شهادات ومذكرات
قاسم المحبشي: هولندا كما تصورها الفيلسوف إسبينوزا
تأملات في دلالة الاحتفال
يوم الاثنين الموافق 27 إبريل 2026م ارتدت هولندا لونها البرتقالي من أقصى شمالها إلى جنوبها، إذ بدا المشهد الاحتفالي البهيج وكأن البلاد كلها تدخل حالة وجدانية مشتركة، تستعيد فيها معنى عميقًا للعلاقة بين الإنسان وأرضه، بين المجتمع والدولة، بين الخطر والحياة. في السابع والعشرين من أبريل، يوم يوم الملك، يتحول اللون البرتقالي إلى لغة جامعة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت، حتى ليبدو وكأنه إعلان غير مكتوب عن طاقة جماعية تعيد وصل ما تفرّق في الأيام العادية، وتؤكد أن المجتمع، حين يكون متماسكًا، قادر على أن يحتفل بنفسه كما يحتفل برموزه. ادهشني مشهد تحول اللون البرتقالي إلى لغة عامة، إلى شعور مرئي يفيض في الشوارع والبيوت والقلوب، حتى ليبدو وكأنه تعبير جماعي عن طاقة الحياة نفسها، تلك الطاقة التي تجمع بين حرارة الأحمر وإشراق الأصفر، فتولد إحساسًا بالحيوية والبهجة والتوازن ففي هولندا البرتقالي ليس مجرد لونًا فقط، بل حالة ذهنية، دعوة إلى التفاعل، إلى الفرح، إلى الخروج من عزلة الفرد نحو دفء الجماعة. هو لون يشبه بداية جديدة، كأن الزمن يمنح الناس فرصة لتجديد علاقتهم بالحياة، وتخفيف ثقل الماضي، والانفتاح على أفق أوسع.
في مدينة دوكوم التي تحمل تاريخًا عريقًا، لم يكن حضور الملك وعائلته هناك استعراضًا رسميًا بقدر ما كان مشاركة حقيقية في نبض الحياة اليومية للناس. حين يرتدي الملك الزلاجات ويشارك المواطنين التزلج، أو يجرب لعبة “كاتسن” التقليدية، أو يقف متأملًا عروض “فيرليبين” التي تتحدى الجاذبية، فإن المسافة بين الحاكم والمحكوم تتلاشى، وتتحول السلطة إلى علاقة إنسانية أقرب إلى الألفة منها إلى الهيبة.
العيد الملكي البهيج لا يمكن فهمه بمعزل عن القصة الأعمق التي صنعت هولندا ذاتها؛ تلك القصة التي لم تبدأ بالسياسة ولا بالاقتصاد، بل بالماء. فهذه البلاد ليست مجرد رقعة جغرافية مستقرة، بل كيان تشكّل تاريخيًا في مواجهة دائمة مع قوة طبيعية لا تهدأ: البحر والأنهار. هنا، حيث يقع ثلث الأرض تقريبًا تحت مستوى سطح البحر، وحيث تتشابك دلتا أنهار مثل نهر الراين ونهر المايز ونهر سخيلده قبل أن تصب في بحر الشمال، لم يكن الماء يومًا عنصرًا محايدًا، بل كان قدرًا يوميًا، وامتحانًا مستمرًا، وسؤالًا وجوديًا: هل يمكن للإنسان أن يعيش هنا أصلًا؟
وهذا ما تناولته في دراسة معمقة سوف تنشر في العدد القادم بمجلة حوريت الحضرمية بعنوان (امستردام المدينة التي روضة البحار) فمنذ العصور الوسطى، لم يكن أمام سكان هذه الأراضي المنخفضة سوى خيارين: الانسحاب أو المواجهة. ولم يختاروا المواجهة بمعناها الصدامي البسيط، بل اختاروا طريقًا أكثر تعقيدًا: الفهم والتنظيم. لم يعاملوا الماء كعدو مطلق، بل كقوة يجب دراستها، والتفاوض معها، وإدارتها بقدر ما تسمح به المعرفة. وهكذا بدأت قصة السدود، ثم تطورت إلى شبكة معقدة من الحلول الهندسية، من الطواحين الهوائية التي ضخّت المياه خارج الأرض، إلى المضخات الحديثة، إلى مشاريع عملاقة أعادت رسم الحدود بين اليابسة والبحر.
فرض الماء على الناس أن يتعاونوا، لأن الخطر لا يميز بين غني وفقير، ولا يعترف بحدود الملكيات. إذا انهار السد، غرق الجميع. ومن هذه الحقيقة البسيطة نشأت فلسفة كاملة في الحكم: المشاركة، التوافق، وتقاسم المسؤولية.
ف“نموذج البولدر” الهولندي الشهير أي -تلك الأرض التي لم تكن موجودة ثم صارت موجودة بفعل الجهد الجماعي- ليست مجرد إنجاز هندسي، بل فكرة حضارية: أن الإنسان قادر على أن يخلق شروط حياته إذا امتلك المعرفة والإرادة والعمل المشترك. وكما أن الأرض تُحمى بالسدود، فإن المجتمع يُحمى بالقانون، والنظام السياسي نفسه يصبح شبيهًا بسدٍّ كبير، إذا ضعف جزء منه انهار كله.
يمكن فهم الدلالات الاجتماعية للاحتفالات الشعبية في كل المدن والقرى الهولندية بلا استثناء بعيد ميلاد ملكهم فيليم ألكساندر التاسع والخمسون إذ ولد في 27 إبريل 1967م فالاحتفال يعد تعبيرًا عن هذا التوازن العميق بين الدولة والمجتمع. إذ بدأ الملك وسط شعبه فردًا من العائلة الكبيرة التي اسمها الشعب. وهذا ما منح الاحتفال قيمته التي خاطري؛ الاحتفاء بفكرة الدولة التي استطاعت أن تصوغ علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، علاقة تقوم على الثقة لا الخوف، وعلى المشاركة لا الإكراه فما الذي يجعل دولة ما قادرة على أن تبدو كأنها بيت كبير يحتضن أبناءه؟ ولماذا يشعر الإنسان في بعض الأماكن أنه غريب، حتى لو كان في وطنه، بينما يشعر في أماكن أخرى أنه في حضن أم حانية، حتى لو لم يولد فيها؟!
فالدولة في هولندا هنا ليست سلطة مفروضة من الأعلى كما هو حال النظم السياسة العربية، بل هي امتداد منظم لإرادة جماعية تشكّلت عبر قرون من التحدي المشترك. وحين ينزل الملك إلى الشارع، ويشارك الناس ألعابهم وأنشطتهم في مدن مثل دوكوم، فإن ذلك لا يُقرأ كاستعراض، بل كدليل على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست علاقة مسافة، بل علاقة انتماء داخل بيت واحد أي الدولة بوصفها بيتًا للشعب. ليس بيتًا بالمعنى المجازي البسيط، بل بيت العائلة الكبير، الذي يمنح الحماية والدفء والأمان، ويتيح في الوقت نفسه النمو والازدهار. بيت يشبه الأم الحانية، لأنها تعرف كيف توازن بين الرعاية والانضباط، بين الحب والمسؤولية. في هذا البيت، لا يخاف الإنسان من الغد، لأنه يعلم أن هناك نظامًا يحميه، ومؤسسات ترعاه، ومجتمعًا يعترف بإنسانيته وقد عبّر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا 1632 - 1677م إذ كتب قائلا:
" ليست الغاية القصوى للدولة أن تهيمن على الناس، ولا أن تكبح جماحهم بالرهبة، بل أن تحرر الإنسان من الخوف، حتى يعيش ويعمل آمناً مطمئناً كل الاطمئنان، دون أن يلحق به أو بجاره أي أذى. وليست غاية الدولة أن تجعل من الكائنات العقلانية حيوانات ضارية وآلات (كما هو الحال في الحرب) بل تمكين أجسامهم وأذهانهم من أداء وظيفتها في أمان، أن غايتهم أن توجد الناس ليعيشوا على العقل السليم الصادق ويمارسوه.... أن غاية الدولة حقاً هي الحرية" واثناء استماعي إلى صديقي المهندس المثقف الهولندي الجنسية دكتور حسين جعفر السقاف وهو يتحدث عن تجربته الطويلة في هولندا تبينت إن الفلسفة هنا تعاش حقا وفعلا في الحياة اليومية للناس. وهذا ما جعلني اعيد التفكير في وظيفة الفلسفة الحيوية. وانا اشاهد دولة إسبينوزا تتجسد في هذا المشهد الاحتفالي البهيج فالدولة هنا لا تُخضع مواطنيها، بل تمكّنهم، ولا تُخيفهم، بل تمنحهم الطمأنينة، ولا تعزلهم، بل تجمعهم في إطار مشترك من الثقة.
الدولة التي تشبه الأم الحانية لا تدفع أبناءها إلى المخاطرة بحياتهم، بل تمنحهم سببًا للبقاء. والدولة التي تفشل في ذلك، تفقد معناها الأساسي. ولهذا تبدو الدول المستقرة نعمة كبرى، لا لأنها خالية من المشكلات، بل لأنها تمتلك القدرة على إدارتها دون أن تنهار.
يتداخل المشهدان: مشهد البرتقالي الذي يملأ الشوارع في يوم عيد ميلاد الملك، ومشهد الماء الذي يحيط بالبلاد من كل الجهات. الأول يعبر عن الفرح، والثاني عن التحدي الدائم وبينهما تتشكل قصة مجتمع تعلّم كيف يحوّل التحدي إلى نظام، والخوف إلى تعاون، والجغرافيا إلى شريك. قصة دولة لم تُبنَ فقط بالقوانين، بل بالتجربة، ولم تُحفظ فقط بالقوة، بل بالثقة.
بهذا المعنى، لا يكون اللون البرتقالي البهيج الذي ارتدته هولندا أمس مجرد احتفال عابر، بل إشارة إلى حياة نجحت، رغم كل شيء، في أن تحفظ التوازن بين الماء واليابسة، بين العقل والقلب، بين الدولة والشعب وبين الراعي والرعية.
فما الذي يمنع أن تصبح فكرة الدولة بوصفها بيتًا حانيًا للمجتمع حقيقة واقعية في أماكن أخرى من هذا المعمورة ؟ ما الذي يمنع أن تتحول الفلسفة إلى ممارسة يومية للتفكير الرشيد والتنمية المستدامة، وأن تُترجم القيم السياسية الإنسانية إلى مؤسسات عامة؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن البداية تكون دائمًا في طرح السؤال. وعيد ميلاد سعيد للملك والمملكة.
***
ا. د. قاسم المحبشي







