نصوص أدبية
كريم عبد الله: العودة إلى الجنة المائية
نحنُ أبناءُ ماءٍ لم ينسَ أسماءَنا، وأبناءُ قصبٍ كان يصلّي واقفًا كي لا تنحني السماء.
*
في الأهوارِ كان الآباءُ يولدون مرّتَين: مرّةً من رحمِ أمّهاتهم، ومرّةً من صدرِ النهر.
*
هناك… حيثُ الطيورُ تعرفُ النداء قبل الصوت، وحيثُ السمكُ يحفظُ خرائطَ الحلم ولا يخونُ طريقَ العودة.
*
الحنينُ ليس بكاءً على الماضي، بل ذاكرةُ الكون حين يتذكّرُ شكله الأوّل. إنه نداءُ الطين لأقدامٍ نسيتْ كيف تمشي بلا إسفلت، ونداءُ الماء لقلوبٍ تعلّمتْ القسوة ونسيتْ السباحة.
*
نحنُ لم نغادر الأهوار حقًّا، هي التي اختبأت في دمنا، في مفرداتنا الأولى، في خوفنا من الجفاف، وفي شوقنا الغامض إلى مكانٍ لم نره… لكننا نعرفه.
*
العودةُ إلى مسقطِ الرأس ليست رحلةً في الجغرافيا، بل عبورٌ داخلي من الضجيج إلى الأصل، من الزمن إلى البراءة، من العالم إلى الجنة المفقودة.
*
هناك حيثُ القصبُ يكتبُ أسماءَنا للريح، وحيثُ الطيورُ تُكملُ ما لم يقله البشر، نستعيدُ وجوهَ آبائنا وهم يبتسمون للماء كمن يطمئنُّ إلى الخلود.
*
نعودُ لا لنستقرّ، بل لنتذكّر: أننا خُلقنا من ماءٍ يعرفنا، وأن الجنة لم تكن يومًا في السماء، بل كانت هنا… تنتظرُ أن نشتاق بما يكفي.
***
بقلم: كريم عبدالله - بغداد - العراق






