عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

قراءة في أطروحة الأستاذ زكي الميلاد

مدخل: لا تكمن صعوبة الإنسان في أنه مُعقَد، بلُّ في أننا نميلُّ، كلما أردنا فهمه إلى تبسيطه (أننا نميلُّ إلى تبسيط كلُّ ما أردنا فهمه… (أكثرَّ مماَ يَّنبغي، وهذه المفارقة هي التي تعود إليها دراسة الأستاذ زكي الميلاد المنشورة على صفحات هذه المجلة، والموسومة بعنوان:

«الإنسان والطبيعة الإنسانية بين منظوريَّن»(1)، لا بوصفها مجرَّد عرَّض لنظرَّيَّات نفسية متجاورة، بلُّ بوصفها سؤالًا عن حدّ التفسير ذاته، متى يَّصبح التفسير إضاءة، ومتى يَّنقلب إلى اختزال؟ وهنا بالضبط تبدأ أهمية النص، لأنه لا يَّناقش الإنسان بوصفه موضوعاً خارجاً عناّ، بلُّ باعتباره الكائن الذي تتقاطع فيه الدوافع والمعاني، الرَّغبات والقيود، الفطرَّة والانحرَّاف.

أطرَّوحة الأستاذ الميلاد تقوم على فكرَّة بسيطة في ظاهرَّها، شديَّدة التركيب في عمقها. الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في دافع واحد، سواء كان اللذَة أو التفوُق

 أو المعنى. هذه الفكرَّة تبدو أول الأمرَّ دفاعاً أخلاقيًا عن صورة مرَّكَبة للذات البشريَّة، لكنها سرعان ما تكشف أنها أكثرَّ من ذلك، كونها نقد لطرَّيَّقة في النظرَّ إلى الإنسان، طرَّيَّقة تميلُّ إلى تحويَّلُّ البعُد الجزئي إلى صورة كلية، ثم تتصرَف كما لو أن الكلُّ قد اكتملُّ. لذلك فإن الدراسة المقصودة تتجاوز مقام «الشرح» إلى مقام «المساءلة»، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قال فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ؟ بلُّ أيَّضاً: هلُّ يَّكفي أن نلخّصهم بهذه الطرَّيَّقة لنقول: إننا فهمناهم؟

والجديَّرَّ بالذكرَّ أن اختيار الأستاَذ زكي الميلاد لهذه الثلاثية ليس اعتباطًا، فالفرَّويَّديَّة تمُثلُِّ لحظة مرَّكزيَّة في جعلُّ اللذة مفتاحاً لفهم السلوك، والأدلرَّيَّة تنقلُّ النظرَّ من النقص إلى التعويَّض والسًعي إلى التفوُق، أما فرَّانكلُّ فيفتح أفقاً ثالثاً يجعلُّ المعنى لا مجرََّد قيمة نفسية، بلُّ شرطا للنجاة الوجوديَّة نفسها. وهكذا، فإن هذه الدراسة تسير من التفسير الغرَّيَّزي إلى التفسير التعويَّضي، ثمَُ إلى التفسير الوجودي. لكن هذا التدرَج، على أناقته التنويَّرَّيَّة، يخفي سؤالًا أدق: هلُّ نعرَّض هذه النظرَّيَّات بوصفها أنساقاً فكرَّيَّة كاملة، أم بوصفها مجرََّد علامات كبرى على مسار طويَّلُّ؟

هنا تظهرَّ أولى نقاط التحفُظ المنهجي، فحين نختصر فرَّويَّد في اللذَة، وأدلرَّ في الشعور بالنقص، وفرَّانكلُّ في إرادة المعنى، فإننا نرََّبح وضوحاً سريَّعاً، لكننا نخسر شيئاً من كثافة النظرَّيَّات نفسها، ففرَّويَّد لا يَّقوم على اللذة وحدها، بلُّ على اللاشعور والصراع وآليات الدفاع والتمثيلُّ الرَّمزي. أيَّضاً أدلرَّ لا يخُتزل في التعويَّض، لأنه يَّرَّبط الدافع بأسلوب الحياة والاهتمام الاجتماعي والغايَّة الشخصية. أما فرَّانكلُّ، فإن إرادة المعنى لديَّه ليست مجرَّد رغبة في الاكتمال النفسي، بلُّ موقف وجودي يجعلُّ الإنسان قادرًا على أن يَّتحمَلُّ الألم من داخلُّ معنى يختاره أو يَّكتشفه. بالتالي، المشكلة لا تكمن في اختيار هذه الأسماء، بلُّ في أن طرَّيَّقة تقديَّمها قد تميلُّ أحياناً إلى تبسيطٍ يَّقترب من الاختزال، حيث هذا التمييز بين التبسيط والاختزال حاسم، فالتبسيط أداة شرح، أما الاختزال فادِعاء إغلاق. والتبسيط يَّفتح الباب للفهم، والاختزال يَّغلقه باسم الفهم.

على أساس ما سبق، فإن أيَ قرَّاءة جادَة لأطرَّوحة الأستاذ الميلاد يَّنبغي أن تسأل: هلُّ هو يَّبسّط النظرَّيَّات لتقرَّيَّبها من القارئ، أم إنه يحُوِلها إلى عناويَّن تختزلها أكثرَّ مما تحتملُّ؟ هذا السؤال ليس فرَّعيًا، فمن يَّرَّيَّد أن يَّنقد الاختزال لا يَّنبغي أن يَّمارس اختزالًا موازيَّاً له، ولو بحسن نيَة .

ومن جهة أخرَّى، تذكّرَّنا الدراسة، من حيث لا تقول ذلك صراحة، بأن العلوم النفسية الحديَّثة نفسها لم تقف عند حدود الدوافع الأحاديَّة. فسيليغمان، مثلاً، حين انتقلُّ إلى علم النفس الإيجابي، لم يَّعد يَّسأل فقط: ما الذي يخُفِف المرَّض؟ بلُّ: ما الذي يجعلُّ الحياة مزدهرَّة؟ هنا يَّتبدَل السؤال من التشخيص إلى البناء، ومن العجز إلى الرَّفاه، ومن النقص إلى عناصر الحياة الجيدة: الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، هذه النقلة مهمة لأنها تكشف أن مقاومة الاختزال ليست مجرَّد مطلب قرَّآني أو فلسفي، بلُّ تحوُلًا داخلُّ العلم نفسه.

 معنى هذا أن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في مستواها الأول، لا تقف فقط عند حدود النقد النفسي، بلُّ تفتح سؤالًا أوسع: كيف نفهم الطبيعة الإنسانية من دون أن نحبسها في وظيفة واحدة أو دافع واحد؟ هذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى مستوى أعمق، حيث لن يَّكون الأمرَّ مجرََّد مقارنة بين مدارس نفسية، بلُّ مساءلة للبنية التي تجعلُّ الإنسان، في النهايَّة، أكثرَّ من مجموع دوافعه.

حينئذٍ لا يَّعود الأمرَّ مجرَّد مقارنة بين ثلاثة أسماء كبيرة في تاريَّخ علم النفس، بلُّ يَّصير مساءلة لطرَّيَّقة تصوَر الإنسان نفسه: أهو كائن تحرَّكه اللذَة؟ أم الذي يَّنهض من شعور بالنقص؟ أم الذي يَّعيش ليمنح حياته معنى؟ هذه الأسئلة ليست متجاورة فقط، بلُّ متداخلة؛ لأنها تكشف أن الإنسان الحديَّث لم يَّعد يَّفُهم من خلال وحدة بسيطة، بلُّ من خلال شبكة من الدوافع والمتطلبات والمواقف التي تتقاطع فيه وتتجاذبه، وهذا بالضبط ما يجعلُّ تمثلُّ ثلاثية فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد تصنيف معرَّفي؛ إنها تعبير عن تاريَّخ طويَّلُّ من التوترُّ بين تفسير الإنسان بوصفه موضوعاً طبيعيًا، وتفسيره بوصفه ذاتاً تبحث عن سبب لوجودها .

 ثلاثية الدافع الإنساني

عندما نقرَّأ فرَّويَّد في ضوء أطرَّوحة الأستَاذ الميلاد، نجد أنفسنا أمام لحظة تأسيسية في فهم الدافع الإنساني، لحظة جعلت من اللذة مفتاحاً أوليًا لتفسير كثير من السلوك، غير أن قيمة فرَّويَّد لا تختزل في هذا المفتاح، لأن مشروعه أوسع من ذلك: إنه يَّسعى إلى الكشف عن البنية اللاشعوريَّة التي تشتغلُّ تحت سطح الوعي، وعن الصراع بين الرَّغبات والموانع، وعن الحيلُّ التي تبني بها الذات صورتها عن نفسها. ففي تقديَّرَّي، إن اختزال فرَّويَّد في اللذَة وحدها قد يَّكون عمليًا في العرَّض، لكنه يَّضعف التعقيد النظرَّي الذي يَّمُيزِ مشروعه. وهنا يَّظهرَّ أول فرَّق بين التبسيط المفيد والاختزال المخلّ: الأول يختصر من أجلُّ الفهم، أما الثاني فيختصر حتى يَّغُلق .

ويَّنطبق الأمرَّ نفسه على أدلرَّ، فحين يَّقُدَم بوصفه منظّرًَّا للتفوُق أو للتعويَّض عن النقص، يَّبدو وكأنه يَّرَّدّ الإنسان إلى جرَّح نفسي واحد يَّدفعه إلى البحث عن مكانة أعلى. بينما أدلرَّ، في الحقيقة، يَّرَّبط الدافع الإنساني بأسلوب الحياة، وبالاهتمام الاجتماعي، وبالقدرة على إعادة تنظيم الذات داخلُّ العالم، وهو بهذا يَّقترب من سؤال ترَّبوي وأخلاقي بقدر ما يَّقترب من سؤال نفسي. فالسعي إلى التفوُق ليس عنده مجرََّد تعويَّض عن ضعف، بلُّ محاولة لبناء نمط حياة أكثرَّ اتسِاقاً مع الذات ومع الآخرَّيَّن. وهذا الَتَفصيلُّ مهم لأن أطرَّوحة الأستاذ الميلاد، وهي تحاول نقد الاختزال، تحتاج بدورها إلى ألا تختزل هذه النظرَّيَّة في ظاهرَّها الخاطف .

أما فرَّانكلُّ، فهو الحلقة الأكثرَّ قرَّباً من الإشكال الذي تعالجه الدراسة. فإرادة المعنى عنده ليست رغبة في الإشباع، ولا مجرََّد تعويَّض عن نقص، بلُّ هي صياغة جديَّدة لسؤال الإنسان نفسه: كيف يَّظلُّ المرَّء إنساناً حين يَّتعرََّض للحصار والألم والفرَّاغ؟ هنا يَّنتقلُّ علم النفس من تفسير ما يَّدفعنا إلى تفسير ما يحمينا من السقوط في العبث. وهذا هو المعنى العميق للمنظور الوجودي: أن الإنسان لا يَّفُهم فقط بما يَّطلبه، بلُّ بما يَّقدر على احتماله، وبما يَّصنعه من الألم، وبما يَّستخرَّجه من التجرَّبة من معنى .

 بين التبسيط والًاختزال

 الحدُ المنهجي للأطرَّوحة يَّظهرَّ كيف الثلاثية مفيدة، بلُّ ضروريَّة، لكنها تصبح مشكلة إذا تحوَلت إلى تمثيلُّ نهائي لتاريَّخ الفكرَّ النفسي. التبسيط هنا ليس خطأ، أما الاختزال فهو موضع النقد، حيث التبسيط يَّضع المدخلُّ في متناول القارئ، أما الاختزال فيغلق الفضاء ويَّقول لنا: إننا دخلنا كلُّ الفضاء. ولذلك يَّنبغي قرَّاءة الأستاذ الميلاد بوصفه يَّمارس تبسيطاً معرَّفيًا مشروعاً في خطوطه العامة، لكنه يحتاج إلى مزيَّد من التدقيق حتى لا يَّبدو كما لو أنه يَّعُيد عرَّض النظرَّيَّات عبر شعاراتها الأساسية فحسب .

ومن المفارقة أن هذا الإشكال لا يخص الدراسة وحدها، بلُّ يَّلامس أيَّضاً الفكرَّ النفسي المعاصر كله. فحين انتقلُّ سيليغمان إلى علم النفس الإيجابي، كان يَّفعلُّ شيئاً قرَّيَّباً من هذا النقد: يَّرَّفض أن يَّبقى الإنسان موضوعاً للعجز والمرَّض فقط، ويَّقترح أن نفهمهأيَّضاً من خلال شروط الازدهار، ثم صارت الحياة الناجحة في هذا المنظور بناءً مرَّكَباً يَّقوم على الانخرَّاط، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، بدل أن تكون مجرََّد تخلص من الألم، وهذه النقلة بالذات تعُمِق الفكرَّة التي تشتغلُّ عليها الدراسة: أن الإنسان لا يخُتزل في واحدة من حرَّكاته الداخلية، بلُّ يَّعيش في توترُّ بين ما يَّنقصه وما يحُقِق به نفسه .

 الطبيعة الإنسانية بين الوجود والمعنى

إذا خرَّجنا من دائرَّة النقد النظرَّي إلى أفق أوسع، فإن الطبيعة الإنسانية تتبدَى في ضوء علم النفس الوجودي بوصفها شيئاً آخرَّ غير ما تقترحه النظرَّيَّات الغرَّيَّزيَّة أو التعويَّضية وحدها. الإنسان هنا ليس مجرَّد كائن تحُرِّكه الدوافع، بلُّ ذات تعيش داخلُّ أسئلة الحرَّيَّة والمسؤولية والقلق والمصير، والتحوُل ليس مجرَُّد انتقال في اللغة، بلُّ في الصورة الكلية للإنسان. فبدل أن نسأل: ما الذي يجعله يَّفعلُّ؟ نسأل: كيف يَّواجه وجوده؟ وبدل أن نتصوَر النفس كحقلُّ من المطالب، نكون أمام كائن يَّواجه عدم اليقين ويحاول أن يَّبني معنى وسط التهديَّد .

في هكذا الأفق، يَّصبح فرَّانكلُّ أكثرَّ من مجرَّد مرَّجع نفسي؛ إنه شاهد على أن الإنسان قد يَّنجو من الانكسار حين يَّظلُّ قادرًا على إنتاج معنى. ولذلك فإن الطبيعة الإنسانية، في القرَّاءة الوجوديَّة، ليست جوهرًّا صلباً ولا آلة بيولوجية، بلُّ إمكان مفتوح يَّتشكَلُّ داخلُّ التجرَّبة، وبالتالي هذه النقطة تلتقي بعمق مع الرَّؤيَّة القرَّآنية، لا على مستوى التطابق الاصطلاحي، بلُّ على مستوى الفكرَّة الكبرى: الإنسان ليس منتهياً عند شهوته، ولا مكتملاً في نقصه، بلُّ هو كائن يَّبُتلى ويخُتبر ويَّدُعى إلى أن يَّستجيب لما هو أعلى من مجرََّد الميلُّ.

 الإنسان في القرآن

في القرَّآن، لا يَّظهرَّ الإنسان كنسخة ديَّنية من «الذات النفسية» الحديَّثة، بلُّ بوصفه كائناً ذا فطرَّة، أي ذا استعداد أصيلُّ نحو الحق والمعرَّفة والخير. وهذه الفطرَّة، كما توُضِحه الدراسات المعاصرة في هذا المجال، ليست كمالًا فعليًا، بلُّ قابلية أولى تفتح الإنسان على التوجُه إلى الله وعلى الاعتراف بالمعنى، مع بقائه قابلاً للانحرَّاف إذا فسدت وجهته أو تشوَهت بيئته أو انحرَّفت إرادته. كما أن الفطرَّة ليست تبريَّرًّا ساذجاً لخير طبيعي مطلق، بلُّ إطارًا يَّفُسِر لماذا يَّكون الإنسان مسؤولًا: لأنه مهيَأ للخير، لكنه غير مضمون فيه .

وهنا تأتي ثلاثية الأستاذ زكي الميلاد القرَّآنية: الكبر، وحب التملك والخلود، والحسد. وهذه ليست مجرَّد صفات أخلاقية منفصلة، بلُّ مفاتيح لفهم ما يحدث عندما يَّبتعد الإنسان عن فطرَّته .

الكُّبر: هو رفض الاعتراف بالحد .

حب التملك والخلود: هو التورُط في وهم السيطرَّة على العالم والزمن.

الحسد: هو انهيار العلاقة بالآخرَّ حين يَّتحوَل حضوره إلى تهديَّد.

عبر هذه القرَّاءة تصبح القصص القرَّآنية، من إبليس إلى آدم إلى قابيلُّ وهابيلُّ، تشريحاً رمزيًّا لانحرَّاف النفس من الداخلُّ، لا مجرََّد سرد لأحداث سابقة، حيث يَّلتقي التحليلُّ النفسي بالتحليلُّ القرَّآني: كلاهما يَّرَّفض سطح السلوك ويَّبحث عن الجذر. لكن الفارق بينهما جوهرَّي، لا شكلي، النص القرَّآني ليس نظرَّيَّة نفسية تجرَّيَّبية، بلُّ أفق هدايَّة وتأصيلُّ، يَّشتغلُّ على الإنسان من جهة الفطرَّة والتكليف والابتلاء والاستحلاف.

 لذلك لا يَّنبغي أن نسُرع إلى تحويَّلُّ هذا الأفق إلى نموذج نفسي مباشر؛ لأن ما يَّتيحه القرَّآن هو أساس أنثرَّوبولوجي وأخلاقي، أما تحويَّله إلى بناء نظرَّي فيحتاج إلى وسائط: مفاهيم، تحليلات، ونقاشات منهجية جوهرَّيَّة مع العلوم الحديَّثة. مما يَّبُرز أهمية التمييز بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة. فالاستلهام يَّلتقط الاتجاه العام، والاستنباط يحُدِد الدلالة، والبرهنة تثبت إمكانية إدراج هذه الدلالة داخلُّ نسق معرَّفي محكم .

 آفاق النظرية

مما تقدَم تتكشف قيمة مزج الأستاذ الميلاد بين القرَّآن وعلم النفس الوجودي، فالنص القرَّآني يَّمنحه أفقاً تأصيليًا، وعلم النفس الوجودي يَّمنحه تأويَّلُّ لغوي للحرَّيَّة والمعنى والمسؤولية، لكن هذه الآفاق لا يَّنبغي أن تتحوَل إلى قفزة؛ لأن القفزة تمحو الفرَّوق بدل أن تنُظمِها، الأفضلُّ أن نقول: إن القرَّآن يَّقدّم صورة عن الإنسان بوصفه مخلوقاً ذا فطرَّة ومسؤولية، فيما يَّبيّن علم النفس الوجودي أن الإنسان يَّصوغ نفسه في مواجهة القلق والحدود. وبين الصورتين حوار قوي، لكنه ليس هويَّة كاملة .

ثمتزداد الصورة وضوحاً إذا استحضرَنا داماسيو؛ لأن حديَّثه عن الجسد والعاطفة والوعي يَّذكّرَّنا بأن الإنسان ليس عقلاً مُعلقاً فوق العالم، ولا روحاً منفصلة عن مادته، بلُّ كائن مُتجسِد تنكشف ذاته عبر ما يَّشعرَّ به وما يَّقصده وما يَّعيشه. وهذا مهم جدًا في سياق النقد الذي نحن بصدده؛ لأن أيَ تصوُر يختزل الإنسان في دافع واحد يَّنسى أن الدافع نفسه لا يَّعملُّ في فرَّاغ، بلُّ داخلُّ جسد وتجرَّبة وذاكرَّة وعلاقة، يَّعني لا يَّصبح الاختزال مجرََّد تبسيط مخلٍُّ، بلُّ خطأ في التصوُر نفسه.

كما تفُيد هنا نظرَّيَّة التحديَّد الذاتي التي تجعلُّ من الاستقلالية والكفاءة والانتماء ثلاث حاجات أساسيةَ لنمو الإنسان، هذه النظرَّيَّة تساعدنا على فهم لماذا لا يَّكفي أن نختزل الإنسان في اللذة أو في النقص أو حتى في المعنى وحده، لأن ثمّة أيَّضاً الحاجة إلى أن يَّشعرَّ الإنسان بأنه فاعلُّ، وأنه قادر، وأنه منتمٍ. وهذه الأبعاد كلها تكشف أن الطبيعة الإنسانية أوسع من أي صيغة أحاديَّة، وأن قيمتها ليست في البساطة، بلُّ في القدرة على التداخلُّ بين مختلف مستويَّاتها.

 المستخلص

تصلُّ قرَّاءتي لأطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد، في ضوء ما سبق، إلى نتيجة مزدوجة: فهي من جهة دراسة جادَة ومهمّة، لأنها تعُيد السؤال عن الإنسان إلى موقعه الأول، أي إلى المفصلُّ الذي تتقاطع فيه النفس والمعنى والأخلاق والفطرَّة. ومن جهة أخرَّى كونها دراسة تحتاج إلى مزيَّد من الصقلُّ المنهجي، لا لأنها ضعيفة، بلُّ لأنها طموَحة؛ وكلُّ طموح تأصيلي كبير يَّظلُّ مُهدَدًا بأن يَّتجاوز حدوده الأدواتية إذا لم يَّضُبط بدِقة.

كما لا تغفلُّ عن أن القيمة الأساسية هنا ليست في أنها قدَمت إجابة نهائية، بلُّ في أنها أعادت فتح السؤال: ما الإنسان؟ وهلُّ يَّقُرَّأ من دافعه، أم من معناه، أم من توترَُّه بين الفطرَّة والانحرَّاف؟

نجحت الدراسة، أولًا، في مقاومة النزعة الاختزالية التي هيمنت طويَّلاً على بعض التصوُراتَ الحديَّثة للذات الإنسانية، حيث تذكّرَّنا بأن الإنسان لا يَّفُهم فهماً كافياً إذا حُصر في اللذة أو التفوُق أو حتى المعنى المجرَّد. وهذا في ذاته موقف مهم؛ لأن الفكرَّ الحديَّث كثيرًا ما وقع في إغرَّاء التفسير الواحد، بينما الإنسان، في الواقع، كائن يَّتجاوز أي مفتاح أحادي .

كما تنجح الدراسة، ثانياً، في وصلُّ النفس بالأخلاق، وهو وصلُّ ضروري؛ لأن السلوك الإنساني لا يَّبُنى على البنية النفسية وحدها، بلُّ على الوجهة التي تمنح هذه البنية معناها .

وتنجح، ثالثاً، في إعادة إدخال البعد الرَّوحي والحضاري إلى سؤال الطبيعة الإنسانية، وهو ما يَّمنحها قيمة خاصة في سياق عرَّبي يحتاج إلى تجاوز التفسيرات الوظيفية الضيقة.

غير أن هذه القوة نفسها تكشف حدودًا يَّنبغي التنبَه لهُا، فالتقديَّم المختصر للنظرَّيَّات النفسية، على وجاهته المعرَّفية، يحتاج إلى مزيَّد من التوغلُّ حتى لا يَّبدو وكأن فرَّويَّد وأدلرَّ وفرَّانكلُّ مجرََّد عناويَّن متجاورة. كما أن الانتقال من الرَّؤيَّة القرَّآنية إلى الصياغة النظرَّيَّة يحتاج إلى وضوح أكبر في التفرَّيَّق بين الاستلهام والاستنباط والبرهنة؛ لأن الفارق بين هذه المستويَّات ليس لفظيًا، بلُّ هو الذي يحُدِد ما إذا كان النص قد بنى مفهوماً أم اكتفى بإيحاء تأويَّلي.

 أضف لذلك الحوار مع علم النفس الوجودي، ومع سيليغمان، وداماسيو، ونظرَّيَّة التحديَّد الذاتي، يَّمكنه أن يَّكون أوسع قليلاً، لا لإحلال هذه المرَّجعيات محلُّ الرَّؤيَّة القرَّآنية، بلُّ لتقويَّة الحجة، وإظهار أن نقد الاختزال ليس مطلباً خاصًا بتصوُر دون آخرَّ، بلُّ أفقاً معرَّفيًا تشترك فيه حقول مُتعدِدة.

بكلُّ أمانة، يَّمكن القول: إن أطرَّوحة الأستاذ زكي الميلاد لا تنتمي إلى النصوص التي تقُرَّأ ثم تطُوى، بلُّ إلى النصوص التي تحُدث أثرًّا؛ لأنها تضع القارئ أمام سؤال لم يَّعد سهلاً: هلُّ الطبيعة الإنسانية بنية ثابتة، أم مجال متوترَِّ بين الفطرَّة والشرط، بين الحرَّيَّة والمسؤولية، بين المعنى والمحنة؟ وهذا بالضبط ما يَّمنح الدراسة قيمتها الأعلى: إنها لا تدّعي أنها أغلقت السؤال، بلُّ تذكّرَّنا بأن كلُّ إغلاق للإنسان هو في ذاته نوع من سوء الفهم، وإذا كان ثمَة تقييم نهائي لها، فهو أنها تملك من القوة الفكرَّيَّة ما يجعلها جديَّرَّة بالنقاشات.

***

ا. مراد غريبي - كاتب وباحث من الجزائر

عن مجلة الكلمة، العدد 131، ربيع 2026م /7144هـ، السنة الثالثة والثلاثون، ص94 - 113.

عالمُ السياسة إدوارد بانفيلد طرحَ مفهومَ «النزعة العائلية اللاأخلاقية»، ويقصد به عجز النَّاس عن العمل معاً من أجل المصلحة العامة. تركيز الفرد يكون على مصالحه الشخصيةِ أو عائلته أو قبيلته، وأي شيء خارج هذه العلاقاتِ لا يعنيه. مفهوم المصلحةِ العامة خارجٌ عن تفكيره ولا يقع ضمن اهتماماته.

تأثير ثقافة «النزعة العائلية اللاأخلاقية» مدمّر على تطور المجتمعات، لأنَّ الجميعَ يعمل فقط لتعظيم المكاسبِ المادية للعائلة القريبة، حتى بطرق غير شرعية أحياناً.

يقول بانفيلد إنَّ مثل هذه الثقافة تنتج ما يلي: «لا أحد يخدم مصلحة الجماعة إلا إذا خدم مصلحتَه الشخصية أولاً. يتم تجاهل القانون عندما لا يوجد خوف من العقاب. تنتشر الرشوة والمحسوبية عندما يكون الإفلات منهما ممكناً».

ما يقصده الكاتبُ أنَّ المجتمعات التي تهيمن عليها الشكوكُ والأحقاد والحسد والمصلحة العائلية الضيقة، تجد صعوبة في بناء العمل الجماعي، فتتعثَّر التنمية حتى لو توافرت الموارد. لا توجد أي أسباب خارجية تدفع الفرد للتصرف على هذا النحو. إنَّها، مرة أخرى، الثقافة التي تشكّل تفكيره وسلوكه.

لفقر ليس بسبب قلَّة الموارد أو الاستعمار، ولكن بسبب هيمنةِ المصالح الضيقة وغياب أي شعور عام بالمصلحة العامة للوطن الأكبر. من جانبه، يُحمّل الصحافي الفنزويلي كارلوس رانخيل الأساطيرَ الثقافية التي سيطرت على أميركا اللاتينية، مسؤوليةَ هيمنة ذهنية التخلف. من هذه الأساطير فكرة «المتوحّش النبيل»، وهي صورة الهندي قبل وصولِ الأوروبيين، وتصويره كأنَّه يعيش حياةً مثالية أشبهَ بالنعيم قبل أن يدمّرها الاستعمار الأوروبي.

الأسطورة الثقافية الأخرى هي أسطورة «الثوري النبيل»، وهي صورة شخصية الثائر الماركسي اللينيني الذي يحمل على كاهله إنجاز مهمة بطولية؛ وهي تطهير أميركا اللاتينية من التَّأثير الاستغلالي والفاسد لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية!

المشكلة الكبرى التي يعزو إليها فشل أميركا اللاتينية هي الإيمانُ اليقيني لدى قطاعاتٍ ثقافية وسياسية وشعبية بأنَّ أميركا «الإمبريالية» هي خلف تخلّفِ أميركا اللاتينية.

ويهاجم الكاتبُ بشدةٍ الثقافةَ الإسبانية التي هيمنت على أميركا اللاتينية، ويتهمُها بزرع قيمٍ ثقافية مناهضة للتقدم والنجاح، إذا قورنت بكندا والولايات المتحدة التي سيطرت عليهما الثقافةُ الإنجليزية أو الأنغلوسكسونية بشكل عام.

يقول الكاتب: «إنَّ من سوء حظ أميركا اللاتينية أنَّها استعمرت من قبل إسبانيا في مرحلة تاريخية بدأت فيها إسبانيا ترفض روحَ الحداثة الصاعدة، وتقف ضد العقلانية والتجريبية وحرية الفكر، أي ضد الأسس التي قامت عليها الثورةُ الصناعية والليبرالية الحديثة والتنمية الرأسمالية».

من القيم السلبية التي نقلتها الثقافةُ الإسبانية في ذلك الوقت إلى أميركا اللاتينية: النفور من العمل، والميل إلى العنف، وغياب التعاون الاجتماعي، والنزعة السلطوية وفقاً لقول الكاتب.

ولا يتوقف الكاتبُ عن نقد الهيمنة الإسبانية على أميركا اللاتينية، ويقول إنَّ تقاليد الاحتكار والامتيازات والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي الحر ما زالت راسخة في المجتمعات ذات الأصل الإسباني.

الكنيسة الكاثوليكية لعبت دوراً سلبياً ومضراً في الثقافة اللاتينية، بحيث لم تشجّع على السلوك العملي والانضباط والادخار والالتزام والمسؤولية الاجتماعية، وذلك على العكس من الثقافة البروتستانتية التي أثرت عميقاً في ثقافة المجتمعات بأميركا الشمالية.

ويرى أنَّه لو غزا الإسبان أميركا الشمالية، فمن المرجّح أن تكون الولايات المتحدة وكندا دولتين متعثرتين. من حسن حظهما أنَّ العكس هو الذي حدث. هذا دليل آخر على أنَّ الثقافة تلعب دوراً محوريّاً في مصير المجتمعات، ولكن الاعتراف بذلك جارح للكبرياء، والأسهل هو إلقاء اللوم على الأشرار في الخارج!

***

د. ممدوح المهيني

 

عن جريدة الشرق الأوسط، السبت: 09 ربيع الأول 1448 هـ - 22 أغسطس 2026 م

ليست الأخلاق مجموعة من القوانين الجامدة التي نحفظها عن ظهر قلب، ولا قائمة طويلة من الممنوعات والمحظورات، التي نرددها في المدارس والمساجد والبيوت. فالأخلاق بلا وعي ليست سوى قيود جوفاء، وأوامر ونواهٍ فقدت معناها الإنساني. إن الأخلاق هي الجسد، أما الوعي فهو الروح التي تمنحه الحياة والمعنى. وحين ينفصل الجسد عن روحه، لا يبقى سوى هيكل فارغ يبدو حياً من الخارج لكنه في الحقيقة ميت من الداخل.

كثيرون يختزلون الأخلاق في عدم السرقة، وتجنب الفساد، والامتناع عن الخوض في أعراض الناس، وعدم الظلم أو أكل الحقوق. ولا شك أن هذه السلوكيات تمثّل جزءاً أصيلاً من المنظومة الأخلاقية، لكنها ليست الأخلاق كلها. فالأخلاق أوسع من ذلك بكثير، إنها القدرة على رؤية إنسانية الإنسان قبل أي شيء آخر، والشعور بألمه ومعاناته، واحترام حقه في الاختلاف، وقبول تنوعه الفكري والثقافي والديني والاجتماعي. الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما نتعامل مع الآخر باعتباره إنساناً كاملاً في الكرامة والحقوق، لا نسخة أخرى منَّا يجب أن تشبهنا حتى نستحق احترامها.

إن فهم الأخلاق بوصفها مجموعة من المحرمات فقط هو فهم عقيم وقاصر لجوهرها الحقيقي. فكم من إنسان لا يسرق ولا يكذب ولا يعتدي على أحد، لكنه يحتقر الفقير، ويزدري المختلف، ويتعالى على من يراه أقل مكانة أو نفوذاً. وكم من شخص يتحدث عن الفضيلة والشرف، بينما يمارس التهميش والإقصاء والتنمر والتمييز ضد الآخرين. إن الأخلاق ليست فقط ما نمتنع عن فعله، بل أيضاً ما نفعله تجاه الناس من رحمة وعدالة وتعاطف وإنصاف. كما أن الدين والعلم تم تسخيرهما لخدمة مفاهيم انحيازية لثقافات معينة جعلتها نسخة بما تؤمن به تلك المجتمعات ومحاولتها.

وفي مجتمعاتنا العربية يزداد الأمر تعقيداً، لأن مفهوم الأخلاق ارتبط عبر قرون طويلة بثنائية الشرف والعار، وغالباً ما تم تفسير هذه الثنائية من منظور ذكوري بحت. فأصبحت المرأة في بعض العقول معياراً للشرف ومخزناً للعار، وتحولت إنسانيتها إلى قضية ثانوية أمام الأدوار التي رُسمت لها سلفاً. يُنظر إليها أحياناً بوصفها عالة على المجتمع، أو مجرد وعاء للإنجاب، أو كائناً خُلق لخدمة الرجل وإرضائه، بينما يُنظر إلى أي محاولة لعكس هذه المعادلة باعتبارها اعتداءً على الرجولة أو خروجاً عن الأخلاق.

هذا التصور لا يمثل أخلاقاً، بل يمثّل تشويهاً لها. فالأخلاق التي تنتقص من إنسانية نصف المجتمع ليست أخلاقاً، والفضيلة التي تُقاس بجنس الإنسان أو شكله أو دوره الاجتماعي ليست فضيلة. لا يمكن لمنظومة أخلاقية أن تكون عادلة وهي تقوم على التمييز والتفوق الوهمي بين البشر.

لقد تربت أجيال كاملة على أفكار تتسلل إلى العقل منذ الصغر حتى تصبح حقائق مقدسة لا تقبل النقاش، أن هناك بشراً أفضل من غيرهم بحكم النسب أو اللون أو الثروة أو المكانة الاجتماعية، وأن بعض الناس يستحقون الاحترام أكثر من غيرهم، وأن الفقير أو العامل أو الأجنبي أو المختلف أقل قيمة من أصحاب النفوذ والمال. هذه الأفكار لا تُدرَّس في المناهج بصورة مباشرة، لكنها تُبث يومياً في البيوت والممارسات الاجتماعية حتى تتحوّل إلى جزء من الوعي الجمعي.

ومن هنا يظهر الفرق بين الأخلاق والوعي. فالأخلاق قد تمنع الإنسان من السرقة، لكن الوعي يمنعه من احتقار الآخرين. والأخلاق قد تمنعه من الاعتداء الجسدي، لكن الوعي يمنعه من ممارسة الإقصاء والتهميش والتمييز. والأخلاق قد تدعوه إلى التسامح، لكن الوعي يجعله يدرك أن البشر خُلقوا سواسية في الكرامة، وأنه لا وجود لنوع بشري سامٍ أو لعرق أنقى من غيره، ولا لإنسان أعلى مرتبة من إنسان آخر إلا بقدر ما يقدمه من خير وعدل ورحمة.

إن أخطر أشكال الانحطاط الأخلاقي ليست تلك التي ترتكب الشر عن قصد، بل تلك التي تمارس الظلم وهي مقتنعة بأنها تدافع عن الفضيلة. والأكثر رعباً من العمى أن تكون الوحيد الذي يبصر وسط جمع يرفض رؤية الحقيقة. فحين يغيب الوعي، تتحوّل الأخلاق إلى أداة للوصاية والقمع والإقصاء، وتصبح القيم الجميلة مجرد شعارات فارغة.

إن المجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من الوعظ الأخلاقي بقدر حاجتها إلى وعي أخلاقي جديد، وعي يعيد تعريف الفضيلة بوصفها احتراماً كاملاً لإنسانية الإنسان، ويجعل الرحمة والعدل والمساواة والتعاطف أساساً لكل قيمة. فالأخلاق بلا وعي جسّد بلا روح، والوعي بلا أخلاق روح تائهة بلا اتجاه، ولا تنهض الأمم إلا عندما يلتقي الاثنان في إنسان يرى الآخر إنساناً قبل أي صفة أخرى.

***

سالم سالمين النعيمي

عن جريدة الاتحاد الامارتية، يوم: 24 أغسطس 2026 22:30

صامويل هنتنغتون مفكر استراتيجي أميركي محافظ اشتهر بمقالته عام 1993 التي صارت كتاباً عام 1996 بعنوان: «صراع أو صدام الحضارات». لكنني اليوم أريد التحدث عن الكتاب الذي ألّفه مع أحد تلامذته عن تأثيرات الثقافة في السياسة أو السلوك السياسي. ومن السهولة بمكان تعريف أو وصف السياسة، خصوصاً إذا كان المعني بها السلوك السياسي لحكومة أو رجل دولة. أما الثقافة فشأنها عسير لأن مفهومها أو مفاهيمها متشعبة؛ فقد يكون المقصود بها المعنى العام، أي ما يشبه «رؤية العالم» لدى فردٍ أو جماعة، وتتناول الأوليات الدينية والأخلاقية ومسائل الخير والشر والحسن والقبح والصحيح والخطأ. وفي حين يعتبر الفيلسوف هانز غادامر أصول الرؤية هذه هي المقصود بالتراث الذي يجرُّه الإنسان معه ولا يستطيع الخروج منه؛ يرى السوسيولوجيون أن الثقافة هي المحيط الذي يعيش فيه الإنسان حيواته التربوية واللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيحتضنه ويتحكم فيه، ويبقى للموروث تأثير لكنه ليس الخيار الحاسم في المواقف إلَّا في الأزمات الكبرى.

هنتنغتون يقصد بالثقافة التي تؤثر في السياسة أو السياسات ما يسميه الثقافة أو الحضارة اليهودية - المسيحية ذات المنحى الليبرالي التي انتصرت في الحرب الباردة! وهذا بناءٌ اخترعه الرجل ليس له أصل تاريخي، باستثناء تبنّي العهد القديم من جانب المسيحيين، وهناك خلاف بين الكاثوليك والبروتستانت في موقع العهد القديم في الكتاب المقدس. المهم أنه بسبب ما لاقته أطروحة الحضارة عند هنتنغتون من ردود، صار يفضّل الإحالة في التأصيل على الثقافة الغربية التي ترتبط بالديمقراطية والسلام.

أما سبب العودة للثقافة الآن، فهو الضجيج الذي حصل ويحصل بسبب الحروب وأهوالها، سواء حرب روسيا - أوكرانيا، أو حروب أميركا وإسرائيل - إيران. في عام 2002، كان هنتنغتون شديد الحماسة للحرب على العراق، باعتبار أنّ صدّام حسين يمتلك إرثاً ثقافياً عنيفاً، لأن الإسلام يمتلك حواشي دموية؛ فكيف إذا امتلك السلاح النووي؟(!). فلما قابلتُه في الجنادرية بالرياض عام 2006 كان قد صار ضد الحرب، وليس لأن النووي العراقي ثبت أنه أسطورة إعلامية أميركية، بل لأن الغزو تسبب في المواجهة بين ثقافتين عنيفتين: الإيرانية والعربية ولهما أصل إسلامي. ولما سأله أحد الحاضرين عن مسؤولية ثقافة الرئيس جورج بوش الابن الدينية عن غزوه للعراق، خصوصاً أنه يستخدم مصطلح الحرب الصليبية، انزعج، وقال إن النقاش خرج عن حدوده العقلانية(!).

إنّ البارز الآن كثرة الحديث عن الثقافة ذات الأبعاد الدينية والأخلاقية باعتبارها دوافع في السلوك الحربي. لكنّ الملحوظ شدة التضارب والتلاعب بالثقافة وبالدين؛ فمن الذي سيصدّق أنّ سلوك بنيامين نتنياهو العنيف توراتي، أو أن سلوك الرئيس دونالد ترمب دافعه أنه من الإنجيليين الجدد المتطرفين؟! ويُظهر الرئيس فلاديمير بوتين بعضاً من اهتمام بالكنيسة الأرثوذكسية، ويردّ عليه الأوكرانيون بتغيير مسار الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية؛ فمن الذي سيصدّق أنّ بوتين وفولوديمير زيلينسكي (اليهودي الأصل) تحركهما في حربهما دوافع دينية. والأوكرانيون في كثرتهم الساحقة أرثوذكس، لكنّ الدوافع الوطنية هي التي تحركهم في الدفاع ضد الروس الأرثوذكس مثلهم.

إنّ كل هذا لا يعني أنّ الانتماء الديني ليس مهماً، لكنّ الدين كما نعرف هو قوة ناعمة، وقد جرى استخدامه تلاعباً في صناعة العنف، ففشل الاستخدام بعد وقتٍ قليل. أما الشكل الثاني من أشكال الاستخدام للدين، فما قام ويقوم به المتطرفون باسمه، كما اشتهر لدى العنيفين من الشبان باسم الإسلام، وهؤلاء شكّلوا انشقاقاتٍ في الدين، والظاهرة أبرز لدى المتطرفين باسم الإسلام، بيد أنّ التطرف موجودٌ في الديانات الأخرى، مثل بوذيي ميانمار، وهندوسية بعض نواحي الهند.

إنّ خطورة أُطروحة هنتنغتون التي يُستشهد بها كثيراً من دون ذكر اسمه أو الإحالة عليه أنها لاقت قبولاً من بعض صُنّاع السياسة في أوروبا وأميركا، ومن العاملين في سياسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ثم (من جهة ثانية) من كثافة الهجرة إلى أوروبا من بلدانٍ فيها كثرة من المسلمين، بحيث ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا، وما عاد التخلص منه سهلاً ما دامت الظاهرة مستمرة!

الظواهر الثقافية ليست جواهر ثابتة في الماضي أو في الحاضر. وحتى فوكوياما صاحب «نهاية التاريخ» قال فيما يشبه الردّ على هنتنغتون: «لماذا ينفرد الإسلام بالتجوهر بينما تتغير كل الديانات الأخرى؟»، أما ريتشارد بوليت صاحب كتاب «الحضارة المسيحية - الإسلامية»، فقال إن «التشارك الوثيق كان في الماضي، أما في الحاضر وقد تغير الطرفان تماماً فينبغي البحث عن أسلوبٍ آخر للتشارك»!

إنّ الأحرى القول إنّ السياسات في المدى المتطاول في الدولة القوية هي التي تُحدث تغييرات ثقافية وليس العكس، وهو الذي حصل في الولايات المتحدة!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 15 ربيع الأول 1448 هـ - 28 أغسطس 2026 م

 

السؤالُ الأبرزُ الذي طرحه عالمُ الاجتماع الشَّهير ماكس فيبر هو: لماذا تنجحُ جماعاتٌ معينة وتحقق قفزاتٍ اقتصاديةً أكثرَ من غيرها؟!

الخلاصةُ المعروفةُ التي انتهى إليها فيبر تؤكد وجودَ علاقةٍ قوية بين الدين والإنجاز الاقتصادي. فحص سجلاتِ في مدينة بادن الألمانية ولاحظ التالي: البروتستانت أكثرُ إنجازاً من الكاثوليك، واليهودُ أكثر إنجازاً من البروتستانت. قادته هذه المقارناتُ إلى أنَّ الدينَ يلعب دوراً عميقاً في دفع جماعاتٍ معينة إلى النجاح وتعطيلِ جماعات أخرى.

ما يقصده فيبر هو القيمُ والمُثل التي يحضُّ عليها دينٌ معين، وليس العقيدة الإيمانية ذاتها. قيمٌ مثل العملِ الجاد والادخار والأمانة والعقلانية والتقشف. كلُّ هذه القيم تحرّض الجماعاتِ التي تعتنقها على الازدهار، وتؤمن بأنَّ علاماتِ النجاح هي دليلٌ على رضوانِ الله عليها.

دفعت هذه القيمُ إلى ما عُرف لاحقاً بالرأسمالية، التي تقومُ على الادخار ومن ثم الاستثمار حتى يتراكمَ رأسُ المال وتتشكَّل الثروة.

الكاثوليك، من جهة أخرى، ذهبوا في اتجاهٍ آخر.

كانَ تركيزهم على العالم الآخر يجعلهم أقلَّ قدرة على التنافس الاقتصادي في الحياة الدنيا. تبنّوا قيماً مختلفة عن البروتستانت واليهود. النقطة الأخرى هي أنَّ العلاقة الأبوية بين رجال الدين والعامة جعلتِ الناسَ خاضعين لهم ولا يخرجون عن تعاليمهم، وهذا على العكس من البروتستانت الذين تمتَّعوا بالحرية والعلاقة المباشرة مع الله؛ الأمر الذي أضعف سلطةَ رجال الدين عليهم. من مزايا الخروج عن هذه السلطة الكهنوتية تعلم القراءة والكتابة؛ الأمر الذي زادَ من معارفهم ومهاراتهم. الكاثوليك، في المقابل، كانوا في حاجةٍ إلى رجال دين ليقرأوا لهم كتابَهم المقدس. كان هناك وسيط بين العبد وربه. قبل أن تنهض النمور الآسيوية، تحدث فيبر عن القيم والعادات السلوكية التي دفعتها إلى الركود. هذه القيم المستمدة من الأديان الشرقية مثَّلت عائقاً أمام التنمية. لقد جعلت الإنسانَ مستلب الإرادة وواقعاً تحت تأثير قوى أكبر منه هي من تقرر مصيره. إضافة إلى التقاليد القوية المتمثلة في الطاعة العمياء للآباء والخضوع للتقاليد والولاء العائلي المفرط؛ الأمر الذي جعل التغيير شديد الصعوبة.

وفيبر لا يتحدّث عن أنَّ هناك أدياناً أفضلَ من أخرى، أو أنَّ هناك عقائدَ صحيحة وعقائدَ خاطئة. ما يشرحه هو أنَّ القيم لدى البروتستانت تحتوي على تعاليم تساعد أكثرَ على الازدهار الاقتصادي، وتغرس في البنية الذهنية والنفسية منذ الطفولة مبادئَ تغوص عميقاً لتشكّل سلوكَ الشخص وتجعله ميالاً للنجاح أكثر من غيره.

هذه القيمُ مثل: العمل المتواصل، والانضباط الذاتي، والادخار بدل الاستهلاك، واحترام الوقت، والتعليم والقراءة، واعتبار النجاح المهني واجباً أخلاقياً، كلها دفعت إلى تراكم رأس المال ومن ثم الثورة الصناعية.

من جهة آسيا، قبل أن تزدهرَ، غرقت في التعاليم الأبوية والاحترام المبالغ فيه للتقاليد والعادات وإحساس الفرد بأنَّه مقيَّد ومسيّر، فأفضى ذلك إلى تراجعها.

عالمُ النفس ديفيد ماكليلاند يطرح السؤالَ الأهم: لماذا تتطوّر بعضُ الدول أسرعَ من غيرها؟

الإجابةُ عن هذا السؤال تكمنُ في داخل الإنسان والمجتمعات نفسها، وليس خارجها. القوى التي تنتج التنميةَ وتقود إلى النجاح وتحفّز على التغيير هي دوافعُ عميقة في النفس البشرية، قبل أن تكونَ في المصانع والموارد الطبيعية.

يعتقد ماكليلاند أنَّ التنمية تحدث عندما ينتج المجتمع عدداً أكبرَ من الأشخاص الذين يملكون ما سمَّاه «الحاجة إلى الإنجاز». وهم الأشخاص الذين يسعون بقوة إلى النجاح الشخصي، ويضعون أهدافاً واضحة، ويتحمَّلون المسؤولية، ويفضّلون الإنجاز على الراحة، ويبحثون عن التحدي. في المجتمعات التي يزيد فيها هذا النمط من الشخصية، تكون أقربَ إلى التفوق على غيرها.

حلل ماكليلاند قصص الأطفال في نحو ثلاثين دولةً، ووجد أنَّ القصص التي تمجّد الاجتهاد والنجاح والمبادرة والاعتماد على النفس ترتبط لاحقاً بمعدلات نمو اقتصادي أعلى.

أي أنَّ غرسَ مثل هذه الثقافة في الصغر يشبه غرسَ البذور التي ستتفتح لاحقاً عبر نجاحات اقتصادية ومجتمعية.

من أشهر الأفكار التي طرحها ما تتعلَّق بالتربية وأهميتها القصوى. يرى أنَّ السنوات بين الخامسةِ والثانيةَ عشرة من العمر حاسمة في تكوين دافع الإنجاز وحافز النجاح.

ويرى أنَّ أفضلَ القيم والعادات التي تساعد في هذه المرحلة العمرية تكمنُ في التالي: معاييرُ مرتفعةٌ للطفل ولكن معقولة في الوقت ذاته، وتشجيعُ الطفل على الاستقلال، وتدخّل أبويّ محدودٌ وليس خانقاً، وإظهارُ الفخر بإنجازات الطفل.

الطفلُ يحتاج إلى أن تضع له معاييرَ عالية، ولكن ليست خانقة، وتعلّمه أن يعتمدَ على نفسه، وأن يتدخَّلَ الأبُ بشكل محدود وليس بطريقة تمسخ شخصيته، والافتخار بالطفل وليسَ تحطيمه. الدَّلال المفرط أمرٌ مضرّ، مثله مثل التَّسلط المفرط. ويقدّم نصيحةً مهمة للحكومات، حيث يقول:

«لا تنظروا إلى الخطط الاقتصادية، بل إلى تأثير هذه الخططِ في قيم النَّاس ودوافعهم وسلوكهم؛ لأنَّ هذه العوامل هي التي تحدد نجاحَ التنمية والنجاح على المدى الطويل».

***

د. ممدوح المهيني

عن جريدة الشرق الأوسيط اللندنية، يوم: الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

في كتابه «إسلام الأنوار، تاريخ النزعة الإنسانية الإسلامية» الصادر مؤخراً، يبيّن المؤرّخ الفرنسي أوليفييه هان أن الاتجاه التنويري ليس ظاهرة حديثة في الفكر الإسلامي، مستوحاةً من التنوير الأوروبي، بل له جذوره في التقليد الوسيط الذي برزت فيه اتجاهاتٌ عقلانية إنسانية مختلفة، في إطار مناخ الانفتاح الفكري والفلسفي مع الثقافات الأخرى ومسارات النشاط العلمي والأدبي.

لم يكن هذا الاتجاه خاصاً بالفلاسفة الذين تأثروا بالفكر اليوناني، ولا بعلم الكلام المعتزلي الذي عادة ما يُقدّم أنه التيار العقلاني الوحيد في الثقافة الإسلامية الوسيطة، بل يمتد إلى الأشاعرة والصوفية والمؤرّخين والأدباء.

في ضوء نظرية هان، يمكن أن نميّز بين ثلاثة أنماط من العقلانية في التقليد الإسلامي الوسيط: العقلانية الأخلاقية لدى المعتزلة، والعقلانية النصّية لدى الأشاعرة وبعض فقهاء الإسلام من أهل الحديث والأثر، والعقلانية الوجودية لدى الفلاسفة.

العقلانية الأخلاقية تبرز في مذهب التحسين والتقبيح العقليين، الذي هو الميزة الخصوصية للمتكلمين المعتزلة في المبدأ الناظم لأفكارهم، وهو استقلالية وكونية المعايير الأخلاقية في النظر والعمل، دون تمييز بين حقل الصفات والأفعال الإلهية وميدان النشاط الإنساني. فالمعايير التي تُحدّد المرجعية التأويلية في فهم الصفات الإلهية وطبيعة العدل والخير في مجرى الأقدار هي نفس المعايير التي تحكم التصرفات البشرية الفردية والجماعية وتفسّرها. والعقل هنا بالأساس نشاطٌ معياري قيمي، حتى في الوجوديات والطبيعيات والإلهيات، وذلك هو مدار التصور الاعتزالي الذي لا علاقةَ له بأفكار الحرية الحديثة.

أما العقلانية النصّية، فتنطلق من كون الممارسة التدبرية والنظر البرهاني يجب أن ينطلقا من إمكانات التأويل الرّحبة في النَّص، فلا تفكير من خارج الكتاب والأثر. في العقلانية النصية الأساسُ هو استكناهُ الدلالات والمعاني وضبط سلاسل البراهين والحجج وفق النظر الموجَّه بالاعتقادات والقيم. فلا تعارض بين العقل والنقل أو «صريح المعقول وصحيح المنقول»، ما دام طريق فهم النّص هو النظر العقلي الذي اعتبَره المتكلمون الأشاعرةُ الفريضةَ الأولى في أصول الدين.

أما العقلانية الوجودية، فتنطلق من تماهي اللوغوس والكوسموس حسب العبارة اليونانية القديمة، أي الصور والمُثل والكليات المجردة من جهة، وظواهر الطبيعة ومكوناتها من جواهر وكائنات وأشياء من جهة أخرى. في العقلانية الوجودية، الحقيقة هي ماهيّةُ الموجودات، وليست الألفاظُ والمعاني سوى التعبير عن الأشياء في استقلاليتها الموضوعية عن الأذهان واللغة.

وهذه الأنماط الثلاثة من العقلانية ليست متعارضةً ولا متصادمةً، فالأشاعرة وإن رفضوا مبدأَ التحسين العقلي، إلا أنهم اعتمدوا التعليلَ بالحكمة والمقصد، بما يعني في نهاية المطاف القولَ بالتأويل العقلي. كما أن المعتزلة هم أئمة التأويل اللغوي والبلاغي، وقد سايرهم أهلُ السُّنة في جُلِّ تفاسيرهم للنص المقدس واعتمدوا نظرياتهم في البيان والدلالة والمعاني

وكذا الأمر بالنسبة للفلاسفة المسلمين، الذين ذهبوا إلى أن مسلك الإبداع الفلسفي هو التأويل الذي يسمح بإبراز تطابق المقولات الأنطولوجية وحقائق الشرع المنزل (أي الموروث اليوناني والوحي المرسل)، كما هو ظاهر لدى عموم فلاسفة الإسلام، من الكندي والفارابي إلى ابن باجة وابن رشد.

 وقد تغيّرت بطبيعة الحال الفكرةُ العقلانيةُ في العصور الحديثة، لكن لا يزال مدار هذه الفكرة يدور حول ثلاثية الوجود والنص والأخلاق، وإنْ تغيرت الخلفيات والمنطلقات بين المسارين.

والأخلاق في الوقت الراهن لم تَعُد أخلاق الفضيلة والسعادة، بل أخلاق الواجب والضمير الذاتي (بالمفهوم الكانطي)، والنّص أصبح يُنظر إليه بصفته نسقاً مفتوحاً من العلامات المتجذّرة في المعيش والتاريخي، والوجود تحوّل إلى طبيعة إجرائية تخضع للمعاينة التجريبية والتصرف التقني.

لا شيء يحول دون استيعاب التقليد الإسلامي لهذه المحددات الجديدة في الممارسة العقلانية، بدلاً من المحاولات اللاتاريخية لإعادة الاعتبار للمواقف الكلامية والفلسفية القديمة (كالنظر إلى عقيدة خلق الأفعال المعتزلية بصفتها تعبيراً عن فكرة الحرية واستقلالية الإرادة واعتبار الرشدية نزعةً علمانية تنويرية سابقة على العصر)، أو النظرة العدمية للتقليد، عوضاً عن التفكير المتجدد من داخله وبحسب إمكاناته التأويلية الواسعة.

المطلوب اليوم هو إعادة بناء المنظور العقلاني على أساس التداخل الكثيف بين تأويلية الوجود وموضوعية النظر العلمي ومناهج قراءة النص المعاصرة.

وإذا كانت الهرمنوطيقا الفلسفية الحديثة قد خرجت من نقاشات وجدالات اللاهوت المسيحي، في حين قامت التصورات الليبرالية المعاصرة على تحويل الأخلاقيات الجوهرانية إلى قيم عمومية كونية، وترجمت العقلانية العلمية فكرة التمايز الوجودي والتناسب الإبستمولوجي بين أحكام الفكر وظواهر الطبيعة، فإن هذه التحولات تفرض مراجعة منظومتنا العقلانية وإعادة بنائها وفق ثوابتنا المرجعية التي لا خلاف حولها.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 أغسطس 2026 22:49

متى تبدأ التساؤلات المتعلقة بالذهنيات والأفكار؟ قبل متغيرات الواقع أم بعدها أم أنها تقترن؟ إذا التفتنا لتطبيق ذلك على حالات غربية بالذات نجد أن شبنغلر الذي نشر كتابه: «انهيار الغرب» (1913) بعد أن عمل عليه سنوات عدة، أنكره عليه زملاؤه ملاحظين السلام الطويل الذي ساد بأوروبا والتقدم بعد حروب توحيد ألمانيا، بيد أن المخاوف والتوجسات الشبنغلرية مع أنها ذات طابع حضاري ما لبثت أن تحققت بنشوب الحرب العالمية الأولى. والحالة الثانية التي يمكن ذكرها في هذا السياق، ثوران طلاب أوروبا وفي الطليعة شباب الجامعات الألمانية والفرنسية في عام 1968. كانت الرأسمالية في أزهى فتراتها وبخاصةٍ في ألمانيا، لكنّ ذلك لم يَحُلْ دون استشعار الشباب المتمركسين بالقلق وعدم التوازن. ومضت الموجة الأوروبية الساخطة باتجاه جامعات الولايات المتحدة، وهؤلاء كانت في بلادهم مشكلات حقيقية ظاهرة للعيان؛ تطبيق قوانين المساواة المدنية بعد ثوران السود، والحرب الأميركية الشرسة على فيتنام للحيلولة دون سيطرة شيوعيي الشمال على سايغون.

إنّ ما أُريد الحديث عنه هذا الأسبوع بعد التشاؤم الأوروبي والأميركي، هو بشأن الانحطاط وليس بشأن الانهيار، وهو يأتي من الجهة المقابلة، أي من الآسيويين والأفارقة، ومن المفارقات أن هؤلاء الثائرين على الغرب معظمهم من الأساتذة بالجامعات الأميركية والبريطانية ومن أصول هندية ومن أميركا اللاتينية والعرب، ويُعتبرون من الناجحين في جنة الغرب التي يتمردون عليها! وبالطبع، أول ما يخطر بالبال إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1977) الذي نعى على هذا التخصص دوغمائياته وانحيازاته ودأبه على صناعة صورةٍ مزيفةٍ عن الإسلام والعرب، تتلاءم مع طموحات الغرب ومسبقاته الكولونيالية. حصل كتاب سعيد على ترحيبٍ هائل من سائر الجهات ومن الجامعات في أميركا وأوروبا. وجاءت النقدات من جهتين؛ جهة أنصار الاستشراق مثل برنارد لويس، ومن جهة الكبار في التخصصات الأخرى مثل الفلسفة والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع. برنارد لويس أنكر أن يكون المستشرقون في معظمهم متعصبين على العرب والإسلام، وذكر كم نشروا من النصوص والبحوث وطوّروا من مشاريع الفهم. أما أهل الاتجاه الآخر، فقالوا إن الاستشراق اهتمام فرعي وهامشي وليس أصلاً أصيلاً في العلوم الإنسانية الغربية. ولم يأبه سعيد بحملة برنارد لويس؛ لكنه تحت وطأة الحملة الثانية سارع لنشر كتابه بعنوان: «الثقافة والإمبريالية»، حيث ذهب إلى أن كل العلوم الإنسانية ذات صبغةٍ استعمارية بشكلٍ من الأشكال.

أما النقد الجذري الآخر للحضارة الغربية والذي صار سائداً في السنوات الأخيرة، فقد قاده الأنثروبولوجي المعروف طلال أسد في الكتاب الذي حرّره عام 1974 بعنوان: «مواجهات كولونيالية». سعيد كان يرى أنّ المستشرقين خانوا تقاليد وقيم التنوير، ولو ظلّوا أُمناءَ لها لما وقعوا في دوغمائيات صناعة الصُوَر الزائفة لخدمة الاستعمار! أما الأنثروبولوجيون والمؤرخون الذين تابعوا الحملة الجذرية فيما بين السبعينات وأواخر القرن العشرين مثل غوها وسبيفاك وطلال أسد، فقد اعتبروا المشكلة في تقاليد التنوير وقيمه وفلسفاته التي سادت في التفكر الغربي، لكن ظلت ممارساتها قاصرة على الغرب في زمن الاستعمار وما بعده. أما في العقود الأخيرة، فقد صارت نفاقاً وخراباً على العالم كله عندما انتهى التكاذب. وهذا منطق التيار الفكري والثقافي والسياسي المعروف بتيار التابع Subaltern: فهل يستطيع التابع أن يتكلم؟ بالطبع لا؛ لأنّ اللغة المسماة «علمية» هي لغةٌ مسيطرٌ فيها وعليها وليس في المصطلحات فقط، بل وفي المفردات أيضاً. والدليل على ذلك عالم «الاستعارة» الذي اهتمّ به الأُدباء والمفكرون الفرنسيون والأميركيون والذي يريد السيطرة أيضاً على المتخيَّل بالمعنى الأرسطي، والتأويلات اللسانية الحديثة. وعندما يحمل هؤلاء حتى على المتخيل الغربي فهُم يقصدون ليس الفلسفة والتاريخ مثلاً، بل ويقصدون أيضاً الفن الروائي والرسم وسائر الفنون ووسائل التواصل واستعبادات الذكاء الاصطناعي كما يسمونها!

هل هي تيارات فكرية خاب أملها في الغرب كما خيب الغرب آمال وتوقعات بعض المفكرين الغربيين، أم أنّ رؤاها السلبية تتأثر بالأحداث؟ تيار التابع في الأصل رؤية وفلسفة مهجوسة باستمرار الاستعمار حتى في العلوم. لكن في أحداث غزة الأخيرة انحاز عشرات منهم عرباً وغير عرب لفلسطين. إنما المشكلة أننا نحن الذين نحمل على الاحتلال الإسرائيلي بمصطلحات القانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نجد أنفسنا مختلفين مع مفكري تيار التابع الذين لا يقبلون هذه الإنشائيات بحجة أن الغرب نفسه الذي اخترعها ما عاد يقول بها، وإلاّ لما حصلت المذبحة!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الجمعة - 08 ربيع الأول 1448 هـ - 21 أغسطس 2026 م

 

هل الأساطير التي يقاس عمرها بقدم الإنسان والتي عبّر من خلالها عن آماله وآلامه قد ضمُرَت وانصرم وجودها مع تقدم الفلسفات والعلوم، أم أنها قد استعصت على الأفولِ واختلفت تعبيراتها فقط، ليظل جوهرها جاثماً في حياتنا اليومية بدلالات متباينة؟ إن الأطروحة التي تروم هذه الفسحة الثقافية الدّفاع عنها تزعم أنه لا العلم ولا الفلسفة استطاعا القضاء على الأساطير، بل إن الأساطير، التي أسست العقل الغربي ذاته، ما تزال تحيا بيننا، وقد تصدى كثير من المفكرين المعاصرين إلى تفكيك تجلياتها الحديثة.

إن علاقة الفلسفة بالأسطورة علاقة قديمة، وقد ظنّ بعضهم أن الفلسفة والعلم قد انفصلا عن الأسطورة، في حين أثبت «جان بيير فرنان» أن الفلسفة ليست سوى إضفاء الطّابع العقلاني على الأسطورة، مما جعله يرى الأسطورة في أصل الفكر الغربي ذاته، فالأسطورة والفلسفة هما لحظتان في نفس التّاريخ، فاليونانيون لم يتركوا الأسطورة وينتقلوا فجأة إلى الفلسفة، بل كان ذلك عبر تحول بطيء من السّرد إلى البرهان.

ومع استقلال الفلسفة وتميزها خطاباً علمياً برهانياً، فإن ذلك لم يؤدّ إلى نفي الأسطورة؛ فقد ظلت الأسطورة حاضرة في قلب الفلسفة، وأكبر شاهد على ذلك أسطورة أوديب التي حوّلها سقراط إلى سؤال فلسفي. وأسطورة الكهف التي شخّص بها أفلاطون عالم المُثل وعالم الظّلال وجسَّد بها صورة الفيلسوف.

وأسطورة العربات التي مثّل بها قوى النفس المختلفة، لتصبح الحكاية مطية لجعل حقائق العقل قريبة من المتلقي ومستساغة من ذوقه العام. وقد سمّى «جان بيير فرنان» ذلك بـ«العقلانية الأسطورية»، مؤكداً حاجة العقل إلى الأسطورة للتّفكير في قضايا فلسفية أصيلة مثل قضايا الموت، والأصل، والعدالة. ومن هنا أكد فرنان أن العقل الغربي قد وُلد من رحم الأسطورة، ليأتي رولان بارت مفكّكاً أساطير الحياة اليومية التي تخدع الإنسان المعاصر. فقد تنبّه «رولان بارت»، في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، إلى بعض أساطير الحياة اليومية الفرنسية، فكتب على مدى سنتين كتابه «أسطوريات»، Mythologies يشرح فيه مظاهر من حياة الفرنسيين، وباحثاً عن الكيفية التي تشتغل بها الدّلالات والمعاني.

لم ينظر «رولان بارت» إلى الأسطورة مرادفاً للخرافة، بل رأى فيها طريقة للتّفكير والكلام يعبر بها المجتمع عن ذاته. فكل حقيقة هي ثقافية وتاريخية، لكن عندما تبدو وكأنها طبيعية بديهية غير قابلة للنّقاش فإنها تضحى أسطورة. ومن هنا فكل ما يعجّ به المجتمع يمكن أن يصبح أسطورة، فالسّيارة مثلاً هي أسطورة لأن وظيفتها أن تحول ما هو ثقافي إلى شيء طبيعي وبديهي غير قابل للتساؤل عنه، فقد قُدِّمت سيارة «د.س ستروين» على أنها مركبة فضائية تجسد أسطورة التقدّم والتكنولوجيا. بل إن «برج إيفل» ليس غير آلة أسطورية بحيث إن النّاظر إليه يراه رمزاً، والنّاظر منه من علٍ وهو يشرف على باريس يراها كخريطة، أمّا باريس المتعددة فتختفي في النّظرتين معاً لتصبح، مع برج إيفل، شيئاً طبيعياً وموّحداً.

إن وظيفة الأساطير أنها تجعل الواقع المصنوع يبدو طبيعياً. ومن هنا عمل «بارت» في كتابه المهم على تفكيك الأساطير لبيان كيف يتم تصنيعُ المعنى، وهدفه من ذلك خلْق فكر نقدي لا يقبل كل أمور حياة النّاس كمسلّمات.

إن للأساطير قوّة لا تقاوم، إذ «النّفس تنقاد للوهم كما تنقاد الحقيقة للعلم» كما يقول ابن العريف في كتابه «محاسن المجالس»، لذا فإن أصحاب اتجاه «نزع الأسطرة» Démythologisation رافعوا على كشف الحجب عن الأساطير المشبعة بالأوهام لجعل الحقيقة الوجودية أقرب، وجعل الواقع في تعدّده وتناقضاته أجْلَى وأبْين وأظْهر.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 6 أغسطس 2026 23:30

أحد الدروس المهمة التى تلقتها المعرفة الحديثة من ديكارت هو أن نحلل الظواهر المركبة إلى عناصرها البسيطة ثم نسعى إلى التعرف على هذه العناصر واحداً بعد الآخر. تحول هذا التحليل لكل ماهو مركب إلى نموذج إرشادى يحكم إنتاج المعرفة فى جميع المجالات طبيعية أو إنسانية. يرى إدجار موران أننا أسرفنا كثيرا فى هذا التحليل لدرجة أنه أصبح يمثل عائقاً أمام المعرفة.

إدجار موران مفكر فرنسى توفى مؤخراً بعد أن تجاوز عمره قرناً من الزمان. وهو فيلسوف وعالم اجتماع وأنثروبولوجى ولم يكن ذلك رغبة منه فى الإسهام فى هذه العلوم ولكن هذه الوجوه المتعددة له لم تكن إلا انعكاساً لطريقته فى تناول الظواهر. فهو يضع موضع المساءلة كل التعارضات التى أقامتها المعرفة الغربية الحديثة: الطبيعة والثقافة، الذات والموضوع، العقل والعاطفة، اليقين واللايقين.

التحليل إلى عناصر بسيطة أدى إلى نشأة التخصصات وهذا أدى بدوره إلى عزل العناصر بعضها عن بعض فى حين أنها فى الواقع غير معزولة والظواهر بالغة التعقيد. هذه النظرة العلمية الحديثة والتى يحق لنا الآن أن نطلق عليها التقليدية تمثل عائقاً أمام المعرفة لأنها لا تستطيع أن تفهم الكل. فالكل أكبر من حاصل جمع أجزائه، لأن دخولها معاً فى شبكة من العلاقات، أى فى نسق، يسمح بانبثاق خصائص غير موجودة فى الأجزاء. والكل فى الوقت نفسه أقل من مجموع الأجزاء لأنه يكبح خصائص تكون موجودة فى الأجزاء وهى منفصلة. هذا التداخل يحتاج إلى منهج فى المعرفة بكون أكثر ديناميكية وأكثر قدرة على متابعة هذه التفاعلات ويتسم هذا المنهج بالاهتمام بفكرة الارتباط أى البحث عن ما يربط هذه التناقضات التى تصورناها متنافرة. وكما أن الكل يحتوى على العناصر فإن العنصر يحتوى على الكل. الشفرة الوراثية موجودة فى الجينات الموجودة فى الخلية. وكذلك فى النظام الاجتماعى، الأفراد يشكلون المجتمع والمجتمع يصنع الأفراد.

هذا التفاعلى الجدلى نجده يتمثل فى الإنسان. الإنسان عنصر من العناصر المكونة للطبيعة. ولكن الانسان يريد أن يحقق ذاته بوصفه كائناً مستقلاً عن الطبيعة ولكى يتمكن من ذلك لابد له من طاقة. هذه الطاقة يستمدها من المحيط الطبيعى. وهكذا يكون الربط ضروريا بين الاستقلال والتبعية. والإنسان كائن ثقافى لأنه يعتمدعلى الطبيعة وهو كائن طبيعى لأنه يتسم بالثقافة.

كذلك ينبغى إقامة الارتباط ببن الفوضى والنظام. فقد شاعت فكرة أن الطبيعة فى الواقع مليئة بالصدفة والعشوائية أما فكرة النظام والقانون والحتمية فهى أمور يفرضها العقل على الطبيعة وبالتالى هى ليست إلا تصورات عقلية. من منظور آخر الطبيعة كيان يضم أشياء تخضع لقوانين محددة ونظام عام أما الإنسان فأفكاره وعواطفه وتصرفاته لا يحكمها قانون وتتسم بالفوضى والعشوائية. وفى الحقيقة الفوضى والنظام يحكمان الظاهرة الطبيعية ويحكمان الظاهرة البشرية كما يحكمان التفاعلات بين الإنسان والطبيعة.

الفكر المركب الذى يتجاوز الفكر الاختزالى والتبسيطى هو القادر على إتاحة هذا النوع من المعرفة التى تزيد من مساحة إدراكنا للعالم. هذا الفكر ينطلق من مبدأ أن اللايقين هو شرط ضرورى للمعرفة وأن الوصول إلى اليقين هو لحظة عابرة لن تدوم طويلاً ولهذا يحتفى إدجار موران برأى عالم فيزياء الكم نيلز بور حين يقول: للوهلة الأولى هذا الموقف يبدو مؤسفاً ولكن فى الغالب يبين لنا تاريخ العلم أنه عندما تظهراكتشافات جديدة فإنها تبين لنا حدود أفكار لم نكن نشك أبداً فى قيمتها العامة. ومع ذلك يمنحنا هذا تعويضا حيث إن رؤيتنا تتسع ونصبح قادرين على الربط بين ظواهر كانت تبدو لنا متناقضة. المعرفة عند موران هى إبحار فى محيط من اللايقين تتخلله جزر من اليقين.

من هذه النظرة الكلية قدم موران رؤيته فى الأخلاق وفى علم الجمال. كما نادى بإصلاح التعليم بحيث يشمل هدم الأسوار بين التخصصات للربط بين المعارف المختلفة، وتعليم فن العيش، وتوعية التلاميذ بانتمائنا لجماعة انسانية واحدة فى مواجهة التحديات الكوكبية. وكانت أزمة الكوفيد فرصة كى يبين مواضع الخلل فى إدارة الدول للمجتمعات وفى المنطق التجارى النفعى الذى يسود العلاقات الدولية.

بدأ موران حياته مقاوما للاحتلال النازى واستمر معارضا يساريا. وفى عام 2002 هاجم سياسة القمع الإسرائيلى للانتفاضة الثانية للشعب الفلسطينى فرفعت بعض المنظمات الصهيونية قضية ضده تتهمه بمعاداة السامية رغم أنه من أصل يهودى، وحكمت المحكمة عليه بدفع تعويض رمزى لكن محكمة الاستئناف برأته لأنه فى النهاية مفكر يعبر عن رأيه.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الاهرام القاهرية يوم: الثلاثاء 21 من صفر 1448 هــ 4 أغسطس 2026 السنة 150 العدد 51010

من حسنات أرسطو الكبرى على الفكر الفلسفي، وعلى الإنسانية جمعاء، أنه ميّز في الأورغانون- (مجموعة كتب أرسطو في المنطق)- بين أنواع مختلفة من الاستدلالات، جعل قطب رحاها الاستدلال البرهاني، وجعله معيار اليقين المطلق. ثم أتبعه بالاستدلال السّفسطي ثم الاستدلال الجدلي ثم الاستدلال الخطْبي ثم الاستدلال الشعري. ولم يخل التّقليد المنطقي من هذه الاستدلالات الخمسة، فضلاً عن الكتب الثلاثة الممهدات: المقولات والعبارة والقياس.

ومن هنا تعددت أنواع الأقلام الفلسفية من قلم برهاني إلى قلم سفسطي إلى قلم جدلي إلى قلم خطبي وأخيراً إلى قلم شعري، وقد يجمع الفيلسوف بين هذه الأنواع من الأقلام جميعها كما أبرز ذلك ابن رشد وهو يفحص فحصاً نقدياً كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي.

ولعل أكثر الأقلام تنافساً قلم أهل البرهان المنتمي إلى الفكر النظري وإشكالاته، وقلم أهل الخطابة والجدل المنتمي إلى المعتقد والسياسة، ولكلٍ ظرفه وموضعه وخصوصياته.

يتميّز القلم الفلسفي بكثير من التّواضع في البحث عن الحقيقة والتساؤل عنها، لأنّه قول تحاصره الإشكالات من كل جانب، إذ تجده لا يقتنع بقول حتى يداهمه قول بحجة أقوى، فيتنقل إلى تمحيصه. ثم إذا به أمام قول أقوى حجة. وهكذا هو في حيرة من أمره لا يكاد يستقر على رأي حتى يجد نفسه أمام مَعاول نقدية لا يستطيع لها دفعاً. ومحاورات أفلاطون خير شاهد على عمل القلم الفلسفي على لسان سقراط، فقد كان قلمَ شفاهٍ ولم يكن قلم مدادٍ. ثم إن القلم الفلسفي مهموم بالحفر لاختراع المفاهيم، وتاريخ القول الفلسفي هو تاريخ هذه العلامات المضيئة للفكر في مجاهل تاريخه، «فالأنا المفكر» لديكارت مثلاً، وما حام حوله من مفاهيم هو نتيجة معاناة فكرية وتجربة روحية قوية عاشها ديكارت، لأن قصده لم يكن إقناع الآخرين، بقدر ما كان وكْدُه حلّ إشكالات تركتها الثّورة الكبرينيكية كما صرح هو نفسه بذلك.

أما القلم الخطبي فهو قلم «الفرسان» من الباحثين الذين يحملون على عاتقهم أمانة اجتماعية خاصة في الدفاع عن ثوابت مدينتهم، وما اشتهر فيها من قيم سياسية وأخلاقية يرومون من وراء ذلك تقوية لُحْمة مجتمعاتهم، وجعلها سدًّا منيعا ضدّ من يعتبرونهم خصوما خطرين على هذه الوحدة، ويروْن فيهم تهديدا لهذه اللّحمة، فيكون لقلمهم صوْلة في هذا المجال، إقناعاً بفكرة جامعة، وتقويضاً لفكرة هادمة، وفضحاً لخصوم مفترضين.

أيّما القلمين اختار الباحث فلا تثريب عليه، إذا كان واعياً بمقاصده، وكان في نيّاته أبعد عن الأيديولوجيات السّيئة، فلا جرم أن القول البرهاني هو قلم العلماء والباحثين عن الحقيقة مساهمة في التّقدم الفكري للإنسانية، لأن القلم البرهاني هو قلم كوني، ومن هنا فهو لا يستقيم مع الأدْلَجة، أما القلم الخطبي، فهو قول محلّي، ومن هنا فالأدلجة قِطْميرُه، لذا فهو لا يسلم، مع غياب الحذر المنهجي، من شَططٍ أو غلوّ في القول، بل كثيرا ما تخالطه السّفسطة من هذه الجهة، وهو ما يجعله، في كثير من الأحيان، ليس أكثر من شهادة على الزّمان المعيش، يستفاد منها في التّأريخ للفكر والثقافة. وكثير من أقلام علماء الكلام وأقلام أهل الملل والنّحل نَحَتْ، في ثقافتنا، هذا النّحو.

 إن من حسنات هذا التّمييز وعي الباحث بمنطق الكتابة الذي يختاره لبسط القول، ووعيه كذلك بمنطق الكتابة الذي يسلكه منْ كتبَ، وهو وعي يجعل الفكر النّقدي في أجلى حضوره تمحيصاً، ونقداً، وتمييزاً بين قول يروم الحقيقة، وقول لا يعدو أن يكون إثباتاً للمشهورات والحِجاج عنها، أو قول يسلك طرق الإيهام والتّأثير الانفعالي ليس غير.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يوليو 2026 23:30

من في العالم لا يعرف الكاتب الروسي الشهير «فيودور دوستويفسكي» Fyodor Dostoevsky (1821-1881) الذي لا تزال الأوساط الأدبية تعتبره كاتبًا عبقريًا، ولا يزال يحظى بقاعدة شعبية عريضة من القرَّاء والمحبين، حتى بعد موته بزهاء القرن والنصف القرن من الزمان! و»دوستويفسكي» هذا الذي تكمن عبقريته في القدرة على تحليل النفس البشرية بدقَّة متناهية وسوداوية تعكس الواقع، كان من أشدّ المعجبين بالكاتب الأمريكي «إدجار ألان بو» Edgar Alan Poe (1809-1849)، وينعته بالعبقري الفذّ. وبلغ شدَّة إعجابه به الذروة، لدرجة أنه ترجم عملين له من الإنجليزية إلى الروسية، وكأنه راغب في أن يقدِّمه لقاعدة شعبية كبيرة وجديدة؛ لأنّ ما يقدِّمه «بو» من مادة أدبية نفسية تحليلية تستحق أن يُنظر لها بعين الاعتبار.

ولو كان هذا رأي دوستويفسكي، الذي يُعدّ أحد الأقطاب الأدبية الخالدة في الأمريكي «إدجار ألان بو»، فربما تصعق الدهشة كل من يعي أن عالم الفيزياء الألماني الفذ «ألبرت أينشتاين» Albert Einestein (1879-1955)، الذي اخترع نظرية النسبية، التي لا تزال أصداؤها تزلزل عقول العلماء لشدَّة عبقرية الفكرة، قدّ تأثَّر أيضًا ب»إدجار ألان بو»، وعلى وجه الخصوص بمقاله عن الفيزياء وقصيدته النثرية «يوريكا» Eureka (1848) لكونهما يخوضان مجال الفيزياء واكتشاف الكون، وكانا مصدر إلهام له وللعديد من العلماء من بعده؛ لأنهما كشفا الستار عن نظريات علمية سابقة لعصرها.

على الرغم من أنّ «بو» كتب «يوريكا» بوصفها «قصيدة نثرية فلسفية» لا ورقة علمية صارمة، وكذلك هي الحال بشأن مقاله عن الفيزياء. ويلاحظ أنَّ أوجه التشابه في المفهوم بين قصيدة «يوريكا» والفيزياء الفلكية الحديثة، جعلها تحظى بالشهرة في الأوساط العلمية بعد وفاته، ويمتدّ الإعجاب والتأثير إلى يومنا هذا، ما جعل منها محلّ تقدير واسع باعتبارها نموذجاً مذهلاً للاستنباط الحدسي. فقد كانت حجر الأساس عند «أينشتاين»، وكذلك كشفت الستار عن سبب ظلام الليل بالرغم من وجود النجوم، وأزال الغموض عن النظرية التي تُسمَّى «متناقضة أولبر». أمَّا المذهل فكان اكتشافه للزمكان والأكوان المتعددة، بل أيضًا نظرية «الانفجار العظيم» والثقوب السوداء، ونظرية الانسحاق العظيم. ويعدّ ذلك السبب وراء صيحة ألبرت أينشتاين الشهيرة «يوريكا.. يوريكا» التي أطلقها بعد اكتشافه لنظرية النسبية؛ فقد كان يشيد بعبقرية «إدجار ألان بو» التي سبقت حدود الزمان، وليس كما يظنّ البعض أنه يُحاكي ما قاله أرخميدس عند اكتشافه لقانون الطفو.

ولو كان عباقرة الأدب والعلوم يشيدون بالعبقري الفذّ إدجار ألان بو، فسوف يندهش من لا يعلم سيرته أنّ تلك الإشادة لا تفيه حقّه؛ فقد كان «بو» رائدًا للكتابة النفسية التحليلية، وأيضًا لولاه لما شقّ الجنس الأدبي الذي يُسمَّى بـ «الرعب النفسي» طريقه في العصر الحديث. بل إنه كان أيضًا أوَّل من كتب قصَّة بوليسية، وبفضله وسيرًا على نهجه، استطاع «سير أرثر كونان دويل» Sir Arthur Conan Doyle (1859-1930) أن يبتكر شخصية المحقق «شيرلوك هولمز» الشهيرة.

كان إدجار ألان بو الأوَّل في كل شيء وأي شيء يضطلع به، وكلَّما عمد اقتحام مجال تبرز شخصيته على الفور، ويحقق أولى المراكز، ويحظى بكل الشهرة. فلقد أظهر ذكاء تعليمياً فائقاً، حتى ولو كان يرتاد مدرسة ليست جيِّدة، بل وكان يدهش الجميع بخطّ يده عند الكتابة، لدرجة أنّ ما يسطره كان يُشبه الكتابة المطبوعة شديدة التنميق. وعندما ضاقت به الحال والتحق بالمدرسة العسكرية، أظهر تفوُّقًا ملحوظًا، لدرجة أنه صار محلّ ثقة الجميع، والفرد الذي يُعتمد عليه. وحتى عندما التحق بمدرسة «وست بوينت»West Point العسكرية الشهيرة، المعروفة بصرامتها وتشددها، لمع نجمه فيها بعد شهور قليلة بها.

وعشقه لكتابة الشعر والقصة القصيرة والنقد الأدبي، دفعه إلى الفوز بالجائزة الأولى عند اشتراكه في مسابقة شعر واحدة، ما جعل أحد أعضاء لجنة التحكيم أن يدعوه للعمل محرِّرًا مبتدئاً في مجلَّة أدبية لا يتم بيع سوى 700 نسخة منها فقط، أو أقلّ. لكن «بو» العبقري لم يلبث أن اضطلع تقريبًا بجميع مهام المجلَّة، وانبرى يكتب أشعاراً وقصصاً قصيرة، ومقالات نقدية لاذعة جعلت صيته يذيع في وقت قصير جدًا. وأمَّا القرَّاء، فقد تهافتوا على المجلَّة، وصاروا ينتظرون صدور جديدها، لدرجة أن عدد النسخ الموزَّعة ارتقى إلى 3700 نسخة. وبتزايد المبيعات، أصبح «بو» نائب رئيس مجلس الإدارة الذي له اليد العُليا، وكأنه مالك الجريدة. ناهيك عن شهرته التي أصبحت مدوِّية في جميع الأرجاء، وأشعاره التي يرددها الصغار قبل الكبار.

ويجدر القول إن «بو» رسم ملامح القصيدة النثرية الحديثة، وإنه كان أوَّل من شدَّد على وجوب أن تكون القصائد قصيرة، حتَّى يستمتع القارئ بقراءتها بسهولة في أي وقت، حتى ولو كان أثناء انتقاله بالحافلة من مكان إلى آخر. وكان له أيضًا السبق بأن يكون أوَّل كاتب، مهنته ومصدر رزقه الوحيد هما الكتابة الأدبية فقط، في وقت كان جميع الأدباء يشغلون وظائف بعيدة عن المجال الأدبي أو لديهم مشروعات أو ممتلكات؛ لأنه لم تكن توجد جهة صحفية أو أدبية واحدة حينئذٍ تمنح الكاتب نقودًا كافية لأن يحظى بفضلها بحياة كريمة. ناهيك من كون الجهات الأدبية والنَّاشرين في الولايات المتَّحدة الأمريكية حينئذِ أيضًا لا يمنحون الكاتب حقوق الطباعة والنشر، ولو اشتروا عملاً فسيكون ذلك بأبخس الأثمان التي لا تُذكر؛ لأنهم كانوا يفضِّلون طباعة الكتب البريطانية التي تم تسريبها لهم، دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا للكاتب.

وأمَّا عن صفات «بو» الشخصية، فقد كان كاتبًا مُرهف الحسّ، يتميَّز بالرقة، ولا يكتب إلَّا وعلى كتفه قطته التي يربيها ويرعاها. وكانت جميع كتاباته تُجبر القارئ أن يَدخل عالمه، ويتماهى معه، لدرجة تجعل أي سطر يكتبه من الصعب نسيانه. وهذا الكاتب ذو الكلمات الدقيقة الاختيار، شديدة الوقع، وأفكاره المبتكرة التي صنعت منه رائدًا لتيَّار الرومانسية في الولايات المتحدة، كان أيضًا رياضيًا بارعًا، مفتول العضلات، وله القدرة على التحدِّي، حتى ولو كان من يتحدَّاه الطبيعة نفسها. ويُذكر أنه سبَّاح ماهر استطاع قطع مسافة ستة أميال عكس اتجاه التيار في نهر «جيمس» بولاية فيرجينيا سباحة، وكان بطلًا محلِّيا في ألعاب القوى، وخاصة الوثب الطويل. بالإضافة إلى براعته في الملاكمة والتجديف اللذين منحاه صيتًا ذائعًا بين أقرانه. وحافظ طوال حياته على وتيرة مشي عسكرية سريعة ونشطة.

قد يعتقد البعض أنّ الموهبة العريضة والنعم الربَّانية غير المسبوقة التي حظي بها «بو» وفَّرت له حياة سعيدة رغدة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا؛ كانت حياته سلسلة من الألم والفقد والفقر. عاش «بو» يتميًا، طفلاً غير محبوب من أبيه البديل الذي كان يمقته ورفض أن يتبنَّاه، وسمح له فقط بالمكوث في منزله بناء على رغبة زوجته التي لم تحظ بأطفال. وأمَّا عن جميع أحبابه، فقد فاضت روح أمّه أمامه في سنواته الأولى بعد إصابتها بمرض السلّ وهي لا تزال في العشرينيات من عمرها، بعد أن هجرها زوجها وصارت العائل الوحيد لثلاثة أطفال. ومنذ ذاك الحين، كان «بو» يشهد موت أحبابه واحدًا تلو الآخر؛ ماتت أخته طفلة مجنونة مشرَّدة في الشوارع من جرَّاء السلّ بعد أن فقدت والديها بالتبني، وماتت المرأة التي أحبها في مراهقته، وبعدها ماتت أمُّه بالتبني، ثم مات أخوه، وبعدها زوجته التي كان يُفني نفسه لتوفير علاجها. كذلك كان الفقر يُلازمه، لدرجة أنه كان يعيش في بيوت بالية تقريبًا تخلو من الأثاث، ويعوزها الدفء، وبالكاد يستطيع تدبير قوته. ولم تطله الرحمة من العذاب والألم النفسي طوال حياته، وكذلك ممن كرَّسوا أنفسهم لتشويه صورته ومسيرته، حتى بعد موته.

كان الشعور بالوحدة قاتلاً، خاصة أنه كان مصحوبًا بذعرٍ دائم لم يجد متنفَّسًا له سوى في كتاباته النفسية العميقة، التي استطاع بعبقريته أن يجعل منها أدباً شعبياً رغم أفكارها الرَّاقية ولغتها المنمَّقة. كان وجه «بو» الحقيقي يطلّ على العالم من خلال كتاباته، أمَّا العالم الخارجي فكان يقتله في كلّ ثانية نصب عينيه حيَّا. وكما كانت مسيرة حياته وكتاباته لغزًا، كان موته لغزًا أكبر عجز أي فرد عن حلُّه حتى يومنا هذا.

***

نعيمة عبد الجواد

عن جريدة القدس العربية، يوم: السبت: 25 يوليو - 2026

لولا هيغل لما كان بسمارك

أولاً ينبغي العلم أن ألمانيا في عهد هيغل كانت ذات أغلبية بروتستانتية كبيرة بنسبة 70 في المئة والباقي كاثوليك تابعون للفاتيكان وبابا روما الذي يكرهه البروتستانتيون. وثانياً إن هيغل ذاته كان لوثرياً بروتستانتياً في عمق أعماقه. ولكنه لم يكن طائفياً. مستحيل. لا يمكن لفيلسوف كبير دشن الحداثة الفكرية والسياسية والأنوارية في أوروبا أن يكون طائفياً. ولا ننسى أن ألمانيا هي بلد مارتن لوثر الذي دشّن الإصلاح الديني وحرّر الإنسان المسيحي من سطوة رجال الدين وفسادهم واستغلالهم. ومعلوم أن بابوات روما وكرادلتها كانوا قد أصبحوا مليونيرات على حساب الشعب البسيط الخائف من نار جهنم والمستعد لدفع كل فلوسه من أجل نيل صكوك الغفران ودخول الجنة. وقد أقنعوه بأنه كلما دفع أكثر كان حظه في الجنة أكبر. على هذا النحو تمت المتاجرات الكبرى بالدين. وضد كل هذا الفساد المستشري انفجر لوثر بثورته العارمة وزلزل عرش البابوية. ولهذا السبب كان هيغل معجباً به إلى أقصى الحدود.

كانت الطائفية في زمن هيغل لا تزال مشتعلة وكان الشعب الألماني منقسماً مذهبياً إلى كاثوليكيين وبروتستانتيين. وكانت هناك حزازات هائلة بين الطرفين. وكان الكاثوليك يمثلون التيار الرجعي في ألمانيا على عكس البروتستانت الذين يمثلون التيار الليبرالي التقدمي داخل المسيحية. كان الكاثوليك الألمان خاضعين لكلام بابوات روما الذين كانوا رجعيين طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى منتصف العشرين. بعدئذٍ جددت الكاثوليكية ذاتها وتصالحت مع الحداثة والعصر ولم تعد تكفيرية على طريقة القرون الوسطى. ولكن في زمن هيغل كانت لا تزال رجعية جداً... ومعلوم أن البابا بيوس التاسع أدان عام 1864 أي بعد وفاة هيغل بثلاثين سنة ونيف «أخطاء العالم الحديث» وكفرها في فتوى مشهورة. لقد أدان حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والضمير، وأدان العقلانية والليبرالية ومجمل أفكار الحداثة. وقال إنها مخالفة لتراثنا وديننا وعقيدتنا. وأدان فلسفة حقوق الإنسان لأنها تساوي بين البشر هكذا لا على التعيين. لكأن غير المسيحي يمكن أن يساوي المسيحي أو غير الكاثوليكي يمكن أن يساوي الكاثوليكي، أو لكأن الكافر يمكن أن يساوي المؤمن. كل هذه الأشياء كفرها وزندقها بابا روما تماماً كما تفعل جماعات الإسلام السياسي السائدة عندنا حالياً. فهي أيضاً عدوة لدودة لفلسفة حقوق الإنسان ولم تشم رائحة الحداثة التنويرية بعد.

بالطبع فإن بسمارك الذي وحّد ألمانيا عام 1870 أي بعد وفاة هيغل بأربعين سنة فقط اضطر إلى قصم ظهر الرجعية الكاثوليكية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه هذا التوحيد الكبير. في ذلك الوقت كان الليبراليون التقدميون المضادون للطائفية معظمهم من البروتستانت. وكان معظم الأصوليين الرجعيين يتشربون كلام بابا روما تشرباً من الكاثوليك البابويين المضادين للحداثة والمكفرين للبروتستانتيين وبالتالي لهيغل ذاته... ضمن هذه الأجواء المشحونة ينبغي أن نموضع موقف هيغل من المسألة الطائفية لكي نفهمه على حقيقته. وينبغي العلم أن بسمارك الذي وحّد ألمانيا على قاعدة المساواة في المواطنة اللاطائفية بين جميع الألمان نفذ حرفياً برنامج هيغل وكانط وفيخته وشيلنغ وبقية فلاسفة الأنوار الكبار. وهنا نلتقي مباشرة ذلك التمفصل الرائع الكائن بين الفكر والسياسة. لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق. بهذا المعنى فالفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. هيغل هو الأساس بعدئذٍ يجيء بسمارك. الأولوية للمثقف الكبير لا للسياسي حتى لو كان ضخماً في حجم بسمارك.

لماذا أقدّم كل هذه الديباجة؟ لكي أوضح مدى خطورة المشكلة الطائفية أو بالأحرى المذهبية في كل المجتمعات والأديان. عندما تنظر إلى أوروبا الحالية المستنيرة المتطورة لا تجد أي أثر للحساسيات المذهبية أو الطائفية فيها. لقد تبخّرت كلياً بفضل جهود هيغل وبقية فلاسفة الأنوار. وهذا أول شيء يدهش العربي أو المسلم القادم من الشرق الذي يعج بالأصوليات والطائفيات والمذهبيات... لم يعد يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. إنهما مواطنان متساويان في المواطنة الألمانية ويتعايشان بكل سلام ووئام في ذات الشارع أو ذات الحي أو ذات البناية. لم تعد توجد أحياء بروتستانتية مفصولة عن الأحياء الكاثوليكية. ولم يعد يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثالثة... كل هذا انتهى منذ زمن طويل. ولكنه لم ينتهِ قبل انتصار المفهوم التنويري للدين المسيحي على المفهوم الظلامي التكفيري القديم. وعلى الرغم من أن التنوير كان قد حصل في زمن هيغل على مستوى النخبة فإن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة على مستوى عامة الشعب وجاهزة للاستنفار والاشتعال في أي لحظة.

وعلى الرغم من أن هيغل كان أكبر فيلسوف في عصره وربما في كل العصور فإنه ما كان يطيق سماع اسم الكاثوليك والمذهب الكاثوليكي. ويروي المفكر الفرنسي فيكتور كوزان أنه كان يتجول معه مرة في شوارع كولونيا حتى وصلا فجأة إلى الكاتدرائية الشهيرة التي هي من أجمل الكنائس في العالم. وأتذكر أنها سحرتني شخصياً بجمالها وبهرتني عندما رأيتها لأول مرة أثناء زيارتي الأولى لألمانيا عام 1990. فماذا قال هيغل وهو يمعن النظر في هذا البنيان الباذخ الشامخ؟ يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم البابا والكاثوليكيين بل يكاد يبصق على الأرض في وسط كاتدرائيتهم المقدسة ذاتها. وقد تعجب منه في هذا الموقف المتشنج وما كان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير في حجمه. كان هيغل يفقد أعصابه عندما تثار أمامه المشكلة الطائفية أو المذهبية. كان يحمل على الكاثوليكيين البابويين حملة شديدة ويعتبرهم سبب تخلف ألمانيا وتعصبها وتعلقها بتدين القرون الوسطى. وهذا يعني أن ألمانيا عام 1826 ليست ألمانيا عام 2026! نعم التاريخ يتقدم إلى الأمام أيها السادة. نعم هناك تطور وتجدد في التاريخ لحسن الحظ.

نعم، لقد كانت الحساسية المذهبية أو الطائفية لا تزال قوية في زمن هيغل. بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كان أيضاً يصطدم برجعية الكاثوليكيين البابويين مثل هيغل كما ذكرنا آنفاً. لماذا كان هيغل يكره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيغل ليس ابن شارع! هناك سبب وجيه لذلك. وهو أن المذهب الكاثوليكي كان يعتبر نفسه الحقيقة المطلقة للمسيحية بل وللدين كله والبقية فراطات أو زندقات أو هرطقات أو أقليات لا يعتد بها. وكان يعتبر نفسه بسبب كثرته العددية (أكثر من مليار شخص) الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية. كان يعتقد أن الكثرة العددية تعني أتوماتيكياً امتلاك الصحة الدينية والحقيقة الإلهية المطلقة. وكان يعتقد أنه لن يدخل الجنة بروتستانتي واحد ولن يحظى بمرضاة الله. الجنة محجوزة فقط للكاثوليك. وكان المذهب الكاثوليكي البابوي في أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية. عندما تقرأ تصريحات بابوات روما آنذاك، عندما تطلع على فتاواهم التكفيرية لروح الأزمنة الحديثة وجوهرها، تكاد تتخيل أن أقطاب الإسلام السياسي السائد حالياً هم الذين دبجوها وكتبوها... وهذا يعني أنه يوجد مفهومان للدين: المفهوم الطائفي الغياهبي الظلامي، والمفهوم الأنواري اللاطائفي المتصالح مع الحداثة والعصر. وهذا الأخير هو الذي أنقذ أوروبا من براثن الطائفية وجحيم الحروب المذهبية. وهو الذي أتاح نهضتها وإقلاعها الحضاري وتفوقها على جميع شعوب الأرض. كما يعني أنه يوجد مفهومان للإيمان. فهناك المفهوم التكفيري الطائفي القديم الذي يقتل ويذبح على الهوية ويدمر الوحدة الوطنية. وهناك المفهوم الأنواري الجديد الذي يحيي وينعش ويبني الحضارات ويجمع كل المكونات الاجتماعية حوله. ولكن المشكلة هي أن المفهوم الطائفي التكفيري القديم راسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. ولا يمكن اقتلاعه بين عشية وضحاها. هنا يكمن الاستعصاء الكبير.

***

د. هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 20 يوليو 2026 م ـ 05 صفَر 1448 هـ

- كمية القراءة وطبيعتها

- هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 12 يوليو 2026 م ـ 27 مُحرَّم 1448 هـ

 

النظر إليها من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.

***

ندى حطيط

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 يوليو 2026 م ـ 23 مُحرَّم 1448 هـ

ليست وثيقة إلغاء الرِّق في سنة 1846 مجرد خبر من أخبار تونس، ولا مناسبة للحديث عن سبق بلد على بلد، بل هي شاهدٌ على لحظة نادرة في تاريخ الإصلاح الإسلامي الحديث، لحظة اجتمع فيها نظر الحاكم، ووعي العلماء، وقوة القواعد الشرعية، لتنتقل كرامة الإنسان من معنى أخلاقي عام إلى قرار نافذ.

كان أحمد باشا باي يدرك أن قضية الرق لم تَعُد مجرد باب من أبواب الفقه الموروث، بل صارت واقعاً تختلط فيه التجارة بالغلبة، والعادة بالاستغلال، وتضيع فيه الشروط التي تكلم عنها الفقهاء في أزمنة وسياقات مخصوصة. ولذا جاء القرارُ لا بوصفه خروجاً على الشريعة، ولا تقليداً لموجة خارجية، بل بوصفه تصرُّفاً من تصرُّفات الإمامة حين ترى أن بقاءَ ممارسة ما صار سبباً للضرر والامتهان.

قيمة الوثيقة أنها لا تقدم الإصلاح بوصفه صداماً بين الدولة والفقه، بل تكشف عن إمكان آخر: أن تتحرك الإرادة السياسية في أفق المصلحة العامة، وأن يواكبها نظرٌ علمي رصين يعرف كيف يميّز بين النَّص والعادة، بين الحكم ومحيطه التاريخي، بين المقصد والصورة التي لبسها في زمن من الأزمنة. وفي هذا المعنى يظهر عمق المدرسة المالكية، بما رسّخته من اعتبار للمصلحة، وسدٍّ للذرائع، ورفعٍ للضرر، ومراعاة للمآلات، وربطٍ لتصرف الإمام بما يحقق الخيرَ العام للرعية.

لم يكن موقف العلماء المالكية في تلك اللحظة تبريراً لقرار سياسي جاهز، ولا انكفاءً على ظاهر الموروث، بل كان نظراً في حقيقة الواقع. فالقرآنُ جعل العتقَ باباً من أبواب البر والكفارات والتطهير، ووسّع مسالكَ التحرير، وضيّق أسباب الاسترقاق. فإذا تحوّل الرقُّ في واقع القرن التاسع عشر إلى سوق بشرية قائمة على الأخذ والقهر والبيع، فإن منطق الشريعة نفسه يقود إلى منعه، لا إلى إدامته.

ومن هنا يصبح القرار درساً في كيفية اشتغال الفقه حين يكون قريباً من الحياة، لا حبيساً في الصور المتوارثة. فالفقيه لا يحرس اللفظَ وحدَه، بل يحرس العدلَ الذي جاء اللفظُ لإقامته. والحاكم لا يكتفي بإعلان المقاصد، بل يحوّلها إلى نظام يحمي الناسَ من الاستغلال. وعندما يلتقي هذان المعنَيان، تنشأ سياسةٌ عامةٌ لا تتنكر للدين، ولا تترك المجتمع أسيرَ عادة فقدت معناها الشرعي والأخلاقي.

واللافتُ أن هذا القرارَ صدر سنة 1846، في وقت كانت فيه دولٌ كثيرةٌ، ومنها دولٌ أوروبيةٌ، لم تكن قد حسمت المسألةَ بصورة نهائية. ففرنسا، مثلاً، لم تلغِ الرِّق في مستعمراتها إلا سنة 1848. وليس المقصود من هذه المقارنة صناعةَ مفاخرة تاريخية، وإنما التنبيه إلى أن الإصلاح في المجال العربي والإسلامي لم يكن على الدوام تابعاً أو متأخراً، فقد عَرفَ لحظاتٍ استطاع فيها أن يتقدّم حين اجتمعت القيادةُ المسؤولة مع الاجتهاد الرصين.

إن درس الوثيقة يتجاوز جغرافيا المكان وزمن الواقعة. فهي تقول إن القواعد الكبرى في الفقه ليست محفوظاتٍ للدرس فقط، بل أدوات لبناء العمران وصون الإنسان. وتقول إن المصلحة العامة إذا ظهرت حجّتها، وانتفى وجه الإبقاء على الضرر، صار تحويلها إلى قانون من صميم وظيفة القيادة، ومن صميم رسالة العِلم.

ولهذا تبقى وثيقة 1846 ذات معنى متجدد، لأنها تعلِّمنا أن الإصلاح العميق لا يحتاج إلى خصومة مع الشريعة، بل إلى فهم أمين لها، وإلى قيادة تعرف أن كرامة الإنسان ليست شعاراً يُرفع، بل حقٌّ يُصان بنظام، وحكم يُتَرجَم في الواقع، ومصلحة تُقدّم حين تصبح العادة باباً من أبواب الظلم.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 7 يوليو 2026 23:15

 

منذ أكثر من ألف عام، تعيش منطقتنا صراعًا لم ينتهِ بعد؛ صراعًا بين رسالتين مختلفتين تمامًا: رسالة الدين بوصفه منظومة قيم تهدف إلى بناء الإنسان، ورسالة السلطة التي تستخدم الدين أداةً لإدارة الصراع السياسي.

وفي تقديري، فإن أخطر ما دخل إلى الوعي العربي هو ما أصبح يُعرف اليوم بـ”الإسلام السياسي”. ليس لأن الإسلام يتناول الشأن العام أو يوجه السلوك السياسي، فهذا أمر طبيعي في أي منظومة أخلاقية، وإنما لأن السياسة أصبحت هي التي تعيد تشكيل فهم الدين بما يخدم مشروع السلطة.

لقد جاء القرآن في زمن كانت الإمبراطوريات تُبنى على أساس العرق أو القبيلة أو الدين. كانت الدولة تعني غلبة جماعة على جماعة، وكانت الحدود تُرسم بالسيف، والناس يُصنفون وفق انتمائهم لا وفق إنسانيتهم.

وسط هذا العالم ظهر سيدنا محمد ﷺ ليقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا.

لم يبدأ ببناء إمبراطورية، ولم يؤسس دولة دينية مغلقة، بل أسس مجتمعًا في يثرب يقوم على عقد اجتماعي يجمع المسلمين وغير المسلمين في كيان سياسي واحد، يتشاركون الحقوق والواجبات، ويحكمهم ميثاق ينظم العلاقة بينهم.

ولهذا فإنني أرى أن المدينة في القرآن ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما نموذج حضاري؛ فضاء يجتمع فيه المختلفون تحت مظلة القانون والعدل، لا تحت مظلة التشابه الديني أو العرقي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن النبي ﷺ، بعد فتح مكة، لم يجعلها عاصمة مشروعه، بل عاد إلى المدينة، وكأن الرسالة تؤكد أن المستقبل لا يُبنى في المجتمع الأحادي، بل في المجتمع القادر على استيعاب التنوع.

فالقرآن يخاطب الناس جميعًا:

﴿يا أيها الناس﴾

ولا يحصر خطابه في جماعة بعينها.

ويقرر مبدأ الحرية بوضوح:

﴿لا إكراه في الدين﴾

ويجعل الاختلاف سنة من سنن الخلق:

﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾

فالتعارف، لا الصدام، هو الغاية.

ومن هنا أفهم أن رسالة سيدنا محمد ﷺ كانت مشروعًا عالميًا لبناء مجتمع إنساني متعدد، لا مشروعًا لإقامة دولة تحتكر الحقيقة الدينية.

لكن هذا المسار، في قراءتي، بدأ يتغير مع قيام الدولة الأموية، حيث أصبحت السلطة السياسية هي المحور، وأخذ الدين يؤدي - في كثير من الأحيان - وظيفة منح الشرعية للحاكم وللتوسع السياسي. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتبلور نموذج يربط بين الدين والسلطة بصورة تجعل السياسة هي التي تحدد شكل الخطاب الديني، بدلاً من أن تخضع السياسة للقيم القرآنية.

ولا يعني ذلك أن هذه الظاهرة كانت استثناءً في التاريخ الإسلامي؛ فالإمبراطوريات الفارسية والرومانية وغيرها استخدمت الدين والقومية بالطريقة نفسها. غير أن الرسالة المحمدية، كما أفهمها، جاءت لتكسر هذه القاعدة، لا لتكررها.

وقد تناول القرآن هذا المفهوم من زاوية أخرى حين تحدث عن الإيلاف في سورة قريش. وفي قراءتي السابقة، فإن الإيلاف لا يقتصر على رحلات التجارة، بل يعبر عن بناء منظومة من الاتفاقات الاقتصادية والسياسية التي تحقق الأمن والازدهار من خلال التعاون لا الهيمنة.

وهذا ما أدركه العالم بعد الحربين العالميتين. فقد أثبتت الحروب القائمة على القومية والعرق أنها تقود إلى الدمار الشامل، فاتجهت الدول إلى بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية، والتحالفات الدولية، والاتفاقيات التي تجعل المصالح المشتركة أساسًا للاستقرار.

بينما بقي الشرق الأوسط، إلى حد كبير، أسير مشاريع الهوية المغلقة؛ فتنافست القومية العربية، والحركات الإسلامية، والمشاريع المذهبية، وكل منها رأى نفسه الممثل الوحيد للحقيقة.

ورأينا كيف تحولت شعارات النهضة والوحدة والخلافة إلى صراعات داخلية، دفعت الشعوب العربية ثمنها دمًا ودمارًا وتأخرًا اقتصاديًا.

ولا يعني هذا إنكار إخلاص كثير من المنتسبين إلى تلك الحركات أو دوافعهم، لكنه يميز بين النوايا والنتائج؛ فالتجارب التاريخية أظهرت أن تحويل الدين إلى برنامج حزبي أو أداة للوصول إلى السلطة كثيرًا ما أدى إلى الاستقطاب والانقسام، بدلًا من تحقيق الوحدة التي سعت إليها تلك الحركات.

إن الدولة التي بشّر بها القرآن، كما أفهمها، ليست “دولة إسلامية” بالمعنى الذي شاع في الأدبيات السياسية الحديثة، بل دولة تقوم على قيم الإسلام: العدل، والحرية، والرحمة، وحفظ الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، واحترام التعدد.

ولهذا فإن الانتماء الحقيقي للدولة لا ينبغي أن يكون للدين أو العرق، وإنما للعقد الذي يجمع المواطنين جميعًا.

فالدولة ليست عقيدة، بل إطار ينظم حياة الناس.

أما العقيدة، فهي علاقة الإنسان بربه، لا يجوز أن تتحول إلى معيار للمواطنة أو أداة للإقصاء.

إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى إحياء نماذج الصراع القديمة، بل إلى استعادة جوهر الرسالة المحمدية؛ رسالة الإنسان، ورسالة المدينة، ورسالة السلام.

فالسلام ليس هدنة بين الحروب، بل هو النظام الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يختلف مع غيره دون أن يحوله إلى عدو.

وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح الإسلام رسالة عالمية تستوعب الجميع، لا مشروعًا سياسيًا يتصارع مع الآخرين.

وهنا، في تقديري، يكمن الفرق الجوهري بين الإسلام بوصفه منظومة قيم إنسانية، والإسلام السياسي بوصفه توظيفًا للدين في خدمة السلطة. وكلما اقتربنا من الأول، اقتربنا من روح القرآن، وكلما غلب الثاني، ابتعدنا عن المقصد الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ لبناء مجتمع يسوده السلم والعدل والكرامة الإنسانية.

اتمنى أن تكون التعليقات في روح التعددية واحترام المختلف وليس بما لا يليق بأخلاق معلمنا ونبينا محمد صلوات ربي عليه

***

وائل كريم

 

لم يأتِ الإسلام بنظرية سياسية كما يزعم دعاة تسييس الدين، وإنما جاء برسالة إيمانية وأخلاقية واجتماعية، حيث انحصرت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الوحي والرسالة، ولم تكن دعوته لتأسيس نظام سياسي بعينه، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. ومن ثم فإن القرآن الكريم، على كثرة ما فصّل في شؤون العبادات والمعاملات وأخلاق التعامل مع الناس، خلا من نص يفرض شكل الخلافة، أو يرسم بناءً سياسياً ملزماً للمسلمين على مر العصور. وانطلاقاً من ذلك، لم تكن الخلافة أصلاً من أصول الدين، وإنما نشأت باعتبارها اجتهاداً سياسياً مصلحياً لإدارة شؤون الاجتماع البشري آنذاك، ويؤكد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن تسمية خليفة من بعده، ولو كانت الخلافة فريضة شرعية ملزمة، لما ترك أمرها عرضة للاجتهاد.

لقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم القضاء، وإدارة الجيوش، وتنظيم شؤون المجتمع، وما كانت تصرفاته في كثير من الأحيان تشريعاً دينياً ذا صبغة مقدسة، وإنما تدابير دنيوية اقتضتها المصلحة، صدرت عنه كونه مسؤولاً عن تجمع بشري ناشئ يدير شؤونه وفق ظروف عصره.

لقد أدرك الصحابة هذا المعنى، فجاء حكمهم مدنياً قائماً على تدبير شؤون المجتمع وفق ما تقتضيه المصلحة، ولم يعدّوه قضية عقدية. وكانوا يميزون بين ما يصدر عن الرسول وحياً ملزماً، وبين ما يصدر عنه اجتهاداً دنيوياً، حتى كانوا يسألونه في بعض الوقائع: «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟».

لقد شهد التاريخ نماذج متعددة لتديين السياسة، فظهرت ميثولوجيا الإمامة عند بعض الشيعة، التي رفعت الإمامة إلى مرتبة الأصل الديني، كما برزت الحاكمية عند الخوارج، واتخذت من السلطة قضية عقدية. وأسهم ذلك في نشوء مفهوم «السياسة الشرعية»، وهو بناء بشري متأثر بالفكر الفارسي، ثم أُضفيت عليه لاحقاً صبغة شرعية، حتى بدا وكأنه جزء من التشريع، مع أنه منتج تاريخي لا يمتُ لنصوص الوحي بصلة.

وفي العصر الحديث، عاد تديين السياسة في صورة أكثر أيديولوجية مع نظرية «الحاكمية» لدى جماعات الإسلام السياسي، و«ولاية الفقيه» عند بعض الشيعة، حيث عملت هذه التيارات على أسطرة التاريخ، وحولت الخلافة من تجربة تاريخية بشرية إلى عقيدة، ومنحتها كمالاً وقداسة وصورتها نظاماً معصوماً عن الخطأ، لا تقوم قائمة للإسلام إلا بقيامه. ولترسيخ هذا التصور، اعتمدت على أحاديث تتنبأ بعودة الخلافة على منهاج النبوة، وهي أحاديث واهية، واتخذتها وسيلة لإقناع الناس بأن إعادة الخلافة وعد شرعي محتوم.

أدى ذلك إلى رفع شعارات «الإسلام دين ودولة» و«الإسلام هو الحل» و«الحاكمية»، وهي شعارات زائفة أُريد بها إضفاء القداسة الدينية على مشاريعهم التخريبية.

وحوالي منتصف القرن العشرين، استحدث المودودي مفهوم الحاكمية، وجعلها أصلاً من أصول الإيمان. وسيد قطب، وسّع هذا التصور حتى أصبحت الحاكمية قسماً رابعاً من أقسام التوحيد، معتبراً أن الله هو الحاكم والمالك الوحيد للكون، وأن أي تشريع بشري هو منازعة لله في ملكه.

غير أن المتأمل في لفظ «الحكم» في القرآن، وفي اللغة العربية، يجد أنه دار على معنى القضاء والفصل بين الخصومات، أو العلم والحكمة، ولم يأتِ قط بمعنى السلطة السياسية. فالقرآن يقول في يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾، بينما هو ما كان صاحب دولة ولا سلطان، إنما المقصود آتاه الحكمة والعلم، الأمر الذي يؤكد أن الحاكمية بالمعنى الأيديولوجي تأويل مستحدث لتشويه الدلالة القرآنية.

إنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فقد نزل في سياق القضاء عند أهل الكتاب، وبخاصة بني إسرائيل، فجاءت الآية تعالج تلك الواقعة، ولم تُنزَّل لتأسيس حاكمية، ولا لجعل الحدود والعقوبات الواردة في ذلك العصر غايةً في ذاتها، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصدها، وفي مقدمتها الزجر، فتتحقق هذه المقاصد بما يحقق الزجر، دون الوقوف عند صورة تاريخية جامدة.

وعلى الرغم من أن الإسلام لم يأتِ بنظرية سياسية، فإنه أرسى من المبادئ ما يكفل انتظام المجتمع واستقرار الدولة، فدعا إلى السلم، والوفاء بالعهد، وتعزيز الانتماء إلى الوطن، والدفاع عنه، وطاعة ولي الأمر صيانةً للنظام العام ودرءاً للفوضى. لذا تبقى الدولة باعتبارها المجال التدبيري لإدارة الشأن العام ميداناً للاجتهاد والتنمية، ويظل الدين مرجعاً للقيم والمقاصد.

***

د. خليفة مبارك الظاهري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026

 

لنتوقف عن المجاملات الدبلوماسية. جماعة «الإخوان» ليست حزباً سياسياً، ولا حركة مدنية، ولا صوتاً يمثّل المسلمين في أي مكان على وجه الأرض. هي آلة أيديولوجية عمرها قرن من الزمن، بُنيت لغرض واحد لا غير: الاستيلاء على السُّلطة بالعنف والتخريب وتدمير كل مجتمع كان ساذجاً بما يكفي ليسمح لها بالعمل بحرية. مكانها خلف القضبان، لا خلف المنابر. أسّسها حسن البنّا في مصر عام 1928، وأمضت ما يقارب المئة عام تتقن فن التمويه السياسي. تلبس البذلات حين يلزمها، وترفع ورقة الاقتراع حين تحتاج، وتتحدث عن الخير والمجتمع أمام الكاميرات. لكن ما إنْ تكشف الغطاء حتى تجد منظمةً يَقْطُر حمضها الأيديولوجي دماً. البنا لم يبنِ نادياً اجتماعياً، بل بنى طليعة ثورية. وجاء بعده سيد قطب، ليذهب أبعد من ذلك، مُعلناً أن المجتمع الحديث كله في حالة جاهلية، وداعياً إلى ثورة عنيفة لإسقاطه. تلك الأيديولوجيا لم تَمُتْ بإعدام قطب عام 1966. انتشرت. تمدّدت. وأنجبت كل حركة إرهابية إسلاموية كبرى خلال نصف القرن الأخير.

لنسمّي الأشياء بأسمائها. أسامة بن لادن، الرجل الذي أوقع آلاف القتلى في صباح سبتمبر ذاك، تشكَّل فكره على تعاليم «الإخوان» وتحرّك في دوائرهم. أيمن الظواهري، المهندس الأيديولوجي لتنظيم «القاعدة»، خرج مباشرة من رحم بيئة «الإخوان» في مصر. وحركة «حماس» التي تحتفل بالذبح الجماعي باعتباره واجباً دينياً، هي إحدى ميليشيات جماعة «الإخوان». العلاقة بالإرهاب ليست علاقة هامشية عابرة، بل هي العلاقة الأم.

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ارتبط اسم هذه الجماعة باغتيالات وأعمال شغب وتفجيرات وزعزعة استقرار الحكومات من القاهرة إلى دمشق إلى عمّان. اغتالت رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عام 1948. وأمضت عقوداً تتآمر ضد ناصر والسادات، الذي اغتيل لاحقاً على يد رجال تشرّبوا أيديولوجيتها، وضد كل حكومة عربية رفضت تسليمها السلطة. هذا ليس سلسلة حوادث متفرقة. هذا نمط. نمط متعمّد ومتواصل وممتد عبر الأجيال، يُلبس العنف السياسي ثوب الفريضة الدينية.

وهنا يجب أن نواجه الحكومات الغربية بفشلها الذريع. في لندن وبروكسل وواشنطن وأوتاوا، رُحّب بالمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان» في مشاورات الحكومات، وموّلت من أموال دافعي الضرائب، ومُنحت منابر في الجامعات، وقُدّمت باعتبارها الصوت الحقيقي للمجتمعات المسلمة. وهي ليست كذلك بأي حال. هم مشغّلون سياسيون يستغّلون الهوية الإسلامية للترويج لأجندة شمولية لا يريد لها الغالبية العظمى من المسلمين العاديين أي وجود. «الإخوان» لا يمثّلون المسلمين، بل يفترسونهم.

هذا التمييز بالغ الأهمية. الإسلام السياسي بصيغته «الإخوانية»، أيديولوجيا قطب والبنّا التي تُقسم البشرية كلها إلى مؤمنين وأعداء، ليس إسلاماً. هو مشروع سياسي يرتدي الدين زياً عسكرياً. مئات الملايين من المسلمين المتدينين حول العالم يعيشون بسلام، يحبّون أوطانهم، يرفضون الثيوقراطية، ويمقتون ما فعله «الإخوان» بسمعة دينهم. هؤلاء هم مَن يعانون أكثر من سواهم حين يتمركز «الإخوان» في حيّ أو مسجد أو مدرسة. هم المجتمع الذي يحتاج إلى الحماية من هذه الجماعة، لا إلى محاضرات من الليبراليين الغربيين عن شرعيتها المزعومة.

يُجيد أنصار «الإخوان» في الغرب صراخ «إسلاموفوبيا» في كل مرة يتجرأ أحد على فحص أيديولوجيتهم. هذا تكتيك، ليس حجة. انتقاد جماعة «الإخوان» ليس أكثر عداءً للمسلمين من انتقاد الجيش «الجمهوري» الإيرلندي للإيرلنديين. هذه منظمات سياسية تخضع للرقابة السياسية، والاختباء خلف الهوية الدينية لصرف المساءلة، خدعةٌ نجحت طويلاً أكثر مما ينبغي.

دول عدة أدركت هذه الحقيقة. روسيا ومصر ودولة الإمارات والسعودية وغيرها صنّفت «الإخوان» منظمة إرهابية. المملكة المتحدة تتراقص حول التصنيف الكامل منذ سنوات، وهو موقف يعكس جُبناً سياسياً لا تفسير له. أما الولايات المتحدة فقد تقدّمت ولايتا تكساس وفلوريدا على الحكومة الفيدرالية بتصنيف الجماعة وشبكاتها المرتبطة بها على المستوى المحلي. خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تطرح فوراً سؤالاً ملحّاً رفضت أوتاوا الإجابة عنه حتى الآن: ماذا يحدث للمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان»، التي تعمل بحرية عبر الحدود الكندية؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى. كندا ستتحول إلى الثغرة، إلى الفناء الخلفي الذي تُمرر منه شبكات «الإخوان» عملياتها وتمويلها وحملات نفوذها هرباً من الحظر الأميركي. فروع «الإخوان» في كندا يجب أن تُصنَّف وتُفكَّك، وإلا فإن الإجراءات الأميركية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.

التردد على ضفتي الأطلسي ليس مبدئياً، بل هو جبن مكشوف. المجتمعات المسلمة في كندا تستحق الحماية ذاتها التي تحظى بها في فلوريدا وتكساس. السماح لـ«الإخوان» باستخدام الأراضي الكندية ملاذاً آمناً ليس تسامحاً، بل تخلٍّ عن مسؤولية الدولة في حماية أمنها ومواطنيها.

مئة عام للإخوان. مئة عام من العنف والتخريب والتطرف والمعاناة. مئة عام من الديمقراطيات المحطمة والمصلحين المغتالين والمجتمعات المحتجزة رهينةً لأيديولوجيا تكره الحرية وتكره التعددية وتكره كل من يخالفها.

صنّفوها. احظروها. لاحقوا شبكاتها. وتوقّفوا عن التظاهر بأن منظمة بهذا التاريخ وهذه الأيديولوجيا وهذه الطموحات تستحق مقعداً على أي طاولة ديمقراطية.

***

محمد التوحيدي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 يونيو 2026 22:54

 

نقف في هذه الفسحة الثقافية عند إشكال فلسفي معاصر يتمثل في التساؤل عن مصير الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي: هل سيظل الإنسان مركز العالم التقني الجديد، أم سيتحول تدريجياً إلى مجرد عنصر داخل منظومة تقنية شاملة؟ وهل يستطيع الحفاظ على حريته وكرامته ومسؤوليته الأخلاقية في ظل التطور المتسارع للأنظمة الذكية؟

لمعاينة هذا الإشكال نستأنس بتحليل مفهوم التقنية عند الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، الذي رأى أن التقنية ليست مجرد أدوات وآلات، بل طريقة خاصة في فهم العالم والكشف عن الموجودات. فالتقنية الحديثة تجعل الإنسان ينظر إلى الطبيعة والأشياء، بل وإلى الإنسان نفسه، بوصفها موارد قابلة للحساب والاستغلال والإنتاج. ومن هذا المنظور اعتبر هيدغر أن التقنية الحديثة تمثل اكتمال الميتافيزيقا الغربية التي استبدلت سؤال «ما الوجود؟» بسؤال«كيف نسيطر على الموجودات ونستثمرها؟»

وفي ضوء هذا التحليل، يمكن فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه التعبير الأكثر تقدماً عن المنطق التقني المعاصر. فالذكاء الاصطناعي يتعامل مع العالم من خلال البيانات والمعطيات القابلة للقياس والتنبؤ، حيث تتحوّل اللغة والصور والسلوك الإنساني إلى معلومات رقمية قابلة للمعالجة الحسابية. ومن هنا لا تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدراته التّقنية فحسب، بل في تأثيره العميق في طريقة فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.

لكن ما أبرز التحديات الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، لعل أول تحدّ هو «التحيز الخوارزمي» الذي قد يعيد إنتاج أشكال الظلم والتمييز، وكذا «فجوة المسؤولية» المتعلقة بتحديد الجهة المسؤولة عن أخطاء الأنظمة الذكية، وكذا «مشكلة الشفافية الخوارزمية» أو ما يعرف بـ«الصندوق الأسود»، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بمستقبل الإنسان في ظل مشاريع ما أصبح يسمى بـ«الإنسان المعزّز» وتداخل البيولوجي بالرقمي.

فما العمل أمام هذه التحديات وأضرابها؟ وهل لا تزال الفلسفة قادرة على تقديم إطار أخلاقي يوجّه التطور التقني؟ يمكن الوقوف هاهنا عند أربع قيم أساسية يمكنها أن تؤطر الذكاء الاصطناعي: الكرامة الإنسانية، والمسؤولية الأخلاقية، والحرية، والسعادة. فالكرامة تقتضي ألا يُختزل الإنسان إلى مجرد بيانات أو أداة إنتاج، والمسؤولية تؤكد أن القرار الأخلاقي يظل مسؤولية بشرية مهما بلغت الآلة من التعقيد، والحرية تقتضي حماية استقلالية الإنسان من هيمنة الخوارزميات، أما السعادة فتذكرنا بأن جودة الحياة لا تختزل في الكفاءة التقنية، بل تشمل المعنى والإبداع والعلاقات الإنسانية.

ويمكن أن نستحضر ها هنا تراثنا الفلسفي الإنساني والإسلامي لبيان دوره الممكن في بناء ذكاء اصطناعي إنساني. فالفارابي مثلاً جعل غاية الاجتماع الإنساني تحقيق السعادة المشتركة، أما ابن سينا فربط كرامة الإنسان بالعقل والمعرفة، بينما أكد ابن رشد أن الحكمة غاية النظر العقلي والعمل الأخلاقي. وتقدم هذه التصورات رصيداً فكرياً يمكن أن يسهم في توجيه التقنية نحو خدمة الإنسان لا الهيمنة عليه.

وأخيراً، فإننا فإن هيدغر لا يرفض التقنية في ذاتها، ولا يدعو إلى تدمير الآلات. إنما يحذر من شيء أعمق: أن نعتقد أن الطريقة التقنية في رؤية العالم هي الطريقة الوحيدة الممكنة. فإذا أصبح كل شيء قابلاً للقياس، وقابلاً للحساب، وقابلاً للتنبؤ، فإننا نفقد أبعاداً أخرى من الوجود مثل: الجمال، والشعر، والحب، والحكمة، والتجربة الروحية، والتأمل الفلسفي. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ازدياد ذكاء الآلات، بل في قدرة الإنسان على توجيه هذا الذكاء وفق قيم الحرية والعدالة والكرامة والخير العام. فمستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل سيحدده أيضاً نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه، ونوع العالم الذي نريد أن نبنيه للأجيال القادمة.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم 25 يونيو 2026 23:30

نظرة سريعة إلى الحضارة المعاصرة وملامحها تكشف لنا أن العرب بوجه عام يعانون تأخرا فى كثير من المجالات. والعرب يعترفون بذلك. لكن يلاحظ المفكر المغربى عبدالله العروى أن العرب يعترفون بأن هناك تأخرا اقتصاديا واجتماعيا وكذلك عسكريا لكنهم لا يقبلون بسهولة فكرة التأخر الثقافى، ويعترفون ببعض مظاهر التخلف الاجتماعى أو الاقتصادى أو السياسى لكنهم يرفضون كلمة التخلف بصدد الثقافة.

فى الواقع توجد مؤشرات موضوعية قابلة للقياس للحكم على مدى التأخر الثقافى مثل مستوى التعليم ونسبة الأمية ومعدلات القراءة والترجمة. ولكن النقص فى كل هذا يمكن أيضا رده إلى عوامل مادية مثل نقص الموارد وقلة التمويل. وهكذا نجد أنفسنا نعود لنرصد التأخر فى ميدان الاقتصاد وليس فى الثقافة نفسها. ولكن لو تصورنا أن الحكومة قامت بمضاعفة ميزانية التعليم وقامت بزيادة الإنفاق على الأعمال الثقافية فلن يكون هذا بمثابة ضمان لنهاية التأخر الثقافى. لماذا؟ لأن هناك معوقات ذات طبيعة فكرية موجودة داخل الثقافة نفسها تؤدى دائما إلى التأخر الثقافي. والإنفاق المادى ليس هو الكفيل بإزاحتها. هذه العوائق الأيديولوجية كثيرة، منها نوعية المعرفة السائدة ومناهج التفسير ورؤية العالم والوعى التاريخى ومقولات التحليل.

ومن أبرز هذه المعوقات الدعوة إلى الاكتفاء الفكرى بالتراث بزعم أن تراثنا يحتوى على كنوز ولكننا لا نلتفت إليها. وقد يكون ذلك صحيحا إلا أن هذه الكنوز قد نهيل عليها التراب لأنها وافدة على تراثنا من الخارج مثل الفلسفة. أما العلوم مثل الكيمياء عند جابر بن حيان والرياضيات عند الطوسى والبصريات عند ابن الهيثم فإننا حتى لو رددنا لها الاعتبار فنحن لا نستطيع الآن الاكتفاء بها والانطلاق منها وتجاهل التقدم الهائل الذى حققته هذه العلوم فى عصرنا.

نزعة الاكتفاء بالتراث أدت إلى أن يشيع فى الأوساط الثقافية استهجان تبنى المواطنين العرب التيارات الفكرية المعاصرة مثل الليبرالية والماركسية والوجودية. هذا الاستهجان لا وجود له فى مسارات النهضة فى ثقافات أخرى مثل اليابان أو الهند أو الصين. لو أراد المواطن العربى المعاصر تبنى العقلانية فى التفكير، أو العلمانية فى السياسة، أو النزعة الثورية فى حل المشكلات الاجتماعية فليس عليه، من وجهة نظر أنصار الاكتفاء بالتراث، إذا أراد أن يكون مخلصا لتراثنا إلا أن يكون معتزليا وحتى هذا لا يمر دون تنديد.

المنفتحون من أنصار التراث يقبلون أن يكون المرء منحازا لحقوق الطبقات الشعبية أو مناديا بحقوق المرأة لكنهم يفرضون عليه الانطلاق من مرجعية واحدة هى المرجعية الدينية دون أى إحالة لحركات فكرية موجودة فى ثقافات أخرى. هذا الإصرار على المرجعية الأحادية والتى تكون بالضرورة دينية يؤدى دائما إلى نتائج سلبية. على سبيل المثال من المعروف أن الاستمرار فى تزييف الممارسة الديمقراطية فى جميع المجتمعات يزيد من ميل الكثيرين إلى الامتناع عن المشاركة فى هذه التمثيلية العبثية. ولحث المواطنين على المشاركة فى الانتخابات يصور البعض فتاوى بأن من يمتنع عن المشاركة يحمل ذنب كاتم الشهادة، فانبرت جماعات أخرى فى مساجد مناوئة لاتهام المشاركين بأنهم يحملون ذنب دعم الدولة الكافرة وعرقلة عملية تأسيس دولة الخلافة. وهكذا أدى الانطلاق من المرجعية الدينية إلى اختطاف الجدل السياسى من مجال ممارسة الحقوق والبحث العقلانى عن الممارسات الأكثر ملاءمة لمصلحة الشعب إلى الزج به فى جدل فقهى لاهوتى مشغول بالبحث عن الحلال والحرام.

حسن النية فى استخدام المرجعية الدينية فى تناول قضية سياسية قد يكون دافعه الفاعلية أو المصلحة العامة أو تبنى لغة يفهمها الجمهور. ولكن النتيجة فى النهاية تكون تكريسا لابتلاع التناول الدينى لكل مظاهر الحياة. استحكام هذا التزمت جعل المثقفين اليساريين والعلمانيين، كى يجدوا حلا لأزماتنا المزمنة، يرفعون شعار فتح باب الاجتهاد. وهو ما يعنى أن نظل فى انتظار رجال دين مستنيرين يصدرون فتاوى تسمح لنا بالذهاب إلى المسرح وإقامة التماثيل والسماع للموسيقى وزيارة المتاحف. وهذا فضلا عن تكريسه شمولية الدين وتحكمه فى جميع المجالات، يجعلنا، من منظور الفيلسوف كانط فى تحديده لمعنى التنوير، لم نبلغ سن الرشد بعد لأننا مازلنا نبحث عن أوصياء ولا نجرؤ على استخدام عقولنا بحرية.

كان المفكرون العرب الليبراليون فى موقف حرج بسبب الحضور الاستعمارى القاهر. نداؤهم بتبنى الحداثة الغربية نُظر إليه على أنه خضوع للاستعمار، أما موقف المثقفين التقليديين لم يكن أقل حرجا لأن اكتفاءهم بالتراث ورفضهم المعارف الغربية نُظر إليه على أنه رفض للحداثة بل وحتى تدعيم لاستمرار الاستبداد والركود التاريخي. ومازلنا فى هذا المكان لا نبرحه.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الأهرام المصرية، يوم: الثلاثاء 8 من محرم 1448 هــ 23 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50968

المذهب في أصله ليس مرضاً، بل إنه يُصبح لدى البعض إطاراً تفسيرياً للوجود. وهو بنية فكرية تمنح الإنسان هوية، وتوفِّر له معنى، وتنظِّم سلوكه ضمن جماعة. عبر التاريخ، كانت المذاهب مدارس فقهية وفلسفية ومنهجيات القراءة للنصوص، لا مستشفيات نفسية. لكن المشكلة لا تبدأ في الانتماء لمذهب ما، بل في تحوّل هذا الانتماء إلى بنية ذهنية مغلقة.

هنا يتبدل الدور من هوية إلى قيد إدراكي، ومن انتماء إلى تعصب. ما شدّني في الأحداث الأخيرة في المنطقة ليس عدد الصواريخ والمسيرات والحشود العسكرية وتحوّلات العقائد العسكرية بين ليلة وضحاها، لكون الأمر لا يُعد مفاجأة للقارئ المطّلع بالدولة العميقة في الدول الثيوقراطية، ولكن ما لفت انتباهي هو ردود بعض سكان العالم العربي والإسلامي، والدعوة إلى هلاك شعوب الدول العربية والمسلمة التي تتعرض لعدوان سافر استباح حرمة حسن الجوار والدين الواحد، فما الذي يقف خلف مصدر الحقد والغضب غير المبرر تحت كل المقاييس والمعايير الإنسانية والدينية؟

وهنا تحديداً لا بدّ من الحديث عن علم النفس المعرفي الذي يميز بين الاعتقاد العام والاعتقاد المندمج بالذات. عندما يُصبح المذهب أو الأيديولوجية أو التجمهر الشعوري جزءاً من تعريف الشخص لذاته بالكامل، فإن أي نقد له يفسر كتهديد وجودي. كما تبيّن بعض الدراسات في نظرية الهوية الاجتماعية (Tajfel & Turner) أن الأفراد يميلون إلى تعظيم جماعتهم وتقليل قيمة الجماعات الأخرى للحفاظ على تقدير الذات. وفي الظروف الطبيعية، يبقى هذا الميل ضمن حدود التنافس الرمزي، لكن في البيئات المشحونة سياسياً أو اقتصادياً، يمكن أن يتحول إلى آلية دفاع عدوانية.

أما التحول المرضي فيبدأ عند ثلاث نقاط مفصلية: أولاً: إغلاق الدائرة المعرفية، وهو عندما يتوقف الفرد عن استقبال أي معلومة خارج منظومته، ويعتمد فقط على مصادر تؤكد معتقده، ويدخل فيما يسميه علماء النفس التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهنا لا يعود الهدف البحث عن الحقيقة، بل البحث عما يدعم الرواية السابقة. ومع الزمن، تتصلب البنية الإدراكية، بحيث تصبح غير قابلة للتعديل حتى أمام الأدلة القاطعة. ثانياً: شيطنة الآخر.

ففي الدراسات المتعلِّقة بالتطرف، وُجد أن نزع الإنسانية عن الطرف المقابل (Dehumanization) يمثّل مرحلة متقدمة من الاستقطاب. وعندما يتحول المختلف مذهبياً من خصم فكري إلى تهديد وجودي أو عدو أخلاقي، تبدأ اللغة بالتغير: من الحوار إلى الاتهام، ومن النقاش إلى التخوين. هذه النقلة ليست لاهوتية، بل نفسية، إنها آلية دفاعية ضد القلق الداخلي والانتماء للمجموعة.

ثالثاً: الاندماج الكُلِّي بين العقيدة والسلوك العدواني. في هذه المرحلة، لا يصبح المذهب مجرد رأي، بل تفويضاً أخلاقياً لأي سلوك دفاعي أو هجومي. هنا يدخل ما يسميه علماء النفس الاجتماعي الاستعلاء الأخلاقي (Moral Superiority Complex)، حيث يرى الفرد أن معاييره مطلقة، وأنه يمثّل الخير في صورته النهائية. لكن هل هذا مرض عقلي بالمعنى الطبي؟ الجواب: في الغالب لا. معظم حالات التعصب لا ترقى إلى اضطرابات نفسية سريرية مثل الذهان أو الوسواس القهري. إنها أقرب إلى نمط تفكير جامد يتعزّز عبر البيئة الاجتماعية والتعليمية والإعلامية.

ومع ذلك، في حالات نادرة، يمكن أن يتقاطع التعصب مع اضطرابات قائمة، مثل اضطراب الشخصية البارانويّة، حيث يفسّر الفرد الأحداث دائماً كتهديد موجه ضده وضد جماعته. البيئات المنغلقة تُزيد من احتمالية هذا التحول. عندما يُحرم الفرد من التنوع الفكري، أو يعيش في سياق سياسي يستخدم المذهب والرأي السائد في الدائرة التي يعيش فيها الإنسان وسيلة تبسيط للعالم المعقد. فالدماغ يميل بطبيعته إلى تقليل الغموض، والتعصب يوفر إجابات سريعة ومريحة، حتى وإن كانت اختزالية. العامل الأخطر اليوم هو الفضاء الرقمي. فالخوارزميات تُنشئ غُرف صدى، حيث يتعرض الفرد مراراً وتكراراً لنفس الأفكار، فيتوهم أنها تُمثّل الحقيقة الكاملة.

ومع غياب الاحتكاك المباشر بالآخر المختلف، تتضخم الصورة الذهنية السلبية دون اختبار واقعي. الحل لا يكون بمحاربة المذهب، بل بفصل الانتماء المذهبي عن الهوية المطلقة. المجتمعات التي تنجح في ذلك تعتمد على ثلاثة أعمدة: تعليم نقدي، مساحة حوار مفتوحة، ونموذج دولة يضمن الحقوق دون تمييز مذهبي.

الدراسات في علم النفس الإيجابي تشير إلى أن الأفراد الذين يمتلكون هوية متعددة الأبعاد (وطنية، مهنية، إنسانية) أقل عُرضة للانغلاق الهوياتي. إذاً المذهب أو الانتماء لمجموعة تُشبهنا ليس مرضاً، لكن تحوّله إلى عدسة وحيدة لرؤية العالم قد يُنتج سلوكاً يشبه المرض في آثاره الاجتماعية. الفرق بين الانتماء المذهبي الصحي والانغلاق المرضي ليس في النصوص، بل في طريقة قراءة النصوص والأحداث. وبينما يوفر المذهب معنى، فإن العقل المفتوح وحده يمنع هذا المعنى من التحول إلى قيد.

***

سالم سالمين النعيمي - كاتب وباحث إماراتي

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 22 يونيو 2026 23:18.

 

ليست أخطر الأزمات التي تعصف بالمجتمعات تلك التي تنشأ من اختلاف المصالح، فالمصالح قابلة للمراجعة والتفاوض والتسوية، وإنما الأخطر أن تتحوّل الانتماءات إلى ساحات صراع، وأن تنتقل الهوية من معناها الهادئ بوصفها وعياً بالذات، إلى معناها المتوتر بوصفها أداةَ تعبئة وفرز وخصومة. حينئذ لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي أو الموقف، بل يصبح مساساً بصورة الجماعة عن نفسها، وتهديداً رمزياً لما تعدّه جوهرَ كيانها وكرامتها.

 في أصلها، ليست الهوية مشكلة، بل حاجة إنسانية عميقة. فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني التي تمنح وجوده اتجاهاً وذاكرة وانتماء. غير أن هذه الحاجة النبيلة قد تنقلب إلى مصدر اضطراب عندما تفقد ميزانها الأخلاقي، فتتحول من فضاء للتعارف إلى أداة للتمايز الحاد، ومن رابطة للثقة إلى آلية للإقصاء، ومن شعور مشروع بالانتماء إلى نزعة متوترة لا تطمئن إلى ذاتها إلا بنفي غيرها.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الإنسان لا يطلب الانتماء فقط، بل يطلب من خلاله الاعتراف والتقدير والحماية الرمزية. فإذا ضعفت ثقافة الحوار، وارتفع منسوب الخوف أو الإحباط أو الغضب، صار الانتماء قابلاً لأن يتحول إلى عصبية. عندها لا تعود الجماعة إطاراً للاطمئنان، بل تتحول إلى مرآة متضخمة يرى فيها الفرد ذاته في صورة جمعية متفوقة، ويبدأ النظر إلى المخالف بوصفه خصماً يهدد المعنى والكرامة.

وقد زاد الفضاء الرقمي هذه الظاهرة سرعة وحدة. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تنقل الآراء كما هي، بل تعيد تشكيل الانفعالات وتضخيمها، وتمنح الأفراد شعوراً فورياً بالاندماج في جماعات غاضبة أو محتشدة أو متحفّزة. ومع تكرار التفاعل داخل الدوائر المغلقة، تتكوّن قناعات صلبة، وتضعف القدرة على الإصغاء، ويصبح الرأي المخالف استفزازاً لا فكرة، وخيانة لا اجتهاداً، وعدواناً لا اختلافاً.

وقد كشفت بعض الأحداث العربية المعاصرة عن هذا التحوّل بوضوح، ففي مناسبات رياضية كبرى، خرج التشجيع أحياناً من مجاله الطبيعي بوصفه تعبيراً عن الفرح والتنافس، ليتحوّل إلى معارك رمزية تستدعي التاريخ والجغرافيا واللغة والرموز الثقافية، وكأن المباراة لم تعُد بين فريقين، بل بين ذاكرتين وطنيتين. وفي أزمات سياسية وأمنية، ظهر الأمر بصورة أشد خطورة، حين انقسمت المنصات إلى معسكرات تتبادل الاتهام والتخوين، ويمنح بعضها لنفسه حق توزيع الوطنية ونزعها، بدل الاحتكام إلى منطق الدولة وحكمة المصلحة العامة. ومن منظور علم الاجتماع، لا تكمن العلة في تعدد الهويات، فالتعدد من سنن الاجتماع الإنساني ومن مصادر غنى المجتمعات. الإنسان ابن وطن، ولسان، وثقافة، وذاكرة، وأسرة، وتجربة، ومحيط. غير أن الخلل يبدأ حين يبتلع انتماء واحد سائر الانتماءات، أو حين يُرفع إلى مرتبة الحقيقة الوحيدة، فيتحول من عنصر في بناء الشخصية إلى أداة لاحتكار الشرعية والمعنى والوطنية. ومن هنا تبرز قيمة الدولة الوطنية الجامعة، لا بوصفها خصماً للهويات أو نفياً للخصوصيات، بل بوصفها الإطار العاقل الذي يحمي الانتماءات من الانفلات، ويمنع تحولها إلى قبائل رقمية متخاصمة. فالمواطنة ليست إلغاءً للفوارق، وإنما تهذيب لها داخل مشترك أعلى، تحفظ للناس حقهم في الاختلاف، وتمنع في الوقت ذاته تحويل هذا الاختلاف إلى تخوين أو استعلاء أو كراهية.

إن المجتمعات الرشيدة لا تنتصر بإلغاء التنوع، بل بحسن تنظيمه، وكلما اتسع المشترك الوطني والإنساني، تراجعت قابلية الهويات للتحول إلى أدوات صراع. وكلما ضعفت الروابط الجامعة، ازداد ميل الأفراد إلى الاحتماء بالهويات الضيقة بحثاً عن الأمن النفسي والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن التحدي الحقيقي في زمن المنصات ليس إدارة الاختلاف وحده، بل إدارة الانفعال الذي يرافقه، فالكلمة الرقمية لا تبقى كلمة عابرة، بل قد تصنع صورة ذهنية، أو تبني ولاءً، أو تؤسس خصومة طويلة الأمد.

إن الهوية تبلغ نضجها حين تمنح صاحبها ثقة لا غروراً، واعتزازاً لا احتقاراً، وانتماءً لا عداءً، وجسراً للمعنى لا متراساً للصدام، وفضاءً للتعارف لا ساحةً للخصام.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 16 يونيو 2026 23:01

 

عندما توفي المفكر الفرنسي البارز إدغار موران قبل نحو أسبوعين من الآن عن عمرٍ ناهز المئة، كتَب كثيرون من أوروبا والعالم العربي عن نهاية حقبة المثقف المؤثّر. بل إنّ الدكتور السيد ولد أباه كتب هنا في صحيفة «الاتحاد» (الاثنين 8 يونيو 2026) عن «نهاية المثقف»، وهو يقصد أنّ القرن العشرين مرَّ بمرحلتين: مطالع القرن في الثقافة العلمانية ونهوض العلوم الإنسانية المتناكفة مع الدين، ثم في خمسينياته وستينياته عندما ظهر المثقف الإنتلجنسي، وهو الذي يمتلك عقليةً نضالية ومقولاتٍ تغييرية راديكالية ويقود الشباب في الشارع للتغيير الاجتماعي والسياسي على أساس الرفض والقطيعة مع الماضي، أو ما صار يُعرف بـ«اليسار الجديد». وقد تجلّى ذلك في عام 1968 عندما هزّت حشودُ الطلاب الشوارعَ في أميركا وأوروبا يقودهم جان بول سارتر ومفكرو مدرسة فرانكفورت. ومع أن فوكو ما كان يحب حركات سارتر العشوائية، فإنه - مثْله مثل جاستون باشلار - كان يريد قطيعةً مع الماضيين القريب والبعيد. وقد بلغ من راديكالية مطالب التغيير أنه صار يقال: أن تكون مع سارتر المخطئ خيرٌ من أن تكون مع ريمون آرون المصيب! وآرون مثقفٌ فرنسيٌ آخر كان يميل لليمين المحافظ ويخاف على الثقافة الفرنسية والدولة الفرنسية من ثورات الفتيان!

لقد أثّرت مقولات «الإنتلجنسي» في المشرق العربي، لكنها أثَّرت أكثر في المغرب وأفريقيا التي تنتشر فيها الثقافة الفرنسية. لكن عندما نقل إدوارد سعيد في كتبه ومقالاته هذه الأصداء الرفضية في الفكر والثقافة والعداء للاستشراق، شعر كثيرٌ من العارفين أن إدوارد سعيد يعتنق آراء ميشال فوكو ويريد تطبيقها، رغم اختلاف الأجواء في الولايات المتحدة عنها في أوروبا.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان إدغار موران مستقرِّاً خارج الراديكاليات اليمينية واليسارية. وكان أكثر انشغالاً بالجانب الإنساني الاجتماعي والنفسي، سعياً للخروج من الحرب الباردة الناشبة في كل مكانٍ ما عدا المسرح الغربي، وذلك بالعمل على السِّلم وأُطروحاته، في حين كان آخرون من اليسار واليمين يريدون الحرب ولأسبابٍ أيديولوجية من ضمن الحرب الباردة. ولذا بدا موران من قلةٍ ظلت تؤمن بالسلام وأخلاقيات الإنسان.

وبسقوط الاتحاد السوفييتي انقضى زمن المثقف الإنتلجنسي وصعدت ثقافة السوق والهيمنة التي تستبيح شنَّ الحروب من أجل الديمقراطية! وراديكالية اليمين هذه واجهتها ثقافة وممارسات الإرهاب تحت اسم «المقاومة»، وهي المقاومة التي لا تزال مستمرةً حتى اليوم في نَزعات اختراق الدول وتقسيم المجتمعات.

في زيارة البابا ليون الرابع عشر لإسبانيا، قبل أيام، قال الإعلام الإسباني إنّ البابا بدا صوتاً صارخاً في البرية باسم السلام والأخلاق والحق الإنساني. لكن أين هم المثقفون الذين يرفعون راية السِّلم وسط الاستيلاء التكنولوجي وتسابُق الأسلحة للاشتباك في كل مكان؟

صحيح أن مثقّفي الاعتراض والقطيعة انتهوا من زمان. لكنّ مفكري السِّلم والتآلف يكادون ينقرضون أيضاً. وليست هناك تيارات ثقافية بارزة تحمل الدعوة للسلم وحقوق الإنسان. وقد كان هناك أمل كبير، بعد خمود موجات التطرف والإرهاب، أن تتبلور في الإقليم ثقافةٌ جديدةٌ للتسامح والعيش المشترك تدفع باتجاهها تعطُّشات الناس واحتياجاتهم الملحاحة. لكنّ إيران، بالتحرشات والاستهدافات، تحول دون ذلك، مرةً باسم المذهب، ومرةً باسم التحرير، ومرةً من دون ذكر أي سبب.. فمن أين تأتي ثقافة السلام؟!

***

د. رضوان السيد

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 13 يونيو 2026 23:56

لقد أشكل الإنسان على الإنسان (أبو حيان التوحيدي)

الحربُ كارثةٌ رافقتِ الإنسانَ على مدى الدُّهور. الكوارثُ الطبيعيةُ من زلازلَ وبراكين، وكذلك الأوبئةُ القاتلةُ بكل أنواعها، قتلتِ الملايينَ من البشر، وكذلك المجاعاتُ التي لا تغيب، إلَّا لتعودَ وتحصدَ أرواحَ الفقراء. يجتهد الناسُ لمقاومةِ تلك المصائبِ الطاغية. لكنَّ الكارثةَ الكبرى التي يصنعُها الإنسان بعقلِه ويديه هي الحرب. تختلف الدوافعُ والأدواتُ من زمن إلى آخر، لكنَّ الهدفَ لا يتغير أبداً؛ وهو أن يقتلَ الإنسانُ الإنسانَ. بعد الحربِ العالمية الثانية التي استخدم فيها المتحاربون، آخرَ ما اخترعته البشريةُ من السلاح، تكدَّست ملايينُ الجثتِ تحت جبال الرُّكام. في تلكَ الحربِ الكونيةِ الرَّهيبة، شهدَ العالمُ مجزرةً غير مسبوقة، عندما أُلقيتِ القنبلتانِ النَّوويتان على هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. اهتزَّتِ الضَّمائرُ والعقول واستيقظتِ النفوس، وتنادَى السّياسيونَ والفلاسفةُ والمفكرونَ، لتأسيسِ قواعدِ عالم السلام، وبناء السدود السياسية المانعة لطوفان العنفِ والحروب. لكنَّ الغرائزَ فعلها يجبُّ ما تنتجُه الأمنياتُ والأحلام. ظلَّ القتل والحروب يحدوانِ حركةَ البشر دون توقف. في هذه الأيام تزفُّ وسائلُ الإعلام المختلفة، إلى البشر في كل الدنيا، صورَ القتل والدماءِ والدمار التي تصعقُ النفوسَ والعقول. السياسيون والمحللون والصحافيون، يتحدَّثونَ ويكتبونَ عن تفاصيلِ مجريات المعارك. السؤالُ المزمنُ كانَ ولا يزال؛ لماذا لم يتمكَّنِ البشرُ بعد ارتقاءِ الحضارةِ وقفزة الحداثة وازدهارِ العلم والفلسفة وانتشار العلم والتعليم، من إبداعِ ترياقٍ يجتث نوازعَ العنف والحروب من كينونة الخلق؟ في الحوار الطويل بين جابر بن حيان ومسكويه، في كتاب «الهوامل والشوامل»، طافَ مسكويه في دخائلِ النَّفس البشرية، وحلَّل الدوافعَ والكوابح، وكانت أسئلة جابر بن حيان متدفقة، وفي الختام سكبَ العصارةَ وقال: «لقد أشكل الإنسان على الإنسان».

الفلاسفةُ وعلماءُ النفس والمفكرون، منذ قرونٍ مضت وإلى اليوم، يحفرون فيما خفي في أعماق النَّفسِ البشرية ويدفعها إلى العنف بكل أشكاله. ذهبَ هؤلاءِ إلى أنَّ في داخل كلّ إنسان، هناك أكثر من شخصٍ واحد خفيّ، لا يراه الآخرونَ، وذاك ما يحرّك أفعالَه التي تُولد في ظلامِ حياته.

الطبيبُ الفيلسوف آندريه يونغ كانَ يرى أنَّ الإنسانَ يعيش معظم حياته خلفَ قناع اجتماعي يصنعه هو حتى يقبله النَّاس، وحتى يبدو قويّاً وطبيعيّاً أمام الآخرين، ولكن خلفَ هذا القناع توجد شخصيةٌ أخرى مختلفة. شخصيةٌ مليئةٌ بالخوف والرَّغبات المكبوتة، وأطلقَ يونغ على هذا الجزء من شخصية الإنسان، منطقةَ الظل، الّذي لا يختفي أبداً، والإنسان يخاف ممَّا يوجد بداخله. الرّوائي والمفكر الكبير تيودور ديستوفسكي؛ كانَ يرى شيئاً مرعباً في النفس البشرية، شيئاً لا يحب النَّاسُ الاعترافَ به أبداً، فالإنسانُ لا يبحث عن السعادة دائماً؛ بل أحياناً يبحث عن الألمِ دون أن يشعر، ويرى أنَّ داخل الإنسان رغبةً في تدمير نفسِه، وأعتقد أنَّ أخطرَ معركةٍ يخوضُها الإنسانُ ليست مع العالم، بل مع نفسه؛ لأنَّ الإنسانَ عندما ينكسرُ بصمت، يتحوَّل إلى عدوٍّ يرافقه.

آرثر شوبنهاور كانَ يرى أنَّ أكثرَ شيءٍ يخيف الإنسان ليس الظَّلام؛ بل الجلوس وحيداً مع نفسه، فكان يؤمنُ بأنَّ أغلبَ البشر يهربونَ من الوحدة؛ ليس لأنَّهم يحبّون النَّاس فعلاً، بل لأنَّهم يخافون من أفكارهم عندما يصبح كل شيء صامتاً. كان شوبنهاور يرى أن الوحدة تشبه مرآة ضخمة تكشف للإنسان حقيقتَه دون تجميل، ولهذا لا يحتمل كثيرٌ من النَّاس البقاءَ وحدَهم فترةً طويلة، لأنَّهم يكتشفون أشياءَ في داخلهم لا يريدون رؤيتَها، ويضيف أنَّ الإنسانَ الذي لا يحتمل الوحدةَ لن يعرفَ نفسه أبداً.

توماس هوبز كانَ يؤمن بفكرة مخيفة جداً عن النفس البشرية؛ وهي أنَّ الإنسانَ ليس طيّباً بطبيعته، بل كان يرى أنَّ داخل كل إنسان جانباً مظلماً، قد يظهر في أي لحظةٍ عندما يختفي الأمانُ والخوفُ من العقاب، وكانَ يقول إنَّ البشرَ عندما يعيشون بلا قوانين أو نظام، يتحوَّل العالمُ إلى مكان مرعب، ويصبحُ الإنسانُ عدواً للإنسان. الخوفُ بالنسبة لتوماس هوبز ليس مجردَ شعورٍ عابر؛ بل قوة قادرة على تحويل أكثر الناس هدوءاً، إلى أشخاص قساة وخطيرين، وعندما يشعر الإنسان بأن حياته مهددة، قد يفعل أشياء لم يكن يتخيل يوماً أنه قادر على فعلها؛ فقد يخون ويكذب ويؤذي الآخرين فقط لينجو بنفسه. وهذا ما كان يخيف هوبز أكثر من أي شيء آخر؛ فهو لم يكن يخاف الوحوشَ بقدرِ ما يخاف من الإنسان، وكانَ يرى أنَّ الحضارةَ والقوانين ليستا دليلاً على طيبة البشر؛ بل مجرد قناعٍ يمنع الفوضى المختبئةَ داخل النفوس، ولهذا فإنَّ الحروبَ تكشف دائماً الوجهَ الحقيقيَّ للبشر.

كثيرٌ من المفكرين غيرُ هؤلاءِ الذين وقفتُ عندهم، غاصُوا في أركيولوجيا النَّفسِ البشرية. الخلاصةُ أنَّ الحروبَ التي تتوالد بوتيرةٍ أكثرَ عنفاً، مجرد زلازلَ تكسر القشرةَ الرقيقة، التي تغطي ما يسكنُ في أعماق النَّفسِ البشرية، ولكن يبقَى الأملُ في أن تكبرَ القشرة، لتكوِّنَ الإرادةَ الصلبة لإنسان عصرِ السَّلام الجديد، وتُدفن الحروبَ في قاع النفوس.

***

عبد الرحمن شلقم

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم:

السبت - 27 ذو الحِجّة 1447 هـ - 13 يونيو 2026 م

الخطر الحقيقي ليس وجود الصراع بل التحول إلى أسير له

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة لشرق الأوسط اللندنية، يوم: 7 يونيو 2026 م ـ 21 ذو الحِجّة 1447 هـ

الفلسفة السياسية هى أكثر فروع الفلسفة تعبيرا عن الأزمات والمشكلات التى تواجه البشر فى عصر من العصور. وحينما نحاول أن نستطلع ما يشغل بال فلاسفة السياسة الآن نجد اهتماما بالحقوق الثقافية وبعودة الدين وبالحق فى الاعتراف ومقاومة الإرهاب. هذه القضايا لا تخص دولة بعينها أو إقليما محددا ولكنها مطروحة على جدول أعمال المجتمعات بأسرها.

المجتمعات ليست مدعوة للاعتراف بالتنوع الثقافى فقط بل عليها أيضا دعمه وتعزيزه.

السؤال الآن: كيف نسمح للأفراد بالتعبير فى المجتمع عن هوياتهم الروحية والثقافية، وفى الوقت نفسه نحافظ على التماسك الاجتماعى واستمرار الحياة المشتركة؟

تتعدد جوانب هوية الفرد بين اللغة والعرق والطبقة والمهنة، ولكن الهوية الدينية لها مكانة خاصة.الهوية الدينية تتصل اتصالا وثيقا بهوية جماعة ما ويرى دوركايم أن الدين هو أمراجتماعى تماما، لأنه يتمركز حول الوعى الجمعى وحول حياة الجماعة. الشعائر والطقوس التى يشارك فيها الناس بشكل جماعى تمنح شعورا بالوحدة. ونظراَ لأن الهوية الدينية قائمة على الجماعة فإنها لا تكون مقيدة بالجغرافيا، فمع انتقال القبيلة من أرض لأخرى تستمر الهوية مرافقة لها. فالهوية الدينية، على عكس الهوية القومية، يمكنها أن تنفصل عن بلد النشأة، وهذا يجعل تأثيرها كبيرا وما علينا إلا ملاحظة النمو التاريخى للأديان العالمية الكبرى مثل المسيحية والإسلام وانتشارها الجغرافى.

الهوية الدينية لا تولد بصورة بيولوجية مع ميلاد الفرد لكنها تُكتسب بواسطة التنشئة الاجتماعية والتربية الأسرية والمدرسية، ولكن ما أن يتم اكتسابها فإنها تصبح أساسية ودائمة.

تحولت الهوية الدينية فى ظل الحداثة إلى مسألة اختيار فردى ولا يحددها انتماء لعشيرة أو جماعة أو أمة ولدنا فيها، وتم النظر إليها على أنها عملية يتم بناؤها بمشاركة الفرد وليس انتماء أصليا وقبليا يتحكم فى الفرد. الهوية المبنية تنطلق من مبدأ أن الأشخاص يتغيرون وبالتالى الأهمية الممنوحة لهوية ما يمكنها أيضا أن تتغير. مثال ذلك هو الهوية القومية، فقد أنشأتها الدولة القومية عمدا مع بداية الحداثة، قبلها كان هناك ارتباط نفسى بموطن الميلاد ولكن لم يكن هناك شعور بالانتماء لقومية معينة. هذا الشعور تم بناؤه من خلال رموز مثل حدود الدولة والعلم والنشيد القومى والتربية الوطنية وتعميم تاريخ معين وثقافة خاصة من خلال مناهج التعليم على كل أفراد الأمة. وتستغل الدولة هذا الشعور فى تجنيد شباب الأمة لحروب الفتح أو الدفاع.

وهكذا فالهوية القومية حديثة نسبيا ومقترنة أساسا بغايات سياسية وغير راسخة، حيث يمكنها أن تخفت وتتوارى بسبب الهجرة أو تكوين اتحادات إقليمية أو ثقافة إنسانية عالمية. الهوية الدينية أكثر تعقيدا لأنها أكثر رسوخا وتشمل أبعادا اعتقادية واجتماعية وسلوكية وعاطفية.

مع الحداثة انتقلنا من الدعوة إلى التسامح التى نجدها عند سبينوزا وجون لوك وفولتير والتى كانت موجهة إلى المنتمين لدين الغالبية بغرض تهيئة الأفراد الأفراد لقبول الاختلاف والتعايش السلمى مع ابناء دين آخر، إلى المواطنة الكاملة أى المساواة فى الحقوق والواجبات وإزاحة الانتماء الدينى إلى المجال الخاص وكبت أى ذريعة للتعبير العلنى عنه فى المجال العام.

بدأنا إذن بالتسامح وانتقلنا إلى المواطنة والآن ننتقل إلى الحق فى الاعتراف، إذ لا تكفى، فى نظر بعض الفلاسفة، المساواة فى الحقوق ولكن يجب أن يشعر الفرد بأن هويته الروحية والثقافية معترف بها. ولهذا يطالب الفيلسوف الكندى شارلز تايلور بتحرير الانتماء الدينى من أسر المجال الخاص.

ويدعونا تايلور إلى التفرقة بين نمطين من العلمانية: الأول جمهورى والثانى ليبرالى تعددى. الأول يجعل الغاية من العلمانية هى المساواة الأخلاقية بين المواطنين وحرية الضمير وازدهار هوية مدنية مشتركة بينهم. ووسيلتها كانت هى حياد الدولة فى الشأن الدينى. ولهذا اقتضت منع الهوية الدينية من التعبير عن نفسها فى المجال العام، فتحولت إلى دولة غير متسامحة مع الهوية الدينية، لأنها أعطت الأولوية لتحقيق الوسائل وأهملت تحقيق الغايات وهى حرية الضمير والمساواة الأخلاقية بين المواطنين.

العلمانية الليبرالية التعددية تقر بحياد الدولة تجاه التعدد الدينى مثلها مثل العلمانية الجمهورية ولكن تكمن نقاط الاختلاف فى تقديرها للحاجة إلى الاعتراف وفى أهمية البعد الروحى للوجود بالنسبة لكثيرين. تسمح العلمانية المفتوحة بإدارة أمثل للتنوع فتجمع بين الاختيارات الذاتية وحرية التعبير للهويات الدينية. ولكن ألن يؤدى التعبير فى المجال العام عن الهويات الخاصة إلى إثارة الفتن وتفكك النسيج الاجتماعى وتلاشى الهوية المدنية المشتركة؟ يرى تايلور أن العلمانية ليست مذهبا عقائديا ولكنها أداة مرنة لإدارة التنوع وبدونها تكون كل هذه المخاوف محتملة.

***

د. أنور مغيث

عن جريدة الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 23 من ذي الحجة 1447 هــ 9 يونيو 2026 السنة 150 العدد 50954

ترك بلاده فرنسا بسبب الظلامية الأصولية

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

***

هاشم صالح

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 8 يونيو 2026 م ـ 22 ذو الحِجّة 1447 هـ

قبل سنوات التقيت إدغار مورين، الذي رحل مؤخراً، في إحدى المدن الإسبانية الأندلسية خلال مؤتمر فكري. كان الرجل قد اقتراب من سن المائة، وإن كان في كامل صحته ولياقته العقلية. وقد تطرّق الحديث لمشاركته في نهاية الثلاثينيات في الحرب الإسبانية ضد اليمين الراديكالي، وفي الحرب العالمية الثانية ضد النازية، ونضالاته المستمرة من أجل القضايا الدولية العادلة. وهكذا بدا لي العجوز الودود الهادئ صوتاً من الماضي، يمثّل جيل المثقفين الذي أبدعته فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر بالارتباط مع قضية درايفوس الشهيرة.

لم يكن مورين فيلسوفاً محترفاً، ولا تعكس كتاباته الغزيرة إبداعاً نظرياً في المفاهيم والرؤى والتصورات الفلسفية، رغم اطّلاعه الجيد على الكتابات الفلسفية، ومشاركته الفاعلة في النقاشات الفكرية لفلاسفة عصره. ومع أنه قام بدراسات كثيرة في المجال الاجتماعي، بحثاً وتأويلاً، فإنه لم يكن عالم اجتماع بالمعنى الدقيق للعبارة، فأعماله تجمع بين المقاربة الموضوعية الجدية والمواقف النضالية الملتزمة.

المقولة التي تُلخّص فكر مورين هي عبارة «التعقيد المركب» التي اختارها عنواناً لأعماله المنشورة، وهي تعني لديه ضرورة الخروج من التبسيطات السهلة، والأفكار السائدة، والنظريات الرائجة، من أجل فهم الواقع في أبعاده المختلفة المتشابكة، بما يفرض الخروجَ من ضيق التخصص ومسالك البداهة الزائفة.

وكان في هذا التصور، يستجيب لخصائص المثقف التقليدية التي يمكن حصرها في سمات أربع كبرى هي: النزعة الإنسانية التي توجّه المواقف العملية والسلوك الملتزم ولا ترى في النظريات والأفكار سوى موجِّهات للفعل والممارسة، والكتابة الأدبية النقدية التي تدخل في باب ما عُرف في الثقافة الفرنسية بالمعالجات (وهي أسلوب يجمع بين النظر التحليلي وجمالية التعبير)، والمقاربة الشمولية التي لا تكتفي بزوايا النظر المتخصصة، بل ترصد الموضوعات في أبعادها المتنوعة المتداخلة، والخلفية الأخلاقية القوية في المواقف من قضايا الساعة والملفات الاجتماعية المطروحة.

لقد بدأت الوجوه الأولى لهذا النموذج خلال فكر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، الذي أخذ في فرنسا شكل الإصلاح الثقافي والاجتماعي، في مقابل التنوير الألماني المتمحور حول الإصلاح الديني، والتنوير الاسكتلندي الذي ركّز على الإصلاح السياسي والمؤسّسي.

في ألمانيا، ظل التنوير فلسفياً خالصاً، وقد عبّرت عنه رؤية كانط لنقد العقل واستخدامه العمومي، وفي بريطانيا أفضت التطورات الداخلية إلى إحداث الإصلاحات السياسية المتدرجة التي ضمنت تغيير مؤسسات الحكم دون هزات عنيفة، أما فرنسا فعرفت الثورة الحادة التي قلبت موازين الحياة العامة في مختلف جوانبها. كان ثوار باريس يحملون مسؤوليةَ الأحداث للمثقفين الفلاسفة، من أمثال فولتير وروسو، الذين حملوا لواء التغيير البنيوي الجارف الذي شهدته البلاد.

وقد أبدعت الثقافة الفرنسية نمطي الكتابة الأدبية الفلسفية التي كان فولتير مثالَها الأول، والكتابة الصحافية التي اشتهرت على يد الروائي الكاتب أميل زولا في قضية درايفوس التي تمّت الإشارة إليها آنفاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح جان بول سارتر نموذج المثقف في مواقفه الفلسفية الإنسانية ودفاعه عن قيم الالتزام الأدبي.

لم يمارس سارتر التدريس في الجامعة، رغم أعماله الفلسفية التي أثَّرت في مجرى التفكير الفلسفي الكوني، مثل «الوجود والعدم»، وما شاع وانتشر من كتاباته هو رواياته ومسرحياته، مثل «الذباب» و«الغثيان» و«الكلمات».. إلخ.

في الستينيات كان الشعار السائد في أوساط اليسار هو «من الأفضل أن تكون على باطل مع سارتر من أن تكون على حق مع ريمون آرون». ولا شك في أن هذا الشعار يترجم صورةَ المثقف في تلك المرحلة التي سيطر فيها اليسارُ على الجامعات وعلى الحياة السياسية، وقد أصدر فيها آرون كتابَه «أفيون المثقفين» الذي نقد فيه الأيديولوجيا الماركسية التي كانت مسيطرةً أوانها على جل المثقفين الفرنسيين. ومنذ نهاية الستينيات، بدأ مفهوم المثقف في التراجع في فرنسا، مهد نشأته، وكان وقتها ميشال فوكو ينتقد بشدة سارتر في نزعته الإنسانية ويتبنّى مفهوم «المثقف الخصوصي» الذي يمارس مسؤوليته البحثية من منظور توثيقي حفري لا مجال فيه للمثاليات الأخلاقية والتصورات الوجودية الشاملة.

مورين بقي على خط المثقف التقليدي، رغم انتقال الثقافة الفرنسية إلى المسالك البنيوية والتفكيكية مع إعلان فوكو «موت الإنسان» وحديث دريدا عن «نهاية المؤلف». لم يكن يصدر عن خط نضالي أيديولوجي مبسّط، إلا أنه ظل وفياً لجوهر الرسالة الأخلاقية للمثقف من حيث هو صوت الحق وضمير العدالة.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

8 يونيو 2026 

    

في رسالته الكنسية الأولى منذ اعتلائه مركز البابوية، ينشر هذه الأيام بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر نصاً هاماً بعنوان «الإنسانية الرائعة» (magnifica humanitas) يستعيد فيه أفكارَ سلفه ليو الثالث عشر الذي أصدر عام 1891 رسالةً بعنوان «الأشياء الجديدة» (rerum novarum)، طرح فيها لأول مرة المنطلقات الاجتماعية للكنيسة في العصر الصناعي الأول.

 رسالة البابا الحالي، تركز على تحدي الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالأخلاق الجوهرية والقانون الطبيعي الناظم للقيم الإنسانية الثابتة. وعلى عادة أسلافه من زعماء الكنيسة الكاثوليكية الذين وقفوا بشدة ضد الانحرافات العدمية لحركة التنوير في نزعتها النسبية واحتفائها بالحرية غير المقيدة والماكينة التقنية المنفصمة عن الأخلاق الطبيعية، يخصص حيزاً هاماً من رسالته لما يهدد البشرية اليوم من انفلات التقنيات الجديدة من التحكم القيمي والقانوني، بما يوشك أن يجرف معنى الإنسانية نفسه. وفي هذا الباب، يدعو إلى الحفاظ على فكرة الحقيقة الكونية والضمير الواعي وحضارة الحب والإيثار.

 ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن البابا ليو الرابع عشر لا يتردد في الدعوة إلى عودة الخطاب الكنسي إلى المجال العمومي، لا من أجل أهداف سياسية، ولكن من أجل الدفاع عن القيم الإنسانية المهددة، باعتبار الدين هو خط حماية وصيانة الرابطة الإنسانية العضوية. وفي هذا السياق، يعيد الاعتبارَ لمفهوم «الخير المشترك» الذي كان محوراً أساسياً من محاور الأدبيات اللاهوتية الوسيطة، قبل أن تعاد صياغته في عصر الحداثة من منظور المجال العمومي الذي تحكمه معايير العدالة الإجرائية.

رسالة البابا تعكس الجدل اللاهوتي العقلاني في العصر الليبرالي الحالي في الغرب، وهو جدل يختلف في سياقه ونتائجه عن النقاش الذي بدأ منذ نهاية القرن السادس عشر حول موضوعي «الذاتية التأملية الحرة» و«السيادة المطلقة للدولة». وقد ارتبط المفهوم الأول بالفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت الذي بلور المنهج الرياضي التجريبي بديلاً عن التقاليد السكولاستيكية الوسيطة، بما أبطل عملياً أدبيات المدرسة التومائية (نسبة لتوماس الأكويني) التي كانت متحكمةً في الخطاب الكنسي.

أما المفهوم الثاني، فقد ارتبط بالفيلسوف الانجليزي توماس هوبز الذي كرّس نقل معايير السيادة والتحكم المطلق من الحقل الديني إلى الحقل السياسي، في إطار الولاء للدولة من حيث هي حسب عبارته «إلها هالكا». والنتيجة الكبرى لهذين التحولين البارزين صاغها الفيلسوف الألماني كانط في القرن الثامن عشر، معتبراً أن رسالة الدين هي في عمقها أخلاقية إنسانية، قابلة للترجمة في مضامين عقلانية وقانونية كونية.

 لم تتقبل الكنيسة الكاثوليكية في البداية أفكارَ التنوير والعقلانية التجريبية والديمقراطية الليبرالية، بما وضعها في صراع حاد مع الدولة السيادية الحديثة والفلسفات النقدية الجديدة والأيديولوجيات التعبوية الصاعدة.

 بيد أن الكنيسة بدأت منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في بداية الستينيات، الانفتاح على المجتمع المعاصر، رافعةً قيمَ الكرامة الإنسانية والسلام والحوار مع الديانات والفلسفات الأخرى.

 وهكذا انقسم الخطاب الكنسي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني إلى اتجاهين، ليبرالي حداثي (من أبرز تياراته لاهوت التحرير والثورة في أميركا اللاتينية)، ومحافظ من ابرز رموزه جوزيف راتسينجر (البابا بنديكت السادس عشر المستقيل) الذي انتقد بشده انحرافات الفكر الليبرالي المعاصر من نسبية ثقافية وأدلجة اللاهوت وضياع معنى المقدس.

 لقد أصبح الخط الرسمي للكنيسة في العقود الأخيرة هو الاتجاه الاجتماعي المحافظ الذي يجمع بين نقد الحضارة التقنية الاستهلاكية والدفاع عن قيم القانون الطبيعي بالمنظور التومائي القديم.وبطبيعة الحال، لا يشكل هذا الخط الاتجاهَ الوحيدَ في الفكر المسيحي الغربي، الذي يتوزع بين مسلك تقليدي من أهم مَن صاغه في منتصف القرن الماضي الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان في تطويره للنزعة التومائية الكلاسيكية، ومسلك تفكيكي ليبرالي يرى في انحسار الميتافيزيقا وفي الأفق التأويلي الجديد للمعارف الإنسانية وعوداً جديدة للاهوت يستوعب أفكار الحرية والاختلاف والحداثة (اتجاه الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو).

 والمفارقة الجديدة التي عبّرت عنها رسالة البابا ليو الرابع عشر هي أن النزعة الإنسانية الحديثة قامت في الغرب ضد التقليد الديني الكلاسيكي، واليوم أصبحت القيم الدينية هي خط الدفاع الأخيرة عن الفكرة الإنسانية في مواجهة تجاوزات وانحرافات الحضارة التقنية التي يشكل الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي مظهرَها الأبرز. فالخطر المتولد عن تحدي الذكاء الاصطناعي يتمثل في استبدال الإنسان بالآلة ومحو الحدود الطبيعية بين الماكينة التقنية والبشر، مع صعود أيديولوجيات ما بعد الإنسان والتقنية الفاشية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

31 مايو 2026 23:15

لم تكن صورتهم واحدة... بل تراوحت بين الإعجاب والنقد والتهميش

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

***

خالد الغنامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: 30 مايو 2026 م ـ 13 ذو الحِجّة 1447 هـ

في المثقف اليوم