عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

النظر إليها من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 يوليو 2026 م ـ 23 مُحرَّم 1448 هـ

ليست وثيقة إلغاء الرِّق في سنة 1846 مجرد خبر من أخبار تونس، ولا مناسبة للحديث عن سبق بلد على بلد، بل هي شاهدٌ على لحظة نادرة في تاريخ الإصلاح الإسلامي الحديث، لحظة اجتمع فيها نظر الحاكم، ووعي العلماء، وقوة القواعد الشرعية، لتنتقل كرامة الإنسان من معنى أخلاقي عام إلى قرار نافذ.

كان أحمد باشا باي يدرك أن قضية الرق لم تَعُد مجرد باب من أبواب الفقه الموروث، بل صارت واقعاً تختلط فيه التجارة بالغلبة، والعادة بالاستغلال، وتضيع فيه الشروط التي تكلم عنها الفقهاء في أزمنة وسياقات مخصوصة. ولذا جاء القرارُ لا بوصفه خروجاً على الشريعة، ولا تقليداً لموجة خارجية، بل بوصفه تصرُّفاً من تصرُّفات الإمامة حين ترى أن بقاءَ ممارسة ما صار سبباً للضرر والامتهان.

قيمة الوثيقة أنها لا تقدم الإصلاح بوصفه صداماً بين الدولة والفقه، بل تكشف عن إمكان آخر: أن تتحرك الإرادة السياسية في أفق المصلحة العامة، وأن يواكبها نظرٌ علمي رصين يعرف كيف يميّز بين النَّص والعادة، بين الحكم ومحيطه التاريخي، بين المقصد والصورة التي لبسها في زمن من الأزمنة. وفي هذا المعنى يظهر عمق المدرسة المالكية، بما رسّخته من اعتبار للمصلحة، وسدٍّ للذرائع، ورفعٍ للضرر، ومراعاة للمآلات، وربطٍ لتصرف الإمام بما يحقق الخيرَ العام للرعية.

لم يكن موقف العلماء المالكية في تلك اللحظة تبريراً لقرار سياسي جاهز، ولا انكفاءً على ظاهر الموروث، بل كان نظراً في حقيقة الواقع. فالقرآنُ جعل العتقَ باباً من أبواب البر والكفارات والتطهير، ووسّع مسالكَ التحرير، وضيّق أسباب الاسترقاق. فإذا تحوّل الرقُّ في واقع القرن التاسع عشر إلى سوق بشرية قائمة على الأخذ والقهر والبيع، فإن منطق الشريعة نفسه يقود إلى منعه، لا إلى إدامته.

ومن هنا يصبح القرار درساً في كيفية اشتغال الفقه حين يكون قريباً من الحياة، لا حبيساً في الصور المتوارثة. فالفقيه لا يحرس اللفظَ وحدَه، بل يحرس العدلَ الذي جاء اللفظُ لإقامته. والحاكم لا يكتفي بإعلان المقاصد، بل يحوّلها إلى نظام يحمي الناسَ من الاستغلال. وعندما يلتقي هذان المعنَيان، تنشأ سياسةٌ عامةٌ لا تتنكر للدين، ولا تترك المجتمع أسيرَ عادة فقدت معناها الشرعي والأخلاقي.

واللافتُ أن هذا القرارَ صدر سنة 1846، في وقت كانت فيه دولٌ كثيرةٌ، ومنها دولٌ أوروبيةٌ، لم تكن قد حسمت المسألةَ بصورة نهائية. ففرنسا، مثلاً، لم تلغِ الرِّق في مستعمراتها إلا سنة 1848. وليس المقصود من هذه المقارنة صناعةَ مفاخرة تاريخية، وإنما التنبيه إلى أن الإصلاح في المجال العربي والإسلامي لم يكن على الدوام تابعاً أو متأخراً، فقد عَرفَ لحظاتٍ استطاع فيها أن يتقدّم حين اجتمعت القيادةُ المسؤولة مع الاجتهاد الرصين.

إن درس الوثيقة يتجاوز جغرافيا المكان وزمن الواقعة. فهي تقول إن القواعد الكبرى في الفقه ليست محفوظاتٍ للدرس فقط، بل أدوات لبناء العمران وصون الإنسان. وتقول إن المصلحة العامة إذا ظهرت حجّتها، وانتفى وجه الإبقاء على الضرر، صار تحويلها إلى قانون من صميم وظيفة القيادة، ومن صميم رسالة العِلم.

ولهذا تبقى وثيقة 1846 ذات معنى متجدد، لأنها تعلِّمنا أن الإصلاح العميق لا يحتاج إلى خصومة مع الشريعة، بل إلى فهم أمين لها، وإلى قيادة تعرف أن كرامة الإنسان ليست شعاراً يُرفع، بل حقٌّ يُصان بنظام، وحكم يُتَرجَم في الواقع، ومصلحة تُقدّم حين تصبح العادة باباً من أبواب الظلم.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يوليو 2026 23:15

 

منذ أكثر من ألف عام، تعيش منطقتنا صراعًا لم ينتهِ بعد؛ صراعًا بين رسالتين مختلفتين تمامًا: رسالة الدين بوصفه منظومة قيم تهدف إلى بناء الإنسان، ورسالة السلطة التي تستخدم الدين أداةً لإدارة الصراع السياسي.

وفي تقديري، فإن أخطر ما دخل إلى الوعي العربي هو ما أصبح يُعرف اليوم بـ”الإسلام السياسي”. ليس لأن الإسلام يتناول الشأن العام أو يوجه السلوك السياسي، فهذا أمر طبيعي في أي منظومة أخلاقية، وإنما لأن السياسة أصبحت هي التي تعيد تشكيل فهم الدين بما يخدم مشروع السلطة.

لقد جاء القرآن في زمن كانت الإمبراطوريات تُبنى على أساس العرق أو القبيلة أو الدين. كانت الدولة تعني غلبة جماعة على جماعة، وكانت الحدود تُرسم بالسيف، والناس يُصنفون وفق انتمائهم لا وفق إنسانيتهم.

وسط هذا العالم ظهر سيدنا محمد ﷺ ليقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا.

لم يبدأ ببناء إمبراطورية، ولم يؤسس دولة دينية مغلقة، بل أسس مجتمعًا في يثرب يقوم على عقد اجتماعي يجمع المسلمين وغير المسلمين في كيان سياسي واحد، يتشاركون الحقوق والواجبات، ويحكمهم ميثاق ينظم العلاقة بينهم.

ولهذا فإنني أرى أن المدينة في القرآن ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما نموذج حضاري؛ فضاء يجتمع فيه المختلفون تحت مظلة القانون والعدل، لا تحت مظلة التشابه الديني أو العرقي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن النبي ﷺ، بعد فتح مكة، لم يجعلها عاصمة مشروعه، بل عاد إلى المدينة، وكأن الرسالة تؤكد أن المستقبل لا يُبنى في المجتمع الأحادي، بل في المجتمع القادر على استيعاب التنوع.

فالقرآن يخاطب الناس جميعًا:

﴿يا أيها الناس﴾

ولا يحصر خطابه في جماعة بعينها.

ويقرر مبدأ الحرية بوضوح:

﴿لا إكراه في الدين﴾

ويجعل الاختلاف سنة من سنن الخلق:

﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾

فالتعارف، لا الصدام، هو الغاية.

ومن هنا أفهم أن رسالة سيدنا محمد ﷺ كانت مشروعًا عالميًا لبناء مجتمع إنساني متعدد، لا مشروعًا لإقامة دولة تحتكر الحقيقة الدينية.

لكن هذا المسار، في قراءتي، بدأ يتغير مع قيام الدولة الأموية، حيث أصبحت السلطة السياسية هي المحور، وأخذ الدين يؤدي - في كثير من الأحيان - وظيفة منح الشرعية للحاكم وللتوسع السياسي. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتبلور نموذج يربط بين الدين والسلطة بصورة تجعل السياسة هي التي تحدد شكل الخطاب الديني، بدلاً من أن تخضع السياسة للقيم القرآنية.

ولا يعني ذلك أن هذه الظاهرة كانت استثناءً في التاريخ الإسلامي؛ فالإمبراطوريات الفارسية والرومانية وغيرها استخدمت الدين والقومية بالطريقة نفسها. غير أن الرسالة المحمدية، كما أفهمها، جاءت لتكسر هذه القاعدة، لا لتكررها.

وقد تناول القرآن هذا المفهوم من زاوية أخرى حين تحدث عن الإيلاف في سورة قريش. وفي قراءتي السابقة، فإن الإيلاف لا يقتصر على رحلات التجارة، بل يعبر عن بناء منظومة من الاتفاقات الاقتصادية والسياسية التي تحقق الأمن والازدهار من خلال التعاون لا الهيمنة.

وهذا ما أدركه العالم بعد الحربين العالميتين. فقد أثبتت الحروب القائمة على القومية والعرق أنها تقود إلى الدمار الشامل، فاتجهت الدول إلى بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية، والتحالفات الدولية، والاتفاقيات التي تجعل المصالح المشتركة أساسًا للاستقرار.

بينما بقي الشرق الأوسط، إلى حد كبير، أسير مشاريع الهوية المغلقة؛ فتنافست القومية العربية، والحركات الإسلامية، والمشاريع المذهبية، وكل منها رأى نفسه الممثل الوحيد للحقيقة.

ورأينا كيف تحولت شعارات النهضة والوحدة والخلافة إلى صراعات داخلية، دفعت الشعوب العربية ثمنها دمًا ودمارًا وتأخرًا اقتصاديًا.

ولا يعني هذا إنكار إخلاص كثير من المنتسبين إلى تلك الحركات أو دوافعهم، لكنه يميز بين النوايا والنتائج؛ فالتجارب التاريخية أظهرت أن تحويل الدين إلى برنامج حزبي أو أداة للوصول إلى السلطة كثيرًا ما أدى إلى الاستقطاب والانقسام، بدلًا من تحقيق الوحدة التي سعت إليها تلك الحركات.

إن الدولة التي بشّر بها القرآن، كما أفهمها، ليست “دولة إسلامية” بالمعنى الذي شاع في الأدبيات السياسية الحديثة، بل دولة تقوم على قيم الإسلام: العدل، والحرية، والرحمة، وحفظ الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، واحترام التعدد.

ولهذا فإن الانتماء الحقيقي للدولة لا ينبغي أن يكون للدين أو العرق، وإنما للعقد الذي يجمع المواطنين جميعًا.

فالدولة ليست عقيدة، بل إطار ينظم حياة الناس.

أما العقيدة، فهي علاقة الإنسان بربه، لا يجوز أن تتحول إلى معيار للمواطنة أو أداة للإقصاء.

إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى إحياء نماذج الصراع القديمة، بل إلى استعادة جوهر الرسالة المحمدية؛ رسالة الإنسان، ورسالة المدينة، ورسالة السلام.

فالسلام ليس هدنة بين الحروب، بل هو النظام الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يختلف مع غيره دون أن يحوله إلى عدو.

وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح الإسلام رسالة عالمية تستوعب الجميع، لا مشروعًا سياسيًا يتصارع مع الآخرين.

وهنا، في تقديري، يكمن الفرق الجوهري بين الإسلام بوصفه منظومة قيم إنسانية، والإسلام السياسي بوصفه توظيفًا للدين في خدمة السلطة. وكلما اقتربنا من الأول، اقتربنا من روح القرآن، وكلما غلب الثاني، ابتعدنا عن المقصد الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ لبناء مجتمع يسوده السلم والعدل والكرامة الإنسانية.

اتمنى أن تكون التعليقات في روح التعددية واحترام المختلف وليس بما لا يليق بأخلاق معلمنا ونبينا محمد صلوات ربي عليه

***

وائل كريم

 

لم يأتِ الإسلام بنظرية سياسية كما يزعم دعاة تسييس الدين، وإنما جاء برسالة إيمانية وأخلاقية واجتماعية، حيث انحصرت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الوحي والرسالة، ولم تكن دعوته لتأسيس نظام سياسي بعينه، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. ومن ثم فإن القرآن الكريم، على كثرة ما فصّل في شؤون العبادات والمعاملات وأخلاق التعامل مع الناس، خلا من نص يفرض شكل الخلافة، أو يرسم بناءً سياسياً ملزماً للمسلمين على مر العصور. وانطلاقاً من ذلك، لم تكن الخلافة أصلاً من أصول الدين، وإنما نشأت باعتبارها اجتهاداً سياسياً مصلحياً لإدارة شؤون الاجتماع البشري آنذاك، ويؤكد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن تسمية خليفة من بعده، ولو كانت الخلافة فريضة شرعية ملزمة، لما ترك أمرها عرضة للاجتهاد.

لقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم القضاء، وإدارة الجيوش، وتنظيم شؤون المجتمع، وما كانت تصرفاته في كثير من الأحيان تشريعاً دينياً ذا صبغة مقدسة، وإنما تدابير دنيوية اقتضتها المصلحة، صدرت عنه كونه مسؤولاً عن تجمع بشري ناشئ يدير شؤونه وفق ظروف عصره.

لقد أدرك الصحابة هذا المعنى، فجاء حكمهم مدنياً قائماً على تدبير شؤون المجتمع وفق ما تقتضيه المصلحة، ولم يعدّوه قضية عقدية. وكانوا يميزون بين ما يصدر عن الرسول وحياً ملزماً، وبين ما يصدر عنه اجتهاداً دنيوياً، حتى كانوا يسألونه في بعض الوقائع: «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟».

لقد شهد التاريخ نماذج متعددة لتديين السياسة، فظهرت ميثولوجيا الإمامة عند بعض الشيعة، التي رفعت الإمامة إلى مرتبة الأصل الديني، كما برزت الحاكمية عند الخوارج، واتخذت من السلطة قضية عقدية. وأسهم ذلك في نشوء مفهوم «السياسة الشرعية»، وهو بناء بشري متأثر بالفكر الفارسي، ثم أُضفيت عليه لاحقاً صبغة شرعية، حتى بدا وكأنه جزء من التشريع، مع أنه منتج تاريخي لا يمتُ لنصوص الوحي بصلة.

وفي العصر الحديث، عاد تديين السياسة في صورة أكثر أيديولوجية مع نظرية «الحاكمية» لدى جماعات الإسلام السياسي، و«ولاية الفقيه» عند بعض الشيعة، حيث عملت هذه التيارات على أسطرة التاريخ، وحولت الخلافة من تجربة تاريخية بشرية إلى عقيدة، ومنحتها كمالاً وقداسة وصورتها نظاماً معصوماً عن الخطأ، لا تقوم قائمة للإسلام إلا بقيامه. ولترسيخ هذا التصور، اعتمدت على أحاديث تتنبأ بعودة الخلافة على منهاج النبوة، وهي أحاديث واهية، واتخذتها وسيلة لإقناع الناس بأن إعادة الخلافة وعد شرعي محتوم.

أدى ذلك إلى رفع شعارات «الإسلام دين ودولة» و«الإسلام هو الحل» و«الحاكمية»، وهي شعارات زائفة أُريد بها إضفاء القداسة الدينية على مشاريعهم التخريبية.

وحوالي منتصف القرن العشرين، استحدث المودودي مفهوم الحاكمية، وجعلها أصلاً من أصول الإيمان. وسيد قطب، وسّع هذا التصور حتى أصبحت الحاكمية قسماً رابعاً من أقسام التوحيد، معتبراً أن الله هو الحاكم والمالك الوحيد للكون، وأن أي تشريع بشري هو منازعة لله في ملكه.

غير أن المتأمل في لفظ «الحكم» في القرآن، وفي اللغة العربية، يجد أنه دار على معنى القضاء والفصل بين الخصومات، أو العلم والحكمة، ولم يأتِ قط بمعنى السلطة السياسية. فالقرآن يقول في يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾، بينما هو ما كان صاحب دولة ولا سلطان، إنما المقصود آتاه الحكمة والعلم، الأمر الذي يؤكد أن الحاكمية بالمعنى الأيديولوجي تأويل مستحدث لتشويه الدلالة القرآنية.

إنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فقد نزل في سياق القضاء عند أهل الكتاب، وبخاصة بني إسرائيل، فجاءت الآية تعالج تلك الواقعة، ولم تُنزَّل لتأسيس حاكمية، ولا لجعل الحدود والعقوبات الواردة في ذلك العصر غايةً في ذاتها، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصدها، وفي مقدمتها الزجر، فتتحقق هذه المقاصد بما يحقق الزجر، دون الوقوف عند صورة تاريخية جامدة.

وعلى الرغم من أن الإسلام لم يأتِ بنظرية سياسية، فإنه أرسى من المبادئ ما يكفل انتظام المجتمع واستقرار الدولة، فدعا إلى السلم، والوفاء بالعهد، وتعزيز الانتماء إلى الوطن، والدفاع عنه، وطاعة ولي الأمر صيانةً للنظام العام ودرءاً للفوضى. لذا تبقى الدولة باعتبارها المجال التدبيري لإدارة الشأن العام ميداناً للاجتهاد والتنمية، ويظل الدين مرجعاً للقيم والمقاصد.

***

د. خليفة مبارك الظاهري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026

 

لنتوقف عن المجاملات الدبلوماسية. جماعة «الإخوان» ليست حزباً سياسياً، ولا حركة مدنية، ولا صوتاً يمثّل المسلمين في أي مكان على وجه الأرض. هي آلة أيديولوجية عمرها قرن من الزمن، بُنيت لغرض واحد لا غير: الاستيلاء على السُّلطة بالعنف والتخريب وتدمير كل مجتمع كان ساذجاً بما يكفي ليسمح لها بالعمل بحرية. مكانها خلف القضبان، لا خلف المنابر. أسّسها حسن البنّا في مصر عام 1928، وأمضت ما يقارب المئة عام تتقن فن التمويه السياسي. تلبس البذلات حين يلزمها، وترفع ورقة الاقتراع حين تحتاج، وتتحدث عن الخير والمجتمع أمام الكاميرات. لكن ما إنْ تكشف الغطاء حتى تجد منظمةً يَقْطُر حمضها الأيديولوجي دماً. البنا لم يبنِ نادياً اجتماعياً، بل بنى طليعة ثورية. وجاء بعده سيد قطب، ليذهب أبعد من ذلك، مُعلناً أن المجتمع الحديث كله في حالة جاهلية، وداعياً إلى ثورة عنيفة لإسقاطه. تلك الأيديولوجيا لم تَمُتْ بإعدام قطب عام 1966. انتشرت. تمدّدت. وأنجبت كل حركة إرهابية إسلاموية كبرى خلال نصف القرن الأخير.

لنسمّي الأشياء بأسمائها. أسامة بن لادن، الرجل الذي أوقع آلاف القتلى في صباح سبتمبر ذاك، تشكَّل فكره على تعاليم «الإخوان» وتحرّك في دوائرهم. أيمن الظواهري، المهندس الأيديولوجي لتنظيم «القاعدة»، خرج مباشرة من رحم بيئة «الإخوان» في مصر. وحركة «حماس» التي تحتفل بالذبح الجماعي باعتباره واجباً دينياً، هي إحدى ميليشيات جماعة «الإخوان». العلاقة بالإرهاب ليست علاقة هامشية عابرة، بل هي العلاقة الأم.

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ارتبط اسم هذه الجماعة باغتيالات وأعمال شغب وتفجيرات وزعزعة استقرار الحكومات من القاهرة إلى دمشق إلى عمّان. اغتالت رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عام 1948. وأمضت عقوداً تتآمر ضد ناصر والسادات، الذي اغتيل لاحقاً على يد رجال تشرّبوا أيديولوجيتها، وضد كل حكومة عربية رفضت تسليمها السلطة. هذا ليس سلسلة حوادث متفرقة. هذا نمط. نمط متعمّد ومتواصل وممتد عبر الأجيال، يُلبس العنف السياسي ثوب الفريضة الدينية.

وهنا يجب أن نواجه الحكومات الغربية بفشلها الذريع. في لندن وبروكسل وواشنطن وأوتاوا، رُحّب بالمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان» في مشاورات الحكومات، وموّلت من أموال دافعي الضرائب، ومُنحت منابر في الجامعات، وقُدّمت باعتبارها الصوت الحقيقي للمجتمعات المسلمة. وهي ليست كذلك بأي حال. هم مشغّلون سياسيون يستغّلون الهوية الإسلامية للترويج لأجندة شمولية لا يريد لها الغالبية العظمى من المسلمين العاديين أي وجود. «الإخوان» لا يمثّلون المسلمين، بل يفترسونهم.

هذا التمييز بالغ الأهمية. الإسلام السياسي بصيغته «الإخوانية»، أيديولوجيا قطب والبنّا التي تُقسم البشرية كلها إلى مؤمنين وأعداء، ليس إسلاماً. هو مشروع سياسي يرتدي الدين زياً عسكرياً. مئات الملايين من المسلمين المتدينين حول العالم يعيشون بسلام، يحبّون أوطانهم، يرفضون الثيوقراطية، ويمقتون ما فعله «الإخوان» بسمعة دينهم. هؤلاء هم مَن يعانون أكثر من سواهم حين يتمركز «الإخوان» في حيّ أو مسجد أو مدرسة. هم المجتمع الذي يحتاج إلى الحماية من هذه الجماعة، لا إلى محاضرات من الليبراليين الغربيين عن شرعيتها المزعومة.

يُجيد أنصار «الإخوان» في الغرب صراخ «إسلاموفوبيا» في كل مرة يتجرأ أحد على فحص أيديولوجيتهم. هذا تكتيك، ليس حجة. انتقاد جماعة «الإخوان» ليس أكثر عداءً للمسلمين من انتقاد الجيش «الجمهوري» الإيرلندي للإيرلنديين. هذه منظمات سياسية تخضع للرقابة السياسية، والاختباء خلف الهوية الدينية لصرف المساءلة، خدعةٌ نجحت طويلاً أكثر مما ينبغي.

دول عدة أدركت هذه الحقيقة. روسيا ومصر ودولة الإمارات والسعودية وغيرها صنّفت «الإخوان» منظمة إرهابية. المملكة المتحدة تتراقص حول التصنيف الكامل منذ سنوات، وهو موقف يعكس جُبناً سياسياً لا تفسير له. أما الولايات المتحدة فقد تقدّمت ولايتا تكساس وفلوريدا على الحكومة الفيدرالية بتصنيف الجماعة وشبكاتها المرتبطة بها على المستوى المحلي. خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تطرح فوراً سؤالاً ملحّاً رفضت أوتاوا الإجابة عنه حتى الآن: ماذا يحدث للمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان»، التي تعمل بحرية عبر الحدود الكندية؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى. كندا ستتحول إلى الثغرة، إلى الفناء الخلفي الذي تُمرر منه شبكات «الإخوان» عملياتها وتمويلها وحملات نفوذها هرباً من الحظر الأميركي. فروع «الإخوان» في كندا يجب أن تُصنَّف وتُفكَّك، وإلا فإن الإجراءات الأميركية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.

التردد على ضفتي الأطلسي ليس مبدئياً، بل هو جبن مكشوف. المجتمعات المسلمة في كندا تستحق الحماية ذاتها التي تحظى بها في فلوريدا وتكساس. السماح لـ«الإخوان» باستخدام الأراضي الكندية ملاذاً آمناً ليس تسامحاً، بل تخلٍّ عن مسؤولية الدولة في حماية أمنها ومواطنيها.

مئة عام للإخوان. مئة عام من العنف والتخريب والتطرف والمعاناة. مئة عام من الديمقراطيات المحطمة والمصلحين المغتالين والمجتمعات المحتجزة رهينةً لأيديولوجيا تكره الحرية وتكره التعددية وتكره كل من يخالفها.

صنّفوها. احظروها. لاحقوا شبكاتها. وتوقّفوا عن التظاهر بأن منظمة بهذا التاريخ وهذه الأيديولوجيا وهذه الطموحات تستحق مقعداً على أي طاولة ديمقراطية.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026 22:54

 

نقف في هذه الفسحة الثقافية عند إشكال فلسفي معاصر يتمثل في التساؤل عن مصير الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي: هل سيظل الإنسان مركز العالم التقني الجديد، أم سيتحول تدريجياً إلى مجرد عنصر داخل منظومة تقنية شاملة؟ وهل يستطيع الحفاظ على حريته وكرامته ومسؤوليته الأخلاقية في ظل التطور المتسارع للأنظمة الذكية؟

لمعاينة هذا الإشكال نستأنس بتحليل مفهوم التقنية عند الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، الذي رأى أن التقنية ليست مجرد أدوات وآلات، بل طريقة خاصة في فهم العالم والكشف عن الموجودات. فالتقنية الحديثة تجعل الإنسان ينظر إلى الطبيعة والأشياء، بل وإلى الإنسان نفسه، بوصفها موارد قابلة للحساب والاستغلال والإنتاج. ومن هذا المنظور اعتبر هيدغر أن التقنية الحديثة تمثل اكتمال الميتافيزيقا الغربية التي استبدلت سؤال «ما الوجود؟» بسؤال«كيف نسيطر على الموجودات ونستثمرها؟»

وفي ضوء هذا التحليل، يمكن فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه التعبير الأكثر تقدماً عن المنطق التقني المعاصر. فالذكاء الاصطناعي يتعامل مع العالم من خلال البيانات والمعطيات القابلة للقياس والتنبؤ، حيث تتحوّل اللغة والصور والسلوك الإنساني إلى معلومات رقمية قابلة للمعالجة الحسابية. ومن هنا لا تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدراته التّقنية فحسب، بل في تأثيره العميق في طريقة فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.

لكن ما أبرز التحديات الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، لعل أول تحدّ هو «التحيز الخوارزمي» الذي قد يعيد إنتاج أشكال الظلم والتمييز، وكذا «فجوة المسؤولية» المتعلقة بتحديد الجهة المسؤولة عن أخطاء الأنظمة الذكية، وكذا «مشكلة الشفافية الخوارزمية» أو ما يعرف بـ«الصندوق الأسود»، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بمستقبل الإنسان في ظل مشاريع ما أصبح يسمى بـ«الإنسان المعزّز» وتداخل البيولوجي بالرقمي.

فما العمل أمام هذه التحديات وأضرابها؟ وهل لا تزال الفلسفة قادرة على تقديم إطار أخلاقي يوجّه التطور التقني؟ يمكن الوقوف هاهنا عند أربع قيم أساسية يمكنها أن تؤطر الذكاء الاصطناعي: الكرامة الإنسانية، والمسؤولية الأخلاقية، والحرية، والسعادة. فالكرامة تقتضي ألا يُختزل الإنسان إلى مجرد بيانات أو أداة إنتاج، والمسؤولية تؤكد أن القرار الأخلاقي يظل مسؤولية بشرية مهما بلغت الآلة من التعقيد، والحرية تقتضي حماية استقلالية الإنسان من هيمنة الخوارزميات، أما السعادة فتذكرنا بأن جودة الحياة لا تختزل في الكفاءة التقنية، بل تشمل المعنى والإبداع والعلاقات الإنسانية.

ويمكن أن نستحضر ها هنا تراثنا الفلسفي الإنساني والإسلامي لبيان دوره الممكن في بناء ذكاء اصطناعي إنساني. فالفارابي مثلاً جعل غاية الاجتماع الإنساني تحقيق السعادة المشتركة، أما ابن سينا فربط كرامة الإنسان بالعقل والمعرفة، بينما أكد ابن رشد أن الحكمة غاية النظر العقلي والعمل الأخلاقي. وتقدم هذه التصورات رصيداً فكرياً يمكن أن يسهم في توجيه التقنية نحو خدمة الإنسان لا الهيمنة عليه.

وأخيراً، فإننا فإن هيدغر لا يرفض التقنية في ذاتها، ولا يدعو إلى تدمير الآلات. إنما يحذر من شيء أعمق: أن نعتقد أن الطريقة التقنية في رؤية العالم هي الطريقة الوحيدة الممكنة. فإذا أصبح كل شيء قابلاً للقياس، وقابلاً للحساب، وقابلاً للتنبؤ، فإننا نفقد أبعاداً أخرى من الوجود مثل: الجمال، والشعر، والحب، والحكمة، والتجربة الروحية، والتأمل الفلسفي. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ازدياد ذكاء الآلات، بل في قدرة الإنسان على توجيه هذا الذكاء وفق قيم الحرية والعدالة والكرامة والخير العام. فمستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل سيحدده أيضاً نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه، ونوع العالم الذي نريد أن نبنيه للأجيال القادمة.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم 25 يونيو 2026 23:30

نظرة سريعة إلى الحضارة المعاصرة وملامحها تكشف لنا أن العرب بوجه عام يعانون تأخرا فى كثير من المجالات. والعرب يعترفون بذلك. لكن يلاحظ المفكر المغربى عبدالله العروى أن العرب يعترفون بأن هناك تأخرا اقتصاديا واجتماعيا وكذلك عسكريا لكنهم لا يقبلون بسهولة فكرة التأخر الثقافى، ويعترفون ببعض مظاهر التخلف الاجتماعى أو الاقتصادى أو السياسى لكنهم يرفضون كلمة التخلف بصدد الثقافة.

فى الواقع توجد مؤشرات موضوعية قابلة للقياس للحكم على مدى التأخر الثقافى مثل مستوى التعليم ونسبة الأمية ومعدلات القراءة والترجمة. ولكن النقص فى كل هذا يمكن أيضا رده إلى عوامل مادية مثل نقص الموارد وقلة التمويل. وهكذا نجد أنفسنا نعود لنرصد التأخر فى ميدان الاقتصاد وليس فى الثقافة نفسها. ولكن لو تصورنا أن الحكومة قامت بمضاعفة ميزانية التعليم وقامت بزيادة الإنفاق على الأعمال الثقافية فلن يكون هذا بمثابة ضمان لنهاية التأخر الثقافى. لماذا؟ لأن هناك معوقات ذات طبيعة فكرية موجودة داخل الثقافة نفسها تؤدى دائما إلى التأخر الثقافي. والإنفاق المادى ليس هو الكفيل بإزاحتها. هذه العوائق الأيديولوجية كثيرة، منها نوعية المعرفة السائدة ومناهج التفسير ورؤية العالم والوعى التاريخى ومقولات التحليل.

ومن أبرز هذه المعوقات الدعوة إلى الاكتفاء الفكرى بالتراث بزعم أن تراثنا يحتوى على كنوز ولكننا لا نلتفت إليها. وقد يكون ذلك صحيحا إلا أن هذه الكنوز قد نهيل عليها التراب لأنها وافدة على تراثنا من الخارج مثل الفلسفة. أما العلوم مثل الكيمياء عند جابر بن حيان والرياضيات عند الطوسى والبصريات عند ابن الهيثم فإننا حتى لو رددنا لها الاعتبار فنحن لا نستطيع الآن الاكتفاء بها والانطلاق منها وتجاهل التقدم الهائل الذى حققته هذه العلوم فى عصرنا.

نزعة الاكتفاء بالتراث أدت إلى أن يشيع فى الأوساط الثقافية استهجان تبنى المواطنين العرب التيارات الفكرية المعاصرة مثل الليبرالية والماركسية والوجودية. هذا الاستهجان لا وجود له فى مسارات النهضة فى ثقافات أخرى مثل اليابان أو الهند أو الصين. لو أراد المواطن العربى المعاصر تبنى العقلانية فى التفكير، أو العلمانية فى السياسة، أو النزعة الثورية فى حل المشكلات الاجتماعية فليس عليه، من وجهة نظر أنصار الاكتفاء بالتراث، إذا أراد أن يكون مخلصا لتراثنا إلا أن يكون معتزليا وحتى هذا لا يمر دون تنديد.

المنفتحون من أنصار التراث يقبلون أن يكون المرء منحازا لحقوق الطبقات الشعبية أو مناديا بحقوق المرأة لكنهم يفرضون عليه الانطلاق من مرجعية واحدة هى المرجعية الدينية دون أى إحالة لحركات فكرية موجودة فى ثقافات أخرى. هذا الإصرار على المرجعية الأحادية والتى تكون بالضرورة دينية يؤدى دائما إلى نتائج سلبية. على سبيل المثال من المعروف أن الاستمرار فى تزييف الممارسة الديمقراطية فى جميع المجتمعات يزيد من ميل الكثيرين إلى الامتناع عن المشاركة فى هذه التمثيلية العبثية. ولحث المواطنين على المشاركة فى الانتخابات يصور البعض فتاوى بأن من يمتنع عن المشاركة يحمل ذنب كاتم الشهادة، فانبرت جماعات أخرى فى مساجد مناوئة لاتهام المشاركين بأنهم يحملون ذنب دعم الدولة الكافرة وعرقلة عملية تأسيس دولة الخلافة. وهكذا أدى الانطلاق من المرجعية الدينية إلى اختطاف الجدل السياسى من مجال ممارسة الحقوق والبحث العقلانى عن الممارسات الأكثر ملاءمة لمصلحة الشعب إلى الزج به فى جدل فقهى لاهوتى مشغول بالبحث عن الحلال والحرام.

حسن النية فى استخدام المرجعية الدينية فى تناول قضية سياسية قد يكون دافعه الفاعلية أو المصلحة العامة أو تبنى لغة يفهمها الجمهور. ولكن النتيجة فى النهاية تكون تكريسا لابتلاع التناول الدينى لكل مظاهر الحياة. استحكام هذا التزمت جعل المثقفين اليساريين والعلمانيين، كى يجدوا حلا لأزماتنا المزمنة، يرفعون شعار فتح باب الاجتهاد. وهو ما يعنى أن نظل فى انتظار رجال دين مستنيرين يصدرون فتاوى تسمح لنا بالذهاب إلى المسرح وإقامة التماثيل والسماع للموسيقى وزيارة المتاحف. وهذا فضلا عن تكريسه شمولية الدين وتحكمه فى جميع المجالات، يجعلنا، من منظور الفيلسوف كانط فى تحديده لمعنى التنوير، لم نبلغ سن الرشد بعد لأننا مازلنا نبحث عن أوصياء ولا نجرؤ على استخدام عقولنا بحرية.

كان المفكرون العرب الليبراليون فى موقف حرج بسبب الحضور الاستعمارى القاهر. نداؤهم بتبنى الحداثة الغربية نُظر إليه على أنه خضوع للاستعمار، أما موقف المثقفين التقليديين لم يكن أقل حرجا لأن اكتفاءهم بالتراث ورفضهم المعارف الغربية نُظر إليه على أنه رفض للحداثة بل وحتى تدعيم لاستمرار الاستبداد والركود التاريخي. ومازلنا فى هذا المكان لا نبرحه.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الأهرام المصرية، يوم: الثلاثاء 8 من محرم 1448 هــ 23 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50968

المذهب في أصله ليس مرضاً، بل إنه يُصبح لدى البعض إطاراً تفسيرياً للوجود. وهو بنية فكرية تمنح الإنسان هوية، وتوفِّر له معنى، وتنظِّم سلوكه ضمن جماعة. عبر التاريخ، كانت المذاهب مدارس فقهية وفلسفية ومنهجيات القراءة للنصوص، لا مستشفيات نفسية. لكن المشكلة لا تبدأ في الانتماء لمذهب ما، بل في تحوّل هذا الانتماء إلى بنية ذهنية مغلقة.

هنا يتبدل الدور من هوية إلى قيد إدراكي، ومن انتماء إلى تعصب. ما شدّني في الأحداث الأخيرة في المنطقة ليس عدد الصواريخ والمسيرات والحشود العسكرية وتحوّلات العقائد العسكرية بين ليلة وضحاها، لكون الأمر لا يُعد مفاجأة للقارئ المطّلع بالدولة العميقة في الدول الثيوقراطية، ولكن ما لفت انتباهي هو ردود بعض سكان العالم العربي والإسلامي، والدعوة إلى هلاك شعوب الدول العربية والمسلمة التي تتعرض لعدوان سافر استباح حرمة حسن الجوار والدين الواحد، فما الذي يقف خلف مصدر الحقد والغضب غير المبرر تحت كل المقاييس والمعايير الإنسانية والدينية؟

وهنا تحديداً لا بدّ من الحديث عن علم النفس المعرفي الذي يميز بين الاعتقاد العام والاعتقاد المندمج بالذات. عندما يُصبح المذهب أو الأيديولوجية أو التجمهر الشعوري جزءاً من تعريف الشخص لذاته بالكامل، فإن أي نقد له يفسر كتهديد وجودي. كما تبيّن بعض الدراسات في نظرية الهوية الاجتماعية (Tajfel & Turner) أن الأفراد يميلون إلى تعظيم جماعتهم وتقليل قيمة الجماعات الأخرى للحفاظ على تقدير الذات. وفي الظروف الطبيعية، يبقى هذا الميل ضمن حدود التنافس الرمزي، لكن في البيئات المشحونة سياسياً أو اقتصادياً، يمكن أن يتحول إلى آلية دفاع عدوانية.

أما التحول المرضي فيبدأ عند ثلاث نقاط مفصلية: أولاً: إغلاق الدائرة المعرفية، وهو عندما يتوقف الفرد عن استقبال أي معلومة خارج منظومته، ويعتمد فقط على مصادر تؤكد معتقده، ويدخل فيما يسميه علماء النفس التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهنا لا يعود الهدف البحث عن الحقيقة، بل البحث عما يدعم الرواية السابقة. ومع الزمن، تتصلب البنية الإدراكية، بحيث تصبح غير قابلة للتعديل حتى أمام الأدلة القاطعة. ثانياً: شيطنة الآخر.

ففي الدراسات المتعلِّقة بالتطرف، وُجد أن نزع الإنسانية عن الطرف المقابل (Dehumanization) يمثّل مرحلة متقدمة من الاستقطاب. وعندما يتحول المختلف مذهبياً من خصم فكري إلى تهديد وجودي أو عدو أخلاقي، تبدأ اللغة بالتغير: من الحوار إلى الاتهام، ومن النقاش إلى التخوين. هذه النقلة ليست لاهوتية، بل نفسية، إنها آلية دفاعية ضد القلق الداخلي والانتماء للمجموعة.

ثالثاً: الاندماج الكُلِّي بين العقيدة والسلوك العدواني. في هذه المرحلة، لا يصبح المذهب مجرد رأي، بل تفويضاً أخلاقياً لأي سلوك دفاعي أو هجومي. هنا يدخل ما يسميه علماء النفس الاجتماعي الاستعلاء الأخلاقي (Moral Superiority Complex)، حيث يرى الفرد أن معاييره مطلقة، وأنه يمثّل الخير في صورته النهائية. لكن هل هذا مرض عقلي بالمعنى الطبي؟ الجواب: في الغالب لا. معظم حالات التعصب لا ترقى إلى اضطرابات نفسية سريرية مثل الذهان أو الوسواس القهري. إنها أقرب إلى نمط تفكير جامد يتعزّز عبر البيئة الاجتماعية والتعليمية والإعلامية.

ومع ذلك، في حالات نادرة، يمكن أن يتقاطع التعصب مع اضطرابات قائمة، مثل اضطراب الشخصية البارانويّة، حيث يفسّر الفرد الأحداث دائماً كتهديد موجه ضده وضد جماعته. البيئات المنغلقة تُزيد من احتمالية هذا التحول. عندما يُحرم الفرد من التنوع الفكري، أو يعيش في سياق سياسي يستخدم المذهب والرأي السائد في الدائرة التي يعيش فيها الإنسان وسيلة تبسيط للعالم المعقد. فالدماغ يميل بطبيعته إلى تقليل الغموض، والتعصب يوفر إجابات سريعة ومريحة، حتى وإن كانت اختزالية. العامل الأخطر اليوم هو الفضاء الرقمي. فالخوارزميات تُنشئ غُرف صدى، حيث يتعرض الفرد مراراً وتكراراً لنفس الأفكار، فيتوهم أنها تُمثّل الحقيقة الكاملة.

ومع غياب الاحتكاك المباشر بالآخر المختلف، تتضخم الصورة الذهنية السلبية دون اختبار واقعي. الحل لا يكون بمحاربة المذهب، بل بفصل الانتماء المذهبي عن الهوية المطلقة. المجتمعات التي تنجح في ذلك تعتمد على ثلاثة أعمدة: تعليم نقدي، مساحة حوار مفتوحة، ونموذج دولة يضمن الحقوق دون تمييز مذهبي.

الدراسات في علم النفس الإيجابي تشير إلى أن الأفراد الذين يمتلكون هوية متعددة الأبعاد (وطنية، مهنية، إنسانية) أقل عُرضة للانغلاق الهوياتي. إذاً المذهب أو الانتماء لمجموعة تُشبهنا ليس مرضاً، لكن تحوّله إلى عدسة وحيدة لرؤية العالم قد يُنتج سلوكاً يشبه المرض في آثاره الاجتماعية. الفرق بين الانتماء المذهبي الصحي والانغلاق المرضي ليس في النصوص، بل في طريقة قراءة النصوص والأحداث. وبينما يوفر المذهب معنى، فإن العقل المفتوح وحده يمنع هذا المعنى من التحول إلى قيد.

***

سالم سالمين النعيمي - كاتب وباحث إماراتي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 22 يونيو 2026 23:18.

 

ليست أخطر الأزمات التي تعصف بالمجتمعات تلك التي تنشأ من اختلاف المصالح، فالمصالح قابلة للمراجعة والتفاوض والتسوية، وإنما الأخطر أن تتحوّل الانتماءات إلى ساحات صراع، وأن تنتقل الهوية من معناها الهادئ بوصفها وعياً بالذات، إلى معناها المتوتر بوصفها أداةَ تعبئة وفرز وخصومة. حينئذ لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي أو الموقف، بل يصبح مساساً بصورة الجماعة عن نفسها، وتهديداً رمزياً لما تعدّه جوهرَ كيانها وكرامتها.

 في أصلها، ليست الهوية مشكلة، بل حاجة إنسانية عميقة. فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني التي تمنح وجوده اتجاهاً وذاكرة وانتماء. غير أن هذه الحاجة النبيلة قد تنقلب إلى مصدر اضطراب عندما تفقد ميزانها الأخلاقي، فتتحول من فضاء للتعارف إلى أداة للتمايز الحاد، ومن رابطة للثقة إلى آلية للإقصاء، ومن شعور مشروع بالانتماء إلى نزعة متوترة لا تطمئن إلى ذاتها إلا بنفي غيرها.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان لا يطلب الانتماء فقط، بل يطلب من خلاله الاعتراف والتقدير والحماية الرمزية. فإذا ضعفت ثقافة الحوار، وارتفع منسوب الخوف أو الإحباط أو الغضب، صار الانتماء قابلاً لأن يتحول إلى عصبية. عندها لا تعود الجماعة إطاراً للاطمئنان، بل تتحول إلى مرآة متضخمة يرى فيها الفرد ذاته في صورة جمعية متفوقة، ويبدأ النظر إلى المخالف بوصفه خصماً يهدد المعنى والكرامة.

وقد زاد الفضاء الرقمي هذه الظاهرة سرعة وحدة. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تنقل الآراء كما هي، بل تعيد تشكيل الانفعالات وتضخيمها، وتمنح الأفراد شعوراً فورياً بالاندماج في جماعات غاضبة أو محتشدة أو متحفّزة. ومع تكرار التفاعل داخل الدوائر المغلقة، تتكوّن قناعات صلبة، وتضعف القدرة على الإصغاء، ويصبح الرأي المخالف استفزازاً لا فكرة، وخيانة لا اجتهاداً، وعدواناً لا اختلافاً.

وقد كشفت بعض الأحداث العربية المعاصرة عن هذا التحوّل بوضوح، ففي مناسبات رياضية كبرى، خرج التشجيع أحياناً من مجاله الطبيعي بوصفه تعبيراً عن الفرح والتنافس، ليتحوّل إلى معارك رمزية تستدعي التاريخ والجغرافيا واللغة والرموز الثقافية، وكأن المباراة لم تعُد بين فريقين، بل بين ذاكرتين وطنيتين. وفي أزمات سياسية وأمنية، ظهر الأمر بصورة أشد خطورة، حين انقسمت المنصات إلى معسكرات تتبادل الاتهام والتخوين، ويمنح بعضها لنفسه حق توزيع الوطنية ونزعها، بدل الاحتكام إلى منطق الدولة وحكمة المصلحة العامة. ومن منظور علم الاجتماع، لا تكمن العلة في تعدد الهويات، فالتعدد من سنن الاجتماع الإنساني ومن مصادر غنى المجتمعات. الإنسان ابن وطن، ولسان، وثقافة، وذاكرة، وأسرة، وتجربة، ومحيط. غير أن الخلل يبدأ حين يبتلع انتماء واحد سائر الانتماءات، أو حين يُرفع إلى مرتبة الحقيقة الوحيدة، فيتحول من عنصر في بناء الشخصية إلى أداة لاحتكار الشرعية والمعنى والوطنية. ومن هنا تبرز قيمة الدولة الوطنية الجامعة، لا بوصفها خصماً للهويات أو نفياً للخصوصيات، بل بوصفها الإطار العاقل الذي يحمي الانتماءات من الانفلات، ويمنع تحولها إلى قبائل رقمية متخاصمة. فالمواطنة ليست إلغاءً للفوارق، وإنما تهذيب لها داخل مشترك أعلى، تحفظ للناس حقهم في الاختلاف، وتمنع في الوقت ذاته تحويل هذا الاختلاف إلى تخوين أو استعلاء أو كراهية.

إن المجتمعات الرشيدة لا تنتصر بإلغاء التنوع، بل بحسن تنظيمه، وكلما اتسع المشترك الوطني والإنساني، تراجعت قابلية الهويات للتحول إلى أدوات صراع. وكلما ضعفت الروابط الجامعة، ازداد ميل الأفراد إلى الاحتماء بالهويات الضيقة بحثاً عن الأمن النفسي والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن التحدي الحقيقي في زمن المنصات ليس إدارة الاختلاف وحده، بل إدارة الانفعال الذي يرافقه، فالكلمة الرقمية لا تبقى كلمة عابرة، بل قد تصنع صورة ذهنية، أو تبني ولاءً، أو تؤسس خصومة طويلة الأمد.

إن الهوية تبلغ نضجها حين تمنح صاحبها ثقة لا غروراً، واعتزازاً لا احتقاراً، وانتماءً لا عداءً، وجسراً للمعنى لا متراساً للصدام، وفضاءً للتعارف لا ساحةً للخصام.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 16 يونيو 2026 23:01

 

عندما توفي المفكر الفرنسي البارز إدغار موران قبل نحو أسبوعين من الآن عن عمرٍ ناهز المئة، كتَب كثيرون من أوروبا والعالم العربي عن نهاية حقبة المثقف المؤثّر. بل إنّ الدكتور السيد ولد أباه كتب هنا في صحيفة «الاتحاد» (الاثنين 8 يونيو 2026) عن «نهاية المثقف»، وهو يقصد أنّ القرن العشرين مرَّ بمرحلتين: مطالع القرن في الثقافة العلمانية ونهوض العلوم الإنسانية المتناكفة مع الدين، ثم في خمسينياته وستينياته عندما ظهر المثقف الإنتلجنسي، وهو الذي يمتلك عقليةً نضالية ومقولاتٍ تغييرية راديكالية ويقود الشباب في الشارع للتغيير الاجتماعي والسياسي على أساس الرفض والقطيعة مع الماضي، أو ما صار يُعرف بـ«اليسار الجديد». وقد تجلّى ذلك في عام 1968 عندما هزّت حشودُ الطلاب الشوارعَ في أميركا وأوروبا يقودهم جان بول سارتر ومفكرو مدرسة فرانكفورت. ومع أن فوكو ما كان يحب حركات سارتر العشوائية، فإنه - مثْله مثل جاستون باشلار - كان يريد قطيعةً مع الماضيين القريب والبعيد. وقد بلغ من راديكالية مطالب التغيير أنه صار يقال: أن تكون مع سارتر المخطئ خيرٌ من أن تكون مع ريمون آرون المصيب! وآرون مثقفٌ فرنسيٌ آخر كان يميل لليمين المحافظ ويخاف على الثقافة الفرنسية والدولة الفرنسية من ثورات الفتيان!

لقد أثّرت مقولات «الإنتلجنسي» في المشرق العربي، لكنها أثَّرت أكثر في المغرب وأفريقيا التي تنتشر فيها الثقافة الفرنسية. لكن عندما نقل إدوارد سعيد في كتبه ومقالاته هذه الأصداء الرفضية في الفكر والثقافة والعداء للاستشراق، شعر كثيرٌ من العارفين أن إدوارد سعيد يعتنق آراء ميشال فوكو ويريد تطبيقها، رغم اختلاف الأجواء في الولايات المتحدة عنها في أوروبا.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان إدغار موران مستقرِّاً خارج الراديكاليات اليمينية واليسارية. وكان أكثر انشغالاً بالجانب الإنساني الاجتماعي والنفسي، سعياً للخروج من الحرب الباردة الناشبة في كل مكانٍ ما عدا المسرح الغربي، وذلك بالعمل على السِّلم وأُطروحاته، في حين كان آخرون من اليسار واليمين يريدون الحرب ولأسبابٍ أيديولوجية من ضمن الحرب الباردة. ولذا بدا موران من قلةٍ ظلت تؤمن بالسلام وأخلاقيات الإنسان.

وبسقوط الاتحاد السوفييتي انقضى زمن المثقف الإنتلجنسي وصعدت ثقافة السوق والهيمنة التي تستبيح شنَّ الحروب من أجل الديمقراطية! وراديكالية اليمين هذه واجهتها ثقافة وممارسات الإرهاب تحت اسم «المقاومة»، وهي المقاومة التي لا تزال مستمرةً حتى اليوم في نَزعات اختراق الدول وتقسيم المجتمعات.

في زيارة البابا ليون الرابع عشر لإسبانيا، قبل أيام، قال الإعلام الإسباني إنّ البابا بدا صوتاً صارخاً في البرية باسم السلام والأخلاق والحق الإنساني. لكن أين هم المثقفون الذين يرفعون راية السِّلم وسط الاستيلاء التكنولوجي وتسابُق الأسلحة للاشتباك في كل مكان؟

صحيح أن مثقّفي الاعتراض والقطيعة انتهوا من زمان. لكنّ مفكري السِّلم والتآلف يكادون ينقرضون أيضاً. وليست هناك تيارات ثقافية بارزة تحمل الدعوة للسلم وحقوق الإنسان. وقد كان هناك أمل كبير، بعد خمود موجات التطرف والإرهاب، أن تتبلور في الإقليم ثقافةٌ جديدةٌ للتسامح والعيش المشترك تدفع باتجاهها تعطُّشات الناس واحتياجاتهم الملحاحة. لكنّ إيران، بالتحرشات والاستهدافات، تحول دون ذلك، مرةً باسم المذهب، ومرةً باسم التحرير، ومرةً من دون ذكر أي سبب.. فمن أين تأتي ثقافة السلام؟!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 13 يونيو 2026 23:56

لقد أشكل الإنسان على الإنسان (أبو حيان التوحيدي)

الحربُ كارثةٌ رافقتِ الإنسانَ على مدى الدُّهور. الكوارثُ الطبيعيةُ من زلازلَ وبراكين، وكذلك الأوبئةُ القاتلةُ بكل أنواعها، قتلتِ الملايينَ من البشر، وكذلك المجاعاتُ التي لا تغيب، إلَّا لتعودَ وتحصدَ أرواحَ الفقراء. يجتهد الناسُ لمقاومةِ تلك المصائبِ الطاغية. لكنَّ الكارثةَ الكبرى التي يصنعُها الإنسان بعقلِه ويديه هي الحرب. تختلف الدوافعُ والأدواتُ من زمن إلى آخر، لكنَّ الهدفَ لا يتغير أبداً؛ وهو أن يقتلَ الإنسانُ الإنسانَ. بعد الحربِ العالمية الثانية التي استخدم فيها المتحاربون، آخرَ ما اخترعته البشريةُ من السلاح، تكدَّست ملايينُ الجثتِ تحت جبال الرُّكام. في تلكَ الحربِ الكونيةِ الرَّهيبة، شهدَ العالمُ مجزرةً غير مسبوقة، عندما أُلقيتِ القنبلتانِ النَّوويتان على هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. اهتزَّتِ الضَّمائرُ والعقول واستيقظتِ النفوس، وتنادَى السّياسيونَ والفلاسفةُ والمفكرونَ، لتأسيسِ قواعدِ عالم السلام، وبناء السدود السياسية المانعة لطوفان العنفِ والحروب. لكنَّ الغرائزَ فعلها يجبُّ ما تنتجُه الأمنياتُ والأحلام. ظلَّ القتل والحروب يحدوانِ حركةَ البشر دون توقف. في هذه الأيام تزفُّ وسائلُ الإعلام المختلفة، إلى البشر في كل الدنيا، صورَ القتل والدماءِ والدمار التي تصعقُ النفوسَ والعقول. السياسيون والمحللون والصحافيون، يتحدَّثونَ ويكتبونَ عن تفاصيلِ مجريات المعارك. السؤالُ المزمنُ كانَ ولا يزال؛ لماذا لم يتمكَّنِ البشرُ بعد ارتقاءِ الحضارةِ وقفزة الحداثة وازدهارِ العلم والفلسفة وانتشار العلم والتعليم، من إبداعِ ترياقٍ يجتث نوازعَ العنف والحروب من كينونة الخلق؟ في الحوار الطويل بين جابر بن حيان ومسكويه، في كتاب «الهوامل والشوامل»، طافَ مسكويه في دخائلِ النَّفس البشرية، وحلَّل الدوافعَ والكوابح، وكانت أسئلة جابر بن حيان متدفقة، وفي الختام سكبَ العصارةَ وقال: «لقد أشكل الإنسان على الإنسان».

الفلاسفةُ وعلماءُ النفس والمفكرون، منذ قرونٍ مضت وإلى اليوم، يحفرون فيما خفي في أعماق النَّفسِ البشرية ويدفعها إلى العنف بكل أشكاله. ذهبَ هؤلاءِ إلى أنَّ في داخل كلّ إنسان، هناك أكثر من شخصٍ واحد خفيّ، لا يراه الآخرونَ، وذاك ما يحرّك أفعالَه التي تُولد في ظلامِ حياته.

الطبيبُ الفيلسوف آندريه يونغ كانَ يرى أنَّ الإنسانَ يعيش معظم حياته خلفَ قناع اجتماعي يصنعه هو حتى يقبله النَّاس، وحتى يبدو قويّاً وطبيعيّاً أمام الآخرين، ولكن خلفَ هذا القناع توجد شخصيةٌ أخرى مختلفة. شخصيةٌ مليئةٌ بالخوف والرَّغبات المكبوتة، وأطلقَ يونغ على هذا الجزء من شخصية الإنسان، منطقةَ الظل، الّذي لا يختفي أبداً، والإنسان يخاف ممَّا يوجد بداخله. الرّوائي والمفكر الكبير تيودور ديستوفسكي؛ كانَ يرى شيئاً مرعباً في النفس البشرية، شيئاً لا يحب النَّاسُ الاعترافَ به أبداً، فالإنسانُ لا يبحث عن السعادة دائماً؛ بل أحياناً يبحث عن الألمِ دون أن يشعر، ويرى أنَّ داخل الإنسان رغبةً في تدمير نفسِه، وأعتقد أنَّ أخطرَ معركةٍ يخوضُها الإنسانُ ليست مع العالم، بل مع نفسه؛ لأنَّ الإنسانَ عندما ينكسرُ بصمت، يتحوَّل إلى عدوٍّ يرافقه.

آرثر شوبنهاور كانَ يرى أنَّ أكثرَ شيءٍ يخيف الإنسان ليس الظَّلام؛ بل الجلوس وحيداً مع نفسه، فكان يؤمنُ بأنَّ أغلبَ البشر يهربونَ من الوحدة؛ ليس لأنَّهم يحبّون النَّاس فعلاً، بل لأنَّهم يخافون من أفكارهم عندما يصبح كل شيء صامتاً. كان شوبنهاور يرى أن الوحدة تشبه مرآة ضخمة تكشف للإنسان حقيقتَه دون تجميل، ولهذا لا يحتمل كثيرٌ من النَّاس البقاءَ وحدَهم فترةً طويلة، لأنَّهم يكتشفون أشياءَ في داخلهم لا يريدون رؤيتَها، ويضيف أنَّ الإنسانَ الذي لا يحتمل الوحدةَ لن يعرفَ نفسه أبداً.

توماس هوبز كانَ يؤمن بفكرة مخيفة جداً عن النفس البشرية؛ وهي أنَّ الإنسانَ ليس طيّباً بطبيعته، بل كان يرى أنَّ داخل كل إنسان جانباً مظلماً، قد يظهر في أي لحظةٍ عندما يختفي الأمانُ والخوفُ من العقاب، وكانَ يقول إنَّ البشرَ عندما يعيشون بلا قوانين أو نظام، يتحوَّل العالمُ إلى مكان مرعب، ويصبحُ الإنسانُ عدواً للإنسان. الخوفُ بالنسبة لتوماس هوبز ليس مجردَ شعورٍ عابر؛ بل قوة قادرة على تحويل أكثر الناس هدوءاً، إلى أشخاص قساة وخطيرين، وعندما يشعر الإنسان بأن حياته مهددة، قد يفعل أشياء لم يكن يتخيل يوماً أنه قادر على فعلها؛ فقد يخون ويكذب ويؤذي الآخرين فقط لينجو بنفسه. وهذا ما كان يخيف هوبز أكثر من أي شيء آخر؛ فهو لم يكن يخاف الوحوشَ بقدرِ ما يخاف من الإنسان، وكانَ يرى أنَّ الحضارةَ والقوانين ليستا دليلاً على طيبة البشر؛ بل مجرد قناعٍ يمنع الفوضى المختبئةَ داخل النفوس، ولهذا فإنَّ الحروبَ تكشف دائماً الوجهَ الحقيقيَّ للبشر.

كثيرٌ من المفكرين غيرُ هؤلاءِ الذين وقفتُ عندهم، غاصُوا في أركيولوجيا النَّفسِ البشرية. الخلاصةُ أنَّ الحروبَ التي تتوالد بوتيرةٍ أكثرَ عنفاً، مجرد زلازلَ تكسر القشرةَ الرقيقة، التي تغطي ما يسكنُ في أعماق النَّفسِ البشرية، ولكن يبقَى الأملُ في أن تكبرَ القشرة، لتكوِّنَ الإرادةَ الصلبة لإنسان عصرِ السَّلام الجديد، وتُدفن الحروبَ في قاع النفوس.

***

عبد الرحمن شلقم

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم:

السبت - 27 ذو الحِجّة 1447 هـ - 13 يونيو 2026 م

الخطر الحقيقي ليس وجود الصراع بل التحول إلى أسير له

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة لشرق الأوسط اللندنية، يوم: 7 يونيو 2026 م ـ 21 ذو الحِجّة 1447 هـ

الفلسفة السياسية هى أكثر فروع الفلسفة تعبيرا عن الأزمات والمشكلات التى تواجه البشر فى عصر من العصور. وحينما نحاول أن نستطلع ما يشغل بال فلاسفة السياسة الآن نجد اهتماما بالحقوق الثقافية وبعودة الدين وبالحق فى الاعتراف ومقاومة الإرهاب. هذه القضايا لا تخص دولة بعينها أو إقليما محددا ولكنها مطروحة على جدول أعمال المجتمعات بأسرها.

المجتمعات ليست مدعوة للاعتراف بالتنوع الثقافى فقط بل عليها أيضا دعمه وتعزيزه.

السؤال الآن: كيف نسمح للأفراد بالتعبير فى المجتمع عن هوياتهم الروحية والثقافية، وفى الوقت نفسه نحافظ على التماسك الاجتماعى واستمرار الحياة المشتركة؟

تتعدد جوانب هوية الفرد بين اللغة والعرق والطبقة والمهنة، ولكن الهوية الدينية لها مكانة خاصة.الهوية الدينية تتصل اتصالا وثيقا بهوية جماعة ما ويرى دوركايم أن الدين هو أمراجتماعى تماما، لأنه يتمركز حول الوعى الجمعى وحول حياة الجماعة. الشعائر والطقوس التى يشارك فيها الناس بشكل جماعى تمنح شعورا بالوحدة. ونظراَ لأن الهوية الدينية قائمة على الجماعة فإنها لا تكون مقيدة بالجغرافيا، فمع انتقال القبيلة من أرض لأخرى تستمر الهوية مرافقة لها. فالهوية الدينية، على عكس الهوية القومية، يمكنها أن تنفصل عن بلد النشأة، وهذا يجعل تأثيرها كبيرا وما علينا إلا ملاحظة النمو التاريخى للأديان العالمية الكبرى مثل المسيحية والإسلام وانتشارها الجغرافى.

الهوية الدينية لا تولد بصورة بيولوجية مع ميلاد الفرد لكنها تُكتسب بواسطة التنشئة الاجتماعية والتربية الأسرية والمدرسية، ولكن ما أن يتم اكتسابها فإنها تصبح أساسية ودائمة.

تحولت الهوية الدينية فى ظل الحداثة إلى مسألة اختيار فردى ولا يحددها انتماء لعشيرة أو جماعة أو أمة ولدنا فيها، وتم النظر إليها على أنها عملية يتم بناؤها بمشاركة الفرد وليس انتماء أصليا وقبليا يتحكم فى الفرد. الهوية المبنية تنطلق من مبدأ أن الأشخاص يتغيرون وبالتالى الأهمية الممنوحة لهوية ما يمكنها أيضا أن تتغير. مثال ذلك هو الهوية القومية، فقد أنشأتها الدولة القومية عمدا مع بداية الحداثة، قبلها كان هناك ارتباط نفسى بموطن الميلاد ولكن لم يكن هناك شعور بالانتماء لقومية معينة. هذا الشعور تم بناؤه من خلال رموز مثل حدود الدولة والعلم والنشيد القومى والتربية الوطنية وتعميم تاريخ معين وثقافة خاصة من خلال مناهج التعليم على كل أفراد الأمة. وتستغل الدولة هذا الشعور فى تجنيد شباب الأمة لحروب الفتح أو الدفاع.

وهكذا فالهوية القومية حديثة نسبيا ومقترنة أساسا بغايات سياسية وغير راسخة، حيث يمكنها أن تخفت وتتوارى بسبب الهجرة أو تكوين اتحادات إقليمية أو ثقافة إنسانية عالمية. الهوية الدينية أكثر تعقيدا لأنها أكثر رسوخا وتشمل أبعادا اعتقادية واجتماعية وسلوكية وعاطفية.

مع الحداثة انتقلنا من الدعوة إلى التسامح التى نجدها عند سبينوزا وجون لوك وفولتير والتى كانت موجهة إلى المنتمين لدين الغالبية بغرض تهيئة الأفراد الأفراد لقبول الاختلاف والتعايش السلمى مع ابناء دين آخر، إلى المواطنة الكاملة أى المساواة فى الحقوق والواجبات وإزاحة الانتماء الدينى إلى المجال الخاص وكبت أى ذريعة للتعبير العلنى عنه فى المجال العام.

بدأنا إذن بالتسامح وانتقلنا إلى المواطنة والآن ننتقل إلى الحق فى الاعتراف، إذ لا تكفى، فى نظر بعض الفلاسفة، المساواة فى الحقوق ولكن يجب أن يشعر الفرد بأن هويته الروحية والثقافية معترف بها. ولهذا يطالب الفيلسوف الكندى شارلز تايلور بتحرير الانتماء الدينى من أسر المجال الخاص.

ويدعونا تايلور إلى التفرقة بين نمطين من العلمانية: الأول جمهورى والثانى ليبرالى تعددى. الأول يجعل الغاية من العلمانية هى المساواة الأخلاقية بين المواطنين وحرية الضمير وازدهار هوية مدنية مشتركة بينهم. ووسيلتها كانت هى حياد الدولة فى الشأن الدينى. ولهذا اقتضت منع الهوية الدينية من التعبير عن نفسها فى المجال العام، فتحولت إلى دولة غير متسامحة مع الهوية الدينية، لأنها أعطت الأولوية لتحقيق الوسائل وأهملت تحقيق الغايات وهى حرية الضمير والمساواة الأخلاقية بين المواطنين.

العلمانية الليبرالية التعددية تقر بحياد الدولة تجاه التعدد الدينى مثلها مثل العلمانية الجمهورية ولكن تكمن نقاط الاختلاف فى تقديرها للحاجة إلى الاعتراف وفى أهمية البعد الروحى للوجود بالنسبة لكثيرين. تسمح العلمانية المفتوحة بإدارة أمثل للتنوع فتجمع بين الاختيارات الذاتية وحرية التعبير للهويات الدينية. ولكن ألن يؤدى التعبير فى المجال العام عن الهويات الخاصة إلى إثارة الفتن وتفكك النسيج الاجتماعى وتلاشى الهوية المدنية المشتركة؟ يرى تايلور أن العلمانية ليست مذهبا عقائديا ولكنها أداة مرنة لإدارة التنوع وبدونها تكون كل هذه المخاوف محتملة.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 23 من ذي الحجة 1447 هــ 9 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50954

ترك بلاده فرنسا بسبب الظلامية الأصولية

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

***

هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 يونيو 2026 م ـ 22 ذو الحِجّة 1447 هـ

قبل سنوات التقيت إدغار مورين، الذي رحل مؤخراً، في إحدى المدن الإسبانية الأندلسية خلال مؤتمر فكري. كان الرجل قد اقتراب من سن المائة، وإن كان في كامل صحته ولياقته العقلية. وقد تطرّق الحديث لمشاركته في نهاية الثلاثينيات في الحرب الإسبانية ضد اليمين الراديكالي، وفي الحرب العالمية الثانية ضد النازية، ونضالاته المستمرة من أجل القضايا الدولية العادلة. وهكذا بدا لي العجوز الودود الهادئ صوتاً من الماضي، يمثّل جيل المثقفين الذي أبدعته فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر بالارتباط مع قضية درايفوس الشهيرة.

لم يكن مورين فيلسوفاً محترفاً، ولا تعكس كتاباته الغزيرة إبداعاً نظرياً في المفاهيم والرؤى والتصورات الفلسفية، رغم اطّلاعه الجيد على الكتابات الفلسفية، ومشاركته الفاعلة في النقاشات الفكرية لفلاسفة عصره. ومع أنه قام بدراسات كثيرة في المجال الاجتماعي، بحثاً وتأويلاً، فإنه لم يكن عالم اجتماع بالمعنى الدقيق للعبارة، فأعماله تجمع بين المقاربة الموضوعية الجدية والمواقف النضالية الملتزمة.

المقولة التي تُلخّص فكر مورين هي عبارة «التعقيد المركب» التي اختارها عنواناً لأعماله المنشورة، وهي تعني لديه ضرورة الخروج من التبسيطات السهلة، والأفكار السائدة، والنظريات الرائجة، من أجل فهم الواقع في أبعاده المختلفة المتشابكة، بما يفرض الخروجَ من ضيق التخصص ومسالك البداهة الزائفة.

وكان في هذا التصور، يستجيب لخصائص المثقف التقليدية التي يمكن حصرها في سمات أربع كبرى هي: النزعة الإنسانية التي توجّه المواقف العملية والسلوك الملتزم ولا ترى في النظريات والأفكار سوى موجِّهات للفعل والممارسة، والكتابة الأدبية النقدية التي تدخل في باب ما عُرف في الثقافة الفرنسية بالمعالجات (وهي أسلوب يجمع بين النظر التحليلي وجمالية التعبير)، والمقاربة الشمولية التي لا تكتفي بزوايا النظر المتخصصة، بل ترصد الموضوعات في أبعادها المتنوعة المتداخلة، والخلفية الأخلاقية القوية في المواقف من قضايا الساعة والملفات الاجتماعية المطروحة.

لقد بدأت الوجوه الأولى لهذا النموذج خلال فكر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، الذي أخذ في فرنسا شكل الإصلاح الثقافي والاجتماعي، في مقابل التنوير الألماني المتمحور حول الإصلاح الديني، والتنوير الاسكتلندي الذي ركّز على الإصلاح السياسي والمؤسّسي.

في ألمانيا، ظل التنوير فلسفياً خالصاً، وقد عبّرت عنه رؤية كانط لنقد العقل واستخدامه العمومي، وفي بريطانيا أفضت التطورات الداخلية إلى إحداث الإصلاحات السياسية المتدرجة التي ضمنت تغيير مؤسسات الحكم دون هزات عنيفة، أما فرنسا فعرفت الثورة الحادة التي قلبت موازين الحياة العامة في مختلف جوانبها. كان ثوار باريس يحملون مسؤوليةَ الأحداث للمثقفين الفلاسفة، من أمثال فولتير وروسو، الذين حملوا لواء التغيير البنيوي الجارف الذي شهدته البلاد.

وقد أبدعت الثقافة الفرنسية نمطي الكتابة الأدبية الفلسفية التي كان فولتير مثالَها الأول، والكتابة الصحافية التي اشتهرت على يد الروائي الكاتب أميل زولا في قضية درايفوس التي تمّت الإشارة إليها آنفاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح جان بول سارتر نموذج المثقف في مواقفه الفلسفية الإنسانية ودفاعه عن قيم الالتزام الأدبي.

لم يمارس سارتر التدريس في الجامعة، رغم أعماله الفلسفية التي أثَّرت في مجرى التفكير الفلسفي الكوني، مثل «الوجود والعدم»، وما شاع وانتشر من كتاباته هو رواياته ومسرحياته، مثل «الذباب» و«الغثيان» و«الكلمات».. إلخ.

في الستينيات كان الشعار السائد في أوساط اليسار هو «من الأفضل أن تكون على باطل مع سارتر من أن تكون على حق مع ريمون آرون». ولا شك في أن هذا الشعار يترجم صورةَ المثقف في تلك المرحلة التي سيطر فيها اليسارُ على الجامعات وعلى الحياة السياسية، وقد أصدر فيها آرون كتابَه «أفيون المثقفين» الذي نقد فيه الأيديولوجيا الماركسية التي كانت مسيطرةً أوانها على جل المثقفين الفرنسيين. ومنذ نهاية الستينيات، بدأ مفهوم المثقف في التراجع في فرنسا، مهد نشأته، وكان وقتها ميشال فوكو ينتقد بشدة سارتر في نزعته الإنسانية ويتبنّى مفهوم «المثقف الخصوصي» الذي يمارس مسؤوليته البحثية من منظور توثيقي حفري لا مجال فيه للمثاليات الأخلاقية والتصورات الوجودية الشاملة.

مورين بقي على خط المثقف التقليدي، رغم انتقال الثقافة الفرنسية إلى المسالك البنيوية والتفكيكية مع إعلان فوكو «موت الإنسان» وحديث دريدا عن «نهاية المؤلف». لم يكن يصدر عن خط نضالي أيديولوجي مبسّط، إلا أنه ظل وفياً لجوهر الرسالة الأخلاقية للمثقف من حيث هو صوت الحق وضمير العدالة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

8 يونيو 2026 

    

في رسالته الكنسية الأولى منذ اعتلائه مركز البابوية، ينشر هذه الأيام بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر نصاً هاماً بعنوان «الإنسانية الرائعة» (magnifica humanitas) يستعيد فيه أفكارَ سلفه ليو الثالث عشر الذي أصدر عام 1891 رسالةً بعنوان «الأشياء الجديدة» (rerum novarum)، طرح فيها لأول مرة المنطلقات الاجتماعية للكنيسة في العصر الصناعي الأول.

 رسالة البابا الحالي، تركز على تحدي الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالأخلاق الجوهرية والقانون الطبيعي الناظم للقيم الإنسانية الثابتة. وعلى عادة أسلافه من زعماء الكنيسة الكاثوليكية الذين وقفوا بشدة ضد الانحرافات العدمية لحركة التنوير في نزعتها النسبية واحتفائها بالحرية غير المقيدة والماكينة التقنية المنفصمة عن الأخلاق الطبيعية، يخصص حيزاً هاماً من رسالته لما يهدد البشرية اليوم من انفلات التقنيات الجديدة من التحكم القيمي والقانوني، بما يوشك أن يجرف معنى الإنسانية نفسه. وفي هذا الباب، يدعو إلى الحفاظ على فكرة الحقيقة الكونية والضمير الواعي وحضارة الحب والإيثار.

 ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن البابا ليو الرابع عشر لا يتردد في الدعوة إلى عودة الخطاب الكنسي إلى المجال العمومي، لا من أجل أهداف سياسية، ولكن من أجل الدفاع عن القيم الإنسانية المهددة، باعتبار الدين هو خط حماية وصيانة الرابطة الإنسانية العضوية. وفي هذا السياق، يعيد الاعتبارَ لمفهوم «الخير المشترك» الذي كان محوراً أساسياً من محاور الأدبيات اللاهوتية الوسيطة، قبل أن تعاد صياغته في عصر الحداثة من منظور المجال العمومي الذي تحكمه معايير العدالة الإجرائية.

رسالة البابا تعكس الجدل اللاهوتي العقلاني في العصر الليبرالي الحالي في الغرب، وهو جدل يختلف في سياقه ونتائجه عن النقاش الذي بدأ منذ نهاية القرن السادس عشر حول موضوعي «الذاتية التأملية الحرة» و«السيادة المطلقة للدولة». وقد ارتبط المفهوم الأول بالفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت الذي بلور المنهج الرياضي التجريبي بديلاً عن التقاليد السكولاستيكية الوسيطة، بما أبطل عملياً أدبيات المدرسة التومائية (نسبة لتوماس الأكويني) التي كانت متحكمةً في الخطاب الكنسي.

أما المفهوم الثاني، فقد ارتبط بالفيلسوف الانجليزي توماس هوبز الذي كرّس نقل معايير السيادة والتحكم المطلق من الحقل الديني إلى الحقل السياسي، في إطار الولاء للدولة من حيث هي حسب عبارته «إلها هالكا». والنتيجة الكبرى لهذين التحولين البارزين صاغها الفيلسوف الألماني كانط في القرن الثامن عشر، معتبراً أن رسالة الدين هي في عمقها أخلاقية إنسانية، قابلة للترجمة في مضامين عقلانية وقانونية كونية.

 لم تتقبل الكنيسة الكاثوليكية في البداية أفكارَ التنوير والعقلانية التجريبية والديمقراطية الليبرالية، بما وضعها في صراع حاد مع الدولة السيادية الحديثة والفلسفات النقدية الجديدة والأيديولوجيات التعبوية الصاعدة.

 بيد أن الكنيسة بدأت منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في بداية الستينيات، الانفتاح على المجتمع المعاصر، رافعةً قيمَ الكرامة الإنسانية والسلام والحوار مع الديانات والفلسفات الأخرى.

 وهكذا انقسم الخطاب الكنسي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني إلى اتجاهين، ليبرالي حداثي (من أبرز تياراته لاهوت التحرير والثورة في أميركا اللاتينية)، ومحافظ من ابرز رموزه جوزيف راتسينجر (البابا بنديكت السادس عشر المستقيل) الذي انتقد بشده انحرافات الفكر الليبرالي المعاصر من نسبية ثقافية وأدلجة اللاهوت وضياع معنى المقدس.

 لقد أصبح الخط الرسمي للكنيسة في العقود الأخيرة هو الاتجاه الاجتماعي المحافظ الذي يجمع بين نقد الحضارة التقنية الاستهلاكية والدفاع عن قيم القانون الطبيعي بالمنظور التومائي القديم.وبطبيعة الحال، لا يشكل هذا الخط الاتجاهَ الوحيدَ في الفكر المسيحي الغربي، الذي يتوزع بين مسلك تقليدي من أهم مَن صاغه في منتصف القرن الماضي الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان في تطويره للنزعة التومائية الكلاسيكية، ومسلك تفكيكي ليبرالي يرى في انحسار الميتافيزيقا وفي الأفق التأويلي الجديد للمعارف الإنسانية وعوداً جديدة للاهوت يستوعب أفكار الحرية والاختلاف والحداثة (اتجاه الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو).

 والمفارقة الجديدة التي عبّرت عنها رسالة البابا ليو الرابع عشر هي أن النزعة الإنسانية الحديثة قامت في الغرب ضد التقليد الديني الكلاسيكي، واليوم أصبحت القيم الدينية هي خط الدفاع الأخيرة عن الفكرة الإنسانية في مواجهة تجاوزات وانحرافات الحضارة التقنية التي يشكل الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي مظهرَها الأبرز. فالخطر المتولد عن تحدي الذكاء الاصطناعي يتمثل في استبدال الإنسان بالآلة ومحو الحدود الطبيعية بين الماكينة التقنية والبشر، مع صعود أيديولوجيات ما بعد الإنسان والتقنية الفاشية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

31 مايو 2026 23:15

لم تكن صورتهم واحدة... بل تراوحت بين الإعجاب والنقد والتهميش

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 30 مايو 2026 م ـ 13 ذو الحِجّة 1447 هـ

الخُمس الخليجي والنفوذ الإيراني في المنطقة

من أين تأتي الأموال التي تجعل مشروعاً سياسياً عابراً للحدود قادراً على تمويل المنابر، والجمعيات، والمراكز، والإعلام، وشبكات التجنيد؟ هذا السؤال يفتح الباب لفهم الطريقة التي تتحوّل بها الأفكار إلى مؤسسات، ثم تتحول بها المؤسسات إلى نفوذ، ثم يصبح هذا النفوذ قادراً على التأثير داخل مجتمعات الخليج ودوله.

فالشعارات لا تتحرك وحدها، والخطابات لا تنتشر بلا تمويل. وخلف كل مشروع نفوذ شبكة مال، وخلف كل شبكة مال سؤال أشد خطورة: من يدفع؟ ولمن تدفع الأموال؟ ومن يراقب مسارها؟

ما هي أموال الخُمس؟ في الفقه الشيعي الإثني عشري، الخمس هو مقدار الخمس من فائض أرباح الإنسان ومكاسبه السنوية بعد احتساب نفقاته ومؤونته، ويدفع عادة إلى مرجع التقليد أو إلى وكلائه المعتمدين. ويقسم الخُمس إلى نصفين: سهم الإمام المهدي، وسهم السادة، وهم المنتسبون إلى ذرية النبي (صلى الله عليه وسلم). ومن المفترض أن يوجّه المرجع سهم السادة إلى مستحقيه وفق الضوابط الشرعية، وأن يستخدم سهم الإمام، في زمن الغيبة، في ما يراه من مصالح الدين والمذهب، مثل دعم المدارس العلمية، وتعليم طلاب العلم، وبناء المؤسسات الدينية، وتمويل المشاريع الدعوية والخيرية، ونشر المعرفة الإسلامية. وهنا تحديداً تبدأ الحساسية، لأن المال لا يبقى مجرد عبادة فردية بين المكلَّف وربه، بل يتحوّل إلى مورد مالي واسع يدار عبر وكلاء ومؤسسات وشبكات دولية.

في هذا السياق يبرز الجدل حول أموال الخُمس باعتباره ملفاً مالياً وسيادياً بالغ الحساسية. فالخُمس في الوعي الشيعي عبادة مالية لها موقعها الديني، ويراها المؤمنون واجباً شرعياً مرتبطاً بالمرجعية الدينية والتكليف الشرعي. وفي دول الخليج، حيث توجد مجتمعات شيعية واسعة، يكتسب هذا الملف ثقلاً مضاعفاً. غير أن المسألة تتغير حين تتحوّل هذه الأموال إلى تدفقات نقدية خارج الأطر المصرفية، تنتقل عبر وسطاء ووكلاء مراجع في إيران وشبكات أخرى غير معلنة، فلا يعرف حجمها، ولا مسارها، ولا وجهتها النهائية.

أخطر ما في هذا الملف أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يتحرك نقداً. والنقد بطبيعته منطقة رمادية، لأنه لا يترك أثراً مصرفياً، ولا يكشف بوضوح هوية الدافع والمستلم، ولا يتيح تتبع المسار الكامل للمال. حين تمر الأموال عبر حسابات رسمية، تستطيع الدولة أن تراقب وتدقق وتفرض الإفصاح، وتمنع غسل الأموال أو تمويل الأنشطة المحظورة. أما حين تتحرك الأموال في المظاريف والحقائب والزيارات الخاصة، فإن قدرة الرقابة تتراجع، وتنشأ فجوة خطيرة بين حرية التدين وحق الدولة في حماية أمنها المالي والسيادي.

هنا يجب التفريق بوضوح بين المؤمن العادي الذي يتبرع بنية دينية صادقة، وبين الشبكات التي تستثمر هذا التدين في مسارات لا يعرفها الدافع ولا يملك السيطرة عليها. كثير من الناس يدفعون أموالهم مقتنعين بأنها ستذهب إلى الفقراء وطلاب العلم والخدمات الاجتماعية. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه يظل قائماً: ماذا يحدث بعد الدفع؟ من يقرر وجهة المال؟ هل يعرف الدافع النسبة التي تُصرف محلياً والنسبة التي تخرج إلى الخارج؟ هل تنشر تقارير مالية؟ هل توجد مراجعة حسابية مستقلة؟ الجواب، هو لا.

فالأخماس، بعد انتقالها إلى المرجعية الدينية، تُصبح فقهياً مجهولة المالك، فيتصرف بها المرجع وأبناؤه ومن حوله كما يشاؤون. وفي هذا المقام أتذكر أحد وكلاء المراجع في أميركا، حين استلم ظرفاً من أحد المصلين بعد صلاة الظهر، فوضعه في جيبه، ثم نظر إلىَّ مبتسماً وقال ساخراً: «إنا أنزلناه في الْجَيْبِ»

هذا هو جوهر الجدل حول توجيه أموال الخُمس إلى إيران، حتى داخل المجتمعات الشيعية نفسها. فإيران، بوصفها دولة تمتلك مشروعاً إقليمياً واسعاً، لا تتحرك في منطقة الخليج والمشرق العربي بالخطاب وحده. هي تحتاج إلى تمويل دائم: مراكز، ومؤسسات، ومنابر، وإعلام، ومنح دراسية، وشبكات دينية، وأذرع سياسية وأمنية.

جزء من هذا التمويل يأتي من موارد الدولة الإيرانية واقتصادها الرسمي وغير الرسمي. لكن المال الديني، حين يخرج من دائرة الرقابة، يصبح مورداً قابلاً للاستغلال، خصوصاً حين يرتبط بولاءات مرجعية. ولا ينبغي أن نغفل هنا حملات التبرع الواسعة التي شهدتها إيران والعراق ولبنان لصالح النظام الإيراني خلال الحرب الأخيرة والمستمرة، وما رافقها من فتاوى أو إجازات صادرة عن بعض مراجع التقليد تجيز استخدام أموال الخمس لدعم هذا المسار. وهذا وحده يكشف كيف يمكن للمال الديني، متى غابت عنه الرقابة، أن يتحول من عبادة مالية إلى أداة تمويل سياسي تخدم مشروع دولة عدوة، بدلاً من أن تخدم رسالة الدين ومصالح المؤمنين.

مشاريع النفوذ لا تحتاج دائماً إلى تحويل المال إلى سلاح. يكفيها أن تبني مزاجاً، وتخلق تعاطفاً، وتصنع شبكة اجتماعية خليجية تشعر بأن ارتباطها بالنظام الإيراني أقوى من ارتباطها بالمجتمع الوطني.

ومن هنا يصبح المال الديني غير الشفاف خطراً حتى على الشيعة أنفسهم، لأنه يأتي في صورة نشاط اجتماعي أو ديني أو خيري يصعب الاعتراض عليه. فإذا سألت عن الشفافية قيل لك إنك تعادي الدين، وإذا سألت عن الوجهة قيل لك إنك تستهدف المرجعية والعلماء، وإذا سألت عن الرقابة قيل لك إنك تضيق على المؤمنين. وهكذا تتحوّل الأسئلة الطبيعية إلى اتهامات طائفية جاهزة.

المطلوب ليس مصادرة الخُمس، ولا تحويل الدولة إلى خصم للمذهب. المطلوب تنظيم واضح: مؤسسات معلنة، وحسابات مصرفية بدلاً من النقد المجهول، وتقارير مالية دورية، ومنع التحويل إلى جهات خارجية غير مصرح بها، وفصل صريح بين العمل الديني والتمويل السياسي. مبدأ بسيط يكفي: أي مال يجمع داخل دولة، ويتحوّل إلى نشاط مؤسسي أو تحويل دولي، يجب أن يخضع لقانون تلك الدولة.

ومن المفترض أن تصرف أموال الأخماس المجموعة في دول الخليج داخل الخليج نفسه. فهناك مجال واسع لعمل الخير ودعم المشاريع الدينية والاجتماعية داخل المجتمعات الخليجية. ولا يجوز شرعاً إرسال الأموال إلى مراجع موالين لنظام يهاجم الأمة الإسلامية بالمسيّرات والصواريخ.

لا قداسة للغموض، ولا حصانة للنقد المجهول. والضمانة الوحيدة التي تحمي المؤمن من أن يفاجأ يوماً بأن إيمانه كان يمول ما لم يؤمن به، هي الشفافية. لا أقل ولا أكثر.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 مايو 2026 23:04

في ديسمبر 2024 ألغت المحكمةُ الدستوريةُ الرومانيةُ الانتخابات التي فاز فيها مرشح اليمين الراديكالي بحجة التدخل الخارجي والتلاعب الإلكتروني بأصوات الناخبين، قبل أن تنظّم انتخابات جديدة في مايو 2025.

وقبل رومانيا، جرت حالات متشابهةٌ في بوليفيا ومالاوي وكينيا، وجرى التحذير من الخطر نفسه في عدد من الديمقراطيات العريقة مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا.

العديدُ من الباحثين السياسيين غدوا يشكّكون في نجاعة الآليات الانتخابية في حسم موضوع شرعية السلطة السياسية، بالنظر إلى المستجدات الراهنة التي غيّرت جذرياً الحقلَ السياسي، ومن أهمها التجزئة الاجتماعية القصوى التي قوّضت موازينَ التصنيف الاجتماعي الطبقي، وبروز شبكات التواصل الرقمي التي ألغت الوسائط التقليدية لتشكل الإرادةَ الحرةَ للمواطن في كثير من مناطق العالم.

 صحيح أن الآلية الانتخابية نفسها طَرحت منذ بداية العصر الديمقراطي عدةَ إشكاليات جوهرية باعتبارها تقوم على تحويل الأغلبية العددية إلى تعبير عن الإرادة المشتركة للمجموعة الوطنية. بيد أن هذا الاختزال كان مقبولاً في سياق تشكُّل أقطاب أيديولوجية طبقية واسعة قادرة عن التعبير عن الجسم الاجتماعي المتنوع، كما أن الزمنية الانتخابية نفسها كانت مؤهلة لضبط التوازنات التي يقتضيها العمل السياسي، بتكريسها مبدأ التداول الحر على الحكم. ومع نهاية القرن العشرين، فرضت التحولاتُ الجديدةُ مراجعةَ العديد من الآليات الانتخابية نفسها، فاستحدثت قواعد جديدة، من بينها نظام التمثيل النسبي من حيث هو أكثر ملاءمة للتجزؤ السياسي المتصاعد، وآليات التمييز الإيجابي لصالح الأقليات والأنواع، وإنشاء مؤسسات مستقلة لضبط الانتخابات في الساحات التي تعرف مصاعب التحول الديمقراطي، كما هو الشأن في أفريقيا وأميركا اللاتينية.بيد أن الثورة الرقمية الحالية، بقدر ما ولّدت أدواتٍ جديدةً لكسر الاحتكار الإعلامي وتحرير القول العمومي ودفع الشفافية الانتخابية، كرّست تحدياتٍ جديدةً من بينها جرف دائرة النقاش العمومي إلى اعتبارات الهوية والاندفاع العاطفي، وإلغاء التمييز الضروري بين الحقيقة والخطأ، ومضاعفة آليات الرقابة والضبط والتلاعب بوعي الناس واختياراتهم.

في الدورة التاسعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف في السنة الماضية، قدّمت «أرين خان»، مقررة هيئة الأمم المتحدة لحرية الرأي والتعبير، تقريراً للمجلس اعتبرت فيه أن حريةَ التعبير تواجه اليوم مخاطرَ عديدةً في مختلف العالم، من بينها طبيعة الحقل السياسي الموبوء الذي تسيطر عليه الأنظمة الشعبوية الاستبدادية، بما ينجم عن ذلك من تَراجع للديمقراطية وحقوق الإنسان في عمق الغرب الليبرالي نفسه، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تفتقد للصدقية الإخبارية وتنتشر فيها الكراهية والدعاية الزائفة، وانهيار الوسائط الإعلامية التقليدية التي غدت عاجزةً عن أداء دورها التنويري وحماية المجتمع من الكذب والمعلومات المغلوطة.

 في مثل هذه الأجواء، ما الذي يمكن للديمقراطية الانتخابية أن تقوم به من مقتضياتِ حمايةِ الضمير الحُر والتعبير المفتوح والتداول العمومي والاختيار الموضوعي دون وصاية خارجية؟

كان بعض علماء الاجتماع من نقّاد الليبرالية قد نبّهوا إلى أن الوسائط الإعلامية والأجهزة الأيديولوجية للدولة (وفق عبارة الفيلسوف لويس التوسير) قادرة على صناعة نمط من التواطؤ يُلغي عملياً الديناميكيةَ التعدديةَ الحرة. وذلك مثلا هو مضمون ما سمّاه غرامشي «صفقة الهيمنة» التي تضبط الديمقراطية التعددية في المجتمع الليبرالي ضمن مصالح الطبقات الاجتماعية المتحكمة، بما يَحول دون تغييرٍ مجتمعي حقيقي عن طريق الانتخاب والسباق العددي.

إلا أن هوامش التعبير الراديكالي والتمثيل السياسي وجدت منافذَ حيويةً في الإعلام والثقافة وفرضت نفسها بالتالي على الأجندة السياسية، قبل أن تتغير المعادلة في العصر الرقمي الجديد الذي انهارت فيه الوسائطُ الثلاث الكبرى للتعبير النقدي الحُر، وهي: الأيديولوجيات التعبوية التي انحسر زخمُها كلياً بعد نهاية الحرب الباردة، وصحافة الرأي والاستقصاء التي كانت في السابق تساهم في توجيه الوعي السياسي العام، والأحزاب السياسية التي كانت تجسِّد معادلةَ التنوع الفكري والاجتماعي. في العصر الرقمي الجديد نشأ ما أَطلق عليه البعضُ حالةَ «التقنية الفاشية»، وهو يعني تحالف المنصات الإلكترونية الكبرى والحركات الشعبوية الراديكالية المعادية لليبرالية، واستبدل العمل النقدي الإعلامي بالاستقطاب الشعوري العاطفي السريع، حيث المعيار هو «الحقيقة المخترعة البديلة» بدلاً من الحقيقة الواقعية الموضوعية، وأخذت الاعتبارات «الهووياتية» مكانةَ الحركية الاجتماعية التعددية.

ومن هنا كان لا بدّ من مراجعة آليات ومسالك النظام الديمقراطي لحماية مكاسب حرية الوعي والتعبير وشرعية الإرادة المشتركة. ومن البديهي اليوم أن المسطرة الانتخابية لم تَعُد قادرة على حماية هذه المكاسب الديمقراطية، بل هي في بعض جوانبها البارزة أداة ناجعة لوصول حركات شعبوية مناوئة لليبرالية وحقوق الإنسان إلى مواقع السلطة وصناعة القرار.

***

السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 24 مايو 2026 23:30

 

ما الذى صنعه العالم فى بناء الذات البشرية؟ لقد تحول بشكل سريع إلى عالم معولم، تتقاطع فيه شبكات المال والتجارة والسياسة والاجتماع، وتنداح فى بحره كل يوم أمواج جديدة من التغيرات التكنولوجية والأجندات السياسية والأفكار، كما تموج مياهه بالدينامية والتدفق عبر وسائل الاتصال والمواصلات والتحركات البشرية.

وتضاعفت هذه التغيرات عبر التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات التى صنعت لهذا العالم عالمًا موازيًا تتشكل فيه تفاعلات وشبكات الكترونية تتوازى وتتقاطع مع العالم الواقعى. ولقد تحقق للإنسان مكاسب كثيرة من هذا التحول، رغم أنه كان تحولًا ظالمًا وقاسيًا على الشعوب الفقيرة التى لا يحصل سكانها على نصيب من نتائج هذه التغيرات الهائلة.

ولقد كان من المتوقع أن يحقق هذا التطور الهائل وهذه المكاسب الهائلة للإنسان سعادًة واطمئنانًا، خاصة أن القائمين على شئون العالم قد أدركوا بعد المآسى التى ترتبت على الحربين العالميتين الأولى والثانية، أهمية تأسيس منظمات لتحقيق الأمن والسلم الدولى، وتأكيد القيم الإنسانية للتعددية والتفاهم والتعايش بين الثقافات. ولقد ظلت هذه المنظمات تعمل بطريقة شكلية دون أن يكون لعملها مردود عملى على واقع العالم المعاصر.

ولكن التطور الذى شهدته العولمة لم يتجه إلى هذا الميل الإنسانى، ولم يسر فى طريق تحقيق السعادة. لقد أدى التطور السريع، والبحث الدائم عن تحقيق المصالح الاقتصادية والسيطرة السياسية، أدى إلى أن تتطور العولمة على نحو لا انسانوى. فإذا كان التطور قد رفع من شأن العلم والعقل، وحقق تراكمية اقتصادية كبرى، فإنه وَلَّد على الضفة الأخرى من النهر ميولًا نحو التقوقع داخل الدوائر الضيقة للعرق والسلالة والدين، فظهرت الميول الشعبوية والشمولية والأصولية، وانتشرت الحروب والنزاعات العرقية والثقافية، كما اشتعلت نيران الحروب والعنف المتولد من صور مختلفة من الإرهاب.

لقد مالت الحداثة المعولمة على الانسان ميلة كبيرة فنزعت عنه رداءه الأخلاقى، وأدخلته فى دوائر من سيطرة المصلحة والغريزة واستخدامات العقل لخدمة كليهما، فتحولت سيولة الحداثة وتدفقها المادى إلى لزوجة أخلاقية. ومن المتوقع فى مثل هذا الظرف أن يضمحل كل ما هو اجتماعى، وأن تتغلب «الأنا» على «النحن»، فتتزايد مشاعر الكراهية والخوف.

إن العولمة تمنح العالم فرصة للانطلاق عبر قدراتها على التشبيك ونقل المعلومات والمعارف، ولكنها فى الجانب الآخر تمتص كل ما هو إنسانى، وتحول العلاقات بين البشر الى علاقات مُصفدة، وتفرض فى كل لحظة قوانينها الخاصة، فيتحول العالم الى سجن كبير، ويصبح الانفتاح والتدفق المعلوماتى والمعرفى أدوات للرصد والمراقبة، فيشعر الانسان بأنه فى عالم عنكبوتى تلاحقه الخيوط الشبكية فى كل مكان .

وفى هذا الظرف يتخلق مناخ تنمو فيه النزعات التى تهدر الميول الإنسانية للعمران البشرى، فهى تعمل من ناحية على بناء أُطر للحرية والديمقراطية والاختيار والتعددية، ولكنها تنزع عن كل هذه الممارسات طابعها الإنسانى، فتتحول إلى خطابات فارغة لا معنى لها. وأحسب أن مثل هذه الظروف تفرض على من يعيشون فى كنف النظام المعلوم أن يظهروا لأنفسهم أشكالًا من الوعى بالنزعات اللا إنسانية للعولمة لكى يستطيعوا أن يعيشوا فى كنفها ويستفيدوا من تدفقاتها وشبكاتها. وسوف نحاول أن نرصد فيما تبقى من هذا الحديث عددا من هذه النزعات ونستشرف بعض جوانبها غير المضيئة.

من أولى هذه النزعات العمل على تفكيك السياقات والثقافات المحلية ودمجها عنوة فى الأُطُر العالمية. إن الإنسان المعاصر يحاول أن يلجأ الى الملاذات الضيقة التى تقرها الأعراف والتقاليد المحلية لكى يواجه بها قوى العولمة الطاغية، ولكنه عندما يلجأ الى هذه الملاذات، فإنه يتحصن بها ويتباعد عن الآخرين ويخلق بينه وبينهم مسافات كبيرة ضاربًا عرض الحائط بكل ما هو اجتماعي؛ وتصبح حياته فى حالة صراع وتوتر مع السياقات المحيطة والمختلفة، ويتقلص الإحساس بالأمن والاستقرار فى مقابل تنامى مشاعر الكراهية والخوف والتباعد، إنها حالة عدم اليقين التى تتوه فيها الأهداف وتتعدد فيها مسارات التوهان والانفلات.

ومن الناحية الأخرى فإن العولمة تصنع أدواتها الخاصة فى الهيمنة وفرض الوصاية والتبعية. وتتحول هذه الأدوات الى آلات ضاغطة على الإنسان المعاصر، باعثة على نزع مزيد من جوانب حياته الإنسانية. من أولى هذه الآلات آلة السياسة، التى تفرض صيغًا جديدة من الهيمنة، وتجعل آلة الحرب والتهديد والوعيد واستعراض القوة أدوات لفرض إرادة القوى على الضعيف، وفتح الطريق نحو ممارسات غير نظامية وغير عرفية.

هنا تصبح آلة الحرب وما يحيط بها من أدوات للقسر والدمار وسيلة سهلة ومفضلة لا تعرف قوانين العقل والرشادة بقدر ما تعتمد على قوانين الغريزة والمشاعر الفطرية والبدائية. وتنضاف إلى هذه الآلات آلة الاقتصاد. لقد أصبح الاقتصاد المعولم أكثر ارتباطًا بالسياسة وما تفرضه من حروب وصراعات. فالصراعات والحروب تعمل على خلق ارباكات لخطوط الإمداد وسلاسل القيمة الأمر الذى يفرض ضغوطًا كبيرة على الدول الأفقر والأقل نموًا.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل تتحول الحروب السياسية فى كثير من الأحيان إلى حروب اقتصادية تعتمد مبادئ المقاطعة وفرض العقوبات على الدول والمؤسسات والأفراد. وهنا تتفاعل آلة الاقتصاد مع آلة السياسة مع آلة الحرب لتحول العالم الى آتون للخوف والرعب وعدم الأمن وعدم الاستقرار.

ولا يمكن أن ننهى هذا الحديث دون أن نشير الى ما تنتجه العولمة من نزعات فكرية متطرفة. فقد أنتجت فى تاريخها نزعات فى غاية التطرف بدأت بالنازية والفاشية والشمولية قرب منتصف القرن الماضى، ومرورًا بالنزعات الأصولية ذات الطابع الدينى فى الربع الأخير من القرن العشرين، وانتهاءً بنمو النزعات الشعبوية فى بدايات القرن الحالى وحتى الآن.

ولا شك فى أن هذه النزعات الأيديولوجية التى تحمل غضبًا سلبيًا تجر العالم إلى ظلمات التطرف والإرهاب وتُفقِد العالم قدرته على صناعة التعايش والسلام، وتجعل العالم قادرًا على إنتاج قيم التباعد والشك والكراهية والخوف أكثر من قدرته على إنتاج قيم التعددية والثقة والتعايش.

***

د. أحمد زايد

عن جريدة الاهرام القاهرية، يوم: السبت 6 من ذي الحجة 1447 هــ 23 مايو 2026 السنة 150 العدد 50937

من المقولات التراثية مقولة «من كان شيخُه كتابَه، كان خطؤه أكثرَ مِن صوابِه»، وهي مقولة مبكرة تنبهت لخطورة الكتاب بوصفه أخطر منافسٍ لسلطة الشيخ - المعلم. وهذه المقولة تحذيرٌ من تفرد الكتاب بالقارئ من دون حمايةٍ من شيخٍ يدير العلاقة بين القارئ والكتاب. وإن تفرد الكتاب بالقارئ فهذه علامة تمرد ستغير التراتبية الثقافية، وهذا وجه من وجوه تنازع السلطات وأيهما أحق بملكية التوجيه والتربية. والتخويف من هذا التفرد ليس سوى وصاية ثقافية تعني الاستحواذ والأبوية من الأب الشيخ الذي من دونه تأتي الأخطاء بناءً على أن عقول الآخرين صغيرةٌ وتحتاج لحماية. وهذه من أخطر الوصايات التي حاصرت التحرر من المريدية والتتلمذ الاستسلامي. رغم أن الشيخ نفسه يعتمد الكتاب مرجعاً لتدريسه، لكن المقولة تريد التمييز بين شيخ بيده كتاب، وكتابٍ بين يدي قارئ حر. والحال الثانية هنا هي أخطر طبخة علمية وكأنها طبخة سامة يجب الحذر منها.

على أن عقلية الوصايات هي قصة لا تنقطع ثقافياً وسلوكياً ما دمنا نعيش في خلية اجتماعية، فالكل يربي الكل عبر النصيحة التي هي أشد صيغ التعليم المقرون بالتأديب. وهي لعبةٌ ثقافيةٌ خطرةٌ بما أنها تتحرك وفق معنى الواجب الأخلاقي. وكل نصيحة وراءها وصيٌّ يستمتع بعلوه على المنصوح وتلك أهم معاني الأبوية الثقافية. ونحن مشتبكون مع النصيحة منصوحين وناصحين، في تبادل لا ينقطع حسب تنوع الأدوار. ويظل المرء منا يتعلم أنظمة السلوك من سلوك غيره ممن يتطوعون بتعليمه المبتغى منه. ومقابل هذه الخزينة التربوية تأتي الخبرات الخاصة التي ستحدث تصدعاّ بين حركة المعاني المكتسبة بالمباشرة الحية، والمعاني المكتسبة بالتلقين.

وفكرة تلقين السلوك تحيل لرغبات عميقة في حب السيطرة على الآخرين، وهي سيطرة ناعمة، لكن نعومتها تضمر خشونتها، لأن هذا النوع من الوصاية عبر النصح والوعظ والتربية هي بالتالي أوامر تفضي لرد فعل غير إيجابي قد يبلغ حد التمرد أو فعل نقيض ما يراد فعله، وهذا واضحٌ من الأمثلة الواقعية، والتعامل معه مكشوفٌ وربما تلقائي. لكن الأخطر هو ما نتعلمه من الكتب بما أن قراءة الكتب من خياراتنا الحرة، ولكن هذا الخيار الحر يتحول إلى إدمان لهذه الخيارات التي ستصبغ ذهنياتنا ونتطبع بها. وهي غالباً تختلف عن أنظمة السلوك النمطية تلك التي نتواصى عليها وننتظم معها اجتماعياً. وكل كاتب عظيم هو أيضاً كائنٌ غريبٌ حسب المتواتر عن سير العظماء، ومن ثم فالقراءة للعظماء كما نسميهم ستغرينا بالتطبع بهم وبما أنهم مختلفون وغريبو الأطوار ومتمردون في الذوق فإن عدوى هذه السمات تنتقل لقرائهم فيتطبعون بها وإن بنسب متفاوتة.

وهنا يحدث تعارضٌ بين السلوك الاجتماعي العرفي والسلوك الثقافي؛ ذاك السلوك الذي هو حمى ثقافية تصيب كل مقترب منها، وتظهر هذه الحال في سلوك كبار الشعراء والفنانين (والشاعر الذي أدمن الشعر وتلبس بسياقاته وشفراته تظل نفسه مسكونةً بالشعر حتى وإن كتب نثراً أو رسالةً شخصية، أو تحدث في مكالمة هاتفية، حيث يتجاوز السياق الشعري سياجه ويتداخل مع سياقات السلوك فيغرس فيه شيئاً من شفرات المعنى الشعري - وهذا اقتباس من كتابي «الخطيئة والتكفير»).

وهذه مسألةٌ تسهل ملاحظتها عبر عيون عموم الناس ونظراتهم لمن يسمونه مثقفاً. ومن وصف المثقف يبدأ نوعٌ من التنميط الاجتماعي، ومنه يتنشأ سلوك من أبرز سماته إدمان الحالة الثقافية، ويكون عالم الكتب والأفكار هو المهيمن على ذهنيتك، ومن ثم فمقولة «من كان شيخُه كتابَه» تأتي من سياق الثقافة الفقهية، بما أن الجملة شاعت بين الفقهاء، والفقه كان يُؤخذ بالمباشرة في حلقات شيوخ العلم الشرعي، وثني الركب فيها هو علامة على النجابة ومنها تشكلت المذهبية الفقهية من حيث المسار مسار الشيخ المعلم. أما الركون لمرجعية الكتب فالإنسان فيها غالباً ما يكون شيخ نفسه لأنه في خيارٍ مطلقٍ يستطيع التمرد عليه دون جلبة، وهنا يقع التفاوت غير المحمود في السلوك العام اجتماعياً ومذهبياّ من حيث إن التحرر الذاتي يعزل الذات عن النسق المؤسسي وينظر إليه حينئذٍ على أنه تمردٌ على هرم المرجعية التي تحتفظ بحق الإباحة أو حق التحذير وتحدد الكتب الموصى بها أو المحذر منها.

ومختاراتنا الحرة من الكتب تقوم على منظومات متحركة تتعدد بدافع رغبات الهوى الذاتي، بما أن القراءة في جوهرها متعةٌ وتزجية وقت وخلوةٌ مع غائبين لا يملكون أي سلطة حسية علينا، بل نحن من نضعهم رهينةً لخياراتنا، وكلما تنوعت هذه الخيارات زاد عندنا الحس الناقد بأن نوازن ونفاضل، وهذا ستسقط حصانة المؤلف المفرد، وتتعدد مصادر الرؤى، وحتماً فهذا التنوع وتعدد الأصوات والأفكار سيضعنا على درجات من التساوي مع عقول كتابٍ من ديدنهم الاختلافات والمنطاحات في الرؤى لدرجة التعالي المتبادل.

وبسبب تعدد اختلافاتهم تتخلق عندنا الجرأة على الشيخ الأول الذي لن يظل أولاً للأبد. وسيحل القارئ محل الشيخ، وهذا تمرد على النظام الذهني للثقافة. فتتشكل تبعاً لذلك دوافع تغري القارئ الحر ليصبح شيخاً على شيوخه وسيستمتع برد فعله المبارز لهم وإن في غيابهم، وكأن ذلك إعلان بأنه خرج عن الطوق.

وسينبثق قارئ نوعي سيكون شيخ شيوخه، وهذه صفة عالية للقراء النوعيين حين تتعمق القراءة، وتصنع من التنوع الفكري مداخلَ نقديةً، وتحدث حينئذٍ القراءة الناقدة. وهذه القراءة الناقدة هي التي تصنع التحولات الكبرى في المعرفة، والبداية فيها تأتي من كشف ثغرات المقولات.

وكل ثغرة تتكشف تعني كشف نقص النظرية عن تفسير الظواهر وينفتح هنا باب لاجتراح مدخل آخر لفتح باب كان موصداً، وتنبثق الفرصة لنظرية تعطي تفسيراً مختلفاً يضيف لرصيد المعرفة البشرية، ويعطي رؤيةً لم تكن في البصيرة قبل كشف الثغرات، وتتخلق من ثم جدليات فلسفية أو مخترعات تطبيقية.

***

عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط الندنية، يوم: الثلاثاء - 02 ذو الحِجّة 1447 هـ - 19 مايو 2026 م

 

قراءة نقدية في تحولات الوعي الإسلامي بين القيم المؤسِّسة وإغراق التفاصيل

مقدمة: حين نزل القرآن الكريم، لم ينزل بوصفه كتاب طقوس مغلقة، ولا موسوعة تفصيلية لإدارة الجزئيات اليومية، بل نزل مشروعًا لتحرير الإنسان من التبعية العمياء، وبناء وعي قائم على التدبر، والعقل، والمسؤولية الأخلاقية.

لقد كانت الرسالة القرآنية في جوهرها ثورةً على أنماط التفكير الجامد، وعلى تحويل الدين إلى ميراث اجتماعي يُتبع دون فهم.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيمان، بل جعل من التفكير شرطًا للإيمان الحقيقي، ومن مراجعة الموروث مدخلًا للتحرر الوجودي. ولذلك تكررت فيه آيات مثل:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾

غير أن المتأمل في مسار الحضارة الإسلامية يلاحظ تحوّلًا تدريجيًا من مركزية القرآن بوصفه مرجعية قيمية وتشخيصية، إلى هيمنة الرواية والسرديات التفصيلية، حتى غرق العقل الإسلامي في كمٍّ هائل من القصص والأحاديث والخلافات الجزئية، بينما تراجعت القيم القرآنية الكبرى في الواقع العملي.

ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي:

كيف انتقل الوعي الإسلامي من مشروع قرآني تحرري إلى بنية مذهبية يغلب عليها التلقين والتفاصيل والطقوس؟

وهل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للمجتمع الإسلامي، أم نتيجة عمليات اختراق ثقافي وسياسي ومعرفي شاركت فيها عوامل داخلية وخارجية؟

أولًا: القرآن كمشروع لتحرير الوعي

إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن معركته الأساسية لم تكن مع “الوثنية الحجرية” فقط، بل مع آلية التقليد الأعمى ذاتها.

فالقرآن انتقد الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم دون تدبر:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾

وبذلك أسّس لمفهوم الإيمان القائم على الاقتناع لا الوراثة، وعلى البحث لا التسليم الاجتماعي.

ولهذا كانت “الحنيفية” في جوهرها خروجًا من أسر الموروث نحو حرية الوعي.

فالإنسان القرآني ليس تابعًا للجماعة، بل مسؤولًا عن قراره المعرفي والأخلاقي:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

ومن هنا فإن مركزية القرآن لا تعني مجرد تلاوته، بل جعله المرجعية العليا في بناء القيم والوعي والسلوك.

ثانيًا: التحول من النص المؤسس إلى الرواية المؤسِّسة

بعد وفاة النبي ﷺ، دخل العالم الإسلامي مرحلة توسع سياسي واجتماعي هائل، فاختلطت الثقافات، ودخلت أمم متعددة بخلفياتها الفكرية والدينية والأسطورية.

وفي هذا السياق نشأت حاجة متزايدة إلى:

* تفسير النصوص،

* تنظيم السلطة،

* تبرير الصراعات السياسية،

* إنتاج شرعية دينية للأنظمة،

* والإجابة عن الأسئلة الجديدة.

وهنا بدأت الرواية تتحول تدريجيًا من أداة شرح إلى سلطة موازية للنص المؤسس.

فبدل أن يبقى القرآن هو المركز، أصبحت آلاف الروايات تحيط بالعقل المسلم من كل جانب، حتى بات الوصول إلى النص القرآني يمر أحيانًا عبر طبقات كثيفة من التفسير والموروث والمذهبية.

ومع مرور الزمن، انتقل الدين من:

* “افهم ثم آمن”،

    إلى:

* “سلّم ثم لا تسأل”.

ثالثًا: الإسرائيليات وإغراق الوعي بالتفاصيل

من أبرز الظواهر التي أثّرت في الوعي الإسلامي ما عُرف بالإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن بعض من أسلموا من أهل الكتاب، أو التي تسربت من التراث اليهودي والمسيحي إلى كتب التفسير والسرد الديني.

ولا يعني هذا أن كل ما نُقل كان مؤامرة منظّمة، بل إن جزءًا كبيرًا منه جاء نتيجة:

* الانبهار بالقصص،

* الحاجة إلى التفاصيل،

* الفراغ المعرفي،

* والرغبة الشعبية في تحويل المجمل القرآني إلى مشاهد سردية مفصلة.

فالقرآن حين يذكر قصة موسى أو نوح أو أصحاب الكهف، يركّز على البعد القيمي والوجودي، بينما اتجه العقل الروائي لاحقًا إلى أسئلة مثل:

* ما لون كلب أصحاب الكهف؟

* كم كان طول سفينة نوح؟

* كيف كان شكل الجنة والنار بالتفصيل الحسي؟

* ماذا قال فلان لفلان؟

وهكذا تحوّل الدين تدريجيًا من مشروع وعي إلى مشروع سرديات.

وهنا تتجلى خطورة “إغراق الوعي بالتفاصيل”، لأن كثرة التفاصيل تستهلك طاقة العقل في الجزئيات، وتمنعه من إدراك المقاصد الكبرى.

رابعًا: السلطة السياسية وتكريس الوعي النقلي

لا يمكن فهم تضخم الروايات دون فهم دور السلطة السياسية في ذلك.

فالحاكم يحتاج دائمًا إلى:

* إنتاج طاعة،

* تقليل مساحة السؤال،

* وتحويل الدين إلى منظومة استقرار اجتماعي.

ومن هنا ازدهرت روايات:

* السمع والطاعة المطلقة،

* تحريم الخروج،

* تقديس السلف،

* وتحويل الاختلاف إلى تهديد ديني.

ومع الوقت، أصبح التفكير الحر خطرًا، بينما تحوّل النقل إلى فضيلة بحد ذاته.

فكلما تراجع العقل النقدي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للقيادة الأيديولوجية.

خامسًا: الطقوس بدل القيم

أخطر نتائج هذا التحول كانت انتقال مركز التدين من القيم إلى الطقوس.

فالقرآن ركّز على:

* العدل،

* الأمانة،

* تحرير الإنسان،

* إطعام الفقير،

* رفض الظلم،

* تحريم أكل أموال الناس بالباطل،

* والصدق في التعامل.

لكن جزءًا كبيرًا من الخطاب الديني انشغل لاحقًا بـ:

* شكل اللباس،

* عدد الحركات،

* التفاصيل الشكلية،

* مسائل الاختلاف الفقهي الجزئي،

* والهوية المذهبية.

حتى أصبح الإنسان قد يؤدي الطقوس بدقة، لكنه يمارس الظلم والفساد والكراهية دون شعور بالتناقض.

وهنا انفصل الدين عن مقصده القرآني الأصلي.

سادسًا: هل المشكلة في اليهود أم في قابلية العقل للاستلاب؟

إن اختزال أزمة الوعي الإسلامي في “اليهود” وحدهم يُنتج قراءة تبسيطية للتاريخ، ويُعفي الذات من مسؤوليتها.

فالقرآن نفسه يرفض التعميم:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾

كما أن كل حضارة تحمل داخلها قابلية للجمود حين تتحول المعرفة إلى سلطة مغلقة.

لذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست وجود “آخر” يحاول التأثير، بل استعداد العقل للتخلي عن مسؤوليته النقدية.

فالاستلاب يبدأ عندما:

* يخاف الإنسان من السؤال،

* يقدّس الموروث،

* ويستبدل التدبر بالتلقين.

سابعًا: العودة إلى القرآن بوصفه مشروع وعي

إن استعادة مركزية القرآن لا تعني إلغاء التراث أو إعلان الحرب على التاريخ، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة معه.

فالقرآن يجب أن يبقى:

* المرجعية العليا،

* والمعيار القيمي،

* والميزان الذي تُعرض عليه الروايات والأفكار.

كما أن التدبر لا يعني الفوضى الفكرية، بل تفعيل العقل ضمن القيم القرآنية الكبرى.

فالقرآن يريد إنسانًا:

* يفكر،

* يبحث،

* يراجع،

* يصحح مساره،

* ويتحمل مسؤولية وعيه.

ولهذا فإن النهضة الإسلامية الحقيقية لن تبدأ بتكثير الطقوس، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر ضمن أخلاق الوحي.

خاتمة

إن التحول من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية لم يكن حدثًا بسيطًا، بل مسارًا تاريخيًا طويلًا تشابكت فيه السياسة بالموروث بالسلطة بالثقافة الشعبية.

وقد أدى هذا التحول إلى إغراق العقل الإسلامي في بحر من التفاصيل والسرديات، حتى تراجعت القيم القرآنية الكبرى لصالح الطقوس والانقسامات والهويات المغلقة.

لكن القرآن ما زال حاضرًا بوصفه مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان من الخوف والتبعية والجمود.

فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الوعي

***

د. وائل كريم

عن صفحته الشخصية بالفيسبوك.

 

إذا كان الواقع يُبنى ولا يُعطى كما أبرزت الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة، فإن تساؤلنا في هذه الفسحة الثقافية يتناول بإجمال شديد ثلاثة أسئلة فرعية: كيف تشكّل مفهوم الواقع عند ابن رشد؟ وكيف عالج هذا المفهوم؟ وما آثار هذه المعالجة على مدينته التي عاش فيها؟

لا يمكن فهم الواقع عند ابن رشد دون ربطه بالرمز الكبير الذي أشاد به مثقفو العصر وعلماؤه، أقصد المهدي بن تومرت، فرغم أن دومنيك أورفوا يعتقد أن عالم المرابطين والموحّدين الثقافي عالمان ليس بينهما كبير مباينة، فإن اعتداد ابن تومرت بالعقل في التوحيد، على خلاف خصومه، والانتصار للأشعرية، وخاصة للمتن الغزالي الذي كان أول من أدخله إلى الأندلس ورغّب الناس في قراءته، ورفعه شعار الاجتهاد في الفقه في نجوة عن المذاهب الفقهية، حتى وجدنا بعض أبنائه وحفدته قد أزمعوا على تجفيف ينابيع الفقه المالكي من الأندلس، فضلاً عن المشاكل السياسية التي كان يعاني منها الموحدون مع خصومهم، سواء في الداخل مع ثورة المريدين وابن همشك، أو في الخارج مع محاولات اجتياح الأندلس وما عرف بحروف الاسترداد، كل أولئك عوامل مهمة لابد من استحضارها لفهم كيف تشكّل مفهوم الواقع عند الفقيه الفيلسوف.

ارتبط مصير ابن رشد منذ صباه بالموحدين فكرع من معين كُتب الشيخ السوسي المؤسس وبخاصة كتابه «أعز ما يطلب»، وأعجب به كثيراً، واعتبر طريقته في بلورة القول الشرعي طريقة جميلة لأنها ترتفع عن حضيض المقلدين وتنحط عن تشغيب المتكلمين، فهي طريقة وسط، وهي الطريقة التي سيكتب بها ابن رشد مؤلفاته الفقهية ويستلهمها في مؤلفه الكلامي «مناهج الأدلة» الذي ذكر فيه ابن تومرت.

 كان ابن رشد يشكّل واقعاً يخدم مدينته التي وضعته، وهو كهل، في أكبر منصب فقهي، فكان قاضي القضاة، أو نائباً عن الحاكم الأعظم، كما يحب أن ينعت القاضي، وقد مكّنه القضاء والعدة الفقهية التي كانت معه من حفظ للموطأ، إلى معرفة عميقة بالتراث الفقهي كما يكشف عنه كتابه الفريد الذي جعله البعض ثالث ثلاثة أهم كتب في تاريخ الكتابة الفقهية: الرسالة للشافعي، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد، والموافقات للشاطبي. وقد حظي كتاب البداية بعناية فائقة من لدن الفقهاء عبر التاريخ الفقهي. ويقدم كتاب البداية في فهم الواقع دروساً كثيرة، وهو الكتاب الذي حظيتُ بصحبته لسنوات، الدرس الأول: الموضوعية العلمية في عرض آراء الفقهاء من خلال أسباب اختلافهم في المنطوق به في الشرع، ليضع بين يدي الفقيه سبارات الاجتهاد وقوانين النظر الفقهي، لقد كان ابن رشد يشتكي خلو عصره من المجتهد، فكان أن نذر نفسه لتحمل مسؤولية إيجاد المجتهد الذي لا ينبغي أن تخلو منه مدينة كما يقول. فكان هذا عنده إحساس رفيع بواقع يضمر ويضيع على أيدي عوّام الفقهاء. والدرس الثاني، وهو من أهم ما يكشف عنه بداية المجتهد عملُه على تأسيس مفهوم المصلحة، وقد كتبنا في ذلك مقالاً مفرداً، وقد كاد أن يرفضه باعتبار ما يترتب عنه من زيادة في الشرع، لكن ابن رشد رآه ضرورياً ضرورة واقعية لما يحققه من عدل عندما يوشك أن يضيع، ومن هنا الدّرس الثالث المتجلي في حرصه على تخليق الفقه ومعارضة بعض الفقهاء في أحكام فقهية يجفُّ فيها عندهم البعد الأخلاقي.

لقد كان إحساس ابن رشد بواقعه إحساساً كبيراً فنصب نفسه مدافعاً عنه بالقول في المسجد وبالكتابة الفقهية والفلسفية على السّواء. ولأهمية الفلسفة في بناء فقه الواقع عند ابن رشد فسحة أخرى.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 14 مايو 

تُعَدّ نظرية ولاية الفقيه من أكثر الأطروحات السياسية إثارةً للإشكال في الفكر الإسلامي المعاصر، إذ تزعم نقل سلطة دينية مفترضة إلى حيز السلطة السياسية الفعلية وإضفاء صفة الإطلاق عليها في إدارة شؤون الأمة. غير أن إخضاع هذه النظرية لميزان الفقه وأصوله يكشف عن هشاشتها البنيوية وافتقارها إلى مستند شرعي رصين، فضلاً عن تعارضها مع ثوابت الشريعة ومقاصدها الكلية، وما تُفضي إليه من نتائج خطيرة حين تُنزَّل على أرض الواقع.

يبدأ الخلل من جذوره التأصيلية، إذ لا يستند هذا البناء الضخم إلى نصٍ قطعي الثبوت والدلالة، بل يقوم على عبارات عامة فضفاضة من قبيل «مجاري الأمور بيد العلماء» و«الراد على الفقيه كالراد على الله». وتوظيف مثل هذه المقولات، التي تخالف في ظاهرها جوهر الدين ومقاصده، لتأسيس ولاية سياسية مطلقة للفقيه، ما هو إلا تعسّف في التأويل وتحميل للنصوص ما لا تحتمله دلالةً ولا سياقاً. والقاعدة الأصولية المقررة أن الدليل الذي يُثبت حكماً استثنائياً يجب أن يكون في قوته وصراحته بقدر ما يُثبته، وليس في مسألة تفويض حكم الأمة ما يرقى إلى هذا المستوى. بل إن السياق العقلاني الذي يُستند إليه أحياناً من قبيل الحاجة إلى حاكم يقيم العدل في زمن الغيبة (غيبة الإمام المهدي عند الطائفة الشيعية) لا يستلزم بحال أن يكون هذا الحاكم فقيهاً ذا صلاحيات مطلقة. وادعاء استمداد الشرعية من الإمام المهدي لإثبات ولاية الفقيه ليس إلا خرافة لا سند لها من نقل صحيح ولا من عقل سليم، إذ لم ولن يُفوِّض الإمام المهدي جماعةً متطرفة أو فئةً منحرفة لتتولى حكم الأمة بأكملها.

والأخطر من ضعف الدليل هو التلفيق القياسي الذي تقوم عليه النظرية، إذ تسعى إلى قياس الفقيه على الأنبياء، وهو قياس لا يصح في أي منطق فقهي سليم. فالفقيه في أحسن أحواله مجتهد بشري يصيب ويخطئ، ومحكوم بمحدودية فهمه، وقد تتبدل اجتهاداته من مسألة إلى أخرى ومن حقبة إلى أخرى. ومنح رجل الدين ولايةً مطلقةً تُلزم الأمة بطاعته في جميع الشؤون يعني رفع اجتهاده البشري إلى مستوى العصمة والإلزام الديني (في الفقه الشيعي)، من دون ضمانة لتصحيح الخطأ أو آلية للمساءلة. وهذا يناقض صريحاً القاعدة الأصولية التي تقرر أن «كلًاً يؤخذ من قوله ويُردّ»، وأن الاجتهاد لا يُلزم إلا صاحبه.

وقد كانت سيرة العلماء عبر التاريخ الإسلامي شاهداً راسخاً على رفض هذا الخلط بين الأدوار، إذ حرص جمهورهم على الفصل بين مقام الإفتاء والتعليم من جهة، والشأن السياسي والإداري من جهة أخرى. ولم يكن ذلك عجزاً أو انزواءً، بل وعياً بخطورة تسييس الدين ومصادرة الخطاب الديني لخدمة أجندات سياسية غير مسؤولة. أما في ظل نظرية ولاية الفقيه، فيجري دمج الدين والسياسة في يد واحدة، فيصبح الفقيه مشرّعاً ومفسّراً للنص وحاكماً منفّذاً في آنٍ واحد. وهذا التركيز هو الذي منح ملالي إيران حصانةً مطلقة من النقد، إذ يُصوَّر كل اعتراض على قرارات الولي الفقيه السياسية اعتراضاً على الدين ذاته، وهو توظيف صريح يخدم السلطة ويُفسد الدين في آنٍ معاً.

وتزداد الإشكالية تعقيداً حين يُفحص النظام الذي يُنتج الولي الفقيه ويُعيّنه، إذ يُفترض بمجلس الخبراء أن يختاره ويراقبه، غير أن أعضاء هذا المجلس يخضعون بدورهم لتدقيق مجلس صيانة الدستور وفلترته، وهو جزء أصيل من منظومة السلطة القائمة. والنتيجة دائرة مغلقة يمنح فيها النظامُ شرعيةَ من يُفترض أنه يُشرعن النظامَ نفسَه، أي دور فاضح لا ينتج رقابة حقيقية. وقد أثبتت التجربة الإيرانية هذا بصورة لا تقبل الجدل، فالفقهاء الذين جاهروا باعتراضهم لم يُقصَوا من المشهد فحسب، بل تعرّض بعضهم للملاحقة والعقوبات القاسية، ومنهم هادي الخامنئي، شقيق علي خامنئي نفسه. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن آلية الاختيار لا تُنتج قيادة دينية مستقلة بل تُعيد إنتاج الولاء السياسي في عباءة فقهية.

وعلى صعيد المبادئ الشرعية الكبرى، يتعارض هذا النظام مع مبدأ الشورى الذي أقرّه القرآن الكريم صراحةً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾. فروح هذا المبدأ تقتضي مشاركة الأمة في اتخاذ قرارها، ومنع احتكار السلطة في يد معمم أو ميليشيا. أما في نموذج ولاية الفقيه المطلقة، فتُختزل الشورى في إجراءات شكلية لا تؤثر في القرار النهائي، ويتحول التصويت والتمثيل إلى واجهة تُزيّن سلطةً مسبقة التقرير. وهذا ليس خللاً تطبيقياً قابلاً للإصلاح بل تناقضاً هيكلياً متجذّراً في بنية النظرية ذاتها.

وحين تُقاس هذه النظرية بمقاصد الشريعة التي تدور في جوهرها حول تحقيق العدل وصيانة الكرامة الإنسانية ودرء الاستبداد، يكون الحكم عليها أشد. فمقاصد الشريعة لا تكتفي بحسن النية، بل تشترط وجود آليات مؤسسية تكبح الانحراف. وتركيز الدين والسياسة معاً في يد فرد يتحصّن بالعصمة الدينية ضد النقد هو بالضبط الإطار الأكثر قابلية للاستبداد. والتجربة التاريخية، لا الميل الأيديولوجي، هي التي تُثبت أن الأنظمة التي تجمع بين السلطتين الدينية والسياسية في يد واحدة، كما هو الحال في نماذج الإسلام السياسي من جماعة «الإخوان» إلى إيران، تنتهي حتماً إلى تسييس الدين وإفساد السياسة معاً.

في المحصلة، لا تواجه نظرية ولاية الفقيه المطلقة إشكالات هامشية قابلة للترميم، بل تتصدّع من أساسها الفقهي إلى تطبيقاتها الواقعية. إنها نظرية تفتقر إلى الدليل الصريح، وتقوم على قياس مع الفارق، وتناقض مبدأ الشورى القرآني، وتفتح الباب أمام الاستبداد المُقدَّس.

ومن ثمّ فإن التمييز الواضح بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية ليس تنازلًا عن ثوابت الإسلام، بل عودة إلى روحه الحقيقية التي تدعو إلى طاعة ولي الأمر امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. وهذه الطاعة لا استثناء فيها ولا درجات، فرجل الدين في ميزان هذه الآية مواطن كسائر المواطنين، تلزمه من الطاعة والانتماء ما يلزم غيره، وليس له بحكم عمامته أو اجتهاده أن يدّعي موازاة السلطة أو منافستها. ولا يُعدّ العالم الديني سلطةً موازية ولا مرجعاً مستقلاً في شؤون الحكم والسياسة، بل هو جزء من النسيج المدني للدولة، يؤدي دوره في التعليم والإرشاد ضمن الإطار الذي تضعه الدولة لا خارجه. وتُعطي هذه الرؤية الحاكمَ المجال الأوسع لخدمة دينه وشعبه ووطنه بما منحه الله من حكمة وخبرة وتوفيق.

وهذا بالضبط ما جسّده النموذج الإماراتي الحكيم، الذي أعطى للعلماء ورجال الدين مساحتهم الكاملة لخدمة الدين وتوجيه الناس، وأعطى للحاكم حقه الشرعي والقانوني في إدارة شؤون الدولة، فأتاح بذلك نهضةً شاملة وعدالةً راسخة في ظل دولة تحتكم إلى القانون وتصون كرامة الإنسان.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الامارتية، يوم: 4 مايو 2026 22:30

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.

***

خالد الغنامي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 12 مايو 2026 م ـ 25 ذو القِعدة 1447 هـ

عبر التاريخ درَج على هذه الأرض مَن غيَّر المفاهيم وخبَر أصلها، وتنبّأ بمستقبلها، ومن أهم من أجاد ذلك الفلاسفة الذين استطاعوا التمييز بين الخير والشر، وأجادوا في توصيف الواقع واستشراف المستقبل.

على سبيل المثال لا يزال تأثير فلسفة نيتشه يتجدد؛ والشروحات تصدر عنها باستمرار. عن النظريات الخارقة التي ابتكرها، والأسلوب الجديد، والشذرة المكتنزة. جيل دولوز رأى أن الفيلسوف هو «شاعر المفاهيم»، ونيتشه قاد رحلة «الفلسفة الشعرية»، وهي الآلية التي أُعجب بها مارتن هيدغر في بعض كتاباته، وفي طريقة قراءاته لشعراء عصره، فهيدغر كتب النصوص الشعرية. نعم؛ إن الفلسفة ليست كيانات منفصلة أو قبائل متناحرة، وإنما وحدات تتعدد.

في حوارٍ مهم مع ميشال أونفري، أجراه فرانز أوليفييه غيسبيرت، وترجمه بمجلة «حكمة» الأستاذ الحسن علاج.

عرّج أونفري فيه على تجربته الطويلة مع نصوص نيتشه وفلسفته ونظرياته. رأى أن المرء ينبغي عليه: «أن يقتفي أثره الخاص. الإنسان الذي أكد في (هكذا تكلم زرادشت) أنه ينبغي على المرء أن يبتكر الحرية -إنه البرنامج الوجودي طيلة حياة بكاملها وهو برنامجي أيضاً- ليس معلماً متسلطاً، إنه نموذج كما هو الشأن في الفلسفة القديمة برمتها، حيث لم يكن التفلسف يكمن في الإطناب، أو الثرثرة، أو كتابة كتب فلسفة، بل أن يعيش المرء حياة فلسفية، وأن يعيش حياة ملائمة، متوافقة مع ذاته عينها. أشاد نيتشه بفضيلة قلّما يتم الحديث عنها، لدينا معرفة ضئيلة بها، أو تكاد تكون منعدمة، علاوة على ذلك صعوبة الاسم، الذي هو الاستقامة، ألا وهو المصداقية المُرتابة. الاجتهاد في عيش حياة نزيهة، ذلك ما أحتفظ به لنفسي منه».

ويلخص أونفري رؤيته عن نيتشه بقوله: «يتحدث نيتشه، في بداية كتابه زرادشت، عن تحولات ثلاثة: ينبغي على المرء أن يكون جملاً لحمل أثقال الماضي، ثم أسداً من أجل التخلص من هذا الماضي، بهدف التحول إلى طفل بمعنى بلوغ (براءة الصيرورة)، التي تسمح بابتكار فلسفة جديدة. إن هذه الجدلية في مراحل ثلاث، بمعنى جدلية هيغلية لا تزال، ولو أنها ما بعد هيغلية، هي جدلية نيتشه ذاته، التي تمنح بطريقة مُشفَرة، كما هو في غالب الأحيان، مفاتيح عمله برمته».

لكن السؤال: ما زمن الجمل لدى نيتشه؟!

«يعد زمن الجمل لديه هو زمن قارئ شوبنهاور، حيث يضع كتّاب العالم كإرادة وتمثل رهن إشارته وجهات نظر فلسفية جديدة: حيوية أحادية، هي حيوية الإرادة التي تجعل الثنائية القديمة اليهودية - المسيحية متجاوزة، والتي تقدم تفسيراً لحيوية لما يوجد، هذه الإرادة الشهيرة، التي هي ليست إرادة علماء النفس، قوة الاختيار، الإرادة، بل قوة تجعل من كينونة الكائن ممكنة؛ فلسفة تراجيدية يتقاسم السأم والمعاناة، بمقتضاها، حياة كل إنسان، لكنها تؤكد في الوقت نفسه التأمل الجمالي بشكل عام، والموسيقي بشكل خاص، تسمح بتأمل حتمية السلبية. وهو أيضاً الزمن الفاغناري حيث التقى الكاتب المسرحي، ويرى أنه بإمكانه العمل معه كي يجعل من الأوبرا، مناسبة لإضفاء الجمالية على السياسة، انطلاقاً من الأساطير، كما فعل الإغريق مع مسرحهم. إنه زمن ولادة التراجيديا».

بينما «يعد زمن الأسد زمناً أبيقورياً. لقد واصل الصداقة المحطمة مع المؤلف الموسيقي الألماني، الذي لم يجعل من مدينة بايرويت مختبراً، لبناء سياسة انطلاقاً من الموسيقى الألمانية التي تخصص لتعزيز دينامية أوروبية، بل مكاناً مكرساً لشخصه، مع الطبقة الأكثر ثراء، التي موَّلت مشروعه. إنه زمن كتاب المعرفة المرحة، والصداقة الأبيقورية، متأثراً بالفكر الفرنسي؛ فولتير والأخلاقيين الفرنسيين».

أما «زمن الطفل فهو زمن الفلسفة النيتشوية الحقة، إنه زمن إرادة القوة، والعود الأبدي، والإنسان الأعلى، ومحبة القدر كإيثيقا إنسان جديد، وقد تخلص من الجِمال والأسود، إنه بالتأكيد زمن كتاب (هكذا تكلم زرادشت)، قصيدة عظيمة ومذهلة».

لكن من تجربته ما الكتاب المفضل لديه من كتب نيتشه؟!

يجيب بطريقة مركّبة: «أعتقد أن القارئ فهم أن الأمر يتعلق بكتاب (هكذا تكلم زرادشت)، إلا أنه ذلك الكتاب الذي ينبغي عبره الختم، حينما يكون المرء قد قرأ كل كتبه! إنه كتاب المعرفة المرحة، وذلك من خلال مقدمته الرائعة، وعلاوة على ذلك، فإنه يقوم بتركيز كل ما قام به نيتشه: خفة، عمق، أسلوب، أناقة، حيوية، صفاء، جذرية».

الخلاصة، أن الأثر الذي تسبب به نيتشه كبير جداً، حتى هو حين قال عن نفسه: «أعرف قدري... ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجّة في الوعي، فأنا لست إنساناً، بل عبوة ديناميت» -حينها- ربما توقع أن يكون له أثره الكبير لكن ليس إلى هذا الحد المتواصل والمتجدد. إن أثر المفكرين في زمن الاضطراب أساسي لأنهم يحملون ترسانةً نظريّة قويّة يمكنها أن تؤسس لمعانٍ عميقة من أجل تثبيت استقرار المجتمع وتغذية المجال العام بمفاهيم حيويّة.

***

فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 20 ذو القِعدة 1447 هـ - 7 مايو 2026 م

أحد المثقفين النادرين في فرنسا الذين يعلنون إيمانهم صراحة

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 19:13-6 مايو 2026 م ـ 19 ذو القِعدة 1447 هـ

كنت في عام 1971-1972 أحضر درساً للبابا الأسبق بنديكتوس السادس عشر عن المسكونية (توحيد المسيحيين بعد الافتراق الأرثوذكسي - الكاثوليكي البروتستانتي)، وكان ما يزال أستاذاً للاهوت الكاثوليكي بجامعة توبنغن الألمانية. وما أعجبت الدعوة المتحمسة لاستعادة وحدة الكنيسة مجموعةً صغيرةً من الطلاب فقالوا للأستاذ، على التناوب: البروتستانت اليوم يساريون وليبراليون وما عادت لدى كثرةٍ منهم طقوس ولا كنائس، فماذا تستفيد المسيحية من هؤلاء المتبرئين من الدين على وجه التقريب؟! فقال لهم الأستاذ: كلانا يحتاج إلى مراجعاتٍ جذرية. نحن في روما كنا نريد الدين والدنيا معاً، وهي نقطة ضعفٍ استغلَّها مارتن لوثر وآخرون وأفضت إلى الانشقاق الضخم. لقد عملت الكنيسة مراجعةً استمرت لأكثر من مائة عام في الوقت الذي كان فيه كثيرون ينعون الكنيسة الكاثوليكية وينتظرون تصدعها. لقد خرجنا من سلطان الدنيا وعدنا إلى قيم المسيح وسكينة كنيسته، ونحن اليوم أكبر قوةٍ أخلاقيةٍ في العالم! ولذلك ندعو إخواننا الإنجيليين إلى المراجعة بدورهم لكي نلتقي على طريق الوسط الأخلاقي.

علة هذا التقديم عن موقف البابا الأسبق في الموضوع السياسي الصدام الذي يحدث هذه الأيام بين البابا الجديد ليو الرابع عشر والرئيس ترمب. البابا يدعو لوقف الحرب والعودة للتفاوض، ويرى أن الحرب طال أمدها وأحدثت بؤساً وخراباً كبيراً، ولذلك لا بد من وقف قطار الموت هذا وليس في الشرق الأوسط فقط، بل وفي جميع أنحاء العالم، ومنها الحرب الروسية على أوكرانيا! فقد نفد صبر الرئيس ترمب من تصريحات البابا ضد الحرب، فهدده بأن يبتزه بالملفات القضائية لعددٍ من باباوات العصور الوسطى(!)- وبملفات العقود الأخيرة حول اعتداء الكهنة الكاثوليك بأميركا على الأطفال (!). وكانت الكنيسة الكاثوليكية قد أجْرت تحقيقات مطوَّلة في الملفات الكاثوليكية بأميركا ودفعت تعويضات كبيرة جداً حتى انتهت ضدها كل الاتهامات على وجه التقريب.

تعيير الرئيس ترمب للكنيسة الكاثوليكية بالملفات السرية التي يعرفها، والتي قال إنَّه لن ينفذ تهديده بشأنها من أجل خاطر المليار كاثوليكي (!). الكاثوليك أكثر من مليار، وتهديد الرئيس لا يصمد، فماذا لو هجم عليه خصومٌ من الكاثوليك بملفات إبستين (!). لكنّ ما أقصده من وراء إثارة هذه المسألة هو عن تدخل البابا في ملفات سياسية لا شأن له بها في نظر ترمب؛ بينما يرى البابا أنَّ الأمر أخلاقي وليس سياسياً، فالحروب المثارة هي حروب عدوانٍ وانتهاكٍ للحياة الإنسانية، وتخالف القانون الدولي الإنساني. في حين ينبّه استراتيجيون بروتستانت إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني (وهو البولندي الأصل) تدخل في ملف بولندا، وناصر تحررها من قبضة السوفيات، وكان الرئيس رونالد ريغان مسروراً من تدخله في بولندا وغيرها تحت عنواني: الإيمان والحرية!

هناك بالطبع الطرفة التي تقول إنه عندما طُولِب ستالين بزيارة بابا روما شأن القادة الغربيين قال: لماذا وكم يملك البابا من الفرق العسكرية التي تبرر الاهتمام باللقاء معه؟! أمَّا في الواقع فإنّ السلطة الأخلاقية للكنيسة شهدت ارتفاعاً في الحرب الباردة وبعدها، وهناك المقولة المشهورة للاهوتي الكاثوليكي هانس كينغ في مطلع تسعينات القرن الماضي، والتي تقول إنه لا سلام في العالم إلَّا بالسلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان إلَّا بالحوار الدائم فيما بينها للتوصل إلى إجماعٍ أخلاقي على مكافحة الحرب!

وصحيحٌ أنَّ كبار رجال الدين من كل الأديان وقفوا غالباً مع السلام، واستنكروا نشوبَ الحروب لأهداف الغلبة والاستيلاء على الموارد والمنافذ، وكثيراً ما توسطوا من أجل المصالحة والسلام وأعمال التضامن الإنساني. إنَّما مع ذلك هناك رجال دين مسلمون وبوذيون ويهود وأحياناً إنجيليون أثاروا النعرات وتدخلوا في الحروب أو أثاروها كما في حالات خروجات «داعش» و«القاعدة» بفتاوى، وميانمار ونواحٍ من الهند، والكنيسة الأرثوذكسية بروسيا ورجال دين في إسرائيل ونيويورك. وبالطبع يبقى هؤلاء قلة، بيد أنَّ مسألة الإجماع ما تحققت ولن تتحقق. ولدى الرئيس ترمب أنصار من القساوسة البروتستانت يوافقونه في دعاواه، بشأن النذر والبشائر، لكن ما هي القوة التمثيلية لهؤلاء أو مرجعيتهم في محيطهم؟. سواء في المسيحية أو في غيرها من الأديان.

ما أكثر القائلين اليوم ومن غير رجال الدين إنَّ الحرب عمل غير أخلاقي!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 14 ذو القِعدة 1447 هـ - 1 مايو 2026 م

هل يسعفنا النقص لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، من حيث إن الاصطناعي يبدو متقناً وكاملاً في حين أن الإبداع البشري مرتبطٌ بالحس بالنقص وليس بالكمال والتفوق، وكل حالةٍ إبداعية بشرية هي حالةُ انكشاف لنقص ما يتشكل في صيغة تحفيز للكاتب يجعله يتواجه مع نقصه، وبمقدار شجاعته في مواجهة النقص تكون إبداعيته. وهذا ينطبق أيضاً على حال القراءة، ونحن نقرأ لنكتشف المفقود عندنا ولنتذكر أمراً غائباً كنا نسينا غيابه ووجدنا نصاً يمنحنا نوعاً من الإحساس بأن النصّ يخاطب ذلك الشيء الذي فينا. وكل نص يحقق هذه الدهشة القرائية سيحقق درجات عليا من الاستحواذ وفتنته القراءة، ومن ثمّ فنقص الإنسان مزيةٌ بوصفها محفزاً إبداعياً كما تؤكد مقولة الإمام الغزالي بأن مزية العقل هي في قدرته على كشف عجزه، والحالة الإبداعية ليست إلا باباً يتفتح لمواجهة الفقد والتوق لشيء لم يتحقق، وفي الوقت ذاته هي حالة رغبة مكتومة في ألا يتحقق المطلوب، بما أن التحقق يقتل أول ما يقتل التوق لمفقودٍ ما. ومعجزات الذهن البشري تنبع من حسٍ حادٍ بأن شيئاً ما لم يكتشف بعد، وهذا هو السؤال الجذري للكدح البشري الذي تتوارثه عقولُ ووجداناتُ البشر. وأهم سماته أن كل منجز عظيم يهيّج رغبات لدى الآخرين لمنافسة هذا المنتج الفاتح للشهيات الذهنية. والدافع القوي لذلك كله هو الحس المتصل بالنقص.

والتحدي الإبداعي اليوم هو ما نتبادله من تخويف ذاتي من دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوص أدبية تبلغ درجات عالية من الإتقان ويتم ذلك بمجرد طلب بكتابة رواية أدبية مثلاً عن موضوع نحدده ونعطي مجموعة خصائص عامة له ويتولى الذكاء الاصطناعي تحقيق المطلب بمهارة تفوق مهارات البشر. وهذه ستكون ميزةً لهذا الذكاء المصطنع حسب الادعاء طبعاً. غير أن هذه الميزة هي نفسها العلة، فالإتقان ليس مزيةً إبداعية وإنما هو صنعةٌ، وقديماً ميزوا بين شعراء الصنعة وشعراء الفطرة والسجية، ولم يقع التمييز مذ ذلك الوقت لغير سبب جوهري، ويعود ذلك لرؤية ثاقبةٍ تعي أن البشر أصلاً مجبولون من طينة النقص والضعف والحاجة لغيرهم من بشرٍ آخرين أو من طبيعةٍ مساندةٍ ومتحدية في آن. وهذا هو الدافع لكي نبحث لأنفسنا عن مخارج تحرر نقصنا وتفتح لنا أبواباً نراها مغلقةً فإذا شرعنا في التحايل عليها فتحنا ثغرةً نلج منها ونقتحم العقبة، ولكن دون أن نبلغ الكمال. ولو بلغنا الحس بالكمال فسنقف عند نقطة المنتهى وهذه نهاية وليست حالة وصول.

وهنا نأتي للعيب القاتل في الذكاء الاصطناعي وهو ما يتحلى فيه من حس الإتقان المطلق ومن ثم الكمال، وذلك لأنه مصممٌ على الدقة المطلقة ويظل مطلبنا منه هو بلوغ أقصى غايات الفعل في أي مهمة نسندها له. وهذه مسألةٌ مهمةٌ في الأمور العملية والإجرائية، ولكن ليست في الأمور الفكرية أو الإبداعية. وإذا لم يبلغ الكمالية ظلت التجارب تتوالى عليه لكي ينجز مطلب الإتقان.

في حين أن كل إبداع حقيقي فإن أهم سماته هي في قلقه المتصل بأنه لم يقل ما يشفي، ولن يكتمل أي إبداع مهما كانت درجة إبداعيته. وكل مبدع مرهونٌ دوماً بحس مشاغب بأنه لم يقل بعد ما يريد قوله، ويظل عمره كله تحت الشعور بأنه لم يكتب نصه المبتغى بعد. ويموت وفي نفسه حسرةٌ تعني أنه يرحل دون أن ينجز ما في قلبه. وهذا حس لا يتمتع به غير الإنسان، لأنه في حقيقته ناقصٌ وفي الوقت ذاته يطلب الكمال ويلهث خلفه، وعلامة ذلك أننا دوماً نرى نواقص غيرنا وبرغبات جامحة لكشفها وربما التقليل من مقاماتهم بسببها، وفي الوقت ذاته نغفل عن نواقصنا كما هو معهودنا السلوكي. وهذا اللهاث هو جوهر المعنى الإبداعي، وهو لهاثٌ لا يقف عند المبدع المفرد، بل يتعداه إلى غيره من المبدعين الذين مهما أعجبهم شخصٌ ما ظلوا يبحثون عن منقصة عنده يطربون لكشفها ويتعالون بها عليه، فيما يبدو أنه مجرد غيرةٍ أو عداءٍ بين الأنداد. ولكنه في النهاية سيكون محفزاً إبداعياً يدفع الحساد والغيورين والخصوم لأن ينتجوا غير ما تحقق أمامهم.

وهذه هي حالة «التدافع» التي سخرها الله لنا لكي نظل في تنافس مستمر. ونحن كعرب ننظر للمتنبي على أنه أشعر شعراء العربية، لكن كل شعراء العربية لم يسلموا له بهذه المزية ولم يتركوها مطلقةً له، بل ظلوا يلهثون وراء القصيدة الشرود التي لم يقبض عليها شاعر مفرد قط. وتظل مطلباً غير متحقق ولو تحقق المطلب لانتهى الإبداع وختم بشكسبير عند الإنجليز وأبي الطيب عندنا ودانتي وطاغور في بيئاتهم. ولكن هيهات أن نقول ذلك وقد لمسها ابن قتيبة بذكاء نقدي لافتٍ حين قال إن أشعر الشعراء من أنت في شعره حتى تفرغ منه، أي أن شعرية الشعر لحظتها تهيمن عليك فتقول هذه غاية المنتهى، ولكنك ستدرك أنها لحظة مؤقتةٌ متى ما انتقلت إلى لحظةٍ غيرها حيث ستكتشف غير تلك التي أبهرتك واختارتك في لحظتها، وهذه مخاتلة إبداعية لا تتوفر إلا بحدوث الحس بالنقص وعدم بلوغ المنتهى.

وهنا نقول لا خوف على الإبداع لأن الإبداع ليس في الاكتمال والتشبع، بل في ثغرات تتفتح أمام البصيرة الخارقة وتدخل في قلق المعرفة، ولما تزل البشرية تنتج الحكايات والأشعار والنكت والألحان والرسومات ولم تشعر قط أنها بلغت الحد الأعلى، وكل قمة نصل إليها ستتحول لسفح ٍ ننطلق من فوقه نحو قمة لم تلُح لنا بعد. ونظل نجري رغبةً ورهبةً منا ولها، إلى أن تلوح لواحدٍ منا فيأتي بما لم تستطعه الأوائل أو يدعي لنفسه هذه الدعوى.

وسيظل الذكاء الاصطناعي ينتج نصوصاً تخدعنا وتخيفنا وتهدد مستقبل الإبداع كما يقول المرجفون، لكن الإبداع سيظل مبتغى مطروحاً الآن وللأبد. وستظل العقول تتحرر من قيد الصنعة وتجترح طرقاً للتمرد البشري وهذا هو سر العبقرية وليست الآلة إلا خادماً مادياً يخدم اللصوص وتجار البضائع وليس بديلاً إبداعياً.

وأخيراً فإننا مع الذكاء الاصطناعي في معركة تحفيزية حيث يتحدانا بالكمال ونتحداه بالنقص

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 18 ذو القِعدة 1447 هـ - 5 مايو 2026 م

في كتابها الأساسي «أن تكون حراً.. النضج في نهاية التاريخ»، تُقدِّم لنا الفيلسوفة الألبانية «ليا إبي» مقاربةً فكريةً معمّقة حول مفهوم الحرية، عبر شهادة ذاتية حيّة لفتاة عاشت في طفولتها العهدَ الشيوعي قبل الانتقال إلى النظام الليبرالي الذي أخفق، حسب رأيها، في تقديم بديل ناجع للاشتراكية الكليانية التي ثار عليها الشعب الألباني.

المهم في هذا الكتاب، وفي الأعمال اللاحقة للفيلسوفة الألبانية، هو المعالجة النظرية الثرية لفكرة الحرية التي قامت عليها حركية التنوير الأوروبي الحديث.

وكغيرها من الكُتَّاب الذين يعالجون فكرَ الأنوار، ترجع «إبي» إلى أعمال الفيلسوف الألماني الكبير ايمانويل كانط الذي كان أولَ مَن فكَّر فلسفياً في حركة التنوير من منظور حرية الذات واستخدام العقل الراشد خارج وصاية السلطات الثقافية والمجتمعية.

ومع أن كانط ربط الحريةَ بالقوانين الأخلاقية، أي بالقواعد الكونية الضابطة للسلوك الجماعي، بما يدخل في إطار ما سمّته «إبي» التصورَ «العلائقي» للحرية، إلا أنه ظل متشبثاً بفكرة الوعي الذاتي المستقل دون الانتباه إلى أن الفردَ ليس مكتفياً بذاته، بل مندمج في كيان اجتماعي واسع، هو الإطار الذي يحقق فيه حريتَه. ومن هنا فإن الحريةَ الفردية تظل مجردةً ومثاليةً في غياب مؤسسات اجتماعية تَكفل العدالةَ والإنصافَ بين أفراد المجموعة الوطنية.

لا شك في أن هذا الإشكال مطروح راهناً بقوة على الفكر العربي المعاصر، الذي شهد منذ تشكُّله في بداية القرن الماضي استقطاباً حاداً بين مثال الحرية الفردية، الذي دافع عنه التيار الليبرالي بقوة ومثال التحرر الاجتماعي بمقوماته السياسية والأيديولوجية الكثيفة المعروفة.

ويؤرخ المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي لهذا الاستقطاب في كتابيه «مفهوم الحرية» و«مفهوم الدولة»، الصادرين في بداية الثمانينيات، لكنه يهمل الجوانبَ النظرية المتعلقة بالجدل الفلسفي الراهن حول موضوع العدالة، الذي غيَّر نوعياً مسلكَ الحوار الدائر حول الحرية في جانبيها الأخلاقي والاجتماعي.

ما تضيفه نظريات العدالة بعد منعرج كتاب جون رولز الشهير، «نظرية العدالة» (الصادر عام 1971)، هو ضرورة التفكير في تحدي التفاوت الاجتماعي في سياق قانوني وسياسي يكفل المساواة في الحرية. السؤال يتجاوز بطبيعة الحال الصراعَ الأيديولوجي السابقَ بين النظامين الماركسي والليبرالي، لكونه يكشف من جهة عن ما تعانيه النظريةُ الليبرالية من تناقض جوهري بين منطلقاتها التحررية، وواقع الغبن والهيمنة الذي تفضي إليه، كما يكشف من جهة أخرى عن مأزق الحالة الاشتراكية التي تكرّس من خلال الاستبداد السياسي معادلةَ التفاوت الطبقي التي تَدَّعي مواجهتَها.

لا يتعلق الأمرُ بطبيعة النظام السياسي وخياراته الأيديولوجية، فقد تلاشت الحواجز والاختلافات بين الأنظمة السياسية، ولم تَعُد ثنائية اليمين واليسار ذات دلالة، ومن هنا أعاد الجدلُ في مسألة العدالة تَصوُّرَ موضوع الحرية في اتجاهات جديدة، من مظاهرها إشكاليةُ الاعتراف في أبعادها القانونية والقيمية والمجموعاتية، وإشكالية الهوية التي تخترق الاتجاهات السياسية التقليدية، والاستقطاب الجديد المعقّد بين ديناميكية الكونية وفكرة السيادة القومية.

لا يبدو أن الفكرَ العربي قد واكب هذه التحولات الفكرية العالمية، وبرهان هذا الحكم يكمن في أن سؤالَ الحرية لا يزال يُعالَج في أحد مسارين: النقاش الموروث من عصور الأنوار حول الحرية والوعي في علاقتهما بالمعتقدات الجماعية، والجدل الأيديولوجي حول منظومة الحقوق الفردية ومعايير المساواة الاجتماعية.

وخلال ما سمي «الربيع العربي»، انفجر هذا الجدل المضاعفُ في عدة ساحات عربية، ولعل جانباً أساسياً من فشل مشروع التغيير السياسي الذي حملته القوى الليبرالية (قبل اختطافه من الحركات المتشددة الراديكالية)، هو عدم معالجة اختلالات العدالة في المجتمعات العربية، واختزال المسألة الاجتماعية في الاعتبارات القانونية والنظم المؤسسية المجردة.

وفي تعليقه على أطروحة جون رولز، يقول الفيلسوف والاقتصادي الهندي «أمارتيا سن» إن النموذج الذي يقترحه رولز لا يصلُح إلا للمجتمعات الرأسمالية الصناعية الغربية، أما في غيرها من المجتمعات، كما هو الحال في بلدان الجنوب إجمالاً، فيجب طرْحُ تَحدي العدالة وفق القدرات والمؤهلات الفعلية المتوفرة للأفراد في الرهان الاجتماعي، لا الحقوق الصورية الضامنة للحقوق المتساوية خارج أي إطار موضوعي واقعي.

وخلاصة الأمر، هي ضرورة إعادة طرح مثال الحرية في الحقل الفكري العربي خارج الجدل التنويري الكلاسيكي حول الوعي والإرادة والحقوق المجردة، بحيث تكون شروط التحرر الفردي والاجتماعي هي هدف السياسات العمومية والنخب النهضوية القائدة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

3 مايو 2026 23:30

في المثقف اليوم