نصوص أدبية
سعاد الراعي: ثوب أمي
المشهد ينبض في قلب بغداد، على خطِّ باص ينساب من ساحة التحرير حتى تخوم البياع. هدير المحركات يتعانق مع صراخ الطريق، ويشتدُّ لهيب تموز حتى تكاد الشمس تلتهم الإسفلت وتذيب ما تبقّى من ظلال.
في هذا الإيقاع اللاهث، تبرز طفلة نحيلة، تعاند حرّ المدينة وحشودها، وتصعد الباص ثم تهبط منه أربع مرّات متتاليات وبأوقات متقاربة... بذات العجلة، بذات الرجفة، وبدموعٍ تعبر وجنتيها كما لو أنها لا تجد مأوى آخر.
أشاح الجابي وجهه عنها مرارًا، غير أنّ شيئًا في ارتباكها كان يشدّه إليها بقوة لا تُردّ. هذا الفزع ليس عابرًا... شيء ما يُطارد تلك الصغيرة، أعتى من أن تتحمله قدماها شبه الحافيتين.
اقترب منها أخيرًا، بصوت حاول أن يمنحه دفئاً وهدوءً لم يعتده، مخفياً ما فاض في قلبه من قلق:
ــ ماذا دهاكِ.. عمو؟ لِمَ ترتجفين كعصفور في قبضة الريح؟ ممّن تهربين؟ وإلى أين تمضين وحدك في هذا القيظ؟
ارتجفت الشفتان الصغيرتان، شهقت الطفلة، وشدّت بكفّين مرتعشتين على كيس صغير كأنه كل ما تبقّى لها من أمان. قطعة قماش مطويّة فيه ترتجف كقلبها.
قالت بصوت متكسّر يكاد يندثر:
ــ ماما... أرسلتني لأجلب هذا الثوب من عند صديقتها...
تأمّلها الجابي بعينٍ يغمرها الأسى:
ــ ولكنّك ركبتِ هنا مرّاتٍ أربع... تصعدين وتنزلين من المحطّتين نفسيهما: التحرير والبياع... أراك تهرولين كلّ مرّة كأن الطريق يلاحقك. ما الذي يفترس خطواتك الصغيرة؟ ما الذي يخيفك يا صغيرتي؟
وكأن السؤال فتح باباً للنزيف... بدت الطفلة، في تلك اللحظة، أكبر من عمرها بكثير، روح مثقلة بمعارك لا يليق أن تُلقى على كتفي طفلة.
ليس خوفها من الطريق، ولا من الزحام، إنما خوفها من بيت قد يتحول إلى عاصفة، من أم تنتظر عودةً دقيقة لا تحتمل التأخر، ومن عقاب لا يرحم هفوةً صغيرة.
همست الطفلة، وبوحها يتعثّر بين خوف واعتذار:
ــ ذهبتُ أول مرة... وأحضرتُ الثوب... لكنه لم يكن هو ما أوصت عليه. قالت لي:
اللون خطأ... والقماشة خطأ... وأنتِ الخطأ كلّه.
صفعتني... وأمرتني أن أعود دون أن أضيّع دقيقة. فهي مدعوّة لحفل زفاف... وإن تأخّرتُ... سيشتعل غضبها... وأنا...
ثم انطفأت الكلمات في حلقها، واكتمل المعنى في ارتعاشة جسدها:
أنا أخشى غضبها أكثر مما أخشى هذا العالم كله.
سأَلها الجابي بنبرة محمّلة بالشكّ والمرارة:
ــ أهي أمّكِ؟ أم زوجة أبيك؟
رفعت رأسها فجأة، كمن يدافع عن حقيقة موجعة:
ــ أمي... أمي الحقيقية.
تنهد الجابي بعمق، ثم سأل في لهجة تضجّ بالغضب لأجلها:
ــ وأبوكِ؟ أما من درعٍ يحمي هذه الروح الصغيرة؟
سقط السؤال في صمتٍ دامٍ... صمتٍ يعترف بأن الأب غائب، أو أنه وجودٌ لا يُجيد الحماية.
حين توقفت الحافلة، نهضت الطفلة واقفة، تستعد لعودة تكرهها... كأنها تتقدّم إلى محكمة لا رحمة فيها.
في تلك اللحظة، مدّ السائق يده إلى محفظته، استخرج أجرة الطريق التي كانت قد دفعتها له، ودسّها في يدها الصغيرة قائلاً بنبرة حاول أن تكون خفيفة:
ــ خذي يا ابنتي... اشتري لكِ شيئاً يسدّ رمقك. أن تمتلئ معدتكِ خير من أن يمتلئ قلبك بالخوف.
ثم أضاف بصوت خشن ارتجف فيه الغضب:
ــ لو كنتُ أباكِ... لأطفأتُ تلك النيران في قلب أمّكِ... ولما تركتُ طفلة مثلكِ تواجه عقاب الدنيا وحدها.
ترجّلت الطفلة من الباص، حاملة الثوب بيد... وكلَّ خوف الأرض باليد الأخرى، تمضي نحو بيتٍ ينتظر عودتها ككمين. وفي أعماقها أمنية تتردّد كدعاء خافت:
لو كان للرحمة باب، لسبقتني إليه قبل أن أصل.
***
سعاد الراعي






