شهادات ومذكرات
قاسم المحبشي: بمناسبة اليوم العالمي للكتاب.. ذكريات وأشواق
منذ أن تعلّمتُ القراءة والكتابة، نشأت بيني وبين الكتب علاقة تتجاوز حدود الهواية إلى حدّ الإدمان الجميل. كانت الكتب، وما تزال، الرفيق الأوفى في مسيرتي، والملاذ الأكثر صدقًا في عالمٍ كثير التحوّلات. كنتُ أترقّب معارض الكتب كما يُترقّب المرءُ الأعياد، أتهيّأ لها بشغفٍ وحنين، وأتنقّل بينها في أكثر من مدينة عربية؛ من عدن وصنعاء إلى بغداد ودمشق والرياض والجزائر والخرطوم والقاهرة. لم يكن معرضٌ منها حدثًا عابرًا في حياتي، بل كان مناسبةً للاحتفاء بالمعرفة، وموسمًا لحصادٍ فكريٍّ جديد.
كنتُ أتفحّص الإصدارات بعين القارئ المتعطّش، لا يفوتني جديد، ولا تغيب عني دار نشرٍ عرفتُ عنها الجدية والعمق، حتى غدت مكتبتي، مع مرور الزمن، أشبه بخارطةٍ للمعرفة الإنسانية، تضم آلاف الكتب في مختلف الحقول. كنت أؤمن، وما أزال، أن القراءة هي الطريق الأوسع إلى المعرفة، وأن العقول، مهما بلغت خصوبتها، تظلّ بحاجة إلى حراثةٍ دائمة؛ والقراءة هي تلك الحراثة التي تُنبت الأفكار وتُزهر الإبداع.
وفي مثل هذا اليوم؛ اليوم العالمي للكتاب، أستعيد واحدةً من أجمل محطّاتي: حين أهدَيتُ مكتبة كلية الآداب بجامعة عدن مئات الكتب والدوريات الأدبية والفكرية والعلمية، قبل سنوات، في مبادرةٍ لم تكن سوى تعبيرٍ بسيطٍ عن إيماني العميق بدور الكتاب والمكتبة في بناء الوعي. يومها لم أكن أدرك أن بلدي سيغرق في مهاوي الحرب والفساد وأن الحالة الثقافية والأكاديمية في مدينتي عدن الحبيبة ستبلغ هذا الحد من التراجع والانهيار . ولو كنت أعلم، لأهديتُ تلك المكتبة كل ما أملكه من الكتب، لا جزءًا منه.
لقد اسعدني رؤية جناح خاص بالكتب التي اهديتها للمكتبة لازال يحمل أسمي وإن الكتب التي أحببتها وجمعتها بعناية، وجدت طريقها إلى قرّاء جدد، وإلى عقولٍ متعطّشة للمعرفة. تمنّيت فقط أن تُسبق تلك اللوحة بكلمة “إهداء”، وأن تُكتب بلونٍ أزرق، لون البحر والسماء، اللون الذي أراه أكثر تعبيرًا عن الامتداد والحرية فالمكتبة، في جوهرها، ليست مجرد مكانٍ لحفظ الكتب، بل هي روح الجامعة النابضة، وذاكرتها الحيّة، وفضاؤها المفتوح على التاريخ والمعرفة. منذ نشأة الجامعات الحديثة قبل قرون، كانت المكتبات هي الركيزة الأولى، والشرط الأساس لقيام الصروح الأكاديمية. ومن بين رفوفها خرجت النظريات، وتشكّلت الرؤى، وانطلقت الاكتشافات التي غيّرت وجه العالم.
ومع تلك السعادة العابرة، لا يمكنني في تجاهل الوجع الذي يلازمني كلما تذكّرت مكتبتي التي كانت عامرة باكثر من ثلاثة الف كتابا وتعرضت للحرق مرتين؛ الأولى في حرب التكفير والتدمير عام 1994، والثانية في حرب المليشيات الحوثية العفاشية الطائفية عام 2015م. إذ لازال الشعور يراودني بان جزءًا من ذاكرتي سُلب مني، وأن سنواتٍ من الجهد والشغف تتحوّل إلى رماد. ومع ذلك، كنتُ أستحضر موقف الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، وهو يرى كتبه تحترق بصبرٍ عجيب، ويواسي تلميذه بقوله: “إن كنت تبكي الكتب، فاعلم أن للأفكار أجنحة، وهي تطير.”
نعم، قد تحترق الكتب، لكن الأفكار لا تموت. قد يُغتال الحرف، لكن المعنى يظلّ حيًا، يتنقّل بين العقول والقلوب. ولعلّ هذا ما عبّر عنه الشاعر عبدالله البردوني حين قال:
لماذا استشاط زحامُ الرماد؟
تذكّرَ أعراقَهُ فاضطربْ
*
لأن “أبا لهبٍ” لم يمتْ
وكلّ الذي مات ضوءُ اللهبْ
في زمن الضيق والمحن، تصبح الثقافة وسيلتنا الوحيدة للمقاومة والأمل، والقراءة زاد العقل في مواجهة العتمة. إن طالب المعرفة، مهما اشتدّت عليه الظروف، لن يجد أنيسًا أصدق من كتاب، ولا طريقًا أوضح من مكتبة. وبهذا المناسبة اكرر دعوتي لكل زملائي وزميلاتي وأصدقائي وصديقاتي إلى دعم المكتبات العامة، بما تجود به مكتباتهم الخاصة من كتبٍ زائدة أو مكرّرة، فربّ كتابٍ مهملٍ على رفٍّ خاص، قد يُحدث فارقًا في حياة قارئٍ شغوف.
كما أدعو طلابنا الاعزاء وطالباتنا العزيزات إلى إعادة اكتشاف المكتبة، لا كمكانٍ للزيارة السريعة، بل كفضاءٍ للإقامة الفكرية الطويلة، حيث البحث والتنقيب، وحيث تتشكّل الأسئلة الكبرى. فالتعليم الجامعي لا يكتمل داخل قاعات المحاضرات وحدها، بل يتجذّر في صمت المكتبات، بين رفوفها، وفي حوارات القارئ مع النص أما على المستوى الشخصي، فإنني أواصل العمل على جمع وأرشفة مقالاتي ودراسـاتي المنشورة في الصحف المحلية والعربية، وهي مهمة شاقة لكنها ضرورية، تليها مراحل أخرى لتوثيق ما نُشر في الدوريات العلمية، ثم في الفضاء الرقمي. وهنا، لا يسعني إلا أن أعبّر عن امتناني لمخترع الإنترنت، Tim Berners-Lee، الذي جعل الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة وانتشارًا، وفتح أمامنا آفاقًا غير مسبوقة للأرشفة والتوثيق.
وخير تكريمٍ لمن سبقونا لا يكون بحفظ رمادهم، بل بإبقاء الشعلة التي أوقدوها حيّةً ومتّقدة. والكتاب، في هذا السياق، ليس مجرد صفحاتٍ تُقرأ، بل هو فعل مقاومة، ووسيلة بقاء، ورسالة أمل في وجه العتمة.
في اليوم العالمي للكتاب، فلنجدّد عهدنا مع القراءة، ولنؤمن أن كل مقال مكتوب نضعه في يد قارئ، هو بذرةٌ نزرعها في مستقبلٍ أكثر وعيًا وإنسانية.
وانا أومن بالعبارة التي تقول : انثر البذر الطيبة في كل أرض وتحت كل سماء فإن فقدت مكان البذور التي بذرتها يوما ما، سيخبرك المطر أين زرعتها .. لذا أبذر الخير فوق أي أرض وتحت أي سماء ومع أي شخص .. فأنت لَا تعلم أين تجده ومتى تجده!
وبمناسبة يوم الكتاب العلمي اليكم خاطرتي
إذا الليل أضناني وخارت بي القوى
ألوذ بمكتبتي بها الرفق والسلوى
كتابي أنيس العقل والروح والغذاء
لكل جراح القلب والضيق والخواء
رفيق حنون واسع الأفق والمدى
وفيه الدواء للعقل لو جف أو كبا
أطوف به الأفاق صمتا ومجهرا
ويأخذني الأمتاع وينسيني الردى
أطير بلا ريش واسبح بلا ندى
على أجنح الكلمات والحلم والمنى
صديقي كتابي قط ما ضاق أو شكى
أضيق به حينا وحينا به احتفى
كظلي يرافقني فأدمت له شراء
بحلي وترحالي هو الشهد والشذى
كنوز المعارف فيه روض ومنتدى
حدائقه غنأ وللعلم وموردا
جسد الثقافة دام واللحم والسدى
سعيد هو من صادقه ليس له عداء
وأجمل صداقات الكتاب لمن قرأ
***
ا. د. قاسم المحبشي







