عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

ئاريان علي: من مقهى الشابندر إلى عابر سبيل

رحلة في زمان بغداد ومتغيراتها

ذاكرة الألق والزمن الجميل

حين تعود بالذاكرة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، فإنك لا تستحضر مجرد عقود مضت، بل تستعيد زمناً آخر كانت فيه بغداد تضج بالحياة وتنبعث بالكرامة والألق، حيث لم يكن دجلة مجرد نهر يجري بين شطين، بل كان شاهداً حياً يروي قصص الأجيال الماضية ويحتفظ بأسرار بغداد القديمة، وحيث تتحصن الشوارع بدفء وطمأنينة تخلو من تعب الأيام ووجوهها المنهكة؛ طمأنينة كانت تتجسد في مقاهيها التراثية الخالدة، وفي مقدمتها "مقهى الشابندر" الذي تأسس عام 1917 في نهاية شارع المتنبي ليكون ملتقىً للأدباء والشعراء، وجدرانه متحفاً حياً يوثق صور بغداد وذاكرتها الممتدة. وإلى جانبه، تبرز ومضة شارع المتنبي بروائح الحبر وأوراق الكتب القديمة التي تملأ الأجواء، لتظل هذه الزاوية الثقافية نافذة أمل ونور تقاوم العتمة والنسيان، وتنضم إليها مقاهٍ خالدة أخرى كـ "مقهى الزهاوي" الذي شُيّد عام 1917 في شارع الرشيد ليحمل اسم الشاعر والفيلسوف معروف جميل الزهاوي ومقصدأً لأعلام الفكر والسياسة، و"مقهى حسن عجمي" البارز بطابقها العلوي الذي كان دار استراحة للقادمين من المحافظات ومقراً لنجوم الفن والأدب والشعراء الكبار كالجواهري ومظفر النواب، حيث كانت هذه المجالس تصنع نبض المدينة ووجدانها الحي.

قسوة الواقع واختناقات المدينة

غير أن هذه الذاكرة الرائعة تصطدم بقسوة الواقع عند العودة إلى المدينة، لتتكشف أمام العين حقيقة مؤلمة تمثلت في اختناقات مرورية هائلة تعطل نبض الشوارع وتغيب عنها أي تنظيم عمراني مدروس، وتحديات بيئية ومناخية قاسية تثقل كاهل السكان تحت وطأة الحرارة والعواصف، إلى جانب تداعيات اقتصادية واضحة أثرت عميقاً على البنى التحتية وخدمات المدينة الأساسية. وفي خضم هذا الصخب الحالي، تبدو ملامح الإنهاك جليّة على الوجوه، حيث يصارع الكهول من أجل الثبات وسط زحام صاخب تملاه الدراجات، بينما يقتطع أطفال الطرقات طفولتهم مبكراً ليواجهوا قسوة الأيام، لتختلط رائحة دجلة الحزينة وتفاصيل هذه المدينة المكلومة بصخبها اليومي الحزين.

جذور المأساة ووزن الفساد

وحين نتأمل هذا الخلل العميق الذي أثقل كاهل بغداد وحول ألقها إلى مكابدة يومية، فإن جذور المأساة تمتد عميقاً لتلتقي بذاكرة سوداء من الفساد المستشري والسرقات الكبرى التي نهبت مقدرات الوطن وحولت موازناته إلى غنائم خاضعة للمحاصصة والصفقات المشبوهة، حيث تحصنت المنظومة السياسية خلف شعارات واهية بينما كانت تفرغ خزائن الدولة وتجهض كل مشروع حقيقي للبناء والتنمية؛ مما جعل المسؤولية تقع بشكل جارف على عاتق تلك المنظومة وقراراتها الفاسدة التي أنتجت هذه البيئة العاجزة، في حين يظل المواطن ضحيةً مكبلة بتبعات إرث ثقيل من النهب المنظم، لتظل النفس محتارة بين استعادة المدينة لألقها عبر إحياء إرثها الثقافي والتراثي أو البدء بمعالجة أزماتها الخدمية والمعيشية.

أفق المستقبل وبصيص الأمل

وحين نغادر ضفة الحزن ونلتفت نحو الأفق القادم، فإن سؤال المصير يطرح نفسه بإلحاح: هل باتت بغداد رهينةً لليأس والإنهاك الأبدي، أم أن في جعبة الغد ما يكفي لاستعادة الروح والنبض؟ إن إجابة هذا السؤال لا تكمن في انتظار المعجزات، بل في قراءة واعية لما تملكه هذه المدينة العريقة من مقومات كامنة وموارد بشرية وثقافية هائلة تؤهلها للنهوض من جديد متى توفرت الإرادة الحقيقية والقرار الوطني المخلص. فالإنقاذ الحقيقي يبدأ أولاً من الاعتراف بالجرح والبدء بمعالجة الجذور لا القشور، وذلك عبر تفكيك منظومة الفساد الممنهج وإحلال الكفاءات الحقيقية والتخطيط العمراني المدروس محل العشوائية والترهل الإداري. كما أن الرهان الأكبر يرتكز على طاقات الشباب البغدادي الواعد الذي يثبت يوماً بعد يوم قدرته على الابتكار والمقاومة الحضارية، سواء عبر المبادرات الثقافية والفنية التطوعية، أو عبر إحياء المساحات العامة والمراكز التراثية بروح عصرية متجددة تحافظ على الهوية ولا تنكفئ على الماضي. وإلى جانب ذلك، فإن إعادة الاعتبار للبنى التحتية، وتنظيم حركة الشوارع والمرور، واستعادة الواجهات النهرية لدجلة كمساحات متنفّسة ومتألقة، تمثل خطوات أولى لا غنى عنها لبلسمة وجع المدينة. لتتجسد الخاتمة الكبرى في ثبات الروح البغدادية التي تأبى الانكسار؛ فبغداد التي عبرت آلاف السنين من الغزوات والحروب والمحن، وتجددت دائماً من رمادها كالمنارة، لا تزال تحتفظ في أعماقها بطاقة حياة لا تموت، لتستمر صرخة عابر سبيل يحمل في قلبه ذاكرة الأيام الخوالي وألق دجلة الخالد.

***

ئاريان علي  

 

في المثقف اليوم