عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مريم نزار: قصتان قصيرتان

1- شَمِشٌّ فِي صِراعٍ

كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العَدالَةِ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، حَتَّى لُقِّبَ بِـ«شَمِشٍّ¹». كانَ يُدافِعُ عَنْ كُلِّ مَظْلُومٍ وَيَقِفُ إِلَى جانِبِهِ، وَيُحارِبُ كُلَّ ظالِمٍ. بَلْ إِنَّهُ كانَ يَقِفُ حَتَّى ضِدَّ مَنْ يَرْتَكِبُ جُرْمًا دُونَ قَصْدٍ، لِيَنْصُرَ المُتَضَرِّرَ.

فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، كانَ والِدُهُ يَقُودُ السَّيّارَةَ قاصِدًا البَحْرَ لِلتَّرْفِيهِ، غارِقَيْنِ فِي الكَلامِ وَالضَّحِكِ، فَإِذا بِهِ يَدْهَسُ طِفْلًا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ.

صُدِمَ عِنْدَما أُحِيلَ والِدُهُ إِلَى المَحْكَمَةِ. فَعَلَ المُسْتَحِيلَ لِإِنْقاذِهِ، وَلَجَأَ إِلَى أَشْهَرِ وَأَمْهَرِ المُحامِينَ. كانَ حُبُّهُ لِوالِدِهِ مَعْنَى حَياتِهِ، فَأَعْماهُ ذٰلِكَ الحُبُّ، وَنَسِيَ لَقَبَهُ.

اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آرائِهِمْ عَمّا حَدَثَ. قالَ بَعْضُهُمْ: «لَوْ كُنّا مَكانَهُ لَفَعَلْنا مِثْلَهُ، فَمَنْ يَتْرُكُ والِدَهُ، أَوْ أَيَّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ، يُسْجَنُ؟»

وَقالَ آخَرُونَ: «يا لَهُ مِنْ مُتَناقِضٍ وَأَنانِيٍّ! نَسِيَ مَبادِئَهُ وَسَعْيَهُ لِنُصْرَةِ المَظْلُومِ وَالمُتَضَرِّرِ، ذٰلِكَ الَّذِي كانَ يُنادِي بِأَخْذِ الحَقِّ مِنَ الجانِي وَمُعاقَبَتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا».

لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. كانَ فِي داخِلِهِ صِراعٌ؛ تارَةً سَعِيدًا بِسَلامَةِ والِدِهِ، وَتارَةً حَزِينًا عَلَى طِفْلٍ ماتَ دُونَ ذَنْبٍ.

وَبِحُزْنٍ وَشُعُورٍ بِالعُزْلَةِ، بَعْدَ أَنْ اِبْتَعَدَ عَنْ ضَوْضاءِ الأَلْسُنِ وَالأَسْئِلَةِ، جَلَسَ يَنْظُرُ مِنْ شُرْفَتِهِ، وَيُتَمْتِمُ فِي سِرِّهِ:

«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كانُوا الجُمْهُورَ، وَأَنَّنِي كُنْتُ المَسْرَحِيَّةَ».

***

2- مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى

عَلَى المَسْرَحِ، تَتَحَرَّكُ الدُّمَى الخَشَبِيَّةُ بِخِفَّةٍ وَحَماسَةٍ، كَأَنَّها تُرِيدُ أَنْ تُمْسِكَ بِالفَراشاتِ كُلِّهَا الَّتِي حَوْلَها.

تَتَبادَلُ الدُّمَى النِّسْوَةُ الحَدِيثَ، رَيْثَما يَعُودُ أَزْواجُهُنَّ مِنَ العَمَلِ.

تَسْأَلُ دُمْيَةٌ صَدِيقَتَها:

* أُوه، أَنْتِ حامِلٌ مُجَدَّدًا! ما سِرُّ رَغْبَتِكِ فِي الإِنْجابِ واحِدًا تِلْوَ الآخَرِ؟

تَرُدُّ الدُّمْيَةُ عَلَى صَدِيقَتِها:

* أَلا تَرَيْنَ ما أَجْمَلَ الحَياةَ؟ وَقانُونُ الدُّمَى يَنُصُّ عَلَى أَنْ تُولَدَ الدُّمَى جَمِيعُها أَحْرارًا وَمُتَساوِيَةً فِي الحُقُوقِ وَالواجِباتِ.

تُجِيبُ الدُّمْيَةُ:

* نَعَمْ، القانُونُ مَوْجُودٌ، فَلا خَوْفَ إِذَنْ.

اِنْقَطَعَتِ الكَهْرُباءُ، فَصاحَتْ إِحْدَى الدُّمَى مَفْزُوعَةً:

* أَخافُ مِنَ الظَّلامِ!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ الجَدَّةُ:

* تَخافِينَ مِنَ الظَّلامِ؟ ماذا؟ أَنْتِ لَمْ تَعُودِي طِفْلَةً!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ:

* هَلْ كانَ ذٰلِكَ بِإِرادَتِي؟ أَلا تَتَذَكَّرِينَ ماذا حَدَثَ لِي قَبْلَ سَنَواتٍ فِي الظَّلامِ، عِنْدَما عَضَّتْنِي دُمْيَةُ الكَلْبِ؟ وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ وَأَنا فِي حالَةِ هَلَعٍ وَخَوْفٍ مِنَ الظَّلامِ.

جاءَ الأَزْواجُ مِنْ أَعْمالِهِمْ مُنْهَكِينَ.

قالَ أَحَدُ الأَزْواجِ لِزَوْجَتِهِ:

* بَعْدَ كُلِّ هٰذا التَّعَبِ اليَوْمَ، اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ رَغِيفَ خُبْزٍ وَبَيْضَتَيْنِ... سَنَتَقاسَمُهَا أَنا وَأَنْتِ وَالأَوْلادُ الخَمْسَةُ. مَرْحَى!

قالَتِ الدُّمْيَةُ الطِّفْلَةُ لِوالِدِها:

* لِماذا لا تَنْقَطِعُ الكَهْرُباءُ عِنْدَ صَدِيقَتِي تالا؟ قالَتْ لِي فِي حِصَّةِ مادَّةِ الاِجْتِماعِيّاتِ إِنَّ الكَهْرُباءَ عِنْدَهُمْ لا تَنْقَطِعُ.

أَجابَ الأَبُ:

* والِدُ تالا لَهُ نُفُوذٌ وَسُلْطَةٌ، يا اِبْنَتِي، وَنَحْنُ أُناسٌ بُسَطاءُ.

تُغَنِّي الدُّمَى أَغانِيَ فُلْكْلُورِيَّةً، وَتَرْقُصُ عَلَى ضَوْءِ شَمْعَةٍ، وَتَقُولُ بِابْتِهاجٍ:

* ما أَجْمَلَ الحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ...

قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الجُمْلَةُ، اِنْقَطَعَ خَيْطُ إِحْدَى الدُّمَى، فَسَقَطَتْ قَتِيلَةً عَلَى المَسْرَحِ...

كانَ مَوْتُها مُفاجِئًا، فَقَدِ انْقَطَعَ خَيْطُ مُحَرِّكِها.

أُسْدِلَتِ السِّتارَةُ، وَاِنْتَهَتْ مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى بِالبُكاءِ وَالنِّواحِ

***

مريم نزار الديراني

في نصوص اليوم