عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مروان الدليمي: يا لها من حماقة جميلة

كنا نظن أن الزمن لعبة.

نرميه في الهواء

فيعود إلينا على هيئة كرة صغيرة

نضحك حين تصطدم برؤوسنا

ثم نركض خلفها حتى آخر الشارع.

*

الزمن يومها

كان طفلا أكثر منا.

يجلس على حافة السرير

يحرك قدميه في الفراغ

ويخفي عقاربه تحت الوسادة

كي لا تعرف أمه أنه تأخر.

*

نفتح أعيننا صباحا

فنجد الشمس جالسة إلى جوارنا

تأكل قطعة خبز مغموسة في الشاي

وتحذرنا من أن نكبر.

لكننا لم نكن نسمع.

*

كان الصباح يمد يده إلينا

نصافحه

فتَعلَقُ في أصابعنا رائحة الطفولة.

*

في ذلك الوقت

كانت الأشجار

أطول من أعمارنا بقليل

والريح تسرق قمصاننا من الحبال

ثم تعيدها إلينا

بعد أن ترتديها في الليل.

*

حتى الموت

كان يبدو مثل رجل غريب

يقف عند آخر الزقاق

لا يعرف عنواننا.

*

كنا نظن

أن الأبواب لا تتعب من فتح نفسها

وأن البيوت ستظل واقفة

حتى لو غادرها الجميع

وأن الكراسي ستتذكر أجسادنا

كما يحتفظ الماء بصورة القمر.

*

كنا نضحك.

يا لها من حماقة جميلة!

نضحك

لأننا لم نكن نعرف أن الضحك نفسه

يملك ساعة صغيرة

تدق في مكان لا نراه.

*

في ذلك الزمن

كانت أيدينا صغيرة

لكنها كانت قادرة على حمل العالم.

*

ثم كبر العالم.

أو ربما

كبرت أيدينا خطأ.

لا أحد يعرف.

*

كل ما أعرفه

أنني ذات صباح

بحثت عن الطفل الذي كنت عليه

فوجدت حذاءه القديم تحت السرير.

كان الحذاء مليئا بالتراب.

*

وحين انحنيت لأشم رائحته

سمعت الزمن يضحك من الخزانة.

ضحك طويلا.

ثم قال:

لقد انتهت اللعبة.

لكنني لم أصدقه.

وما زلت أبحث عن الكرة.

2

صار الزمن يزورنا

من دون أن يطرق الباب.

يدخل حاملا كيسا من الخبز

يجلس إلى المائدة

ويبدأ في تقشير أعمارنا

كما نقشر برتقالة.

*

لم نكن نراه.

كنا نراه فقط

حين يترك قشور السنوات على الأرض.

في البداية

ظننا أنها أوراق شجر.

ثم صرنا نكنسها من أمام أبوابنا.

*

كانت أمهاتنا

يضعن أعمارنا في جيوب بناطيلنا

كي لا تضيع في الطريق.

لكن الأعمار مثل القطط

كانت تعرف كيف تهرب.

*

كبرنا ونحن نركض.

ركضنا خلف الحافلات

خلف الوظائف

خلف النساء اللواتي كن يتركن عطرهن

معلقا في الهواء

مثل قبلةٍ

بقيت رائحتها على الباب

بعد أن غادرت المرأة .

*

ركضنا حتى تعب الطريق.

ثم جلس.

نعم

جلس الطريق.

مد ساقيه أمامنا وقال:

لنذهب إلى مكان آخر.

*

لكننا لم نكن نعرف مكانا آخر.

كل شيء كان يبتعد.

النافذة التي نطل منها على العالم

صارت أصغر.

الشارع الذي يتسع لركضنا

صار يضيق

حتى لا يتسع إلا لظل واحد.

*

أما الظل

فقد بدأ يكبر.

كان يمشي خلفنا

مثل كلب يعرف شيئا لا نعرفه.

كلما التفتنا إليه

تظاهر بأنه لا يعرفنا.

يا للسخرية!

حتى ظلالنا تعلمت الكذب.

*

في المساء

كانت الشمس تخلع معطفها البرتقالي

وتتركه على كرسي الغياب.

ثم تنام.

*

أما الليل

فكان يفتح فمه

ويبتلع البيوت واحدا واحدا.

*

لم نكن نخاف.

كنا نعرف أن الصباح سيأتي.

لكن الصباح في أحد الأيام

تأخر.

جلس على حافة السماء وأشعل سيجارة.

قال لنا:

لا أستطيع أن أبدأ كل شيء من جديد.

*

فهمنا للمرة الأولى

أن الصباح أيضا يتعب.

وأن الشمس ليست أُمَّا.

وأن الأشجار التي كنا نعتقد أنها تصفق لنا

كانت في الحقيقة

تحاول أن تتشبث بالأرض.

*

كان ذلك اكتشافا قاسيا.

اكتشافا له طعم الحديد

ورائحة غرفة مغلقة منذ سنوات.

*

حينها فقط

نظرنا إلى أيدينا.

كانت أكبر.

لكنها لم تكن أقوى.

كانت تحمل مفاتيح كثيرة

ولا تعرف أي باب

يؤدي إلى الطفولة.

*

في تلك الليلة

جاء الزمن وجلس إلى جواري.

لم يكن غاضبا.

كان يبدو شاحبا.

قلت له:

أعد لي ما أخذته.

فابتسم.

وقال:

أنا لم آخذ شيئا.

ثم أشار إلى المِرآة.

*

هناك، كان الطفل الذي كنا عليه

يقف في الجهة الأخرى.

يطرق الزجاج.

ويضحك.

*

لم أستطع فتح الباب.

لأنني كنت أنا

في الجهة الأخرى.

***

مروان ياسين الدليمي

في نصوص اليوم