليات سواء أكانت عرقية أم دينية أم جنسية. الدخول القوي لهذا التيار الفكري إلى المشهد الثقافي الفرنسي تحولّ إلى كابوس للنخبة اليمينية التي تعده «غولاً آيديولوجياً» يهدد ثقافة فرنسا ومؤسساتها العريقة ويستبدل بأنساق ثقافية تعد أساسية لاستقرار المجتمع، أخرى تفتيتية تخريبية ومدمرة. آخر حلقات هذه الحرب الثقافية كانت بمناسبة افتتاح دورة للألعاب الأولمبية التي تنظم حالياً في باريس إلى 11 من أغسطس (آب)، حيث طالت موجة من الانتقادات اللاذعة من مختلف أنحاء العام منظمي هذه الاحتفاليات، تحديداً بسبب مشهد «العشاء الأخير» اللّوحة المعروفة للرسام ليوناردو دافنشي التي تمثل النبي عيسى عليه السلام والتي تم تجسيدها بطريقة ساخرة مثيرة للجدل؛ حيث تضّمن المشهد فنانين من المتحولين جنسيّاً والشواذ، إضافة إلى ظهور المغني فيليب كاترين عارياً لتجسيد الإله اليوناني ديونيسيس في المشهد نفسه. العرض لم يصدم النخب السياسة والمجتمعات المسيحية والمسلمة فحسب، بل أيضاً النخب الفكرية اليمينية المحافظة التي عبرت عن غضبها موجهة أصابع الاتهام إلى اليسار «الووكي» الذي يسعى، حسب اتهامات اليمين إلى تفكيك المجتمع وفرض ثقافة دخيلة، بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات.

الفيلسوف الفرنسي آلان فينكلكروت، في مقال على صفحات جريدة «لوفيغارو» بعنوان: «العبقرية الفرنسية تألقت بغيابها في احتفاليات افتتاح الألعاب الأولمبية» كتب: «أنا مذهول بما رأيته في حفل افتتاح الألعاب الأولمبية، لم أكن أتصور أن تصل المشاهد إلى هذه الدرجة من القبح والابتذال... أين كان الذوق الرفيع، الرّقة، الخفة، الأناقة، الجمال؟ الجمال لم يعد موجوداً بحجة الدفاع عن كل أنواع التمييز»، ملمحاً بصفة واضحة ومباشرة لا تدع مجالاً للشك إلى «اليسار الووكي». وكان هذا الأخير قد ربط في عدة مناسبات بين الووكية وثقافة الرداءة، حيث كتب: «عندما نتوقف عن تعليم نتاجات الشعراء والفلاسفة والكتاب، وعندما يصبح التعليم تعليماً للجهل، تنطفئ النظرة، ولا يعود هناك أي عائق أمام تقدم القبح، إنها مشكلة الووك، إنهم يعيشون في غطرسة الحاضر وبحجة أنهم يقظون لكل أنواع التمييز فهم ليسوا بحاجة إلى شيء وتحديداً إنجازات الماضي التي لا يقرأونها لقراءة الذات، بل يستحضرونها ويستدعونها لمساءلتها وتوظيفها في خدمة روح العصر».

الباحث فرغان أزيهاري المندوب العام للأكاديمية الحرة للعلوم الإنسانية هاجم في عمود بصحيفة «لوفيغارو» بعنوان «حفل افتتاح أكثر رجعية مما يبدو عليه»، التيار اليساري الذي يرُوج لثقافة الرداءة تحت أسماء الحرية؛ حيث كتب: «يبدو أن مقياس نجاح الأداء الفني أصبح مقروناً بقدرته على الإساءة للآخر، عندما يكون أول رد فعل يتبادر إلى ذهنك بعد عرض فني ليس مشاركة إعجابك، بل متعة المشاكسة لأنك أزعجت جارك، فماذا يقول ذلك عنك وعن علاقتك بالفن والثقافة والعالم؟ عدد السياح الأجانب الذين يتدفقون لزيارة متحف اللوفر والتحف الرائعة التي يضمها يفوق عدد الذين زاروا عمل بول ماكارتي المثير للجدل بسبب إيحاءاته الجنسية، والذي تألّق فقط بسبب موقعه في ساحة فاندوم، لأن الجميع نسيه الآن».

أما الباحث الحاضر بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي إدريس أبركان، فقال في مداخلة على حسابه على «اليوتيوب» بعنوان: «الألعاب الأولمبية في باريس: هل يزال هناك مكان للجميل في مجتمعاتنا؟»، ما يلي: «أن تكون فرنسا بلداً يسمح بحق التجديف شيء، ولكن أن تصبح الدولة هي حاملة هذا الشعار بسبب إرث 1968 و(شارلي إيبدو) فهذا عار كبير، ما كنا ننتظره من هذه الحفلة هو التمتع بالجمال والفن وليس عرضاً استفزازياً لنخبة يسارية أنانية نرجسية حاولت إحداث صدمة ليقال إنها طلائعية، لم يكن المكان مناسباً ولا الزمان».

الفيلسوف ميشيل أونفري، رغم ميوله اليسارية المزعومة ودفاعه عن حق التجديف في قضية «شارلي إيبدو»، لم يترّدد في الهجوم على منظمي عرض الافتتاح في مدونتّه الخاصة، حيث كتب ما يلي: «كان حفل افتتاح الألعاب الأولمبية فرصة فرنسا لتقدم عرضها للعالم، فكان لحظة عظيمة من (التهريج)».

ويضيف أونفري: «أعلن رئيس دولة من دون حكومة افتتاح الألعاب الأولمبية فكان بياناً (للووكية) عُرض على العالم بأسره وتّم فيه الاحتفال بالرجل الجديد... المفكك، من أجل فرنسا جديدة مختلطة، عالمية، مفتوحة على الأقليات الجنسية...». الباحث والإعلامي ماتيو بوك كوتي انتقد بالشّدة نفسها اليسار الووكي في عمود بعنوان: «ماذا وراء الجدل الذي رافق حفلة افتتاح الألعاب الأولمبية»، حيث كتب: «أراد مصممو هذه الألعاب سحق فكرة معينة عن فرنسا، أرادوا إذلال الوطنية الفرنسية، من هنا جاء مشهد الرأس المقطوع لماري أنطوانيت، أما الحضور القوي للمتحولين جنسياً والذين أصبحوا بمثابة حاملي لواء التقدمية الغربية فهو سعي واضح لتفكيك حضارتنا بأكملها». وفي عمود على صفحات جريدة «لوفيغارو» بعنوان: «الحفلة لم تعظم الروح الفرنسية بل فرنسا التي يريد المنظمون أن يروها في المستقبل» كتبت الفيلسوفة بيرينيس لوفي، ما يلي: «تاريخنا لم يكن سوى سوق استغلها المنظمون كما أرادوا، كل شيء كان مقروناً بـ(الحاضر) ولكن من يصنع نكهة مدينة كـ(باريس) سوى ماضيها التاريخي؟ هذا العرض كان رسالة للعالم بأسره بأننا - نحن الفرنسيين - لم نعد نعرف ماذا نفعل بتاريخنا وبماضينا، وكأننا نرمي (الاستثناء الفرنسي) في سلّة المهملات، أقولها وأعيدها، هذا الحفل كان عرضاً (ووكيا) ولا يمكن لتوماس جولي وفريق المنظمين إنكار أن الهدف منه هو الدعاية للتعددية الثقافية والهويات الخاصّة». الكاتب والمفكر والمُنظر السياسي، جاك أتالي، في مداخلة على منصّات التواصل الاجتماعي، صرّح بأن التاريخ هو الذي سيحكم: «بعد عشر سنوات، إما أن تصبح هذه التجاوزات طبيعية ومألوفة وإما أن تُعدّ مقياساً لما كان عليه عام 2024 من انحطاط».

***

أنيسة مخالدي – باريس

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 3 أغسطس 2024 م ـ 28 مُحرَّم 1446 هـ

في ذروة تجلي الجميل، تنبجس علامات الغموض ليجعل من لحظة الجمال محرجة تتجاوز حروف اللغة وتستعصي تلك اللحظة على التشريح أو الاختزال أو التعبير.

من هنا تم الربط بين الصوفية والفنون، إذ تبدّت اللحظة الفنية بكثافتها لتنافس اللحظة الصوفية بعمقها وتكثفها وغموضها، هذا التشارك بين اللحظتين خدم الرؤية الفنية العميقة وأحيت الذوق الجمالي وأنماط التفكير والرسم والتحليل، حتى في السينما أو الموسيقى تبدو لحظة تجلي الجميل صوفية في معانيها ورموزها وعلاماتها. الجمال يخاطب العمق والسطح معاً، يخاطب النزعات والحوافز الذاتية، الجمال يختبئ بالنفس أكثر مما ينسدل باللسان، فهو عصيّ على التعبير، ومن جميل قول هيراغليطس: «لن تجد تخوم النفس إن كنت تبحث عنها حتى لو طرقت كل طريق، ذلك أن لوغوسها بالغ العمق».

إذا كان هيغل يعتبر الجمال بأنه «تجلي الفكرة بطريقة حسية»، فإن هذا لا يشرح غموض الجمال أو انبجاسه أو علاماته ورمزيته، ذلك أن التعريف بهذا الاختزال إنما يجعل الجمال مدركاً ومفهوماً ومشروحاً. الجمال بطبيعته يخاتل ويراوغ، ليس جرماً يمكن جسّه ولا مثالاً يمكن بروزته، بل يتحوّل ويتجدد ويتغير.

وإذا كان الجمال يتحول تبعاً للذوق، فإنه لا يمكن أن يكون نظرية، بل هو فضاء وضوء ووميض أكثر منه رؤية أو فكرة أو مثالاً يحتذى. في مايو عام 1980 ألقى بيير بورديو محاضرة بعنوان: «تحوّل الأذواق» ونشرها ضمن كتابه «مسائل في علم الاجتماع»، وبورديو من المتأملين في علاقة التصوف بالجماليات والفنون. في ديسمبر عام 1978 أجرى سيريل هوفي حواراً مع بيير بورديو حول الموسيقى والعالم قال فيه: «إن أكثر الفنون صوفية وأكثرها روحانية هي لربما ببساطة أكثرها جسدية، وهو ما يجعل الحديث عن الموسيقى صعباً جداً من دون استخدام نعوت أو علامات تعجب». كما أن التجربة الصوفية حرقة خاصة، فإن التجربة الجمالية بصمة خاصة لا تتكرر لدى الآخرين. الوميض الذي زلزل ابن الفارض غير الذي زلزل ابن عربي، النشوات الوجودية تشبه كثيراً النشوات الجمالية.

يغدو الجمال فضاءً تتداخل ألوانه وتنفجر عيون مياهه على بعضها فيتغذى كل نهر على الآخر، الجمال أكبر من أي مثال، من هنا يكون التحديد الصارم معادياً للجمال، لأن ما يحدد يأسن كما يأسن الماء. في مجال التحديد هذا يكتب سارتر عن مفارقة الجميل للعالم، إذ رأى أن «الجميل ليس كائناً قابلاً لأن يكون موضوعاً للإدراك إنه في صميم مفارقته للعالم، والواقع أن الفنان لا يحقق صورة نعقلها وإنما يقدم مماثلاً مادياً، يمكن لكل من أراد أن يدركه بمجرد أن ينظر إليه ويلفت له».

التجارب لا تتطابق كذلك ومضات الجمال وحدوس التصوف ونشوات الذوق، كلها ضمن سياق خاص لا يمكن أن تخضع للنمذجة أو التطقيم أو التأبيد. الخلاصة، أن الفنون بما تنتجه من مبهر وجميل إنما تضعنا أمام استثناءات وجودية، فلا شيء يشعرك بأن في الوجود ما يبهج ويستحق العناء مثل تجلي الجميل، إنه «تجلي» كما هو عنوان كتاب هانز جورج غادامير «تجلي الجميل».

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 22 يوليو 2024 23:45

توقعنا جميعاً مع نشوب حرب غزة أن تلتهب ثلاثة ملفات: الملف الديني، والملف الأخلاقي أو القيمي، وملف العلاقات الدولية. على الملف الديني تنافس الإصلاحيون واليهود المحافظون والأصوليون. يجد الإسلاميون في محاولات الاستيلاء على المسجد الأقصى وهدم المساجد في كثير من الأمكنة، أنّ هناك مؤامرةً يهودية على هدم المسجد وإعادة بناء الهيكل على أنقاضه. أما المتدينون اليهود المتعصبون فيدعون إلى الاستيلاء على المسجد أو مناصفته على الأقل مع المسلمين! وعلى كل حال، فالحرب دينية أو ينبغي أن تكون كذلك كما يزعم الطرفان. وهذا منطق جديد يتصاعد لدى الطرفين، وكل طرف يتعمد الوقوع في «أخطاء» كلامية أو فعلية، إما لإثبات مشروعيته الدينية أو لإثارة الطرف الآخر.

في ملف العلاقات الدولية وبعد بداياتٍ واعدةٍ لإسرائيل بسبب بدء «حماس» للحرب، تحول ملف العلاقات الدولية لغير صالح دولة الكيان بالتدريج بسبب الفظائع في غزة. وبالطبع، كان العرب أول دعاة وقف الحرب وتبعهم الأوروبيون ثم الأميركيون الذين تابعوا تنظيم التفاوض بين طرفي الحرب بلقاءات في مصر وقطر وفرنسا وروما. وقد سمينا الملف علاقات دولية لأنه حدث انقسام بمجلس الأمن بين الصينيين والروس من جهة، وأميركا وبريطانيا في البداية، قبل أن يجمعوا في مجلس الأمن على وقف النار. وتوالت بيانات المؤسسات الإنسانية الدولية والخاصة، وتدخلت محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.

في الملف الأخلاقي المسألة مختلفة وتتخذ مديات انقسامية. الجمهور العربي شديد السخط على أخلاقيات المجتمع الدولي، حيث لبضعة أشهر عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار بسبب معارضة أميركا وبريطانيا لوقف النار (!). ثم صار السخط على ازدواجية المعايير وكراهية الإسلام والعرب، وهو يتصاعد يوماً بعد يوم. وقد كنت قبل أيام بمصر، وقرأت وسمعت كثيرين من أساتذة الجامعات والإعلاميين يجددون المواضيع القديمة حول ازدواجية المعايير، وحول النفاق الغربي. وذكرت لي أستاذة في علم الاجتماع أن صديقتها وزيرة خارجية جنوب أفريقيا أسلمت قبل فترة هي وأسرتها، وكان ذلك قبل حرب غزة؛ لأنها أعادت مع والدها مراجعة تاريخ تجربة التمييز العنصري وكيف صادروا بيتهم من دون سبب لأنهم سود! وقد أزعجني بعض الشيء أن محدّثتي أرادت بالتحول إلى الإسلام تعليل شكوى جنوب أفريقيا على إسرائيل أمام محكمة العدل! المهم أنّ موجة لعن الغرب والتنبؤ بانهياره ما بقي أحد في اليسار وفي اليمين إلاّ ودخل فيها. ولدى الكاتبين الغربيين لا يلعب الانحلال الأخلاقي دوراً في الانحطاط أو الانهيار وهما أمران مختلفان. وكنت قد كتبتُ عن تيار «التابع» الفكري الذي يعتبر الغرب متآمراً على نفسه وعلى العالم. وهو تيار رفضي راديكالي يعلِّل كلَّ حملة باستمرار ثقافة الاستعمار في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والفلسفة، ولا تنجو من ذلك أفكار النهضة والتنوير واتجاهاتهما!

لا أظن أنّ تجدد النعي القاسي على الغرب يشبه ما يقوم به تيار «التابع» ولا ما قام به إدوارد سعيد واستغلّه الإسلاميون. بل يشبه لدى متعلمي العرب في الحاضر ما حدث بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. فقد تعاصر ذلك مع اغتصاب فلسطين وقيام دولة إسرائيل التي دعمتها الدول والمثقفون الذين كتبوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولذلك سارع وقتها مثقفون عرب إلى اتهامهم بازدواجية المعايير. القضية الفلسطينية شديدة العمق والفاعلية في نفوس العرب جميعاً. ولذلك يعودون اليوم بسبب الحرب على غزة إلى الحملة على الغرب كلّه لأنه انحاز إلى إسرائيل بدلاً من المسارعة لوقف الحرب، ومثقفو العرب على اقتناعٍ شديدٍ أنهم كانوا يستطيعون ذلك لو أرادوا حقاً!

وقد علّلتُ الأمر أولاً بما سميته موجة التضامن من حول غزة، وقد أفاد منها الإسلاميون هذه المرة أيضاً مقاتلين وغير مقاتلين. بيد أن عودة تعبير الشرق والغرب والإسلام والغرب، يشير إلى اعتقاد تناقض القيم وليس ازدواجية المعايير فقط. فالمسألة لدى أستاذ فلسفة مصري أنّ الغربيين يمتلكون قيماً غير قيمنا وإلاّ فكيف نعلّل موقف هابرماس الفيلسوف الألماني وزملائه. ولذلك لا بد من النظر والمراجعة في «قيمهم» و«قيمنا»، أو بالأحرى ما هي قيمنا التي تتناقض مع قيمهم؟! الغربيون المعاصرون، فلاسفةً وعلماء اجتماع وعلماء علاقات دولية، كتبوا في المعايير العلمانية والأخرى الدينية وكيف تختلط وتتفكك في زمان أو أزمنة العولمة. أما عندنا فقد اقتصرت الدراسات على نقد المنظومات الأخلاقية الكلاسيكية، وما كُتبت دراسات جادةٌ عن منظومات الأخلاق العربية والإسلامية المعاصرة، إلاّ إذا اعتبرنا نظريات العقل العربي والعقل الإسلامي المعاصرة نظرياتٍ في القيم الحاكمة؟

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 27 مُحرَّم 1446 هـ - 2 أغسطس 2024 م

لا يمكن تصور إمكانية قيام أية حضارة من دون تحقق للوعي البشري؛ فمن دون هذا الوعي يصبح الوجود الإنساني أشبه بالوجود الحيواني أو أقرب إليه، أعني يصبح وجودًا يحيا على مستوى قضاء الحاجات الغريزية ومتطلبات الحياة الضرورية للعيش والبقاء. ولأن الحضارة هي تجلٍ للوعي، فإن تطور الحضارة هو تطور للوعي الإنساني، وتجلياتها عبر التاريخ هي تجليات لهذا الوعي؛ ولهذا ذهب هيجل إلى القول بأن العالم لا يتغير بذاته، وإنما الوعي هو الذي يغير هذا العالم. تلك مقدمة ضرورية تنطوي على بداهة.

الحضارة إذن هي تجليات للوعي. وقد قلت مرارًا أن تجليات الوعي تتبدى على أنحاء شتى: كما في الوعي العلمي والديني والأخلاقي والسياسي والتاريخي والفني أو الجمالي، دون أن يعني ذلك تجزئة الوعي؛ فالوعي يظل دائمًا وعيًا كليًّا، أي شاملًا، ونحن نشاهد وحدة الوعي وكليته على مستوى الدولة وعلى مستوى الفرد أيضًا: فالدول المتطورة علميًّا على سبيل المثال، نجدها متطورة أيضًا على مستوى الإبداع في الفنون. كما أننا نلاحظ من خلال الخبرة أن المرء الذي يكون عالمًا حقًّا، يتميز أيضًا بدرجة ما من الوعي الفني والجمالي، بل قد يكون ممارسًا لفن ما من الفنون، كالموسيقى أو التصوير على سبيل المثال. ولكن السؤال هو: هل هناك أولويات في تجليات الوعي لدى الشعوب في عملية تطورها الحضاري؟ ذلك سؤال عويص، سنحاول الإجابة عنه فيما يلي:

يمكن القول إن أولويات تجليات الوعي تختلف من دولة أو أمة إلى أخرى بحسب إرثها ووضعها وسياقها التاريخي. وفي هذا الصدد أظن أن الوعي الديني تظل له أولويته بالنسبة إلى السياق الراهن الذي تحيا فيه الأمة العربية عمومًا، دون أن يعني ذلك- بطبيعة الحال- إغفال أهمية تجليات الوعي الأخرى. ذلك أن هشاشة، بل ضلال الوعي الديني في عالمنا العربي يظل عائقًا أمام تطور الوعي العلمي والوعي الفني أو الجمالي، بل الوعي التاريخي نفسه.

الأمر المؤكد أن الدين كان حاضرًا دائمًا في بنية الحضارة العربية التي تُسمى أيضًا بالحضارة الإسلامية، وهي الحضارة التي تألقت في العصور الوسطى، وهي تلك العصور التي تخلفت فيها أوروبا حتى إنها كانت تسمى بالعصور المظلمة. ولعلنا نلاحظ أن الدين كان حاضرًا في الحالتين: أعني في حالة تألق الحضارة الإسلامية وحالة أفول الحضارة الأوروبية، وفي ذلك مفارقة تستدعي التأمل؛ لأننا بذلك القول نجعل الدين عنصرًا أساسيًّا في التحضر والتخلف في الوقت ذاته! وهذا هو بالضبط ما نسعى إلى التأكيد عليه في هذا المقال!

يمكننا التأكيد ابتداءً على أهمية الدين في بنية أية حضارة. هذا ما أكد عليه فلاسفة التاريخ العظام من أمثال اشبنجلر ومن بعده توينبي. فقد نظر هؤلاء الفلاسفة إلى الدين باعتباره قوة روحية تنبع منها القيم الأخلاقية، وحينما تفتقر الحضارة إلى القيم الروحية والأخلاقية؛ فإنها تفقد روحها بحيث تُقَاس قوة كل شيء فيها بالقوة المادية. ومن هنا يمكن أن نفهم رؤية اشبنجلر التي عبر عنها في كتابه «أفول الغرب»، والتي يتنبأ فيها بمصير الحضارة الغربية. حضور الدين إذن أمر جوهري في بنية أية حضارة، ولكن الكيفية التي يكون بها الدين حاضرًا هو الأمر الحاسم هنا: فالحضارة الأوروبية قد آلت إلى الأفول في العصر الوسيط حينما تحول الدين إلى سلطة قمعية على العلم والفكر والفن، بعدما كان الدين مندمجًا في عالم القدماء، أعني في دنياهم وحياتهم الاجتماعية وفي فنهم وأساطيرهم. وهذا هو بالضبط ما تحررت منه الحضارة الإسلامية، فكان هذا التحرر هو مبعث نهضتها وتألقها؛ إذ كان الدين حاضرًا باعتباره قوة روحية دافعة على العلم وعلى إعمار الحياة: فلم تكن المساجد مجرد دور للعبادة، بل كانت مراكز للتعلم والبحث، بما في ذلك البحث في أمور العلم والفقه والفلسفة وعلوم الكلام. ولقد تبدت حالة التحرر من سلطة الدين في تعايش الديني مع الفلسفي والجمالي، فكانت هناك إبداعات فكرية فلسفية وشعرية تتجاوز ما يمكن أن يُقَال في يومنا هذا؛ فكل هذا كان يمكن أن يُقال في نوع من التسامح الديني الذي لم يعد مسموحًا به في يومنا هذا، ومنذ أن فارقنا هذه الحضارة، أعني منذ أكثر من سبعة قرون، اللهم باستثناء لحظات مضيئة كنا نحاول فيها استعادة هذه الروح الحضارية.

روح التسامح الديني كانت تتبدى أيضًا في العديد من المستويات الأخرى، إذ ساهم في صنع هذه الحضارة الاستعانة بالعلماء والمفكرين على اختلاف دينهم وقومياتهم، فبرزت أسماء عديدة من الفرس والسريان من المترجمين والفلاسفة والعلماء، كما سُمِح بتولي بعض المسيحيين مراكز مهمة في السلطة. وفضلًا عن ذلك، فإن الدين لم يكن في حالة عداء مع الفن، بل كان متعايشًا معه، وذلك- في رأيي- خصيصة رئيسة شاهدة على أية حضارة. هذه الخصيصة تتمثل إذن في حالة التعايش، بل الانسجام، بين الديني والجمالي أو بين المقدس والجميل في عمومه. ويمكن أن نلحظ ذلك بوضوح في كل تلك اللحظات المضيئة في تاريخ الحضارات، وهو ما يصدق أيضًا على لحظات التنوير القصيرة نسبيًّا في الحضارة العربية المعاصرة التي تم وأدها.

***

د. سعيد توفيق - أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة

عن صحيفة عمان العمانية، يوم: الخميس / 25 / محرم / 1446 هـ - 01 أغسطس 2024 م

 

أصدرتُ قبل أيام كتاباً بعنوان: «الفلسفة الحرام» وهو كتاب له أسبابه المنهجية والموضوعية. لما رأيت التوفيقية وإدماج التفسيرات الدينية مع النظرية الفلسفية أو محاولة تطويعها لغرض أيديولوجي عند بعض المؤلفين في المجاميع الشعبية رائجة، مع أسئلة تتعلق بأهمية الفلسفة على واقعنا، هذه الرؤية على سذاجةٍ تعتورها غير أن انتشارها جعلنا أمام دفاعٍ ضروري عن الفلسفة، بوصفها النشاط العلمي الأكثر تماسّاً بالإنسان ووجوده لا بأيديولوجيته المحدودة.

يمكن قراءة الحداثة كأثر من آثار الفلسفة، ذلك أن الفلسفة كانت هي محتوى الحداثة، فتلازم مسار الفلسفة بمسار الحداثة شديد الإلحاح، أو على حد وصف هيغل: «يستحيل التوصل إلى المفهوم الذي تدرك به الفلسفة ذاتها، خارج مفهوم الحداثة». بمعنى أن الحداثة بمواضيعها لم تكن مجرد نقْلة ضيقة للحياة، فالحداثة لم تكن نقلة تقنية، بل غدت «التقنية» – ذاتها – موضوعاً للحداثة، وصعوبة رصد ثمار معدودة لأثر الفلسفة على الواقع، يأتي من كون كل نظرية فلسفية مهمة أنتجت دينامية مختلفة للحياة، إذ يمكن الرجوع إلى النظريات الحديثة، وربطها بنتائجها، ومن ثم اعتبارها ضمن الآثار التي رسختها الطروحات الفلسفية وجادت بها على العالم، ويمكنني هنا التذكير بإسهامات فلسفية أساسية.

من أبرز إسهامات الفلسفة أنها حوّلت الإنسان إلى موضوع للدراسة، وإذا كان «فوكو» كتب عن «كانط»: «ما كان يهم كانط هو الإصلاح الفكري والثقافي وتمكين جمهور المواطنين من قسط من الحرية يُسمح لهم بأن يفكروا بتلقائية»، فإن الفلسفة بالنسبة له لم تكن مجرد موضوع تأملي، خصوصاً إذا وافقنا «هيغل» بأن فلسفة كانط هي: «بؤرة العالم، ونوع من التأويل الذاتي له، وأن عصر الأنوار ينعكس في فلسفة كانط». صحيح أن الوعي الفلسفي بالحداثة تجلى بوضوح لدى «هيغل»، لكن ما يميز فلسفة «كانط» - بحسب فوكو - أنه وضع الإنسان «موضوعاً للدراسة»، كما أنه – وفق فوكو أيضاً – «أول فيلسوف يتخذ من عصره وحاضره موضوعاً للتفكير».

أسهمت الفلسفة في ترسيخ مبدأ الذاتية، وهو مفهوم متعدد الدلالات، لكنه ارتبط فلسفياً بمفعولات النزعة الإنسانية، فهو بالمعنى العام يعني مركزية ومرجعية الذات الإنسانية، وحريتها وشفافيتها، ومبدأ الذاتية يضم وفق «هيغل» الحياة الدينية والدولة، والمجتمع، والعلم والأخلاق، والفن، كل تلك الفروع تبدو جميعها تجسيداً لمبدأ الذاتية. من إسهامات الفلسفة الأساسية أيضاً تدشين الفضاء العلماني، إذ يرى «لوك فيري» أن «كانط» هو الذي دشن فضاء الفكر العلماني في الغرب، ويكتب «هابرماس»: «إن فلسفة كانط كانت ضمن مخاض الحداثة، باعتبارها عصراً كان في طور الانفلات النهائي من كل الإيحاءات المعيارية لنماذج الماضي، وبصدد إعداد مشروعيته الخاصة واستمداد معياريته وضماناته الخاصة من ذاته، فتلك الانفلاتات والانبثاقات ولدت تمايزات واستقلالات على مستوى المؤسسات والبنيات الاجتماعية، وعلى مستوى الثقافة «علم، أخلاق، فن»، ما جعلها منطلق دينامية حداثة فكرية لم تتوقف عن التجدد حول قضايا التناهي، والعلمانية، والذاتية والعقل والنقد».

الخلاصة، أن مفعول الفلسفة يتطوّر تبعاً لتطوّر منابع الإشكاليات الفلسفية، وذلك بتغيّر العصر، كما أن «أثرها» لا يبدو واضحاً للعيان، وتحتاج إلى عبقرية تشبه عبقرية الفيلسوف الألماني الرياضي «فريدريش لودفيج غوتلوب فريجه»، الذي لم يحفل علماء عصره بما كتب.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 29 يوليو 2024 23:45

حسب المؤشرات البارزة، يبدو أن حظوظ نائبة الرئيس الأميركي الحالية كامالا هاريس مرتفعة لخلافة الرئيس جو بايدن في الترشح عن الحزب الديمقراطي الأميركي في الانتخابات الرئاسية القادمة. ومع أن صوت هاريس كان خافتاً خلال الولاية المنتهية، فإنها تمثل خطاً قوياً وفاعلاً في الحزب الديمقراطي، يختلف عن بايدن الذي كان مرشح الإجماع الحزبي في الانتخابات الماضية.

ومع أن كامالا هاريس لا تنتمي للتيار اليساري الذي يمثله السناتور بيرني ساندرز، إلا أنها تعبر عن التوجه الليبرالي التقدمي الذي بدأ سابقاً مع الرئيس باراك أوباما، إلى حد أن المرشح «الجمهوري» دونالد ترامب نعتها مؤخراً بالليبرالية المتطرفة. لقد دأبت كامالا هاريس في السنوات الأخيرة على الإحالة إلى كتابات وآراء الفيلسوف البرغماتي الأميركي جون ديوي، الذي عرف بانتقاداته القوية لليبرالية الكلاسيكية في نزعتها الفردية المناوئة للدولة والشأن العمومي، معتبراً أنها كانت مشروعة ومقبولة في بداية عصور الحداثة عندما كان الإنسان يواجه سطوةَ وسيطرة الأنظمة التسلطية القمعية.

أما في الوقت الراهن، فلا بد من تدعيم نفوذ وتدخل الدولة لحماية الحرية الحقيقية التي لا معنى لها إلا في مجتمع حر ومتضامن. ومن الواضح أن هذه الرؤية تتعارض مع التقليد القومي المحافظ الذي تحدثنا عنه الأسبوع الماضي، كما تتعارض مع التيار الليبرتاري الذي يمنح الأولوية للحقوق الطبيعية والحرية الفردية ومنطق السوق الحرة (أطروحة الفيلسوف روبرت نوزيك في الأهلية التي تتأسس على ثلاث مبادئ: حق التحكم المطلق في النفس، والحق الأصلي في الحيازة، ومبدأ الدوران العادل).

وفي مقابل النزعة المحافظة ما بعد الليبرالية التي يتبناها الرئيس السابق دونالد ترامب، ترى هاريس أن الديمقراطية ليست آلية إجرائية لضبط الساحة السياسية دون سقف معياري أو موجهات قيمية، بل هي ممارسة عملية متجددة ومسار مفتوح قابل للتعديل والمراجعة الدائمة. في هذا الباب، تكرر هاريس حرفياً عبارات جون ديوي الذي ألقى محاضرات نقدية حول الليبرالية سنة 1935 نُشرت لاحقاً في كتاب هام بعنوان «بعد الليبرالية؟ مسالكها المسدودة ومستقبلها». في هذا الكتاب يعتمد ديوي خطَّ «الليبرالية الراديكالية» التي تسعى إلى تنزيل القيم والمعايير الإنسانية الأصلية الليبرالية في الواقع الراهن. ووفق هذه المقاربة، ليست الحرية الفردية مفهوماً ميتافيزيقيا متعالياً أو مجرداً، بل هي فكرة موجهة للعمل الاجتماعي، ولا بد أن تتأقلم مع التجربة التاريخية الواقعية. وبغض النظر عن التصدع الأصلي بين الليبرالية الفردية الحقوقية والليبرالية الاجتماعية التضامنية، فإن مقولة «الليبرالية» في السياق الأميركي تحمل دلالة ثورية راديكالية في مواجهة أفكار الانكفاء على الذات والتمسك بالتقليد والموروث.

ومن هنا ندرك أن أهم فيلسوف ليبرالي أميركي معاصر، وهو جون رولز الذي وضع نظرية شاملة وعميقة حول العدالة التوزيعية، يصنَّف في صف اليسار الاجتماعي، لكونه وضع مفهومَ التضامن في صلب أطروحته حول الحرية والمساواة في المجتمع الصناعي الجديد.

لقد تبنى الديمقراطيون الأميركان منذ نهاية السبعينيات أطروحةَ «الليبرالية المساواتية» كما بلورها رولز، لكنهم اصطدموا بالمصاعب العملية المتزايدة المتعلقة بالمطالب الهوياتية في مجتمع تطبعه التعددية الثقافية وانفجاز الخصوصيات الحقوقية. ذلك ما أدركه الفيلسوف الأميركي مايكل صاندل الذي يعتبر من أهم قراء رولز ونقاده، وقد أصدر منذ سنوات قريبة كتاباً هاماً بعنوان «استبدادية الاستحقاق»، بيَّن فيه أن عدالة الحقوق والمساواة الأصلية تؤدي في نهاية المطاف إلى أبشع أنواع الغبن والإقصاء، بما يفسر صعود التيارات الشعبوية المتطرفة التي ترفع مطالب المجموعات الواسعة التي ألغتها النظم الحقوقية المجردة والمثالية. ومن هنا ضرورة اعتماد مفهوم تضامني للعدالة، لسد الطريق أمام النزعات الشعبوية التي تتغذى من إشكاليات الاعتراف والمطالب الهوياتية الخصوصية.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن أفكار صاندل تحظى باهتمام واسع من لدن تيار عريض داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، يرى فيها المسلكَ إلى تجديد الأطروحة الليبرالية في ثوابتها التقدمية الحداثية في مواجهة النزعات القومية المحافظة.

من الواضح إذن إن الصراع السياسي المحتدم راهناً في الساحة الأميركية يتمحور حول الإرث الليبرالي، الذي يرى البعضُ أنه لا بد من تجاوزه من منطلق الديمقراطية القومية المحافظة، ويرى البعض الآخر أنه أفق ثابت لا محيد عنه وإن كان يحتاج إلى المراجعة الدائمة والتجديد المستمر. ومن الواضح أن الانتخابات الأميركية القادمة ستكون مناسبة كبرى لتصادم هذين الخطين المتمايزين.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 28 يوليو 2024 23:45  

يختلف بعضنا مع بعض في الأمور السياسية والاجتماعية حتى الدينية، لأننا لم نتفق على المصطلح و«اختلاف المصطلح» في اللغة العربية وافر، فحين يغيب فهم مشترك على المصطلح في المناقشة يحدث الاختلاف، والتنافر.

في كتاب قديم (متاح اليوم على الشبكة العالمية مجاناً) أصدرت سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت، كتاباً عام 1979 بعنوان «التفكير السليم والتفكير الأعوج» من تأليف روبرت شاولي، ترجمه إلى العربية شيخ المترجمين حسن سعيد الكرمي، صاحب أشهر برنامج للعربية في وقته بمحطة «بي بي سي العربية»، وهو برنامج «قول على قول»، وهو ضليع في اللغة العربية.

في مقدمته للكتاب مسّ المترجم عصباً لا يقربه كثيرون، وبخاصة المتحمسون للغة العربية، أنها تفتقر للمصطلحات الحديثة، وبرر ذلك بأن العالم الذي تقدم في الدول الصناعية الحديثة ابتكر مصطلحات حديثة في لغاته، بسبب التطور التقني، الذي لم تواكبه اللغة العربية.

رجعت إلى تلك الفكرة الشاملة مؤخراً، حيث شاهدت حواراً في إحدى محطاتنا التلفزيونية اشترك فيه «فقيه» كان وزيراً للأوقاف في إحدى الدول العربية، ولأنه معتاد على «حديث المنابر» أخذ موضوع النقاش لمكان يفضله، وهو أن الإرهابيين اليوم الذين يفجرون تقريباً في كل مكان ليسوا من المسلمين. والتفكير العلمي يقول لنا إننا من أجل حلّ المشكلة، أي مشكلة، يتوجب الاعتراف بها أولاً، ثم البحث عن حلول، أما نفيها فذلك يضفي ضبابية على الحلول المتوخاة.

الحقيقة أن كل المجرمين الذين يفجرون في المسالمين في العواصم الكثيرة في العالم، سواء أكانت عواصم إسلامية أم غير إسلامية هم في الغالب، وليس حصراً، من المسلمين الذين يعتمدون على «نصوص» يجري تفسيرها على هواهم في لبس واضح للمصطلحات التي يتبنونها! مستلة من كتب ألّفت في عهود الظلام.

ذهب الرجل للتدليل على أن «الغرب متعصب» بالقول إن «فرنسا تمنع الحجاب للنساء» في مؤسساتها التعليمية، من أجل أن يأخذ المشاهد إلى الاقتناع أن فرنسا «تعمل على عكس ما تدعي من حريات»، لست هنا للدفاع عن فرنسا أو غيرها في موضوع حقوق الإنسان، فهي كغيرها في الغرب الليبرالي ليست امرأة قيصر!! ما يهمني أن الافتراض الذي أقامه ذلك الشخص، وهو افتراض يقول به كثيرون، ضبابي في «المصطلح نفسه»، والسؤال المنطقي: ما شكل الحجاب الإسلامي؟ من قال إن طريقة الملابس، بالشكل هذا أو ذاك، هي من صلب الإسلام؟ هل الحجاب الإسلامي ما تقوله «طالبان» في أفغانستان إنه ما تلبسه المرأة الطالبانية؟ «أي شبكة على الوجه والجسم» تسدل حتى لا أحد يعرف ما بداخلها، هل هو نفس الحجاب الذي تلبسه المرأة التونسية في لباسها التقليدي مثلاً، أو ما تلبسه الإيرانية أو الإندونيسية أو التركية؟ ملابس المرأة، هي كما الرجل، في الغالب «تراث اجتماعي وتقاليد موروثة، كما أنه أيضاً متغير الشكل» يتطور مع الزمن، ولا يوجد لدينا يقين قاطع أن المرأة في التاريخ الإسلامي كانت مقيدة بنوع واحد من الملابس، بل استخدم المظهر الخارجي في بعض الأوقات كسلاح سياسي، كما حدث آخر أيام حكم الشاه محمد رضا بهلوي في إيران، وقتها كان لبس الحجاب في الغالب صورة احتجاجية على السياسات التي اتبعها الشاه، فقد قرر أشكال الملابس بقوة القانون «أي فرضاً». وفي السنوات القليلة السابقة، أصبح رفض استخدام الحجاب في إيران نوعاً من الاحتجاج السياسي، كما شاهدنا قبل عامين في الأحداث التي تمت بعد مقتل مهسا اميني في عام 2022.

الإسلام الحركي أقنع كثيرات بأن الحجاب من أصول الدين، لسبب سياسي، حيث تعرف الأخت الإخوانية بذلك المظهر، وعندما ينتشر «تُرهب السلطة»، ولأن الثقافة الدينية الحقّة باهتة في عقول الكثرة، فمن السهل أخذ الجمهور إلى مكان له شكل التقوى ومخبر السياسة!

في وقت ليس ببعيد حرم في مصر في بداية القرن الماضي لبس البنطال للرجل، حتى العمل في الصحافة، على أن المظهرين مخالفان للدين! وبيننا اليوم من «يفتي» بأن لبس المرأة للبنطال «محرم» لأنه «لا يستر العورة»!! بل البعض قد لا يعرف أن استخدام المطبعة في العالم الإسلامي قد «حرم» لثلاثة قرون، بعد اختراعها في العالم، أما المذهب الحنفي تاريخياً فهو الوحيد الذي أفتى بعدم حرمة الوضوء من الصنبور، لذلك سميت في مصر «الحنفية»! في حين حرمت مذاهب أخرى ذاك الوضوء، يقول لنا التاريخ إن المماليك في مصر حرموا استخدام البارود، لأنه «بدعة»!

وهكذا في غياب تحديد دقيق للمصطلحات في اللغة، بسبب تجاهل التطور التاريخي، نجد أنفسنا في شقاق وخلاف اجتماعي وسياسي حتى ثقافي محتدم.

آخر الكلام... ملابس البشر أياً كانت مقبولة، من باب الحرية الشخصية، وليس الفرض، ومن غير المعقول عقلاً ربطها بالتراث!!

***

د. محمد الرميحي

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: السبت - 21 مُحرَّم 1446 هـ - 27 يوليو 2024 م

10 سنوات كانت كافية لكي يزلزل تاريخ الفلسفة من أولها الى آخرها

أنْ تصل إلى قمة الشعر كالمتنبي وفيكتور هيغو فهذا شيء مفهوم ومقبول وإن على مضض. أنْ تصل إلى قمة الفكر كديكارت وكانط وهيغل، فهذا شيء مفهوم ومعقول، وإن على مضض أيضاً. أما أنْ تصل إلى قمة الشعر والفكر في آن معاً فهذا شيء ممنوع منعاً باتاً. هذا شيء لا يحتمل ولا يطاق. هل لهذا السبب جُنَّ نيتشه؟ من يعلم؟ أم أنه اقترب من السر الأعظم أكثر مما يجب فعميت عيناه؟

في شهر مايو (أيار) من عام 1879 استقال نيتشه من جامعة بال بسويسرا بسبب أمراضه العديدة المتفاقمة على الرغم من أنه لم يكن قد تجاوز الخامسة والثلاثين عاماً: أي في عز الشباب. وقد اقتنعت الجامعة بظروفه وحيثياته وقبلت بأن تصرف له تقاعداً شهرياً متواضعاً يكفيه لدفع أجرة الغرفة والأكل والشرب وشراء بعض الكتب والمراجع. أما الثياب فلم يكن بحاجة إلا إلى أقل القليل: غيار واحد فقط، طقمان وقميصان. وكفى الله المؤمنين شر القتال. بدءاً من تلك اللحظة أصبح نيتشه شخصاً تائهاً مشرداً على الطرقات والدروب. بدءاً من تلك اللحظة أصبح فيلسوفاً حقيقياً وكاتباً ضخماً لا يُشقُّ له غبار. لقد بقيت له عشر سنوات فقط لكي يعيش حياة الصحو. بعدئذ سوف يقلب في الجهة الأخرى من سفح الجنون. ولكن هذه السنوات العشر كانت كافية لكي يضع مؤلفاته الكبرى التي دوخت العالم منذ مائة وخمسين سنة حتى اليوم. بدءاً من تلك اللحظة أصبح العالم كله بوديانه السحيقة وغاباته العميقة مثل كتاب مفتوح على مصراعيه لكي يتفلسف عليه. هل يمكن أن يمضي نيتشه حياته كلها في إعطاء الدروس الجامعية بأوقات محددة وإكراهات وظيفية مزعجة وتصحيح أوراق الطلاب؟ محال. هذه حياة لا تليق بفيلسوف بركاني زلزالي يكاد يتفجر تفجراً... نقول ذلك، بخاصة أنه كان يكره الفلسفة الجامعية وأستاذ الجامعة ويعدّه «كالحمار» الذي يحمل أثقالاً وأفكاراً جاهزة يكررها على مدار السنوات حتى سن التقاعد. هل هذه حياة؟ هل هذه فلسفة؟ على هذا النحو انطلقت عبقريته وانفتحت طاقاته الإبداعية على مصراعيها. عشر سنوات كانت كافية لكي يزلزل تاريخ الفلسفة من أولها الى آخرها.

كل كتاباتي ليست إلا انتصارات على ذاتي!

هذا ما كان يردده باستمرار. وهي بالفعل انتصارات على المرض والمخاطر والصعوبات. إنها انتصارات على تربيته الأولى بشكل خاص. والأهم من ذلك كله أنها كانت انتصارات على التراث الموروث المتراكم والراسخ في العقليات رسوخ الجبال. هنا تكمن الزلازل النيتشوية. أين أمضى الشهور الأخيرة قبل أن ينفجر عقله كلياً؟ لقد أمضاها في مدينة تورين الإيطالية الجبلية الساحرة وهناك شعر بالارتياح وباسترجاع الصحة والعافية إلى حد ما. لقد استقر فيها خريف عام 1888 وأظهر شهية هائلة للكتابة وتفجرت طاقاته الإبداعية في كل الاتجاهات. وما كان أحد يتوقع أنه سينهار بعد أربعة أشهر فقط، ولا هو كان يتوقع ذلك بطبيعة الحال. ولكن الأشياء كانت تتراكم والانفجار الصاعق قد اقترب. نقول ذلك بخاصة أنه استطاع تأليف 5 كتب متلاحقة في ظرف 5 أشهر فقط. من يستطيع أن يؤلف كتاباً كل شهر؟

فلماذا الإعصار إذن؟ لماذا الانهيار بعد كل هذه الانتصارات التي حققها على ذاته وعلى أمراضه وأوجاعه؟ هل لأنه أنهك نفسه أكثر مما يجب فانفجر عقله في نهاية المطاف من كثرة التعميق والتركيز؟ هل الفلسفة تجنن إذا ما ذهبنا بها إلى نهاياتها، إلى أعماق أعماقها؟ هل يمكن أن ينكشف السر الأعظم لمخلوق على وجه الأرض؟ لا أحد يؤلف 5 كتب في 5 أشهر أو حتى 4. أم هل لأنه قال كل ما يمكن أن يقوله ووصل إلى ذروة الإبداع العبقري ولم يبق له إلا أن ينبطح أرضاً؟ أم هل لأنه كان مصاباً بمرض السفلس (الزهري) الذي اعتراه منذ شبابه الأول في مواخير مدينة كولونيا عام 1966. أم أن تلك الغاوية الحسناء سالومي جننته؟ أم؟ أم؟ أم؟ والله أعلم. البعض يقولون إنه دفع ثمن هجومه الصاعق على المسيحية غالياً. ينبغي ألا ننسى أنها كانت دين آبائه وأجداده، وأن والده كان قساً بروتستانتياً وجده كذلك، وجد جده أيضاً.. إلخ. ومعلوم أن أمه فرانزيسكا جن جنونها عندما سمعت بأنه أصبح ملحداً بعد أن كان مؤمناً متديناً بل وتقي ورع طيلة طفولته وشبابه الأول. فكيف انقلب على كل ذلك؟ كيف انقلب على ذاته وأعماق أعماقه؟ ألم يدفع ثمن هذا الانقلاب باهظاً؟ يحق له بالطبع أن يفكك الأصولية الطائفية والمذهبية الموروثة عن القرون الوسطى. يحق له أن يستأصلها من جذورها كما فعل أستاذه فولتير الذي أهداه أحد كتبه قائلاً: إلى فولتير أحد كبار محرري الروح البشرية. ولكن لا يحق له أن يستأصل العاطفة الدينية ذاتها. لا يحق له أن يستأصل أعظم ما أعطاه الدين المسيحي من قيم أخلاقية تحث على الإحسان والشفقة والرحمة وحب الآخرين (بين قوسين: وهي قيم موجودة في الإسلام أيضاً إذا ما فهمناه بشكل صحيح وليس على طريقة الإخوان المسلمين الذين لا شفقة لديهم ولا رحمة، وإنما فقط طائفيات ومذهبيات وتكفيرات وتفجيرات). لحسن الحظ فإن أمه لم تطلع على كتابه الأخير عن الدين وإلا كانت قد أُصيبت بالسكتة القلبية على الفور.

ما هي العلائم الأولى التي أرهصت بانهياره العقلي؟

تقول لنا الأخبار الموثقة ما فحواه: لقد ظل يكتب بشكل عقلاني متماسك حتى آخر لحظة تقريباً من عام 1888. ولكن بعد ذلك ابتدأت عبارات الجنون تظهر وتختلط بالعبارات العقلية المتماسكة أو التي ما زالت منطقية متماسكة. ابتدأت هذياناته غير المعروفة تظهر رويداً رويداً. ابتدأ يشعر بالبانورايا الجنونية. بموازاة ذلك تضخمت شخصيته وتحولت إلى هذيان كوني. هل هو جنون العظمة؟

بعدئذ في 6 يناير (كانون الثاني) من عام 1889، أي بداية العام الجديد الذي شهد انهياره تلقى البروفيسور الكبير جاكوب بوركهاردت أستاذ نيتشه والجيل كله رسالة هذيانية يقول فيها:

«الشيء الذي يخدش تواضعي وحيائي هو أنني أجسد في شخصي كل الأشخاص العظام الذين ظهروا في التاريخ. لقد شهدت خلال الفترة الأخيرة جنازتي ودفني مرتين في المقبرة»... ما هذا الكلام؟ ما هذا الهذيان؟ ما هذا الجنون؟ من يشهد جنازته ودفنه في المقبرة؟

عندما وصلت هذه الرسالة إلى بروفيسور سويسرا الكبير اتصل فوراً بأقرب صديق عزيز على قلب نيتشه: الدكتور فرانز أوفربيك وسلمه الرسالة قائلاً: لقد حصل شيء ما لنيتشه. حاول أن تفهم. حاول أن تفعل شيئاً. عجل، عجل. وعندئذ هرع الرجل وركب القطار فوراً من سويسرا إلى إيطاليا لكي ينقذ الوضع إذا أمكن. ولكن بعد فوات الأوان.

يقول ما فحواه: عندما دخلت عليه الغرفة وجدته مستلقياً نصف استلقاءة على الأريكة وبيده ورقة مكتوبة. فتقدمت نحوه لكي أسلم عليه ولكن ما إن رآني حتى انتصب فجأة على قدميه وهرع هو نحوي ورمى بنفسه بين أحضاني. لم يقل كلمة واحدة، لم يلفظ عبارة واحدة، فقط كان ينتحب بصوت عال والدموع تنهمر من عينيه مدراراً. وكل أعضاء جسمه كانت تختلج وترتجف وهو يردد كلمة واحدة هي: اسمي فقط. لكأنه يستغيث بي. لم تكن الحساسية البشرية قد انتهت فيه كلياً آنذاك. لم يكن عقله الجبار قد انطفأ كلياً. فيما بعد لم يعد يتذكر إلا أمه وأخته اللتين أشرفتا عليه حتى مات عام 1900. (بين قوسين: انظر صورته مع أمه أكثر من مؤثرة). وفجأة شعرت أخته إليزابيت بأنها تمتلك كنز الكنوز: مؤلفاته العبقرية! فقد راحت تكتسح ألمانيا كلها من أولها إلى آخرها في حين أنه لم يبع منها في حياته أكثر من عشر نسخ. بل وكان ينشرها على حسابه الشخصي على الرغم من فقره وتعتيره. ولكن بعد جنونه بفترة قصيرة ذاع صيته وانطلقت شهرته. ثم راح صوته يخترق كالرعد القاصف السماء المكفهرة للبشرية الأوروبية. وأصبحت كتبه تباع بالملايين. بل وتحول كتابه «هكذا تكلم زرادشت» إلى إنجيل خامس كما يقال. وأقبلت عليه الشبيبة الألمانية تتشرب أفكاره تشرباً. وقد تنبأ هو بذلك عندما قال: «هناك أناس يولدون بعد موتهم. سوف تجيء لحظتي ولكني لن أكون هنا».

رسائل الجنون

سوف أتوقف فقط عند تلك البطاقة التي أرسلها إلى «كوزيما» زوجة صديقه ومعلمه السابق الموسيقار الشهير ريتشارد فاغنر. كل المخاوف والإحراجات التي كانت تمنعه من البوح لها بعواطفه ومشاعره حرره منها الجنون. يبدو أنه كان مولهاً بها منذ زمن طويل عندما كان يزورهم في البيت الريفي ويمضي عدة أيام في ضيافتهم. وحتماً كان يغازلها بشكل خفيف. ولكنه كان حباً عذرياً خالصاً لا تشوبه شائبة.

يقول لها في تلك الرسالة الجنونية:

«حبيبتي الغالية جداً أميرة الأميرات. من الخطأ اعتباري شخصاً عادياً كبقية الناس. لقد عشت طويلاً بين البشر وأعرف كل ما يستطيعون فعله من أسفل شيء إلى أعلى شيء. بين الهنود كنت بوذا بشخصه. وعند الإغريق كنت ديونيسوس. والإسكندر المقدوني وقيصر روما هما من تجلياتي أيضاً. وحتى الشاعر شكسبير واللورد فرانسيس بيكون تجسدا في شخصي. وكنت فولتير ونابليون وربما ريتشارد فاغنر ذاته. لقد تقمصتهم جميعاً.

ولكن هذه المرة أجيء كديونيسوس الظافر الذي سيجعل الأرض كلها كرة من نور وحفلة عيد. السماوات ذاتها أصبحت ترقص وتغني وتطلق الزغاريد ما إن وصلت.. وكنت أيضاً معلقاً على الصليب».

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، يوم: 27 يوليو 2024 م ـ 21 مُحرَّم 1446 هـ

لا يمكن الحديث عن الهوية، من منظور فلسفي، بمعزل عن الإشكالات التي يطرحها خاصة في عالم اليوم، حيث تنبت الهويات المنغلقة فتُفْسِد حيث تَظنُّ الإصلاح.

لكن الحديث الإشكالي لن يصرفنا عن محاولة لتقعيد مفهوم نرى وضوح دلالته، قمينٌ بأن يجعلنا موصولين بتراثنا وشخصيتنا القاعدية، منفتحين على واقعنا وفلسفاته المتعددة، ومن هنا لا يمكن فصل الحديث عن الهوية عن مفهوم الانتماء بتجلياته المختلفة. يتأزم القول في الهوية عندما نرى بأمّ أعيننا كيف يؤدي الاعتقاد بالهوية المتفرّدة إلى إشاعة الكراهية وتفشي العنف وتجاهل الهويات الأخرى التي تحظى عند المنتسبين إليها بالتقدير والاعتبار، حيث يمتنع السّلام لغياب الاعتراف بتعدد الانتماء، فالهويات المنغلقة لا يمكن أن تكون إلا هويات قاتلة بعبارة أمين معلوف، فكيف السّبيلُ إلى الخروج من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن التّفرد إلى التّعدد؟

يحظى مفهوم الهوية بإعجاب الكثيرين باعتباره الوسيلة الوحيدة لخلق اللحمة بين الجماعة الواحدة، ولعل رالف لنتون، وهو يبدع مفهوم «الشّخصية القاعدية»، باعتبارها شخصية اجتماعية ثقافية مشتركة بين مجموع مكونات مجتمع ما يربط بين أفراده نظام مشترك من القيم والمعايير وطرق الاستجابة، لم يكن بعيداً عن مفهوم الهوية الخاصة. فمفهوم «الشخصية القاعدية»، هو مفهوم أنثروبولوجي ثقافي يصف طبيعة المجتمعات وترابطها من خلال نظام موحد من القيم والاستجابات، وكذا مفهوم الهوية.

لا تخطئ النّاظر إلى المجتمع العربي هوية عامة مشتركة بين أفراده، وليس من العيب في شيء أن يفخر الإنسان بهويته، ولكن العيب أن يذهل عن «الشخصيات القاعدية» للآخرين غير معترف بها، مع حرص كبير على تخسيسها وإقصاء أصحابها. عندئذ تصبح الهوية منغلقة وقاتلة للآخر، والقتل ضربان: قتل مادي يُجلّيه هذا العنف الملطخ بالدّماء جراء حقد طائفي مدمر، وقتل رمزي تكشفه هذه الإساءة المقيتة لرموز الأديان جراء سخرية طليقة جارحة. والقتل، بنوعيه، كلما احتد أنتج قتلاً شرساً، إذا لم يكن من العقل عاقل، ولا من القوانين الدولية عاصم.

ومن بلاد الله التي تسعى إلى جعل الهوية متعددة ومنفتحة، وتريد بإصرار أن تتعايش على أرضها جنسيات مختلفة بعقائد ومذاهب وعادات ورموز متعددة، الإمارات العربية المتحدة، التي تقدم نموذجاً لانفتاح الهوية وتعدّدها، إذ في الوقت الذي تسعى فيه إلى تثبيت شخصيتها القاعدية والتّنويه بها، والتّرويج لها، والذّوذ عنها، لا ترى غضاضة في الاعتراف بانتماءات الآخرين، والحرص على وضع الحدود القانونية لصونها، تجسيداً للاحترام المتبادل، وتكريساً للتعاون المشترك البناء. ولا يمكن للدّارس أن يلحظ هذا المعطى الحضاري المهم دون أن تحضر في ذهنه صورة «المعلم الأول» للإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

ومن أراد أن يلمس عن كثب صورة هذا المعلم فلينظرها في عيون عياله الكبار والصغار، ولْيَتحسسها في قلوبهم النّابضة بحبّه، والخفّاقة بشكره لجميل صنيعه بهم بروح الأبوة الخالصة، كما عليه أن يتلمّسها في طبيعة الحياة الإماراتية التي رسّمت معالمها توجيهاتُ وأقاويلُ معلّم الإمارات الأول، والتّي يتقصّاها أبناؤه ومحبّوه من بعده، وهو معطى مهم يدعو الباحثين والدّارسبن إلى تتبّعه في ما خلّف الشيخ زايد من شذرات قولية أو مُصوّرة أو مكتوبة، وللشّذرات عبر التاريخ الثقافي دور كبير في صنع الهويات، التي أرادها الشيخ زايد منفتحة غير منغلقة، متعددة غير متفردة.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 25 يوليو 2024 23:42

رمسيس الثاني ليس فرعون الخروج، وإخناتون ليس النبي موسى، ويويا ليس النبي يوسف.. ولكن الفراعنة كانوا أمّة مؤمنة. حسب مؤرخين جادّين.. لم يكن نبي الله موسى أول من دعا للتوحيد في مصر، فقد كانت عقيدة التوحيد راسخة في مصر قبل قرون عديدة من بعثة نبي الله إبراهيم، فضلاً عن نبي الله موسى، وحسب «عباس محمود العقاد».. فقد قرأ سيدنا إبراهيم صحف النبي إدريس، واطلع على التوحيد المصري وعبادة المصريين لله الخالق الواحد، وكانت ذلك قبل نبوته بعدة عقود.

وقبل أربعة آلاف عام أضاء مصر الحكيم لقمان الذي كان من أبناء الصعيد، وعاش في عهد الأسرة الحادية والعشرين الفرعونية. ثمّة توافق على أن نبي الله إدريس كان من أنبياء المصريين القدماء، وثمّة اختلاف حول ما إذا كان هو نفسه أوزوريس، حيث ينفي علماء التاريخ ذلك الطّرح.

كانت الحضارة الفرعونية المصرية عظيمة إلى الحدّ الذي جعلها موضع حقدٍ وحسدٍ لدى الكثيرين، من مزاعم أفريقية بكونها حضارة سوداء، ومزاعم غربية باعتبارها تمّت بأيدي الآخرين، إلى مزاعم علمية زائفة بأنها بُنيت بأيدي كائنات فضائية، ومزاعم دينية بأنها كانت حضارة وثنية عاشت خارج دائرة الإيمان.

في رسالة للدكتوراه بجامعة القاهرة.. بعنوان «الأخرويات بين الحضارة المصرية القديمة والفكر الإسلامي» يذهب الباحث أسامة زايد إلى أن التحريف في العقيدة - في بعض الأحيان - كان بسبب عبث الكهنة وخلط الدين بالسياسة، ولكن الإيمان كان هو الأساس، ولولا إيمان المصريين بالآخرة، لما وصَلَنا شيء من الآثار والأهرامات الضخمة، التي كان هدفها إيمانياً يقوم على عودة الروح بعد الموت.

ولقد ظهرتْ العديد من الكتابات التوحيدية الخالصة في العصر الحجري الحديث، وتمتلئ الأدبيات المصرية القديمة بالحضّ على قيم الحق والعدل ومكارم الأخلاق. في كتاب نديم السيّار «قدماء المصريين أول الموحدين» وفي كتاب العالم الفرنسي «روبير - جاك تيبو» بعنوان «معجم الأساطير والرموز المصرية»، وفي كتاب «فرانسوا دوما» بعنوان «آلهة مصر»، وفي كتاب رمضان عبده «حضارة مصر القديمة» - وغيرها كثير - تأصيل للعقيدة المصرية القديمة، من الإيمان بالله الواحد، الذي لم يخلقه أحد ولكنه خلق الإنسان والكائنات جميعاً، وهو أزلي أبدي، يرزق الناس لكى يعطوا الآخرين، ويحاسب في الآخرة من فعل خيراً أو شراً.

ويُعد كتاب «الموتى» الشهير باسم «الخروج إلى النهار» أو «إنجيل المصريين» أقدم كتاب في العالم تحدث عن عقيدة التوحيد والبعث والخلود. حسب موقع (بي بي سي)، فقد جاء في تراتيل إخناتون «أيها الإله الذي لا شبيه له، خلقتَ الدنيا كما شئتَ، عندما كنتَ وحدك»، وفي تعاليم بتاح حتب «ليست إرادة هى التي تتحقق بل إرادة الإله».. ويقول جاك تيبو: «قطعاً.. لم يتجه ملوك مصر وشعبها بعبادتهم نحو مجموعة من الآلهة الوثنية، بل عبدوا إلهاً واحداً، خالق الأرض، شكّل خلقه من طين صلصال ومياه النيل، ثم نفث فيه من روحه».

لقد كانت هناك مراحل في ذلك التاريخ الطويل بعيدة عن الإيمان، وقد كان فرعون موسى نموذجاً لذلك، لكنها ليست الخط الرئيسي للتاريخ، بل كان الخط الرئيسي: فراعنة مؤمنون.

***

أحمد المسلماني - كاتب مصري

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 25 يوليو 2024 00:46

الأدب في عيون السلطات السياسية مسألة نخبوية

ملخص

تعمل شرطة أدب محاكم التفتيش الجديدة على فرض تعريف جديد للأدب وإلحاقه بالفقه والشريعة، مع احترامنا لهذين الحقلين المعرفيين، ومن هذا المنطلق فكل كاتب يخرج عن نطاق هذا المفهوم الأخلاقوي الأيديولوجي يعتبر إنساناً غير مرغوب فيه، ولا أخلاقياً وزنديقاً وأن أدبه هو هرطقة ومآله المحرقة.

إن الرقابة المؤسسة والمقننة أهون من الرقابة التي تمارسها الميليشيات الأدبية الهوجاء التي تعرض سجاداتها وألسنتها النارية على مواقع التواصل الاجتماعي، جامعة بين القذف والسبّ والتخوين والتهويد.

من بغداد إلى نواكشوط، تحول كثيرون من القراء العرب والمغاربيين، على قلّتهم، إلى ميليشيات شعبوية أخلاقوية وشبه دينية في مواجهة حق الكتاب في الحرية الخيالية في نصوصهم، وبالأساس ضد الرواية.

والقارئ الجزائري لا يشذّ عن هذه الوضعية الثقافية والكتبية المأزومة.

تجد هذه الظاهرة المَرَضية مرتعها الأيديولوجي المناسب في المدرسة ثم الجامعة وفي كثير من المؤسسات الدينية والثقافية.

إن الأنظمة السياسية الجزائرية المتعاقبة على السلطة منذ الاستقلال، وعلى رغم اختلافاتها النسبية أو الفارقة، وعلى رغم هيمنة الحزب الواحد، ظلت تحتفظ وتحافظ بصورة طبيعية وعفوية على هامش الحرية الخاصة بالإنتاج الأدبي بالعربية والفرنسية على حد سواء.

إن هذا القسط من الحرية المسموح به للأدب، في الكتابة أو في النشر أو في التوزيع أو في الاستيراد، مبرر، إذ إن الأدب في عيون السلطات السياسية مسألة نخبوية، ولكونه يرتبط بنيوياً بالخيال وموجهاً لقلة قليلة، فإنه لا يثير الخوف ولا يخلّ بالنظام.

نادرة هي الكتب الأدبية، رواية أو شعراً، التي تم منعها في الجزائر على مدى 62 عاماً من الاستقلال. من الشاعر جان سيناك إلى الروائي الطاهر وطار مروراً بالطاهر جاووت ومحمد ديب وكاتب ياسين ومولود معمري ومراد بوربون وآسيا جبار ورشيد ميموني وبوعلام صنصال وكمال داود ورشيد بوجدرة...، جميع هؤلاء الكتاب من الروائيين والشعراء نشروا نصوصهم أو بعضها في الجزائر وتم استيراد بعضها الآخر أو إعادة نشرها محلياً وتوزيعها على مكتبات البيع أو مكتبات المطالعة العمومية من دون إقصاء أو تذمر.

ويبدو أن صورة الأدب تظل في عيون الأنظمة السياسية الجزائرية المتعاقبة مرتبطة بفعل التسلية بوصفه (الأدب) يستند في جوهره إلى الخيال البعيد من الواقع، أو يُتصور هكذا، وهو في محصلة الأمر نتاج لغوي ليس من السهل للجميع اقتحام عالمه وفك رموزه.

ويجب الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أن الأنظمة السياسية في الجزائر كانت تضم في أطقمها السياسية والتنفيذية مجموعة من الأسماء المتنفذة التي كانت معروفة بحبها للأدب وبممارستها للكتابة أيضاً، بخاصة في الفترة الممتدة ما بين عام الاستقلال وحتى نهاية السبعينيات، وقد عرفت بمواقفها الإيجابية تجاه الأدب والفن والثقافة بصورة عامة، وهنا يجب التذكير ببعض هذه الأسماء من أمثال مصطفى الأشرف ورضا مالك ومحمد الصديق بن يحيى وبوعلام بسايح وعبدالحميد مهري وعبدالحميد بن هدوقة وعبدالمجيد مزيان وأحمد طالب الإبراهيمي وزهور ونيسي وعبدالحميد أبركان... هؤلاء وغيرهم، وهم في مواقع القرار كانوا يملكون ثقافة أدبية مميزة سمحت لهم بالدفاع عن القضية الأدبية من دون أن تشكل عائقاً أمام سير ماكينة السلطة المركزية التي يدينون بدينها.

أثناء إقامته في الجزائر، كأستاذ للتعليم الثانوي، بمدينة عنابة ما بين 1970-1974، كتب الروائي والقاص حيدر حيدر أشهر وأجرأ رواياته وهي "وليمة لأعشاب البحر"، وفيها يحلل بكثير من الدقة الحياة السياسية في الجزائر بعد 10 أعوام من الاستقلال وينقد ما آلت إليه أحلام الثورة من انهيارات، كل ذلك في أسلوب نقدي ساخر تارة ودرامي تارة أخرى، ووزعت الرواية في الجزائر وقرئت بصورة كبيرة ولا تزال تقرأ حتى الآن من دون أي تحفظ أو منع أو تهويل.

إلا أنه عام 2000 حين أعيد نشر الرواية في القاهرة، قامت القيامة، وخرج طلاب "الأزهر" في تظاهرات منددة بالكاتب وبالرواية، مطالبة بحرق الكتاب وبرأس الروائي بتهمة الإساءة إلى الإسلام، مما اضطر "الأزهر" إلى منعه.

في رواية "اللاز" للطاهر وطار وهي أشهر نصوصه السردية على الإطلاق وأكثرها شهرة التي نشرت عام 1974 في الجزائر، كتبها بهامش كبير من الحرية وشجاعة أدبية مميزة، فبصورة كلاسيكية تستعرض الرواية تفاصيل مشاركة الحزب الشيوعي الجزائري في الحرب التحريرية وخلافاته مع جبهة التحرير الوطني، كل ذلك من خلال شخصية مناضلة حقيقية وتاريخية هي شباح المكي. وللإشارة نشرت الرواية في الجزائر ووزعت في كل البلاد وقرئت على نطاق واسع، نسبة كبيرة منها تعدّ قراءة نضالية!، وقدمت عنها مئات الأطروحات الجامعية وترجمت إلى الفرنسية وقرئت بصورة واسعة من قبل القراء الفرنكوفونيين، ولأن الرواية في تصور النظام السياسي تحيل الخيال المقطوع عن الواقع، فإن الكتاب لم يتعرّض للمنع ولا للتضييق حتى الآن.

ومنذ صعود قوى الإسلام السياسي السلفي العنيف في الجزائر نهاية السبعينيات، بوضع اليد أولاً على المدرسة ثم الجامعة، ارتفعت أصوات متطرفة تنادي بالحد من حرية الخيال، فتراجع التسامح، وشرع بداية في رجم الساحة الأدبية، ومنح الصفويون والأخلاقويون أنفسهم حق المطالبة بصورة واضحة بمنع رواية أو فيلم أو أغنية.

مع بداية الألفية الجديدة، كرّست وسائل التواصل الاجتماعي قيم الكراهية ورفعت من منسوبها ضد حق حرية الخيال في الكتابة الأدبية، وساعد صمت المثقفين والجامعيين في انتشار هذا الزخف الشعبوي ضد الأدب، وأسهم في تعميم ظاهرة النفاق الاجتماعي والسياسي والثقافي في البلاد.

لهذه الميليشيات المعبأة بالتطرف ولقادتهم، وبكل احترام، عليهم قراءة كتاب "حكايات متحررة مغاربية" للكاتبة نورة أسيفال (منشورات المنار 2008)، بطبيعة الحال إذا كانت القراءة هاجسهم، وهو كتاب اشتغلت عليه الكاتبة مدة 20 عاماً، جمعت فيه كثيراً من الحكايات الشعبية التي يتميز فيها الخطاب الشعبي بعفوية وبحرية عالية، وهي حكايات تجاوزت الزمن لتظل خالدة تروى جيلاً بعد جيل، هي حكايات نسوية من عمق تاريخ ثقافتنا الشعبية، جمعتها الكاتبة من منطقة الهضاب العليا، وفيها تروي النساء من دون مانع أو حرج وبلغة واضحة مواضيع متصلة بالجسد والجنس والعلاقات الحميمة والحب. وللإشارة فهذه الحكايات ليست مقصورة على عالم النساء فحسب، بل هي أيضاً متداولة بين الرجال من دون حرج، ولم يشعر يوماً مجتمعنا المنسجم والمتناسق والمسلم في الهضاب العليا بأن إسلامه مهدد أو أن أخلاقه مهدورة أو شرف أبنائه وبناته منتهك.

***

أمين الزاوي

عن موقع إندبندنت عربي، يوم: لخميس 18 يوليو 2024

 

يرى الفيلسوف الفرنسي مايكل فوسل أن الصراع السياسي المحتدم راهناً في الغرب بين الاتجاه الليبرالي والاتجاه القومي المحافظ، يتمحور حول الجبهة المدافعة عن القيم والأخرى المتشبثة بالمبادئ.

والفرق جوهري بين القيم والمبادئ، باعتبار أن الحركية الليبرالية الحديثة قامت على استبدال المعايير الخلقية والتقويمات الجوهرية بأدوات قانونية إجرائية وكونية. والقيم تحيل إلى التقليد الحضاري والموروث الديني، ومن ثم تداخلها مع محددات الهوية والوعي الثقافي، بينما تحيل المبادئ إلى النظم العملية والأحكام الصورية الشكلية التي لا مناص منها في مجتمعات متعددة قيمياً ومجتمعياً.

ومع أن النظام الليبرالي حكم في جل البلدان الغربية منذ القرن الثامن عشر، فإن الجبهة القيمية ظلت حية وفاعلةً في الحقل السياسي، منذ الحركة الرومانسية التي كرست الاهتمامَ بالعالم المعيش والشعور الجمعي، إلى التيارات القومية التي أعطت الأولوية لهوية الأمة على مقاييس العيش المشترك بالمفهوم القانوني الإجرائي. لقد ظل تصور الأمة في التقليد الغربي متأرجحاً بين النظرة العضوية لها من حيث هي وحدة ثقافية تاريخية وشعورية طبيعية على السياسة أن تجسدها في مؤسسات عمومية تترجمها في الواقع، وبين النظرة القانونية التعاقدية التي ترى في الأمة كياناً توافقياً تحكمه مبادئ المواطنة المتساوية والإرادة المشتركة الحرة. ومن المعروف أن هذه البلدان على اختلاف أنظمتها السياسية وتقاليدها القانونية دخلت في مسار العلمنة المجتمعية، الذي يعني أمرين أساسيين مترابطين هما: انحسار الدين في المجال العمومي بحيث لم يعد حاضراً في النظم القانونية والمدنية التي تقوم عليها مؤسسات الدولة، ونضوب منظومة القيم التقليدية التي كانت تحدد سابقاً معاييرَ السلوك الفردي والجماعي.

وفي مثل هذه المجتمعات أصبح الصراع السياسي يتركز حول ضوابط ومتطلبات العدالة التوزيعية في أبعادها الحقوقية والمادية، ولم يعد للقيم دور أساسي في الحقل الأيديولوجي. وهكذا تحولت الحركات اليمينية من خط الدفاع عن الخصوصية القومية إلى مبادئ حقوق الإنسان الكونية ومتطلبات الاندماج الواسع، سواء في الإطار الإقليمي (الاتحاد الأوروبي مثلا) أو في إطار العولمة المتنامية.

وفي ذلك المناخ، قال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران كلمتَه الشهيرة: «إن القومية تعني الحرب»، واعتبر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أن المجموعة الدولية أصبحت حقيقة ناسخة للقوميات والأمم. ومع أن الكاتب الأميركي صمويل هانتغتون تحدث أوانها عن «صدام الحضارات» على أساس تعارض القيم، إلا أن هذه الرؤية بدت غريبة ونشازاً في عالم مندمج، وقلصت هذه السردية من بعد في المجال غير الغربي الذي ما تزال فيه الأنساق الدينية والعقدية حاضرة ومؤثرة. وحتى حروب الإرهاب التي ضربت قلبَ العالم الغربي، نُظر إليها في البداية من زاوية أمنية بحتة، باعتبارها عملية بوليسية لملاحقة مجرمين خارج القانون لا حرب قيم أو حضارات.

لقد تبدلت الصورة نوعياً في السنوات الأخيرة نتيجة لعوامل ثلاثة كبرى هي: واقع التعددية الثقافية الذي أصبح يطبع الدول الليبرالية الغربية مما أعاد طرحَ إشكال الهوية الحضارية والقومية للبلدان التي استقبلت هجراتٍ واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي، وبروز قوى دولية صاعدة تتبنى المرجعيةَ الحضارية والقيمية أفقاً للشرعية والتمدد كما هو حال روسيا والهند وتركيا، وانهيار الأيديولوجيات التاريخانية والتقدمية التي عوّضت في السابق الانتماءات القيمية والحضارية في الغرب الليبرالي. ومن هنا ندرك طبيعة الشعبويات الجديدة في الغرب التي تتبنى بوضوح السردية القيمية والحضارية، بالعودة إلى مرجعية التقليد المسيحي والزمنية الحضارية السحيقة والهوية القومية العضوية.

عندما سئل السياسي القومي اليميني الراديكالي الفرنسي أريك زمور عن الهوية الفرنسية، قال إنها تتحدد وفق ثوابت عرقية وثقافية في مقدمتها النزعة الكاثوليكية، ونمط العيش الخصوصي المتوارث تاريخياً، والقيم الذكورية... معتبِراً -على غرار ساسة عديدين في عموم أوروبا- أن القارة تواجه خطرَ ما سماه «الاستبدال الكبير» الناجم عن الهجرات الخارجية. وبطبيعة الأمر، يعاني الخطاب القيمي الجديد في الغرب من اختلالات كثيرة، باعتباره يتعارض مع جوهر الحداثة الذي يعني الانتقال من نظام الانتماءات الجوهرية الشمولية إلى نظام الحقوق والحريات الكونية كما تحدده اعتبارات العيش المشترك الحر والتضامني. بيد أن ليبرالية المبادئ تواجه مصاعبَ كثيرة ناجمة عن التصدع الاجتماعي المتنامي بين النخب المعولمة التي فقدت مشاعر الانتماء العضوي لمجموعات قومية مدنية خصوصية وبين الجمهور الواسع الذي يستخدم القاموس القيمي والحضاري أداةً للدفاع عن حقوقه ومصالحه باسم شعارات الهوية والسيادة.

***

د. السيد ولد أباه – أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 14 يوليو 2024 23:45

بسبب رفضه مقولة «شعب الله المختار»

كان المجلس الديني اليهودي في مدينة أمستردام بهولندا، قد أصدر فتوى لاهوتية، بتاريخ 27 يوليو (تموز) من عام 1656، تدين سبينوزا إدانة قاطعة مانعة، بحجة الزندقة والكفر، والخروج على عقيدة الطائفة والملة.

وكان مما جاء في النص الحرفي للفتوى: «لقد اطلعنا منذ بعض الوقت على الزندقة الرهيبة والأفعال القبيحة لهذا الشخص المدعو سبينوزا، وقد حاولنا مراراً وتكراراً ردعه عن نهجه المنحرف، ولكن بلا جدوى، ولذلك قرّرنا فصله من أمة إسرائيل، ولعنه دينياً وأبدياً ولاهوتياً بإصدار هذه الفتوى، لعنه الله في الليل، ولعنه الله في النهار، لعنه الله إلى أبد الآبدين، لعنه الله إلى يوم الدين».

ما سبب كل هذه الغضبة الشديدة على المسكين سبينوزا؟ ماذا فعل؟ ما الجريمة التي اقترفها؟ نقول ذلك، خصوصاً أن كل الأخبار تقول بأنه كان تقياً ورِعاً منذ نعومة أظفاره، وكان مثابراً على الصلوات والتعبد في الكنيس اليهودي، بل كان والده يُحضّره لكي يصبح حاخاماً، أي رجل دين.

يبدو أن سبب ابتعاده عن التدين التقليدي الأصولي يعود إلى اطلاعه على الفلسفة الحديثة، أي فلسفة ديكارت، التي كانت رائجة كثيراً في تلك الأيام، كما يعود إلى اختلاطه بالأوساط المسيحية الليبرالية المستنيرة، الخارجة على العقائد اللاهوتية لرجال الدين من يهود ومسيحيين.

ولذلك انقطع عن التردّد على الكنيس اليهودي والطقوس والعبادات بعد سن الثامنة عشرة، لقد أقنعَته الأفكار الحديثة بالتراجع عن التدين التقليدي المجترّ والمكرور والعقيم في نهاية المطاف، لقد حصل له ما يحصل حالياً للعديد من الشباب العرب، الذين يُتاح لهم الاطلاع على الأفكار الحديثة واللغات الأجنبية.

فالطقوس أصبحت مُرهِقة بالنسبة للشباب الصاعد، الذي يبحث عن الخروج من الجو الخانق للقرون الوسطى، هنا تكمن مشكلة سبينوزا بكل بساطة، وهذا ما حصل له بالضبط. لقد أغوته الفلسفة العقلانية، وأبعدته عن التدين التقليدي ورجال الدين في آنٍ معاً، ولذلك لم يَعُد يذهب إلى الكنيس اليهودي في أمستردام لأداء الفرائض والصلوات... وهنا، في هذه القطيعة، يكمن لب الحداثة وجوهرها، هذا لا يعني أنه أصبح ملحداً أو كافراً كما يُشاع، ولكنه لم يَعُد قادراً على التقيد بكل هذه الإكراهات والقيود التي يفرضها رجال الدين.

علاوةً على ذلك فإن المسيحيين الليبراليين، الذين أصبح يعاشرهم ويختلط بهم، تخلَّوا هم أيضاً عن أداء الطقوس المسيحية في الكنيسة، وأصبحوا يعتقدون مثل سبينوزا بأن الإيمان الحقيقي يكمن فقط في المعاملة الطيبة مع الآخرين، واتباع قيم العدل والإحسان والنزاهة والصدق.

هذا هو الدين في نظرهم، هذا هو جوهر الدين، أما التعصب الطائفي والمذهبي، الذي كاد أن يدمر هولندا وكل أوروبا في عصر سبينوزا، فهو عدو الدين بالمعنى الحقيقي للكلمة، وعدو الفلسفة العقلانية، وعدو الإنسانية.

هناك الدين، وهناك الطائفية، وهما شيئان مختلفان تماماً، وهذا ما لا يفهمه الأصوليون وعامة الشعب، لهذا السبب انتفض سبينوزا ضد الكنيس اليهودي، وأعلن العصيان على الحاخامات الكبار، ولهذا السبب فتكوا به فتكاً ذريعاً، عن طريق إصدار هذه الفتوى اللاهوتية التي تكفّره وتزندقه.

ولكن المشكلة ليست هنا، فهذا الشيء كان متوقَّعاً في القرن السابع عشر، حيث كانت الطائفية الأفق الذي لا يمكن تجاوُزه تماماً، كما هو عليه الحال حالياً في العالم العربي، المشكلة هي أن هذه الفتوى التي خلّدتها كتب التاريخ لم تُرفَع عن سبينوزا حتى الآن، أي بعد حوالي الأربعة قرون من إصدارها، فعندما حاول دافيد بن غوريون عام 1953 إزالتها وردّ الاعتبار لسبينوزا، بوصفه أحد عباقرة اليهود الكبار على مدار التاريخ، رفض حاخامات إسرائيل طلبه رفضاً قاطعاً، بل حتى بعض فلاسفة اليهود ومثقّفيهم الكبار رفضوا إعادة الاعتبار له.

نضرب على ذلك مثلاً بالفيلسوف المشهور إميل ليفيناس، صاحب المؤلفات المعدودة، لقد قال لبن غوريون ما معناه: هذا الرجل عدو لليهود، حتى ولو كان من أصل يهودي أباً عن جد، إنه خائن لشعبه وأمّته، إنه خائن لدينه وتراثه، لقد أخضع اليهودية لعدوّها اللدود، أي المسيحية. هذا ما يقوله مثقف طائفي كبير هو إميل ليفيناس، فما بالك برجل الشارع؟

لقد جرت محاولة ثانية عام 2012، أي قبل بضع سنوات، لرفع فتوى التكفير عن سبينوزا، فقد اجتمع بعض عقلاء الطائفة اليهودية في مدينة أمستردام، وطلبوا رسمياً من السلطات الحاخامية الكهنوتية إزالة هذه الفتوى، قائلين: والله عيب! لقد مرّت حوالي الأربعمائة سنة على هذه القصة، أما آنَ الأوان لأن تُزال هذه اللعنة عن سبينوزا؟! فاجتمع الحاخامات الكبار في هولندا، وتشاوروا في الأمر على مدار سنة كاملة، فماذا كانت النتيجة؟ الرفض القاطع أيضاً. قالوا: لا، لا نستطيع إزالة هذه الفتوى عنه، ولا نستطيع أن نَعدّه يهودياً حقيقياً؛ لأنه كان مارقاً زنديقاً كافراً بثوابت العقيدة والدين، وأكبر دليل على ذلك أنه هو شخصياً لم يطلب من السلطات الدينية في عصره رفع الفتوى عنه، ولا ردّ الاعتبار له، ولم يهتم بالأمر على الإطلاق، ولم يقدّم التوبة عما فعل، ولم يطلب الصفح والغفران من الكنيس اليهودي، بل ربما كان يعدّ الفتوى التكفيرية هذه بمثابة وسام على صدره، ومفخرة كبيرة له، وبالتالي فلا نستطيع أن نفعل له شيئاً؛ لأننا إذا ما رفعنا الفتوى التكفيرية عنه، فهذا يعني أننا وافقناه على زندقته وكفره بعقائد الملة.

كيف نفسّر ملابسات كل هذه القضية التي شغلت اليهود على مدار القرون دون أي حلّ؟ كيف يمكن أن نفسّر في العمق موقف سبينوزا؟ يمكن أن نقول ما يلي: بما أن سبينوزا كان ينتمي إلى أقلّية محتقَرة ومضطهَدة على مدار التاريخ، فإن الحل الوحيد بالنسبة له كان الانصهار في المجتمع المسيحي كلياً، أي أغلبية الشعب.

نقول ذلك، وخصوصاً أن الأفكار التنويرية الجديدة كانت قد أخذت تنتشر بسرعة في هولندا آنذاك، وبالتالي فإن الانغلاق داخل جدران الطائفة ليس هو الحل، الحل الوحيد بالنسبة له هو الخروج كلياً من الانغلاقات الطائفية، الحل الوحيد هو اعتناق الفلسفة العقلانية الديكارتية، التي كانت واعدة بالمستقبل.

نحن نقول الآن: كانت تمشي ضمن اتجاه حركة التاريخ... بمعنى آخر فإن الحل الوحيد بالنسبة لسبينوزا كان يكمن في التخلّي كلياً عن التدين الطائفي السائد، نقول ذلك خصوصاً أنه هو الذي مزّق أوروبا ودمّرها بسبب الحروب الكاثوليكية - البروتستانتية التي لم تُبقِ ولم تَذَر.

كان سبينوزا يقول ما معناه: التدين الحقيقي هو أن نحب الله فكرياً وفلسفياً وعقلانياً، دون أي هيجانات طائفية، أو تعصب أعمى. ثم يُردِف: التدين الحقيقي هو اتّباع مكارم الأخلاق، أي ممارسة الفضيلة والنزاهة والصدق والعدل والإحسان، بقدر الإمكان طبعاً، ليست لدينا أوهام حول الموضوع، الناس ليسوا ملائكة، الإنسان ضعيف أمام الإغراءات والشهوات والانحرافات.

علاوةً على كل ذلك فإن سبب غضب حاخامات أمستردام على سبينوزا، هو أنه أنكر صحة بعض العقائد اليهودية الأساسية، وفي طليعتها: مقولة «شعب الله المختار»، فقد رفضها رفضاً قاطعاً، يقول بالحرف الواحد: «عندما ننظر إلى الشخص اليهودي بحدّ ذاته، فإننا لا نجد أنه يتمتع بميزات خارقة تضعه فوق بقية البشر، وبالتالي فلا يوجد أي فرق بين اليهود والأغيار، كلهم بشر، ومتساوون في البشرية والإنسانية».

بمعنى أنه يوجد في اليهود الأخيار والأشرار، الصالحون والفاسدون، تماماً كما لدى بقية البشر، وبالتالي فبأي حق نعتبرهم شعب الله المختار؟ هذه مقولة لاهوتية أصولية، وليست مقولة عقلانية منطقية. ثم يضيف سبينوزا هذه العبارة الخارقة التي جنّنت حاخامات هولندا: «لم يتفوق العبرانيون على بقية الشعوب، لا بالعلم، ولا بالنزاهة، ولا بالورع والتقوى»!

ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني ما يلي: لقد دشّن سبينوزا في عصره المثال الأعلى على المثقف الحديث اللاطائفي، أي المثقف الذي لا ينتمي إلى أي طائفة، ما عدا طائفة الفلسفة التنويرية وعشاق الحقيقة.

والآن دعونا نستجوب أحد كبار فلاسفة فرنسا المعاصرين بخصوص سبينوزا، عنيت آلان باديو، ما رأيه بهذا الفيلسوف المارق الزنديق؟ إنه مُعجَب به كل الإعجاب، إنه يقول حرفياً: لقد كان سبينوزا يهودياً متحرراً من كل القيود الدينية واللاهوتية والطائفية، لقد كان يهودياً حراً، ولذلك لا يمكن أن يفهمه المثقفون الطائفيون المنغلقون داخل جدران طائفتهم ومذهبهم، بينه وبينهم سنوات ضوئية، لقد كان سبينوزا يهودياً حراً، أو بالأحرى إنساناً حراً، نقطة على السطر.

ولكن بعض المثقفين الفرنسيين الحاليين، من أمثال جان كلود ميلنر، يعتبرونه عدواً لذاته، أي لليهود، فما رأيك؟

على هذا السؤال يجيب آلان باديو قائلاً: بهذا المعنى فأنا أيضاً عدو لذاتي، وعدو لفرنسا، على الرغم من أني فرنسي أباً عن جد منذ آلاف السنين، وذلك لأني أنتقد بشدة العنصرية الفرنسية تجاه المهاجرين والعمال المغتربين بشكل عام، هؤلاء الناس الذين يتّهمون سبينوزا ويلاحقونه بشراسة أشخاص ضيّقو العقول، إنهم لا يفهمون أنه توجد قيم كونية تتجاوز الطائفية والعنصرية كلياً.

هذه القيم الكونية التنويرية هي التي دشّنها سبينوزا في القرن السابع عشر، ثم مشى على خطاها كل فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، من فولتير إلى كانط إلى هيغل... إلخ، ثم تجسّدت هذه القيم الكونية المضادة للطائفية والعنصرية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي أعلنته الثورة الفرنسية عام 1789.

وأخيراً يضيف الفيلسوف الكبير آلان باديو هذه العبارة: هؤلاء الناس الانغلاقيون المتعصبون يريدون أن يقضوا على فكرة اليهودي الحر المستنير، ولكن لحسن الحظ فإنه يوجد في عالمنا اليوم عدد كبير لا يُحصَى من اليهود الأحرار المستنيرين.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 14 يوليو 2024 م ـ 08 مُحرَّم 1446 هـ

ينشغل العالم اليوم بثورات وسائل الاتصال التي تغير العالم وطبيعة الإنسان، واستطراداً العلاقات الدولية. وفي كتابه الأخير عن عصر الثورات (بين السادس عشر والحادي والعشرين) يدرس أو يستعرض فريد زكريا، المفكر الأميركي من أصل هندي، المتغيرات الكبيرة التي أنتجت الحداثة التي ما عاد الإنسان سيداً فيها أو أنّ الوقائع ذاتها هي التي تحدد للإنسان ما يفكر فيه أو يقرر، حتى إذا ما أهمل أو تقاعس توالت الأحداث عليه وعلى غيره. وهو عندما يفعل لا يعرف بالتأكيد ما إذا كانت الآثار ناجمةً عن فعله هو بالذات.

يعتبر زكريا أنّ هولندا في القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية في أواخر الثامن عشر، هما اللتان أنتجتا بشكلٍ مباشر وغير مباشر الأزمنة الحديثة. فهولندا الصغيرة اقترنت في تطورها المتسارع ثلاث ظواهر: الإدارة الداخلية غير البيروقراطية، وأفكار جديدة بشأن التجارة البحرية، وقرن التجارة بالقوة مما خلق تقاليد جديدة سرعان ما سارت فيها سائر القوى الأوروبية.

أما الثورة الفرنسية فشرعنت للعنف الداخلي المدمر الذي لا تعلّله الصراعات على السلطة السياسية وحدها، وبقيت آثاره حتى القرن العشرين. أما الثورة الثالثة ولا شك فهي الثورة الصناعية في إنجلترا والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وهي التي غيّرت الدواخل في العمل والإنتاج، وأطلقت موجة استعمار العالم التي غيّرت العلاقات الدولية تغييرات هائلة. لقد بدت تطورات وترتيبات القوانين والأعراف الدولية ناجمةً عن ضرورات تنظيم العلاقات بين دول الاستعمار لكي تقلّ الحروب، ثم اتخذت تلك التطورات طابعاً إنسانياً فيما بعد.

لقد كان يمكن الحديث عن الحربين العالميتين باعتبارهما ضمن مؤثرات الحداثة وتطوراتها. بيد أن فريد زكريا يرى أن تطورات القرن التاسع عشر لجهة الثورة الصناعية ولجهة استعمار العالم وصنع نظام العيش فيه، هي المتغير الأكبر في تلك الحقبة. لذا فإنّ الثورة الحقيقية هي ما يجري في العقود الأربعة الأخيرة حيث تنقض متغيرات وسائل الاتصال والعقول الإلكترونية وكل التقنيات التي تتوالى من دون انقطاع، كل الاستقرار الذي جرى اصطناعه في القرن العشرين: لجهة نظام العيش، ولجهة العلاقات الدولية، وصولاً إلى التغيير في طبيعة الإنسان أو اكتشاف أبعاد جديدة لتلك الطبيعة تبدو بمثابة نقضٍ لها. من أين تأتي التطورات السلبية الكبيرة في العلاقات الدولية، قبل الحديث عن الثورات في عوالم الطبيعة الإنسانية؟ في الأصل هو الصراع على الموارد والمجالات الاستراتيجية.

إنما الفرق أنّ المرجعية لمعالجة آثار هذا التنافس اختلّت بحيث ما عاد أحد من القوى الكبرى والوسطى وحتى الصغرى راضياً بالانخراط في آلياتها. فالأميركيون وأنصارهم يعتبرون النظام السائد مثالياً رغم كثرة خروجهم عليه، أما الطرف الآخر فيعتبر النظام ظالماً ثم صار فاسداً أيضاً!

ويبقى الطرف الثالث في دول الجنوب الذي يزداد اضطرابه تحت وقع التنافس بين الدول الكبرى والذي يتجلى في حروب مباشرة وأخرى بالواسطة. هل تتزامن أو تقترن التطورات؟ يساور المؤلّف زكريا قلق شديد في المجالين، مجال ثورات الاتصال، ومجال اضطراب العلاقات الدولية. إنه وغيره هم مفكرو «ما بعد عالم أميركا»! وهم يتصورونه عالماً شديد الاضطراب، وهو ينال أول ما ينال من الاستقرار النسبي لعالم الجنوب. وكل الأميركيين وبعض الأوروبيين مرعوبون تارةً لتراجع السطوة الأميركية، وطوراً لأن الآسيويين صاعدون من دون توقف بعد أن أتقنوا العلوم الغربية وراحوا يطالبون بنصيبٍ أكبر في صنع سياسات العالم ومصائره.

***

د. رضوان السيد

13 يوليو 2024 23:45

 

الموسيقى ليست فكرة، أو دعوة، أو رسالة، وإنما حيلة حسّية، عمقها في اعتباطية دلالتها، وهي ليست دلالة حتى نحكّمها إلى الفهم، من هنا يكون التأثير الفلسفي على الموسيقى ليس تأثيراً في جوهر المجال وإنما بالإيحاء إلى تماسّ المنتج للموسيقى مع المنجزات الفلسفية القائمة.

بقيت «الموسيقى الكلاسيكية» ضمن التهم الطبقية مع صعود الماركسية، وانتهتْ لأن تكون وجبة شعبية تعمل في المحالّ وأماكن الترفيه. حمّلت الموسيقى خطأ الأفكار، وباتت مشجباً لانهيار النظريات الكبرى في القرون الثلاثة المشار إليها في بدء المقال. كتب «إيفانجليوس موتسوبولوس» بحثاً عن «الميتافيزقيا والموسيقى»، وهو بحثٌ بدأ من فرضية كون الموسيقى دلالة، إذ رأى في ختام بحثه «أن الموسيقى كبقية النشاطات الفنية، تعبّر ولكن بقوة أشد عن التساؤل الميتافيزيقي، وذلك من خلال مضاعفته على طريقتها»، وهو يستمد دلاليّة الموسيقى من أسسٍ أفلاطونية تربط الموسيقى بالكون، غير أن الموسيقى براءة مستمرة، وفطريّتها لا تكدّرها دلاء النظريات المرهقة التي تستعمل الموسيقى دينياً ونضالياً أو دلالياً.

الموسيقى بقيت متمسّكة باستقلاليتها، وتأثّرها بالفضاءات الفلسفية، ليس تأثراً دلالياً وإنما هو التأثير الذي يمنح الموسيقى قدرتها على الممانعة ضد تدجينها، سواء ضمن «الاتهام الشيوعي» أو أي ادعاءات أخرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد.

لم تكن الفنون منعزلةً عن حلقات النقاش أو صرعات النظرية أو غليان التأويل، كانت حاضرةً ومحايثةً، بل سابقةً في كثير من الأحايين، وآية ذلك أن الموسيقى ارتبطت بالتحولات البشرية، فهي تتفاعل مع المحيط وتأخذ منه وتعطيه، ذلك أن الفنون إجمالاً، والموسيقى تحديداً، لا تلبث أن تخاتل النظرية. ولو تأملنا في سير الحضارات وشرر النظريات لوجدنا أن الموسيقى إما أن تسبق التحول، وإما أن تحايثه، وإما أن تتبعه، فهي منفعلة بالتحول وفاعلة له، والأمم التي تأسست تحولاتها ضمن فضاء الموسيقى استطاعت أن تفتتح مشروعاً أبدياً لتأميم الموسيقى وجعلها لغة سائدةً بين المجتمعات، من هنا يكون العالم عبثاً من دون موسيقى أو غلطة كما يكتب «نيتشه».

يشكو الراحل الكبير فؤاد زكريا من عدم وجود موسيقى عربية بينما غرقنا بـ«الأغنية» العربية، والأغنية لا ترتبط بالفضاء الموسيقي بالمعنى الرحب، بل تتحول الأصوات إلى جيشٍ من الخدم للكلمات، من هنا صارت حتى موسيقانا شعرية، طغت الأغنية على الموسيقى في الحال العربية، والموسيقيون العرب هم بمعنًى ما جزء من حال «الشعرنة»، إذ يرتبطون بالألحان والكلمات غير أن نماذج التكوين الموسيقي على الطراز الأوروبي أو الروسي لم يكن سائداً عربياً، ذلك أن الفضاء الموسيقي فضاء شعري وكلاميّ، من هنا يأتي النقص في القدرة الموسيقية العربية على مستوى التأليف الرحب، ليطغى التكوين الشعري أو تحويل صراعات الموسيقى لتكون خادمةً للأشعار ومن ثمّ تخلق الأغنية.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 9 يوليو 2024 00:27

كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو قد اعتبر، في كتابه «الكلمات والأشياء»، أن مفهوم الإنسان دخل إلى الفكر الغربي خلال القرن الثامن عشر في سياق فلسفات التنوير التي كرست لأول مرة المنظورَ الإنتربولوجي الحديث، قبل أن «يموت الإنسان» ويخرج كلياً من حقل الدراسات الإنسانية.

وفي كتابه الجديد الصادر بالفرنسية تحت عنوان «مجيء الإنسان في الإسلام واختفاؤه.. من أثينا إلى بغداد»، يذهب هواري التواتي إلى أطروحة مغايرة، معتبراً أن النزعة الإنسانية لم تكن اكتشافاً أوروبياً في نهاية القرن الثامن عشر، بل تعود إلى العصر اليوناني مع أفلاطون ومن بعده التقليد الفلسفي والكلامي الإسلامي.

وفي محاورة «ألسيياد»، يتحدث أفلاطون عن معرفة الإنسان لذاته شرطاً لممارسة السياسة وبلوغ العدالة، وهي مقاربة شغلت فلاسفة الإسلام ومفكريه في العصور الوسيطة، كما بين محمد أركون في كتابه الشهير حول «النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري». ما يوضحه التواتي هو أن «علم الإنسان» تحول في التقليد الإسلامي الوسيط إلى نمط من الممارسة المعرفية المستقلة، حتى ولو كان في الأصل امتداداً للعلم الإلهي. والأمر هنا يتعلق بتحول إنتروبولوجي نوعي، يتجسد في كون الإنسان لم يعد يحدد بالامتثال للمعايير الأخلاقية المطلقة التي يضعها الشرع، بل بكونه فرداً عاقلاً وقادراً بنفسه على التمييز بين الخير والشر، ومؤهَّلا بذاته لتعيين منزلته المتميزة عن نظام الطبيعة.

وقد ظهر هذا التوجهُ مبكراً لدى الفلاسفة من طينة الفارابي وابن سينا في تفكيرهم الأخلاقي المتمحور حول السعادة والفضيلة والتدبير العقلي للوجود في أبعاده الأخلاقية والمدنية. لكنه ظهر أيضاً في المباحث الكلامية، وبصفة خاصة لدى المعتزلة في قولهم بالتحسين العقلي وبنظرية الطبائع حيث يقول الجاحظ مثلاً إن «المعارف تحصل بطبع المحل عند النظر، وإن أفعال العباد كلها طبيعية لا كسب فيها». بيد أن التواتي يرى أن الإنسان اختفى في التقليد الأشعري الذي يرى أنه ألغى التعريف الطبيعي العقلاني للإنسان، معتبراً أن الإنسان ليس سوى البنية الخاصة للجسم، وبالتالي ليس له جوهر نفسي أو روحي، بما يبطل كل دلالة فعلية للإرادة البشرية الحرة والمستقلة.

ومن ثم لا معنى لأي علم طبيعي للإنسان، لكونه فاقداً لأي وحدة داخلية. لا شك في أن أطروحة التواتي مهمة وتستحق المتابعة، وقد وُفِّقت في رصد تشكل النزعة الإنسانية في التقليد الإسلامي الوسيط، في امتدادٍ للفكر اليوناني الذي انتقل مع أفلاطون من محورية الطبيعة إلى محورية الإنسان. وقد يكون فوكو نفسه انتبه إلى هذه الإشكالية في أعماله الأخيرة حول «الاهتمام بالذات»، والتي تركزت حول أخلاقيات الرغبة في العصر اليوناني الكلاسيكي.

إلا أن الاختلاف الحقيقي مع أطروحة التواتي يتعلق بقراءته للأشعرية التي اعتبر أنها في نزعتها الطبيعية الحسية ألغت المسألةَ الإنسانية التي برزت في الفكر الاعتزالي. ما نريد أن نبيّنه هو أن الخطوة الأشعرية الكبرى تتمثل في الانتقال من النظرة الكيفية المعيارية للطبيعة إلى التصور الرياضي الكمي الذي يلغي كل المضامين الجوهرانية الأنطولوجية في الكوسموس المادي.

وما تؤسس له هذه القطيعة هو النظرة الغرائزية النفسية للإنسان من حيث هو كائن تحركه نوازع وأهواء دافعة ليس العقل سوى أحد مكوناتها الفاعلة. ولا يختلف هذا التصور الأشعري في جوهره عن فلسفات العصر الأوروبي الحديث في فهمها الجديد للعقل الذاتي لا بصفته جوهراً وجودياً أو قوةً ناطقةً للنفس، بل من حيث هو إرادة مستقلة عن الطبيعة قادرة على السيطرة عليها والتحكم فيها.

لقد كُتب الكثير عن «الكسب الأشعري» الذي اعتُبر تكريساً للعقلية الجبرية ونفي الحرية الإنسانية، لكن الصحيح هو أنه بإلغائه أطروحةَ النظام الضروري للطبيعة وتأكيده المشيئة الإلهية المطلقة، حرَّر الفعلَ الإنساني مِن إكراهات الطبيعة التي قيدت الإرادتين الإلهية والبشرية معاً في المنظومة الاعتزالية.

ليس الغرض هنا حسم الجدل الكلامي القديم حول خلق الأفعال، من حيث كونه جدلاً لسنا طرفاً فيه ولا معنيين به الآن هنا، بل التنبيه إلى أحد الاختلالات السائدة في الفكر العربي المعاصر في نظرته الزائفة حول العقلانية الاعتزالية وما يزعم لها من مضامين ليبرالية إنسانية. خلاصة الأمر، أن النزعة الإنسانية تنتمي إلى تراث التنوير والتحديث الأوروبيين، لكن التقليد الكلامي الإسلامي لم يكن عائقاً دونها، وفي الأطروحة الأشعرية على الخصوص ما يمكن اعتباره من الإرهاصات الممهدة لها.

***

د. السيد ولد أباه

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 7 يوليو 2024 23:45

تبادل العراقيون، الشهر الماضي، صوراً لتمثال محطّم ملقى على الأرض، قيل إنَّه للفنان جواد سليم. وجواد هو رائد فن النحت في العراق الحديث. ترك لنا جدارية صارت رمزاً لبغداد. نصب الحريّة. أزيح الستار عنها في مثل هذه الأيام من يوليو (تموز) قبل 63 عاماً. وتموز الذي «يغلي فيه الماء في الكوز» هو شهر الثورات للعراقيين. شعب يغلي دمُه حين يُساء إلى رمز من رموزه الثقافية. وحين تمعن النوازعُ الطائفيةُ في التخريب فإنَّ الأمل يبقى معلقاً بأهداب الإبداع. لن يجمعنا سوى القصيدة والأغنية واللوحة والآثار الخالدة.

تروي الرسامة البريطانية لورنا هيلز، زوجة جواد سليم ووالدة ابنتيه مريم وزينب، أنها في تموز 1958 كانت تمضي إجازة هادئة مع طفلتيها في ويلز، صحبة والديها، بينما بقي زوجها في بغداد لارتباطه بأعمال مختلفة. وصباح الخامس عشر من ذلك الشهر نزل أبوها لشراء الصحف وعاد مسرعاً ليقول: «لقد قتلوا مَلِكَكم». أمضت الأسرة ما تبقى من العطلة في متابعة الأخبار الآتية من بغداد. إلى أن جاءت برقية من جواد يطمئنها إلى أنه بخير.

بعد عودتها تلقى جواد طلباً، عن طريق صديقه المعمار رفعة الجادرجي، لعمل منحوتة كبيرة عن الثورة التي قلبت نظام الحكم الملكيّ إلى جمهوريّ. كان عليه أن يُنجز تصميماً مُصغّراً للعمل، وأن يسافر إلى فلورنسا في إيطاليا لاستكمال المنحوتات وصبّها في قوالب من البرونز. أرادوها جاهزةً في العيد الأول للثورة. مهلة وجيزة ومهمة مستحيلة. خصصوا له ثلاثة آلاف دينار. والسفارة في روما تطالبه بقوائم الصرف وهو فنان لا يفقه في الحسابات. زاد عليه الضغط فانفلتت أعصابه.

كان يتوتّر ويمضي الليالي يذرع الشقة ذهاباً وإياباً، يتخيّل أن هناك من يراقبه ويتآمر عليه لمنعه من إنجاز النصب. بل إن هناك من يُدبّر لاغتياله. وقد اضطرت زوجته إلى نقله إلى المستشفى. قدموا له العلاج وتعافى بعد أسبوع. لكنها فوجئت بأنهم يرفضون إطلاق سراحه. يمنع القانون الإيطاليّ نزلاء المصحات النفسية من المغادرة قبل مرور ثلاثة أشهر على دخولهم.

في مثل ذلك المخاض ولدت المنحوتات الأربع عشرة المعلّقة على الجدارية الشهيرة في ساحة التحرير. وفي تموز 1961، جرى افتتاح النصب دون أن يكون صاحبه بين المحتفلين. أزمة قلبية أسكتت نبض جواد وهو بحدود الأربعين. وذهبت لورنا للوقوف، مرتعشة خاشعة، أمام نصب الحريّة. تتأمل الصرح البديع بعينيها وبعيني جواد.

ثم جاء يوم رهيب وقفت فيه دبابة أميركية تحت نصب الحرية. ويدور بين حين وآخر كلام عن محاولات لهدمه والعبث به. ماذا يقلقهم فيه؟ يقول شاعرنا بدر شاكر السيّاب:

ونحنُ في بغدادَ من طينِ... يَعْجنهُ الخزّافُ تمثالا... دنيا كأحلامِ المجانينِ... ونحنُ ألوانٌ على لُجّها المُرتجّ ... أشلاءً وأوصالا.

***

إنعام كجه جي

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأحد - 01 مُحرَّم 1446 هـ - 7 يوليو 2024 م

 

يقول كأنما في دماغي جزآن أحدهما علم في خدمة المؤسسة والآخر ناقد لها

قُوبلت الأنباء التي تم تداولها عن نقل البروفيسور إفرام نعوم تشومسكي إلى المستشفى في ساوباولو (البرازيل)، بينما كان يتعافى من إصابته بجلطة دماغيّة شديدة أُصيب بها العام الماضي، بسيل من المقالات الصحافية العاجلة التي تحاول تقديم سيرة ذاتية لهذا المفكّر واللغوي والناشط السياسي اليهودي الأميركيّ.

لكن الحقيقة أن كثيراً مما كُتب في الصحف والمواقع الإلكترونية قصر عن رسم صورة وافية لهذه الشخصيّة، ليس فقط بسبب تعدّد فضاءات انشغاله بين النشاط السياسيّ، والبحث الأكاديمي، والكتابة في السياسة والحروب والإعلام، ولكن أيضاً لصعوبة تفسير مواقفه أحياناً في واحد من هذه الفضاءات بالمقارنة مع التوقّعات منه في الفضاء الآخر، ولأن كثيرين - من منطلقات متباينة – منَحوه مكانةً خاصةً رفيعة أكبر من حياة البشر في مجالات علميّة، وفكرية، وسياسيّة عدّة، حتى ليظن المرء أنّه يقرأ عن عدّة شخصيات تحمل اسماً واحداً؛ حيث هو الأكاديمي النجم الذي قضى سحابة عمره في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أقرب الجامعات الأميركية إلى البنتاغون (وزارة الدّفاع الأميركية)، ولكنه في ذات الآن أبرز المثقفين الأميركيين الناقدين للإمبريالية، ولخطاب السلطة، وللحرب، والرأسمالية النيوليبرالية، وهو أمر أقرّ به تشومسكي نفسه فقال: «كأنّ في دماغي جزأين؛ أحدهما علم محض في خدمة المؤسسة، والآخر نشاط سياسي ناقد له»، معترفاً بأن لا تواصُل ممكناً بين تشومسكي العالِم وتشومسكي الناشط السياسي.

ولعل مَردّ هذا الانفصام بين عديد الشخصيات العميقة والثرية لتشومسكي متأتٍّ من تجارب حياة مديدة متعدّدة المراحل بدأت من بنسلفانيا، حيث وُلد في 1928 لعائلة مهاجرة من اليهود الأشكناز (والده أوكرانيّ، ووالدته بيلاروسيّة بمقاييس اليوم).

كان والده باحثاً وأكاديمياً في العلوم العبرانية، يعمل لساعات طويلة بأجر قليل، بينما تُدرّس والدته للصغار في كنيس يهودي، لكن تأثير عمّه الناشط اليساري عليه كان أعمق فيما يبدو؛ إذ كثيراً ما تردّد على مجلسه عندما يجتمع عنده ناشطو اليسار اليهود من الطبقة العاملة لمناقشة الأمور المُلحّة في ذلك الوقت، فكان يستمع ويتأثر، ويتشكّل وعيه السياسيّ الأوّلي، فكانت إحدى اللحظات المبكرة التي علِقت بذاكرته من تلك الفترة مشهد رجال الأمن وهم ينهالون ضرباً على النساء المُضرِبات عن العمل خارج مصنع للنسيج خلال فترة الكساد الكبير، فانتهى إلى تبنّي وجهات نظر اليسار الفوضوي.

كان تشومسكي الصغير محظوظاً لأنه أُرسل لتلقّي علومه الأساسيّة بمدرسة رائدة تأسّست على مبادئ المصلح التربوي والفيلسوف البراغماتي الأميركي جون ديوي، وسعت لجعل التعليم تجريبياً، والمعرفة اكتشافاً بدلاً من التلقين، فأبدع وتفتّحت مداركه، فقُبل وهو لمّا يزال في السادسة عشرة من عمره بجامعة بنسلفانيا المرموقة لدراسة الفلسفة والمنطق واللغات.

كان تشومسكي وقتها قريباً من الأفكار الصهيونية الطوباوية التي انتشرت بين اليساريين اليهود، وكاد يترك دراسته الجامعية للتطوع في كيبوتس يهوديّ في الأراضي الفلسطينية، لكنّه لم يحب أجواء الحماسة القوميّة هناك، ودفعه إعجابه حينئذ باللغوي وعالم الرياضيات زيليج هاريس إلى الانصراف بكليّته إلى اللسانيات، ليحصّل فيها درجات البكالوريوس والماجستير، ويحوز بعدها على الدكتوراه بأطروحة أصبحت أساس أول كتبه المنشورة «الهياكل النحويّة - 1957».

من هذا الكتاب تحديداً بدأت، وفق أنصار تشومسكي في فضاء اللغويات، ثورة معرفية؛ إذ قبله كانت اللغة والكلام مفهومَين على نطاق واسع على أنهما سلوك بشري مكتسَب، حيث كانت المدرسة السلوكيّة التي أطلقها الروسي الحائز على جائزة نوبل، إيفان بافلوف، سائدة خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وجعل منها البروفيسور بورهوس فريدريك سكينر، الكاهن الأكبر لمختبرات جامعة هارفارد، النموذجَ القياسي المهيمن في علم النفس بالولايات المتحدة.

وعَدّت السلوكية أن أدمغة البشر تبدأ صفحةً بيضاء ثم تتطوّر وفق المعطيات البيئية، ولذلك فإن تعليم اللغة للأطفال يتم بخطوات صغيرة متدرّجة، وبتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، فإن هم أصابوا يجب الثناء عليهم، وإن وقعوا في الخطأ ينبغي تصحيحهم.

مضى تشومسكي في كتابه إلى تحدّي هذا التصور، مشيراً إلى السرعة المثيرة للدهشة التي يتعلّم بها الصغار الكلام بمجرد الاستماع إلى البالغين والأطفال الآخرين وتقليدهم، وعَدّ محاولة سكينر غزوَ مجال اللغة تطبيقاً اختزالياً سخيفاً للافتراضات السلوكية، وأن دراساته في هذا المجال ذات أهمية ضئيلة، أو حتى معدومة، عندما يتعلّق الأمر باللغة والقدرات العقلية العليا للبشر، وبشكل حاسم جادل تشومسكي، دون الاستناد إلى أبحاث مختبرية، إلى أننا كما لو كنا «مصمَّمين خصيصاً بطريقة أو بأخرى» لاكتساب اللغة.

كانت المدرسة السلوكيّة قد بدأت بالترنّح بعدما فشلت في تقديم حلول عمليّة لإسناد الملاءة النفسيّة لعمليات الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، لكن تشومسكي كان كمن دفع بها إلى حافة القبر.

في تلك المرحلة بدأ البنتاغون في تجميع جهود خبراء المعلوماتية والكمبيوتر وعلماء النفس وخبراء اللسانيات ومُصنّعي الأسلحة من أجل بناء منصة لـ«دمج المشغّلين البشريين في تصاميم أدوات القتال»، كان حلم وزارة الدفاع الأميركية وقتها صنع «آلة لغوية» تكون بمثابة واجهة تعامُل بين القادة العسكريين متخِذي القرار وأنظمة أسلحتهم، بحيث يُصدر هؤلاء القادة أوامرهم بإنجليزيتهم اليومية، فتنطلق الصواريخ والقذائف بناءً على ذلك.

لقد حان وقت تشومسكي الذي تم تقديم أفكاره على أنها موضوعية، وضمنياً مناسِبة للأغراض العسكريّة المأمولة، ولذلك استُقطب، رغم توجهاته الفوضوية الظاهرة، إلى منصب أكاديمي مرموق في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وحصل لأبحاثه على دعم سخي ومُعلَن من المجمع الصناعي العسكري رغم الأجواء المكارثيّة التي كانت سائدة حينها، التي كانت تُشيع مناخاً من الشكوك بكل اليساريين.

لم يَبنِ تشومسكي ما يمكن القول إنّه كان ذا فائدة في تصميم أجهزة القيادة والتحكم الصاروخيّة مثلاً، ولم يَبنِ جهاز كمبيوتر أو نظام ذكاء اصطناعيّ، وحتى نموذجه في التعامل مع الدّماغ البشري ككمبيوتر رقمي مبرمَج مسبقاً تجاوَزه سريعاً علم الأعصاب، لكنه قدّم تصوّراً مناسباً للغة في فترة تطور العسكريتاريا العلميّة في الولايات المتحدة خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حين كان من المناسب فصل اللسانيات عن السياسة والمجتمع، وتكريس مشهد فصل العلم عن النظرية السياسية.

هذا الفصل النظري العميق سمح للمؤسسة العسكرية الأميركية بتقبّل تشومسكي السياسي في قلب الأكاديميا المعسكرة، وفي ذات الآن سمح لتشومسكي الموظف في معهد تطوير الأسلحة بأن يتحوّل إلى الناقد، الأهم عالمياً ربما، للإمبريالية الأميركية.

كانت حرب فيتنام نقطة مفصلية في حياته كناشط سياسي، فأصدر كتابه الشهير عن مسؤولية المثقف، ووقف بصرامة ضد الحرب، وشارك في الاحتجاجات ضدّها، مع أنّه لم يترك العمل في ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأصبح لاحقاً أستاذ شرف مدى الحياة هناك، كما عُيّن أستاذاً في فلسفة العدالة الاجتماعية بجامعة أريزونا.

وقد كتب بعدها أكثر من مائة كتاب في مسائل السياسة، اشترك في العديد منها مع مثقفين يساريين من مختلف أرجاء العالم، أربعة منها عن مسألة فلسطين، وإن كان فيها لا يرى في الدولة العبرية قبل حرب 1967 أمراً ينبغي الشك بأحقيّة وجوده.

أما كتابه الأخير فقد وضعه بالمشاركة مع ناثان روبنسون بعنوان «أسطورة المثالية الأميركية... كيف تُعرّض السياسة الخارجية الأمريكية العالم للخطر».

لتشومسكي اليوم تراث في فضاءات كثيرة يمكن في كل منها انتقاده ونقضه وتجاوزه، لكن الرجل تحوّل بمجموع شخصياته إلى ظاهرة أكبر من الحياة بالفعل، فهو كما شامان لجيل من اللغويين الذين تربوا على نظرياته وكسبوا عيشهم من وراء تعليمها لغيرهم، ويراه اليساريون «أسداً لليسار» يزأر في قلب الإمبراطورية الأميركية، وانتخبه قُراء «بروسبيكت» (المجلّة اليمينية البريطانية) في 2005 المثقف الأوّل في العالم.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 29 يونيو 2024 م ـ 23 ذو الحِجّة 1445

 

يسيطر بعض الجهات في المشرق وإفريقيا، وبين شبابها خاصةً مزاجٌ خلاصيٌّ يتمثل في مغادرة ثقافة الدولة والاستقرار والتنمية وسلامة الإنسان والعمران، والاتجاه إلى النزعات القتالية التي تتخذ شكل تنظيماتٍ مسلَّحة تحمل شعاراتٍ قتالية، وما عادت تقتصر على الصراع على فلسطين بل تنتشر في بلدان الشرق الأوسط وغرب أفريقيا وشرقها.

ويذهب المراقبون والمحللون إلى أنّ العلّة في ذلك عدم وجود ثقافة الدولة أو تأثيرات حقبة الاستعمار أو الصراع الاستراتيجي بين الدول الكبرى والوسطى. لقد كان يمكن التفكير بصحة هذه التعللات لولا أنّ هذه البلدان جميعاً مرت بحقبة استقرارٍ تزيد على نصف القرن. وفي تلك الحقبة كانت تحدث انقلاباتٌ عسكريةٌ تغيّر الحكومات والأنظمة، لكنها لا تهزّ الاستقرار ولا تثير الانقسامات الرأسية التي تشهدها أخيراً بعضُ البلدان.     والملاحظ أنه حتى التدخلات الدولية تَحدث بعد أن تكون الاضطرابات قد بدأت وتصاعدت، وسعت سائر الأطراف المسلَّحة إلى الاستنصار بالخارج. لذا لا يمكن الذهاب باستمرار إلى أنّ الدول الكبرى هي التي صنعت الاضطراب والاقتتال واستثمرت فيه.

أما التعليل بالحقبة الاستعمارية فيحول دون الاقتناع به أن بلدان الاضطراب، وبعد جلاء الاستعمار، استقرت كما ذكرنا وحقق بعضُها إنجازاتٍ تنمويةً.. فمِن أين أتت ثقافة الميليشيات المدمِّرة؟ تذهب الإنثروبولوجيا الاستعمارية إلى أنّ مجتمعاتنا انقسامية بطبيعتها، وهذا يسهّل حدوث الانقسامات والانشطارات عندما تضعف السلطة المركزية أو تخطئ في التعامل مع إحدى الفئات العشائرية التي تثور إذا أتيح لها ذلك، بحجة سوء المعاملة، أو تطلب الاستقلال.     ومن المؤكد أنّ اعتبار الانقسامات هي من طبيعة المجتمعات أمرٌ غير صحيح. إنما الذي لا يمكن إنكاره أن الحركات الخلاصية تستثير هذه الفئة أو تلك. والخلاصيات هذه كانت قوميةَ الأيديولوجيا ثم صارت تحمل شعاراتٍ إسلامويةً.

وفي الحالتين ينشب النزاع العنيف، وتتدخل الجهات الخارجية القريبة والبعيدة. وبالحرب الداخلية لا يحقق فريقٌ ما يطمح إليه، لكنّ هذا التنظيم أو ذاك يصبح أبدياً، ويعمد الخصوم المنافسون إلى إنشاء تنظيماتهم الخاصة فيبدو هذا الاحتراف الميليشياوي كأنما هو حركة ثوران ديني تستثير الجمهور لأهدافٍ مقدسة أو ما شابه ذلك!

لماذا هذه القابلية للاختراق من جانب الخلاصيات المزورة؟ هذا هو الأمر الذي ينبغي التفكير فيه أو نعود إلى مقولات «الطبيعة العنيفة للإسلام»!

لا بد من الخروج من المزاج الخلاصي الوهمي المتمثل في نشوب الاقتتال الداخلي أو نشوب الاقتتال مع الغرب (الاستعماري!). وبعد كل مذبحة يتبين أن التغيير لم يحصل، وأن الدماء سُفكت، وأن الدول التي تنطلق منها أو إليها الهجمات قد تضاءل استقرارها وانقسم شعبها، وشاع فيها القتل والتدمير.

هل هي ظاهرةٌ خاصةٌ بالإسلام أم بمجتمعات معينة في أفريقيا والشرق الأوسط؟ لقد كانت ظواهر متفرقة، لكنها في العقدين الأخيرين صارت سلسلة تمتد ولا تتوقف، وإذا بدأت إحدى حلقات السلسلة فإنه يتعذر انتهاؤها.

وكما سبق القول، عندما تحدث إحدى الحلقات، تسارع الميليشيات وتسارع الدول الكبرى والإقليمية إلى التواصل فيما بينها لإطالة أمد الاقتتال وتعريض الأوطان والناس والهياكل التي بُنيت على مدى عقود لأخطار الانقسام والدمار.

إنّ هذه المعالم أو الأوصاف تُظهر الميليشيات الخلاصية كأنما وُلدت لتبقى وكأنها جزء من عيش المجتمعات والدول، والأمر ليس كذلك.. ولا حلَّ إلا بالدولة الوطنية القوية التي تحقق الاستقرار والتنمية وصنع المستقبل الواعد لشعوبها وجوارها.

***

د. رضوان السيد

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 29 يونيو 2024 23:45

 

نوم العقل يوقظ الوحوش هو عنوان لوحة للفنان الإسباني فرانشيسكو دي غويا (1746 1828) وقد شرحها الدكتور علي بن تميم بقوله في تغريدة له مصحوبة بصورة للوحة حيث كتب (في هذه اللوحة يصور رجلاً نائماً وقد أسند رأسه ويديه إلى طاولة بينما نحّى قلمه جانباً. وخلف الرجل تظهر مجموعة من البوم والخفافيش الضخمة، وهي تصفق بأجنحتها وتصيح. كما يظهر وحشان غريبا الهيئة أحدهما رابض على الأرض وقد صوّب نظراته الشرّيرة إلى الرجل، بينما قفز الآخر على ظهره وعيناه تلمعان في الظلمة، وعلى مقدّم الطاولة التي ينام عليها الرجل كُتبت عبارة: (إذا نام العقل استيقظت الوحوش).

والذي يلفت نظري هو عنوان اللوحة (نوم العقل يوقظ الوحوش)، وهي عبارة تفسر حالة البشر على مر تاريخهم، حيث يظهر التوحش مع التحضر في آن واحد، وتتبدى الوقائع وكأنها تقول: كلما تحضر البشر زادوا وحشيةً، ولنأخذ القرن العشرين الذي هو تتويج لكل منجزات البشرية في العلم وفي الاقتصاد والتكنولوجيا والنظرية السياسية، وفي الوقت ذاته هو قرن الحروب الكبرى في تاريخ البشرية، ووقعت هذه كلها حسنها وسيئها في قلب أوروبا الأكثر تحضراً من بين دول العالم حينذاك، ومعها أميركا التي لم تتورع عن إسقاط قنبلتها الذرية على هيروشيما، وهذه القنبلة تفسر كيف اجتمع التحضر مع التوحش، فالقنبلة تلك كانت تتويجاً لأخطر منتجات الفيزياء، والفيزياء هي علم يشمخ بين كل العلوم بصفتها الأكثر حداثةً والأكثر تفوقاً، وكذلك هي الأعمق معنى في صيغة المنجز البشري لدرجة أن الفيزياء أزاحت كثيراً من الأسئلة الفلسفية المحيرة، وقدمت لها إجابات دقيقة وعملية، مما جعل هوكينج يحكم بموت الفلسفة وحلول الفيزياء محلها في التعامل مع الأسئلة المحيرة، وكما أن الفيزياء فائقةُ العلمية فهي كذلك فائقة الوحشية، ولها قدرة هائلة على تنويم العقل لكي ترتع الوحوش حسب عنوان لوحة فرانشيسكو دي غويا، وبمثل ما قتلت الفيزياء الفلسفةَ حسب دعوى هوكينج فقد قتلت العقل بمعنى التعقل رغم أنها منتوجٌ لعقل الإنسان القوي والمتجبر في آن واحد، وكأن العقل ليس للتعقل وإنما فقط لابتكار أخطر الوسائل للتدمير وتحقيق معنى التوحش الذي تفوق به الإنسان على كل الوحوش، ليجمع بين العقل والتوحش وبين التحضر والوحشية، وفي هذه الحال لم يحتج الشر لنوم العقل وإنما احتاج ليقظة العقل وتطوره وتوظيف كل حيله ومهاراته لكي يصنع قنبلةً إذا سقطت على بشر أو حجر أحرقته وأنهته بمراد وتخطيط واع ٍ وعاقل وبصير، وبقرارٍ من رجل انتخبته بلده ليقود أهم ديمقراطية بشرية. وهذا الديمقراطي المتحضر والعاقل والسياسي البارز هو من أمر بإسقاط تلك القنبلة في وقت كان هو في أشد حالات يقظته ووعيه وبشريته، لكنه فاق بفعله كل وحوش الكون وفعل ما لم يفعله أي توحش سابق ولا لاحق (حتى الآن)، وستظل إمكانات العقل البشري أكبر من تصور العقل ذاته، ومهما افترضنا أن العقل أشرف من العاطفة، وأن العاطفة متهورةٌ والعقل متبصرٌ، فإن الذي نكتشفه هو أن العقل أخطر من العاطفة في الحالين، حال البصيرة والتبصر وحال الوحشية والتوحش.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب ومفكر سعودي

عن الاتحاد الاماراتية، يوم: 29 يونيو 2024

لعلنا لا نبالغ إذا وصفنا الحراك النسوي بأنه من أبرز المنتجات الثقافية للحداثة. فالثورة الصناعية، التي أدخلت الآلة مكان الجهد البشري، الذي غالباً ما يقوم به رجل؛ لعبت دوراً في طرح التساؤل على المجتمع الأبوي الذي يُعطي سلطة للرجل على المرأة. وعليه، ظهرت الحركات التي تدعو إلى مساواة المرأة بالرجل بوجه عام، وتغيير الصورة النمطية للدور الجندري، ومن أجل إعادة ترتيب الدور الاجتماعي على أساس المفاضلة الفردية، وليس على أساس الجنس/الجندر.

على مدى التاريخ ظهرت أربع حركات نسوية عالمية، تميّزت اللاحقة على السابقة برفع سقف المطالب بخصوص فكرة المساواة. لن نخوض في تاريخ هذه الحركات، لأنه ليس موضوعنا، ولكن يهمنا هنا التركيز على فكرة المساواة مقابل العدالة. فالتقدم التقني أغرى دعاة النسوية بإلغاء الفوارق الجندرية، ومحاولة تحديها باستشهادات من قبيل: ثمة نساء أقوى جسدياً من بعض الرجال، وثمة رجال أكثر عاطفية من بعض النساء.

غير أن أخطر ما يُتداول من أفكار تُوصف بالنسوية تلك التي تطالب بالامتيازات التقليدية التي يعطيها المجتمع الأبوي للمرأة، مع إضافة الاستحقاقات الجديدة التي منحتها إياها القوانين الحديثة التي راعت مطالب الحراك النسوي. إن المرأة القوية المستقلة -حسب النظرة النسوية- ما زالت تتمسّك بكونها الطرف الأضعف الذي تجب مراعاته في حال النزاع مع الرجل؛ وهنا يكمن التطرف في الطرح.

في السنوات القليلة الماضية، ظهر خطاب ينادي بعودة ترسيخ الأبوية في المجتمعات، وتقوم بالدفاع عن موقفها بشكل حثيث. وتأتي فكرة «الحبة الحمراء» بوصفها مصطلحاً مجازياً لحبة يتناولها الشخص؛ ليتمكن من رؤية الحقيقة المرة كما هي، مقابل «الحبة الزرقاء» التي تُبقي الإنسان في الوهم، وهذه الفكرة ترتبط بشكل واضح بأفكار سيغموند فرويد، الذي يقسّم المبادئ إلى مبدأ الواقع ومبدأ المتعة التي غالباً ما تكون وهماً. وقد سبق استخدام هذه الفكرة المجازية في أفلام «هوليوود»، ابتداءً من فيلم «The Matrix» عام 1999.

في عالمنا العربي، ظهر كثير من الحسابات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي تحمل معرفاتها اسم الـ«Red pill» يجمعها قاسم مشترك هو الدعوة إلى توعية الرجال حول قدراتهم الحقيقية، ومكانتهم التي تحاول النسويات سلبها منهم. وعلى منصة «X» فُتح كثير من النقاشات التي تردّ على المحاججات النسوية الرامية إلى المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة. ولعل أبرز نقاط القوة في حِجاج جماعة «الحبة الحمراء» يتلخّص في فردانية السلوك. فليس مطلوباً من رجال العالم أن يتحدوا ضد النساء، وليس مطلوباً منهم المطالبة بتغيير القوانين، ولا شيء يمتّ إلى رفع راية المظلومية؛ كل ما هو مطلوب من الرجل أن يعي طبيعة المرأة ونظرتها إلى الرجال وتصنيفها لهم، ثم يحمي نفسه منها من خلال «عقلية الوفرة».

وفي حِجاجهم، يرى ذكور «الحبة الحمراء» أنهم لا يعتنون بأنفسهم لكسب الإناث بصفتهن هدفاً، بل هم يعتنون بأنفسهم؛ لأن الرجولة استحقاق جندري يجب على الذكر المحافظة عليه عن طريق تنمية القدرات الطبيعية التي يمتلكها، وهذا ما سيجعله رجل «ألفا» في موضع القوة الذي يعطيه جاذبية عليا. ومصطلح الـ«ألفا» يقابله الـ«بيتا» الذي يأتي في مرتبة أقل منه بكثير. تأتي هذه المصطلحات من خوارزمية يستخدمها لاعبو الشطرنج، التي يرمز فيها الـ«ألفا» إلى الحركة التي تضمن الأفضل للاعب، والتي تضعه في موضع قوة، بينما الـ«بيتا» حركة تضع اللاعب تحت رحمة خصمه، فقد تعطي الخصم فرصة للقيام بـ«كش» ملك عبر خطوة أو خطوتين.

وبالاستعارة من الحقل الدلالي للعبة الشطرنج، رُسمت صفات الـ«ألفا» والـ«بيتا». فالرجل الـ«ألفا» يمتاز بالثقة في النفس والجرأة في الإقدام؛ لأنه يحسب خطواته بصفتها عاملاً مستقلاً في المعادلة. في المقابل، الرجل الـ«بيتا» تابع لغيره -المرأة- لأنه قد قبل أن يقوم بخطوات تضعه تحت رحمة غيره الذي يستطيع التخلص منه متى ما وجد خياراً أفضل منه.

يرى البعض في طرح جماعة «الحبة الحمراء» تطرفاً ضد المرأة، وتحريضاً للرجال عليها، ويرون هم في أنفسهم أنهم يضعون أنفسهم في الموضع الذي يستحقونه. ويرى خصومهم أنهم مجرد ذكور يريدون تطبيق قانون الغاب، في حين يرون هم أنفسهم أنهم يحافظون على وضعهم الطبيعي من دون أن يجبروا أحداً على تبنيه. وفي الوقت الذي يتفهمون كره دعاة النسوية لهم، فهم يُضاعفون القسوة على الرجال الذين يساندون النسويات؛ إذ يرون فيهم مجرد ذكور «بيتا» قبلوا بالخضوع لسلطة المرأة.

خلاصة القول: إن ظهور جماعة «الحبة الحمراء» اليوم أمر طبيعي جداً، بعد تكاثر الحسابات التي تصف نفسها بالنسوية والنسوية الغاضبة، إذ طغى عليها الخطاب المعادي للرجال. وكما هو معروف، فإن استعداء الآخر بخطاب ممنهج ضد النوع/الذكور لن يأتي بخصم يتبنى خطاباً محايداً يضع الذكور والإناث في سلة واحدة. وبين النسوية و«الحبة الحمراء» على الإنسان أن يهتم بمميزاته التي وُلد بها ويعزّزها بكل وسائل القوة المتاحة. وفي حال وُفق إلى الارتباط، على الشخص الاستمتاع بحياته بعيداً عن الصراعات. ولا ننسى أن السلام والبعد عن الصراع يجب أن يكون من الطرفين وليس من طرف واحد؛ تلك هي السعادة المنشودة.

***

د. عبد الله فيصل آل ربح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الأربعاء - 27 ذو الحِجّة 1445 هـ - 3 يوليو 2024 م

معظم المبدعين الكبار كانوا يعانون معاناة نفسية هائلة

تقول لنا النظرية الحديثة في علم النفس والتحليل النفسي: العُصاب الجنوني هو الذي يصنع الكتاب الكبار والإبداع العبقري هو الذي يشفيه. العبقرية بهذا المعنى تعني الانتصار على الجنون الداخلي، أو ترويضه، أو تحجيمه. كان دوستيوفسكي قد قال لأخيه في رسالة مبكرة: عندي مشروع كبير؛ أن أصبح مجنوناً (أي عبقرياً). وبالفعل لو لم يستطع تأليف رواياته الهائلة كـ«الجريمة والعقاب» و«الإخوة كرامازوف» لكان قد جُنَّ نهائياً. وقل الأمر ذاته عن سلفادور دالي الذي أنقذته لوحاته الخارقة من الجنون. وقِسْ على ذلك... هذه هي المعادلة الجدلية، أو المعادلة الديالكتيكية، التي تربط بين العبقرية والجنون. معظم العباقرة الذين نسمع بأسمائهم ونُبجّلهم ونعظّمهم كانوا يعانون معاناة سيكولوجية هائلة تصل أحياناً إلى حافة الجنون. ولكن بضربة عبقرية خارقة كتأليف قصيدة، أو رواية، أو كتاب فلسفي نادر، استطاعوا التغلب عليها. بهذا المعنى كل عبقري مجنون بشكل من الأشكال ولكن ليس كل مجنون عبقرياً. فجنون المجانين لا يؤدي إلا إلى الهذيان الكامل ولا ينتج عنه أي شيء. إنه لا يؤدي إلى تأليف روائع أدبية كبرى كتلك التي أتحفنا بها شكسبير أو المتنبي أو جان جاك روسو الذي أوصلوه إلى حافة الجنون في أواخر حياته من كثرة الملاحقات والاضطهاد. كنت قد كرست فصلاً كاملاً لمعالجة هذه الإشكالية الكبرى في كتابي الأخير الصادر عن «دار المدى» بعنوان: «العباقرة وتنوير الشعوب».

والآن ماذا عن جيرار دو نيرفال الذي جُنَّ وانتحر في نهاية المطاف بعد أن أتحفنا بروائع أدبية خالدة؟ لم يستطع حتى الإبداع الخارق أن يحميه من السقوط في حمأة الجنون وجحيمه البهيم. وبالتالي فهو استثناء على القاعدة. ولكنه ليس الوحيد. هناك نيتشه أيضاً وهولدرلين وبعض الآخرين. نيرفال، هذا الرجل المسكين الطيب الذي احتقره عصره في القرن التاسع عشر بسبب متاعبه النفسية وفقره، راح القرن العشرون يرفعه إلى مصافِّ الكبار، بل كبار الكبار من أمثال بودلير، وفلوبير، وبلزاك، وفيكتور هيغو، وسواهم من المشاهير. بل إن بودلير ذاته كان مجهولاً في عصره إلى حد كبير ولم تنفجر شهرته كالقنبلة الموقوتة إلا بعد موته. وقد استشعر ذلك هو شخصياً عندما قال هذه العبارة الرائعة: شهرة ما بعد الموت تعنيني! ولكن على الأقل شهرة بودلير لم تتأخر نصف قرن أو قرناً كما حصل لجيرار دو نيرفال. هل نعلم مثلاً أن غوستاف لانسون، أستاذ طه حسين في السوربون وأشهر ناقد أدبي فرنسي في مطلع القرن العشرين، لم يذكره إلا في هامش صغير في أسفل الصفحة؟ كان مارسيل بروست أحد الأوائل -والقلائل- الذين عرفوا أهمية جيرار دو نيرفال. كان أول من أدرك قيمته داخل الأدب الفرنسي وربما العالمي. وكان أول من أطلق عليه لقب: عبقري! كان ذلك في بدايات القرن العشرين. ولكن لم يستمع أحد لصوت مارسيل بروست صاحب الرواية الخالدة: بحثاً عن الزمن الضائع. لم يكن قد آن الأوان لكي يعرف الناس من هو جيرار دو نيرفال...

والحقيقة هي أن الفضل في اكتشافه وإعطائه المكانة التي يستحقها على قمة الأدب الفرنسي تعود إلى السرياليين. ولو لم يكن لهم إلا هذه الميزة لكفاهم ذلك فخراً. صحيح أن الشاعر أبولينير قال عنه عام 1911 هذه العبارة اللافتة: «إنسان رائع. لو تعرفت عليه لأحببته كأخ، كشقيق»... ولكنّ أندريه بريتون، زعيم السرياليين، هو الذي خطا الخطوة الحاسمة في اتجاه الاعتراف بأهمية جيرار دو نيرفال. يقول عنه عام 1924 في المانيفست الشهير للحركة السريالية:

«كان بإمكاننا أن نستعمل مصطلح ما فوق الطبيعية بدلاً من مصطلح ما فوق الواقعية: أي السريالية في اللغة الفرنسية. والمعنى واحد في نهاية المطاف. لقد سبقنا جيرار دو نيرفال إلى اختراع السريالية الواردة في كتابه: بنات النار.

ينبغي أن نعترف بذلك. إنه الرائد الأول بالنسبة لنا. فالواقع أن نيرفال كان يمتلك الروح التي تهمنا والتي ننسب أنفسنا إليها: عنيت الروح الهذيانية السريالية، أو روح ما فوق الواقع، ما فوق الطبيعة والطبيعية. هناك عالم آخر فوق هذا العالم التافه البليد الذي نعيشه: إنه العالم السريالي الرائع. إنه أجمل وأبهى بألف مرة من جحيم الواقع الأرضي». بهذا المعنى...

يقول الناقد ريمون جان إن موقف السرياليين من جيرار دو نيرفال كان معقداً. فهو يتراوح بين الإعجاب العقائدي به، والانبهار بالتجربة المعيشة للجنون. السرياليون كانوا مهووسين بالجنون، كانوا يحبونه، يقدسونه. كانوا يعدّونه مرادفاً للإبداع العبقري. لا إبداع بلا جنون خارق. نقول ذلك ونحن نعلم أن جيرار دو نيرفال قد عرف هذه التجربة الجنونية واكتوى بحرِّ نارها. والدليل على ذلك أنه دخل المصحَّ العقلي أكثر من مرة. وبين كل إقامتين في مستشفى المجانين كان يُنتج رائعة أدبية، عبقرية. وربما لم يكن انتحاره وهو في الثامنة والأربعين إلا تتويجاً لتجربة الجنون. فقد وصل به التأزم النفسي إلى درجة لا تُحتمل ولا تُطاق فقرر أن يضع حداً لحياته. وشنق نفسه على عمود كهرباء في ساحة الشاتليه وسط العاصمة الفرنسية. مهما يكن من أمر فإن السرياليين أعطوا نقطة الانطلاق للاعتراف بجيرار دو نيرفال بوصفه كاتباً كبيراً. وقد وصل الأمر ببول إيلوار إلى حد الانبهار بعبارته التي تقول: «الطقس رائع إلى درجة أننا لا نستطيع أن نلتقي أو يقبِّل بعضنا بعضاً في البيوت. لنخرج فوراً»!

ينبغي في هذا الصدد أن نطَّلع على ما كتبه عنه الناقد الكبير شارل مورون في كتابه المرجعي الأساسي: «من المجازات الهلوسية إلى الأسطورة الشخصية- مدخل إلى النقد التحليلي النفسي». فهذا الناقد المهمَل عندنا لأننا لا نعرف غير رولان بارت الذي بلور نظرية كاملة متكاملة عن الإبداع الأدبي العبقري. وإذا كنت قد فهمته جيداً فإنه يريد أن يقول ما يلي: كل شاعر كبير يكون مهووساً حتماً ببعض العُقد النفسية. وينعكس هوسه هذا على كتاباته الإبداعية بطبيعة الحال. ويتجلى هذا الهوس في نوعية المجازات الإبداعية الرائعة التي يبتكرها والتي تتكرر بأشكال مختلفة على مدار أعماله. وبالتالي فلكي نفهم هذا الشاعر، لكي ننْفذ إلى عالمه الحقيقي، ينبغي أن نستخلص هذه المجازات اللغوية الإبداعية الخارقة من كل مؤلفاته من أولها إلى آخرها. ينبغي أن نفرزها فرزاً وأن ندرسها عن كثب لكي نتوصل إلى معرفة الأسطورة الشخصية التي تكمن وراءها، أي لكي نتعرف على شخصيته الحقيقية العميقة. فبودلير مثلاً كان مهووساً بأشياء محددة، وقد انعكس هذا الهوس على موضوعاته الشِّعرية ومجازاته اللغوية وصياغاته التعبيرية التي تسحرنا حتى اللحظة. وشكَّل هذا الهوس عالماً بأسره هو عالم شارل بودلير. وهو يختلف عن عوالم كل الشعراء الآخرين. ورامبو أيضاً كان مهووساً بأشياء أخرى، وقِسْ على ذلك... الشاعر الكبير هو وحده القادر على اختراع مجازات وعلاقات لغوية خارقة لم يعرفها تاريخ الشِّعر من قبل. من هنا جاذبيته التي لا تقاوم.

لكنَّ هوس نيرفال كان من النوع الثقيل جداً من الناحية النفسية وكان يضغط عليه أحياناً إلى حد الشلل. وقد سخر بعض الأصدقاء منه ومن جنونه بشكل ودود ومحب فتأثر كثيراً وقال ما معناه: يصعب عليَّ أن تروني مجنوناً. لم أعد أستطيع تقديم نفسي إلى أي مجلس. لم أعد أستطيع أن أتزوج أو أن أجد امرأة تقبل بي. بل لم أعد أستطيع أن أُقنع الآخرين بأن يُصغوا إليَّ بشكل جدي عندما أتحدث. مَن يستمع إلى مجنون؟ لقد فقدت هيبتي واحترامي في أعين الناس. وربما تخليت عن هذه المهنة التعيسة: مهنة الكتابة. لم يعد لي أمل بأي شيء. لقد انتهيت أنا، انتهيت...».

هذا القلق المرعب الذي كان يكتسحه من الداخل اكتساحاً هو الذي زعزع شخصيته وأفقده هيبته وأدى به إلى الانتحار في نهاية المطاف. ولكن قبل أن ينتحر كتب هذه القصيدة:

شاهدة على قبر

لقد عاش أحياناً فرحاً مرحاً كزرزور

أحياناً عاشقاً خليَّ البال حنوناً

وأحياناً مكفهراً حالماً كطائر حزين

حتى سمع في يوم من الأيام دقاً على الباب

×××

إنه الموت! لقد جاء ملاك الموت. فترجاه أن ينتظر قليلاً

حتى يكون قد وضع اللمسة النهائية على قصيدته الأخيرة

ثم من دون أي تأثر أو انفعال راح يتمدد

في أعماق الصندوق البارد حيث يرتجف جسده

×××

لقد كان كسولاً حسبما تقول الرواية

كان يترك الحبر ينشف كثيراً في المحبرة

كان يريد أن يعرف كل شيء

ولكنه جاء وراح ولم يعرف شيئاً

×××

وعندما حانت اللحظة حيث متعباً من هذه الحياة

قُبضت روحه في أمسية شتائية

رحل وهو يقول: لماذا جئت إلى هذا العالم؟ الشاعر الكبير هو وحده القادر على اختراع مجازات وعلاقات لغوية خارقة لم يعرفها تاريخ الشِّعر من قبل.

***

د. هاشم صالح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 1 يوليو 2024 م ـ 25 ذو الحِجّة 1445 هـ

تتمةً للمقالة الماضية، فقد عمل إيمانويل كانط -يضيف سمير بلكفيف-على: «تحليل فكرتي المكان والزمان باعتبارهما أساس القبْلي والتركيبي، ومثل هذا التحليل يسميه كانط «الاستطيقا الترنسندنتالية»، لذلك نجد كانط يبدأ بتحليله لفكرتي المكان والزمان حيث يتجاوز التصور اللايبنتزي (مجرد علاقات) والتصور النيوتني (المطلق)، حتى يضمن لهما الذات الإنسانية، ولكي يتسنى لنا تسويغ مشروعية قيام الرياضيات وبالتحديد تفسير الحكم التركيبي القبلي، وهذا هو مسوغ تقديمنا لنظرية كانط في المكان والزمان قبل نظريته في الرياضيات، فتحليلنا لنظرية كانط في المكان والزمان يعكس مدى صلتهما بنظريته في الرياضيات.

وبالتالي فالعيان القبْلي (المكان والزمان) -كما يشرح بلكفيف بكتابه القيّم-:«هو الذي يؤسس مشروعية قيام العلم الرياضي الحساسية الترنسندنتالية: إن المعرفة عند كانط مشروطة بعاملين أساسيين هما: الحدس «Anchauung» والفهم «Verstand»، أي الحس والفكر، فالحس دون مفاهيم فوضى، والمفاهيم دون حدوس جوفاء، والخطوة الأولى هي تمييز المفاهيم عن الحدوس بغرض التحليل والوقوف عند الحساسية في جانبها الترنسندنتالي، أي في جانبها «القبْلي» وقد عزلت عن كل مقولات (kategorie) الفهم وأحكامه وتصوراته، فنصبح بذلك إزاء معطيات حسية (sense data) غير خاضعة لأطر ومفاهيم قبلية، أما الخطوة الثانية فتتمثل في عزل تلك الحساسية عن الإحساس، فلا يبقى لنا سوى الحدس المحض، الذي هو مجرد صورة للظاهرات، والعلم الذي يبحث في مبادئ الحساسية القبْلية يسميه كانط «الاستطيقا الترنسندنتالية»، وهو الذي يسمح لنا بالوقوف عند الحدوس الخالصة، أو الصور الخالصة للحدس، فالمكان (ort) والزمان (zeit) هما صورتا الحساسية الخالصة والإحساس هو مادتهما العامة، ومعرفتنا لهما هي دائماً قبلية (priorita) أولية متقدمة عن كل تجربة، في حين أن الإحساس عنصر نستمد منه معرفتنا البعدية (spatersein)».

بينما «هسرل» ذهب أبعد من ذلك عبر طرحه علم الظاهريات، وبدوره استطاع أن يفتح أسئلة حول علاقات الفلسفة بالعلم والسيكولوجيا والخبرة السابقة للإنسان، فكيف يمكن نحت سؤال فلسفي من دون تنحية الخبرات الذاتية حول الموضوع؟! سؤال جعل كتبه الأساسية تدور في فلكه، وخصوصاً كتابيه: «أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص والفلسفة الظاهراتية» وكتابه الآخر: «مباحث منطقية» إذ خصص الجزء الأول بكامله تقريباً للبحث في هذه المعضلات.

الخلاصة، أن كانط نقل مسار الفلسفة، ووضع لها منعطفاً لم تتجاوزه حتى الآن، ويتعلق بنحت أسئلة في طريقها وجعل مهمتها أكثر جدية، ووضعها في سجالٍ مع العلم من دون أن تذوب فيه، وإنما السجال بين العلم والفلسفة يجب أن يظل قائماً ليس على مستوى تماهي الإجابات، ولا تشابه الأسئلة، وإنما لغرض تمتين عرى الفلسفة وجعلها تأخذ مكانتها الطبيعية بين المجالات المعرفية، وسيأتي من بعد مارتن هيدغر الذي يعتبر الفلسفة تتفوق على العلم لأن: «العلم لا يفكر».

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

24 يونيو 2024 23:45

قدّم كارل ماركس، في أهم أعماله المنشورة «رأس المال – 1867» أفضل نموذج نظري نمتلكه اليوم لفهم ديناميكية عمل النظام الرأسمالي منطلقاً في توصيفه من موقف فلسفي مادي يرى في الصراع الطبقي محركاً للتاريخ. وفسّر التقلبات الاقتصادية بالجدليّة بين قوى الإنتاج وعلائق الإنتاج مستنداً في ذلك إلى مجموعة متقدّمة – بمقاييس عصره - من الإحصاءات والدراسات والوثائق، التي قضى ورفيقه الجليل فريدريك إنجلز سنوات طوالاً في تتبعها، ودراستها، واستخلاص الاستنتاجات منها. وعلى الرّغم من أن نظريات الاقتصاد الماركسيّ أصبحت جزءاً من الصراع بين الشرق والغرب بعد قيام الاتحاد السوفياتي في 1917، وأن النخب الغربيّة بذلت جهوداً مكثفة للتعمية عليها وتجاوزها لمصلحة نظريات أحدث، فإن الأزمات البنيوية المتلاحقة التي وكأنّها لازمة للنظام الرأسماليّ لا بدّ منها في كل جيل، فرضت دائماً تساؤلاً صار موسمياً على عناوين الصحف وأغلفة المجلات المؤثرة: هل كان كارل ماركس على حق؟

إن الواقع العمليّ يظهر أن (علم) الاقتصاد التقليدي – بما في ذلك الاقتصاد الماركسيّ – لا يزال بشكل عام متخلفاً عن التقدّم الهائل الذي حققه البشر في مجالات معرفية مختلفة، وعاجزاً عن توظيف الإمكانات اللانهائيّة لتكنولوجيا المعلومات الحديثة، وما زالت افتراضاته الأساسية سهلة الدّحض، وقدرته على التنبؤ محدودة للغاية، ما يجعله أقرب لعلم زائف، رغم كل المعادلات والصيغ الرياضيّة التي يرطن بها دهاقنته.

البروفيسور جوين دوين فارمير، الذي يدير برنامج الاقتصادات المعقدة في معهد الفكر الاقتصادي الجديد بجامعة أكسفورد (المملكة المتحدة)، يعتقد أنه قد حان الوقت لنقل الاقتصاد إلى مساحة العلم الحقيقي عبر تجاوز الأساليب الاقتصادية التقليديّة، والانتقال إلى ما يسميه في كتابه الجديد «فهم الفوضى: علم اقتصاد أفضل من أجل عالم أفضل – 2024» باقتصاديات التعقيد التي تنظر إلى النظام الرأسمالي الكليّ كما الأنظمة الشبيهة بالنظم الأيكولوجيّة الطبيعيّة التي تتحكم بمناخ كوكب الأرض، ومن ثم تأمل بالاستفادة من المحاكاة الحاسوبيّة العملاقة وأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمسار الاقتصاد العالميّ ورصد كيفيّة تفاعل مليارات الأشخاص داخله، تماماً كما نبدع اليوم في التنبؤ الفعال بالطقس، ومتابعة التغيرات اللّحظية التي تطرأ عليه.

يرى فارمير أن إحدى مثالب علم الاقتصاد التقليديّ تكمن في ذلك التنوع المتناحر أحياناً في الآراء تجاه القضايا الأساسيّة في الاقتصاد، الأمر الذي يعني أن مجتمعاتنا ما زالت تتخذ القرارات الفاصلة بناء على المشاعر والمعتقدات الغريزية بدلا من موضوعيّة العلم، وهو يزعم أن اقتصاديات التعقيد توفر إمكانية لعلم اقتصاد أكثر موضوعية، حيث لا تولد الإجابات من خلال الافتراضات السابقة، بل من معطيات الواقع. ويفترض الاقتصاد القياسي أيضاً أن الأنظمة الاقتصاديّة تستقرّ وتصل على المدى الطويل إلى التوازن، لكن ذلك ليس – وفق فارمير دائماً - سوى تعميم مخل لا يعمل إلا في حالات بسيطة ومعزولة، إذ إنّه من الجليّ أن العقلانية ليست مرجعيّة حاكمة للسلوك البشري، ومن دونها، فإن الإطار الرياضي الذي يحكم النموذج الاقتصادي الحالي سينهار بكليته.

يستند فارمير في طروحاته إلى التقدّم النظريّ الهائل الذي تحقق في العقود الأخيرة ضمن فضاء نظريّة الفوضى ونمذجة الأنظمة المعقدة – أي تلك التي تتقاطع فيها العديد من الظواهر ما يخلق كلاً يختلف نوعياً عن مجموع أجزائه متفرقة - مثل الدماغ البشري، والمناخ، والنظام الرأسمالي. وبالطبع، فإن عمليّة النمذجة ليست مثالية، بمعنى أن معطياتها تعتمد أساساً على العوامل التي ستؤخذ بعين الاعتبار، وكمية ودقة البيانات المتوفرة عنها، والفترة الزمنية التي تغطيها تلك البيانات. ومع أن معظم هذه الأدوات النظريّة متوفرة منذ ستينات القرن الماضي، إلا أن البروفيسور فارمير يقول إن قوة الحوسبة في وقتنا الرّاهن أقوى بمليار مرّة مما كانت عليه في القرن العشرين، وهو ما يمنح العلماء قدرات متفوقة على التنبؤ بسلوكيات الأنظمة المعقدة عموماً والاستمرار في تحسين دقة تلك التنبؤات مع مرور الوقت.

ويعطي المؤلف في «فهم الفوضى» أمثلة واقعية من خبرته الشخصيّة المديدة عن إمكانات اقتصادات التعقيد تبدأ من عام 1975 عندما ترك كليّة الدراسات العليا وتفرّغ للتنبؤ بلعبة الروليت في دور المقامرة في لاس فيغاس، وهو أمر لم يكن متوقعاً. لكنّه نجح في بناء نموذج يتنبأ بالنتائج واستخدم أرباحه لتأسيس تعاونية مع رفاقه نجحت في بناء أول جهاز كمبيوتر يمكن ارتداؤه، كان يخفيه تحت معطفه، وينقل الحسابات إلى شريكة له كان ترتدي جهاز استشعار مخفياً لتراهن على الأرقام الفائزة. ولاحقاً – عام 1991 – أسس مستغلاً قدرته على بناء نماذج التنبؤ شركة للتداول الإلكتروني بالأوراق المالية يفوق أداؤها معدلات السوق في 19 عاماً من أصل عشرين، قبل أن يبيعها لإحدى الشركات الكبرى مقابل مائة مليون دولار في 2006.

وفي 2010، نشر مقالة له في مجلة مرموقة تنبأ فيها بأن الطاقة الشمسية ستكون أرخص من الكهرباء التي تعمل بالفحم بحلول عام 2020 مخالفاً بذلك عدداً من الاقتصاديين. وبالفعل انخفضت التكلفة وفق توقعاته، وأصبحت الطاقة الشمسية الآن أرخص من الكهرباء التي تعمل بالفحم، وتتجه تكلفتها إلى مزيد من الانخفاض.

وفي أجواء «كوفيد - 19» توقع فارمير وزملاؤه أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد البريطاني للربع الثاني من عام 2020 بنسبة 21.5 في المائة بسبب سياسات الإغلاق التي تبنتها الحكومة في ذلك الحين، في حين تنبأ بنك إنجلترا (المركزي) بانكماش للفترة نفسها بنسبة 30 في المائة. ولكن رقم فارمير وزملائه كان أقرب بشكل لافت للرقم الفعلي الذي انتهى إلى 22.1 في المائة.

ويقود البروفيسور فارمير مختبراً لسياسات المناخ، يحلل ويقيّم أساليب ومنهجيات اقتصاديّة للتعامل مع تغيرات المناخ، بما في ذلك أنجع السبل لضمان الانتقال السلس نحو اقتصاد صديق للبيئة في إطار عالمي يأخذ بعين الاعتبار الفروقات البنيوية في اقتصادات مختلف الدول.

فإذا كانت هذه القدرات متوفرة فعلاً، فما الذي يمنع الدّول من توظيفها بشكل مباشر في تفكيك أسس الاقتصاد العالمي وفهم سبل بناء تنمية مستدامة والبحث عن حلول للفقر، وانعدام المساواة، والطبقيّة السافرة؟!

يلمّح البروفيسور فارمير إلى مسألة تتعلق بنظرة الطبقات المهيمنة على الاقتصاد العالمي، التي في أغلب الأحوال لا تجد مصلحة لها في فهم جمعيّ أفضل لطريقة عمل النظام الرأسمالي، ومن ثم استخلاص سياسات قد تنهي انعدام المساواة مثلاً – سواء بين الدول – أو حتى على صعيد الطبقات في المجتمع نزولاً عند مصالح مجموعة من الأفراد المفرطي الثراء، لكنه يتوارى وراء نص ينقله عن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الذي يذهب فيه إلى القول إن التناقض الأساسي للنظام (الرأسمالي) مستمر لأنه لا يوجد عدد كاف من المنتفعين الذين يقبلون بالتضحية بمصالحهم على المدى القصير لمصلحة غد أفضل للجميع. على أن البروفيسور فارمير يجرؤ على الإشارة إلى أن مصلحة الحضارة الإنسانية وصيانة مستقبلها على هذا الكوكب تحتّمان أن تنتقل البشرية من التخبط في اتخاذ القرارات الاقتصادية إلى استخدام اقتصاديات التعقيد، التي دون شك تتطلب إلى جانب التزام النخبة بتنفيذ معطياتها توفير الاستثمارات الهائلة اللازمة والكوادر لمدّ النمذجة بأكبر كميّة ممكنة من البيانات من المصادر المختلفة، وهو أمر أصبح في الثورة التكنولوجية أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال.

***

ندى حطيط

عن صحيفة الشرق الأوسط، يوم: 19 يونيو 2024 م ـ 13 ذو الحِجّة 1445 هـ

السؤال في عنوان المقال قد يكون صادمًا للقارئ، لكن الواقع الآن يتحدّث عن مغادرة باتت واضحة للدراسات الإسلامية من المنطقة العربية، إما إلى جنوب شرق آسيا، خاصة إندونيسيا وماليزيا، أو إلى أوروبا والولايات المتحدة، والآن على استحياء في بعض الدول الأفريقية.

فالجمود ومطاردة من يفكّرون ويجددون بجرأة، ومحاصرة الدراسات الإسلامية في بعض الدول العربية، يقابلها صعود متزايد للدراسات الإسلامية خارج المنطقة العربية.

إندونيسيا

هناك فلسفة وراء صعود الدراسات الإسلامية في إندونيسيا. في كتاب العالم الإندونيسي فضل الرحمن مالك الصادر عام 1982م بعنوان "الإسلام والحداثة"، يقول: "إنّ الديناميكيات بين العلوم الاجتماعية، كعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وما إلى ذلك والمجتمع الإسلامي ليست مدروسة بشكل جيد في إطار التعليم الإسلامي في جميع أنحاء العالم، ونادرًا ما يتم التطرق إلى الأفكار والفلسفات المعاصرة".

هذا، في رؤية الإندونيسيين، جعل المؤسسات الإسلامية التقليدية في العالم العربي (كالأزهر الشريف في مصر) غير قادرة على الاستجابة بفاعلية للتحديات المعاصرة. في بلد به 1300 مجموعة عرقية وأكثر من 225 مليون مسلم، لا بدّ من البحث عن قضايا تجعل السِلم المجتمعي أولوية، بل دراسات تؤكّد التنوع مع الوحدة، فضلًا عن المعاصرة. بناءً على ذلك، أعلنت إندونيسيا عن تأسيس ما أسمته "الجامعة الإسلامية الدولية الإندونيسية".

ورغم وجود عدد من الجامعات المتخصصة في الدراسات الإسلامية بإندونيسيا، فإن تأسيس هذه الجامعة جاء ليعبّر عن عدد من المعطيات، من بينها أن إندونيسيا صار لديها كوادر علمية تتلمذت في الأزهر والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وغيرهما، وحان الوقت ليكون لإندونيسيا دور يوازي وزنها السكاني في العالم الإسلامي (13% من المسلمين)، فضلًا عن سعيها لتكريس نموذج للدراسات الإسلامية مختلف عن نموذج المنطقة العربية.

لهذا السبب، رأينا إندونيسيا تؤسس في هذه الجامعة مركزًا لدراسة الثقافة الإندونيسية الإسلامية، وآخر للدراسات الإستراتيجية الإسلامية، مستعينة في ذلك بتجربتَين من خارج المنطقة العربية، هما: مركز لايدن لدراسة الإسلام والمجتمع، ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية. وتسعى إندونيسيا حاليًا لجذب مئات الطلاب لدراسة العلوم الإسلامية بها.

ماليزيا

جذبت الدوريات الإسلامية العلمية الصادرة في إندونيسيا، وماليزيا باللغات المحلية، والعربية، والإنجليزية عددًا كبيرًا من العلماء العرب للنشر فيها، بسبب إصرار لجان الترقيات في الجامعات العربية على التصنيف الدولي للدوريات. وهو ما نجحت فيه جامعات هاتين الدولتين، فيما فشلت الجامعات العربية الإسلامية في بناء تصنيف يحترم ويقدر دورياتها.

في ماليزيا كذلك، هناك رؤية وراء الاهتمام بالدراسات الإسلامية وضعها الفيلسوف الماليزي السيد محمد نقيب العطاس (مواليد 1931م)، حيث صاغ مفهوم "غرس وتلقين الأدب في الإنسان عبر تأديب العقل والروح"، وهو ما جنّب ماليزيا ظهور متطرفين بها. في ماليزيا، توجد 23 جامعة على الأقل، بها تخصصات الدراسات الإسلامية، أبرزها الجامعة الإسلامية العالمية.

تدرك ماليزيا أن دورها في تحديث الدراسات الإسلامية يقودها إلى مكانة بارزة في العالم الإسلامي، لذا فهي تعتمد على سياسة المنح الدراسية للطلبة المسلمين، في سياسة النفس الطويل بعيد المدى في التأثير، وهو ما جعلها نموذجًا كدولة إسلامية ناجحة يمكن الاقتداء بها.

أوروبا

المشاكل المتتالية التي مرّت بمسلمي أوروبا، جعلت الدول الأوروبية تفكّر مليًا في هؤلاء إلى حد التفكير العنصري. لكن في نهاية الأمر ومع الجيل الثالث من مسلمي أوروبا، ومع المسلمين من أصول أوروبية، صار الإسلام حاضرًا في أوروبا. هذا ما اقتضى أن تكون معظم جامعات أوروبا معنيّة بالدراسات العربية الإسلامية، وبدراسة الإسلام كدين.

على عكس ما كان في القرون من الرابع عشر إلى القرن العشرين، صارت الدراسات الإسلامية في الجامعات الأوروبية يقودها مسلمون، في حين أنه في السابق كان يقودها مستشرقون أوروبيون. الآن، تولد في أوروبا دراسات إسلامية معاصرة بدأت تلفت الانتباه بقوة. فبدءًا من دراسة المجتمعات الإسلامية إلى الشريعة والفقه إلى غير ذلك، لدينا مئات الدراسات. وقراءة لمجلة "تعارفوا" التي تصدرها الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية كاشفة. كما أن هناك 59 جامعة أوروبية معنية بصورة مباشرة بالدراسات الإسلامية.

صار بناء علماء مسلمين أوروبيين هدفًا أوروبيًا بعد أن عانت أوروبا من تصدير مشكلات العالم الإسلامي لها. لهذا السبب، رأينا ذلك في المعهد الأوروبي للعلوم الإسلامية في بروكسل الذي تأسّس عام 2010م، وكذلك كلية الدراسات الإسلامية في ألمانيا.

تجربة عبد الحكيم مراد

إن أقصى ما كان يجول في الخيال أن تأتي رؤية لتجديد الفقه الإسلامي من جامعة أكسفورد، حتى إن مركز "نهوض" في الكويت رأيناه يترجم "مرجع أكسفورد في الفقه الإسلامي وأصوله وتاريخه"، وهو في مجلدَين ليقرأَه العرب، ويقبل عليه علماء عرب مسلمون، ويصبح مرجعًا في دراسات الفقه الإسلامي في المنطقة العربية.

وفي السياق أيضًا، يطل علينا من جامعة كامبردج أحد العلماء المسلمين المجددين، بل ممن يطرحون رؤى تلفت الانتباه، وهو العالم الإنجليزي المسلم عبد الحكيم مراد (تيموثي وينتر) الذي شكل مدرسة علمية مجددة وراشدة في التعاطي حتى مع الحديث النبوي الشريف، عكس ما يطرحه التنويريون العرب من تعطيل للسنة النبوية. لقد صار تلامذته بدراساتهم معلمًا للإسلام في أوروبا. درس عبد الحكيم مراد في جامعات كامبردج، ولندن، والأزهر، ولديه عناية خاصة بالسنة النبوية، ومنصة رقمية لتعليم الإسلام، عليها إقبال من كل أنحاء العالم، يقدم فيها السيرة النبوية، والإمام الغزالي، وقصص القرآن.

وأخيرًا، ففي الولايات المتحدة، بات صعود الدراسات الإسلامية في حاجة لرصد وتحليل عميق في ظلّ تزايد المسلمين بها، بل تمركزهم في ولايات مثل نيويورك، وتكساس.

تشير المؤشرات إلى أن الإسلام ستكون له لغة أخرى إلى جانب العربية، وهي اللغة الإنجليزية. فهل نرى قريبًا اجتهادات إسلامية بالإنجليزيّة؟

***

د. خالد عزب - أكاديمي وخبير في مجال التراث

عن  موقع الجزيرة، يوم: 21/6/2024

 

ليست إشكالية السياسة والحقيقة بالإشكالية الجديدة في الفكر الفلسفي، بل نجدها حاضرةً بقوة في كتابات أفلاطون، أهم فلاسفة العصور القديمة.

بيد أن السنوات الأخيرة شهدت عودةً لهذه المسألة المعقدة في إطار الجدل الذي خلّفته الثورة الاتصالية الراهنة، بتأثيراتها البارزة على نمط انتقال المعلومة في المجال العمومي، من خلال شبكات المواقع الاجتماعية وطبيعة الخطاب السياسي الموجه للقاعدة الشعبية العريضة.

ومن الأعمال التي صدرت مؤخراً في الموضوع كتاب الفيلسوفة الإيطالية غلوريا أوريغي، «الفلسفة مسألة سياسية»، وفيه تتساءل: هل تشكل الحقيقةُ موضوعاً سياسياً على غرار مفاهيم محورية أخرى مثل العدالة والمساواة والحرية؟

ومعلوم أن الفيلسوفة الألمانية الأميركية حنة أرندت قد عالجت هذا الإشكال في مقالة بعنوان «الحقيقة والسياسة» (1967)، خلصت فيها إلى أن الحقيقة مقولة خارج الحقل السياسي، وإن كانت شرطاً في بناء عالم مشترك صلب ومتماسك.

عندما تتحول الحقائق الطبيعية والعقلية إلى رهان سياسي، تفقد الديمقراطية بصفتها مساراً حوارياً احتمالياً دلالاتَها، ولقد شكلت اليقينياتُ القطعية على الدوام أداةً مِن أدوات الاستبداد السياسي.ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن فكرة الحقيقة الموضوعية المستمدة من المعاينة التجريبية، والتي هي الخلفية الإبستمولوجية للعلوم الوضعية الراهنة، قد تزامنت مع الممارسة الديمقراطية الحرة بمقوماتها المرجعية المؤسسة على التداولية التعددية، أي غياب حقيقة مطلقة مهيمنة مسبقة.

ومع فلسفات الشك المعاصرة، وبصفة خاصة نقدية نيتشه، تعرّضت فكرة الحقيقة لنقد جذري، إلى حد القول بأن الحقائق كلّها تقويمات وتأويلات وليست مواقف وصفية للوقائع. إلا أن ما يجري حالياً هو أبعد من هذه الاعتبارات الفلسفية المجردة، بل يتعلق بالخروج من أفق الحقيقة نفسه، وذلك بالحديث عن «ما بعد الحقيقة» أو «الحقائق البديلة» بلغة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. لكن ما معنى الديمقراطية إذا انهارت فكرة الحقيقة وانتهت القسمة الوجودية بين الوقائع الوصفية والتأويلات النظرية؟

ألا ينفتح المجال رحباً أمام الصور الخطابية التي تستخدم الأهواءَ والمشاعر النفسية أداةً للإقناع والإجماع على غرار شخصية السوفسطائي التي حاربَها سقراط في المحاورات الافلاطونية؟

في عالمنا العربي، اتسم الخطاب السياسي لدى قطاع واسع من الفاعلين في المجال العمومي، مِن قادة رأي وصناع قرار، بالخطابية الأيديولوجية التي لا تقيم شأناً للحقائق الموضوعية ولا المعرفة التقنية الدقيقة.

وكان ميشال عفلق، مؤسس التيار البعثي وتلميذ الفيلسوف الفرنسي برجسون، يدافع عن «الحقيقة الوجدانية» في مقابل الحقيقة الوضعية، ويرى أن مشروع التغيير منوط بتوجيه الوعي عبر أساليب التعبئة الشعورية.

وسلك دعاة الأيديولوجيا القومية ثم الإسلام السياسي في عمومهم هذا المسلك، الذي أفضى إلى تحويل السياسة إلى فن للتعبئة والتحفيز، بدلاً من استخدامها في معاييرها القانونية والفنية الحديثة التي تكرس نمطاً من مرجعية الحقيقة.

ومن المعروف أن هوبز وسبينوزا اللذَين أدركا دورَ الأهواء والنوازع في العمل السياسي الجماعي، وبصفة خاصة ما يتعلق بمتطلبات الخضوع والإذعان للسلطة (الخوف والرغبة على الأخص)، أخرجَا السياسةَ مِن منطق التحكم الفردي إلى منطق التسيير التقني لمؤسسات الدولة والتدبير القانوني للميدان العمومي. وهكذا ندرك دورَ الخبير المتنامي في الفعل السياسي، من حيث كونه يتأسس على نمط من الحقيقة التقنية الوضعية التي تُقيِّد إلى حد بعيد ديناميكيةَ التداول والنقاش الجماعي التي هي أرضية الممارسة الديمقراطية في دلالتها الواسعة.

إلا أن ما يفرق بين الأنظمة الكليانية التسلطية والأنظمة الليبرالية المفتوحة هو أن الحكومات الاستبدادية تحكم باسم الحقائق اليقينية الملزِمة المفروضة على وعي الناس، كما هو شأن الأيديولوجيا الماركسية التي تدّعي الاستنادَ إلى علم موضوعي بقوانين التاريخ البشري. أما في الأنظمة الليبرالية، فتظل الحقيقة أفقاً احتمالياً مفتوحاً، بما يضمن التخلص من الوثوقيات الهشة والأوهام الشائعة.

في أعماله الأخيرة حول حفريات الذات، يبين ميشال فوكو أن الديمقراطية قامت تاريخياً على أساس ثلاثة مفاهيم ترجع للقاموس اليوناني: الإيزنوميا (أي المساواة أمام القانون)، والأيزوغريا (أي المساواة في حق الكلام العمومي مهما كانت طبيعة الاختلاف الطبقي بين الأفراد)، والباريزيا (أي شجاعة قول الحقيقة مهما كلف هذا الخيار ومهما كانت تبعاته الاجتماعية).

ومن دون الباريزيا، تتحول الديمقراطية إلى إجماع نخبوي تسيطر عليه النوازع والأهواء والمعتقدات الوثوقية، في نمط من إجماع التواطؤ الذي هو النقيض الفعلي للتوافق الحر في مجتمع ليبرالي مفتوح. وخلاصة الأمر أن التحدي النوعي المطروح على المجتمعات الديمقراطية الحالية هو الحفاظ على معيار الحقيقة البرهانية في مواجهة الفردية النرجسية المغلقة على نفسها والأهواء المتقاسَمة التي تتخذ شكل إجماع وهمي زائف.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الامارتية، يوم: 23 يونيو 2024 23:45

 

من أهم ما يميز الفلسفة أنها مجال مفتوح، يتجدد مجالها، وتتصاعد وظيفتها مع تغير الأحوال والظروف، ومن يطالع أي تاريخٍ لها وإنْ كان مختصراً على النحو الذي فعله هيغل في محاضراته وفي فاتحتها يعتبر أن: «ما يمثله تاريخ الفلسفة هو توالي النفوس الشريفة، معرض أبطال العقل الذي يتفكر، الأبطال الذين تغلغلوا، بفضل هذا العقل، في جوهر الأشياء، في الطبيعة والروح، وأقاموا لأجلنا الكنز الأعظم، كنز المعرفة العقلانية، إن الحوادث والأفعال في التاريخ هذا تكون على إثر نوعٍ يجعل مادته وقيمته متمايزتين عن الشخصية والطابع الفردي، في حين أن الفرد في التاريخ السياسي، حسب خصوصية طبيعته وعبقريته وأهوائه وقوة مزاجه أو ضعفه، وبوجهٍ عام حسب ما هو مبرر لكونه هذا الفرد المتعين هو فاعل بحيث لا يمكننا عزوها إلى الفرد الخاص، وبحيث لا يمكن إسناد استحقاقها إليه، وأنها تتوقف أكثر على الفكر الحر، على السمعة العامة للإنسان من حيث هو إنسان، وأن هذا الفكر المحروم من الخصوصية بالذات هو الفاعل الذي ينتج».

ليس هناك صراعٍ بين العلم والفلسفة، برغم وجود نعرات لفلاسفة وصراعٍ حول هذين المجالين من حيث التفضيل، بيد أن الفلسفة بتاريخها كانت رافعة للنظرية العلمية من حيث توفير أرضية الأسئلة التأملية، التي لا يشترط أن تكون مرتبطة بنظرية علمية، كذا فعل الفلاسفة اليونانيون حين تحدثوا عن النار كما لدى هيرقليطس، أو الماء كما لدى أرسطو، أو الذرة كما لدى ديموقريطس.

العطاء الذي تمنحه الفلسفة يأتي على شكل فتوحات وشذرات، التماعات ورؤى وومضات حين تناقش أصل الكون، ولكنها لم تبقَ منفصلة مع التطور العلمي، خصوصاً في المجالات الرياضية منذ القرن السادس عشر وما تلاه.

غير أن العلم لم يستطع اجتياح الفلسفة ولا إلغاء دورها، حيث نجد النمط التأملي حاضراً لدى فلاسفة رياضيين من أمثال ديكارت وبليز باسكال ولايبنتز، فالعلم لم يغلق أسئلة الفلسفة، ولا يمكنه ذلك، بل كل حلٍ علمي لسؤالٍ فلسفي، يعقبه سؤال فلسفي جديد على النحو الذي يطالعه كل قارئ للنظريات الشاملة حول المعرفة لدى فلاسفة لهم باعهم في العلوم الطبيعية من مثل إيمانويل كانط، والذي لا تزال آراؤه ومفاهيمه فاعلة ومحل نقاشٍ حتى اليوم، فهو من أعظم فلاسفة التاريخ إن لم يكن أكثرهم أهمية وإشعالاً للجدل والنقاش الحيوي، وخصوصاً في كتابه «نقد العقل المحض».

الخلاصة، ان مشروع إيمانويل كانط بحر متلاطم. ومن ظريف ما وصف به قول سمير بلكفيف، في كتابه: «التفكير مع كانط ضد كانط»: «إنك لتشعر في مؤلفات كانط كما لو أنك في سوق ريفية، فبمقدورك أن تشتري منه أي شيء ترغب فيه، فستجد لديه حرية الإرادة وعبوديتها، والمذهب المثالي ودحضه، والإلحاد والإيمان بالرب الخيّر». وتقوم هذه الفلسفة على الأسئلة الثلاثة المشهورة: ما الذي يمكنني أن أعرفه؟ ويمثل مشكلة المعرفة، وما الذي ينبغي أن أعمله؟ ويمثل المشكلة الأخلاقية، وما الذي أستطيع أن أملّه؟ ويمثل المشكلة الدينية».

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب سعودي

عن صحيفة الاتحاد الاماراتية، يوم: 18 يونيو 2024

تختلف الأحكام على نعوم تشومسكي الذي بلغ الـ95 بين مَن يتطرف في اعتباره مؤيداً شرساً لفلسطين والعرب، ومَن ينظر إليه كمراوغ يقول الشيء ويلمح لضده، وبأنه بقي صهيونياً مخلصاً، لكن على طريقته. الالتباس متأتٍّ من سعة معرفة الرجل، ولدانة فكره، وطواعيته أمام التحولات. كان منافحاً عن حل الدولتين مع يقينه بأنه لن يتحقق، ولم ير بعين الرضا «اتفاق أوسلو» لأنه الأدرى بنيات إسرائيل. وقبل أن يفقد النطق، وتبدأ مجازر غزة، تصوَّر أن الحل المتبقي والممكن، هو الدولة الواحدة بغالبية يهودية، تُستثنى منها التجمعات الفلسطينية الكبيرة. ولا نعرف مِن آرائه في الأشهر الأخيرة، سوى غضبه بتلويحات باليد اليسرى، قبل أن تخرج إشاعات موته التي جزع لها محبوه.

لا يجادل اثنان في عبقرية تشومسكي، ومهاراته التحليلية، وموسوعيته. ما جعله شهيراً في البدء، وما سيبقى منه للتاريخ، ليس آراءه السياسية الآنية الفانية، ولا مواقفه الاجتماعية الإنسانية، وإنما نظريته اللغوية الفذة، وإنجازاته في ميدان اللغات، حتى قيل إنه «أبو اللسانيات الحديثة».

قبل أن يتعرف طلابنا في الجامعات إلى تشومسكي اليهودي المرتدّ عن صهيونيته، ومنعته إسرائيل، ذات مرة، من دخول الضفة الغربية، ونُظِر إليه على أنه مارق وناكر لبني قومه، يتعلمون إنجازاته الرائدة، كواحد من أهم علماء اللغة وأعظمهم تأثيراً، في عصره.

نظرية هذا العبقري، «التوليدية التحويلية»، لم تسهم في تغيير اتجاه الدراسات اللغوية فقط، بل كان لها تأثيرها على علوم الأنثروبولوجيا، والنطق، والأعصاب، والطب، والمناعة، وكذلك علم النفس، والاجتماع. أكثر من ذلك، لتشومسكي فضل في تطوير أساليب البرمجة وعلم الحاسوب، والترجمة الآلية، من خلال فتوحاته العلمية حول احتمالات التبديل اللغوي الذي يستخدمة المبرمجون؛ فهو رياضي من الدرجة الأولى، علمي المنهج، قدَّم رؤية لغوية أنقذت الإنسان من جلافة النظرية السلوكية التي كانت تعتبر قدرات البشر الذهنية ميكانيكة، آلية، كالحيوان. أما تشومسكي فأثبت أن لدماغ الإنسان مرونة وقدرة فطرية خلاقة، ليست لأي مخلوق آخر؛ فالطفل بمفردات قليلة، وتراكيب محدودة، خلال فترة قصيرة، يستطيع أن يولد ويستنبط ويركب عدداً كبيراً من الجمل، وهي خاصية لم تُعطَ لغير البشر. هذا ما سماه «جهاز اكتساب اللغة» الذي انشغل باكتشاف أسراره وفك رموزه.

اللغة بالنسبة إليه مرآة، من خلال ظواهرها وبنيتيها «السطحية» و«العميقة» نفهم البنية الذهنية للبشر.

ما يهمنا أن تشومسكي دخل عالم اللغات من باب العبرية، وتزوج إسرائيلية، وعاشا معاً عام 1953 في مستوطنة حزوريا، وقضى وقتاً طيباً هناك، لكنه رغم ذلك لحظ تطرف الروح القومية وخشي بحدسه المبكر من العنصرية التي يُعامل بها الفلسطينيون، ففضل العودة إلى أميركا.

كل الظروف اجتمعت لتشومسكي ليصبح صهيونياً، انعزالياً، متقبلاً لوحشية إسرائيل وهستيريا حروبها. العائلة أوكرانية هاجرت إلى أميركا، في الوقت الذي توجهت فيه أسر أخرى إلى فلسطين. هناك علم والده في مدرسة دينية يهودية، وصار مديراً لها، قام بأبحاث حول اللغة العبرية، تعليمها وقيمتها وأهميتها وقواعدها. نعوم نشأ في هذه البيئة، تعلم العبرية، وتحدث الإيديشية، عايش الفكر الصهيوني، عانى من معاداة السامية، توجس من انتشار الفاشية في أوروبا، لكنه كان شغوفاً بالقراءة، وانخرط في الجامعة بدراسة اللسانيات والفلسفة، نال شهادة الماجستير عن أطروحته حول «الصيغ الصرفية في العبرية»، وتمكن بفعل براعته في القياس من توسيع دائرة نتائجه الأولى لتشمل لغات أخرى.

أعجب بأفكار التيارات اليسارية صغيراً، وتبلور حسه النقدي من نقاشاته التي بدأت في البيت، ساند الحركات الطلابية التي قامت ضد حرب فيتنام، وكتب مناهضاً هذه الحرب، ثم عارض الغزو الأميركي للعراق، وزار قطاع غزة عام 2012 تضامناً مع أهلها المحاصرين. وذهب تكراراً إلى الضفة.

حين ينتقد تشومسكي إسرائيل، فهو يفعل كيهودي، يفهم البنية العميقة لهذا الكيان، ومخاطرها على نفسها، ويشن حملاته على السياسات الأميركية كيساري يفهم سلطة المال ولعنته. يستشهد بآدم سميث الذي يقول إن أصحاب الثروات يتبعون مبدأ حقيراً هو: «كل شيء لأنفسنا، ولا شيء للآخرين»، معتبراً أنها جملة مفتاح لفهم السياسة الداخلية لأميركا التي تحكمها مافيات المصالح، ويقيس عليها السياسة الخارجية، ومن هنا تأتي حملاته على وسائل الإعلام التي هي مجرد أبواق يعدّها بديل السوط في الأنظمة الديكتاتورية.

الحكم على تشومسكي، وهو على سرير المرض، لا بد أن يتحرَّى العدل الذي يليق برجل تحلى بالشجاعة، وصدق الرأي، وسوية النفس، لنقول إنه قد يكون من أواخر الذين آمنوا بدور المثقف الفاعل العضوي، الذي دعا إليه غرامشي.

هو من سلالة مثقفي «المسؤولية الأخلاقية»، مثل إدوارد سعيد، إقبال أحمد، نورمان فينكلشتاين، الذين دانوا باستمرار صمت النخب، ولعبوا أدواراً تاريخية، بتوظيف اختصاصاتهم الضيقة، من أجل المصلحة العليا للإنسانية.

***

د. سوسن الأبطح

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، يوم:

الخميس - 14 ذو الحِجّة 1445 هـ - 20 يونيو 2024 م

 

في المثقف اليوم