عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

احمد غانم: آخر قصائدي المنسية

أكثر من تمنيتُ مراسلتها، وأيضًا آخر من توقعت أن تحقق لي تلك الأمنية البعيدة على مدى سنوات سبقت مسار ارتحالي الطويل. قرأتُ ما كتبتْ عبر الماسنجر عدة مرات، وكأني أتوقع في كل مرة التنبه إلى كلمة غفلت عنها نظراتي المتلهفة إلى إطلالة حبيبتي برفقة صديقاتها في الجمعية الثقافية التي كنت أشارك فيها بإلقاء نصوصي الشعرية على مسامع الحضور، لم أميز من بينهم سوى وجه يسبح في أنغام القصائد الغزلية، يكسبها نغمًا شجيًا يظل يتردد في أذنيّ طويلًا يستحضر ملامحها أمامي بصورة جلية لا تفارقني فيما أبدأ بكتابة نص جديد أشعر أنها تصغي إليه كلمةً تلو الأخرى حتى أنتهي من كتابة أحرف عشقي لها، تحفزني أن أهمس لها بكلمات حب لم تدونها أناملي بعد، فقد وهبتني روحها المتجلية في إشراق عينيها معنى جديدًا لكل شيء، حتى لِما خلفته الحرب التي صبت نيران غضبها في أنحاء البلاد، وكأنها تحيل الأنقاض التي ظلت متكومة لفترة طويلة في الطرقات والميادين إلى لوحةٍ جديدة مغايرة لكل ما ألفنا عبر وسائل الإعلام المحلية الموَجهة وشديدة الامتثال للأوامر الصارمة، والإذاعات الأجنبية التي تخبر العالم أننا صرنا على  حافة الحياة.

بالنسبة لي صارت هي الحياة ذاتها التي لا أريد أن أحيا سواها، خاصةً بعد أن تسربت كلماتي إلى قلبها وعقلها معًا، وهذا ما كنت أرجوه منذ أن رايتها أول مرة، فالحب لديّ كلمات منتظمة، ضمن وزن وقافية لا ترضى أي زيادة ولا نقصان. كانت تستغرب تشبيهي في البداية وتعرب عن عدم فهمها لِما أريد قوله، فأخبرتها أني ببساطة، وبكل عمق معانِ الكلمات لديّ، أعشقها ولا أريد أن يخالجني ولو مجرد خاطر عابر أن هناك ما يمكن أن يضطرني إلى فقدانها يومًا، ولا أدري لحد الآن كيف أمكنني احتمال غيابها عن ناظريّ عمرًا من التيه ووجع الحسرات، وكيف سمح قلبها أن تكون لرجلٍ غيري فيما كنت أمضي أشهر محنتي بين جدران معتقل تكوي سياطه أجنحة كلماتي المتمردة على قمع كل سلطة تريد تجريدنا من حلم القصيدة في أوقات السِلم والحرب، مع أني لم أشأ سوى لملمة ركام كل حرب عصفت بالبلاد كي يكون صرح حرية وسلام ينأى بنا عن مخالب وعربدة حرب جديدة تحرم الحبيبات من أحبائهن وتتركهن متلفعات بالحزن والسواد، ذات السواد الذي خلفته الحرائق في فضاء مدننا ومبانيها وبهجة أعمار لم تكتفِ من براءة اللعب ولا صفاء الضحكات الطفولية بعد.

***

كنتُ لديهم مثلما وصفتني مراتٍ ومرات، أغدق في الرومانسية الحالمة، والحلم في بلادنا هوَس لا بد من التعافي منه إن رغبتُ ولو ببعض الحياة حتى تلفني الغربة بين طياتها بعيدًا عن سوح الوطن المستباح، مثلما استباحتك مقدرة رجل آخر على الزواج، فصرتِ أرض فحولته ودنيا أهوائه في أي وقت يشاء سلطان شهواته، فقط كي تحظي بالاستقرار وفرحة التباهي أمام صديقاتك، متصيِّدات الفرص في بلادٍ يشقيها البحث عن منفذ نجاة، دون أن تعثر على سوح أمان، فكنتِ بمثابة مخلفات حرب نزفت الكثير من دم الشهداء، وراح يتغنى بها مرتزقة الشعارات التي تبرأتُ منها تباعًا، دون أن أستطيع التبرؤ من حبٍ تغزلت به أروح قصائدي المنسية.

اعذريني على تبجح الوصف وفظاظة كلمات آخر قصيدة كتبتها، قررتُ بعد هجر الشعرـ مثلما هجرت البلاد وحكايات الحب معًا، إلا أني قررت غزو دنيا العديد من النساء، أجمل النساء، وأشهى النساء، لكنكِ بقيت الامرأة التي لم يخالطها سحر أي أنثى مرقت في حياتي، أو قررتُ أن أستعيض بها عن كل مغامرة ترسو بي نحو شواطئ الوحشة من جديد، وحشة ظلت تغور في نفسي عامًا تلو الآخر ونزوة حب إثر أخرى، لكنها لم تستطع أن تغشى شيئًا من ملامح طيفك داخلي، وبعد كل هذا، وسلسلة الأشواق المتراكمة داخلي تسألينني إن كنتُ أتذكرك!

يا لسخف السؤال، ويا لشقاوة سخريتك من حب احتوى عمر قصائدي التي عاودت كتابتها وأبى ترنح غربتي أن أدونها ولو ضمن ورقة صغيرة سرعان ما أنسى أين وضعتها في لا مبالاة، كما لو أني أخشى مصادرة كلماتي وحريتي من جديد، وإن كانت قصيدة عشق وتوق أبى أن يغادرني شهقة عناق تفقد إثارتها سريعًا وتتبدد حميميتها ما دامت لا تسكن عبق شفتيكِ، دون أن يخطر لي أني يمكن أن ألتقيكِ كما زهت الأحرف في ناظريّ مليًا بلا أن تراودني الرغبة بحجب ناظريّ عن رسالتك الممهورة بحمرة قلب صغير يرسم أمامي أطيافًا جديدة لم تشهدها فترة عشقنا الأولى، كما لو أني عدت إلى ذلك المراهق لدى كتابة أولى خواطره في آخر صفحات دفاتره المدرسية قبل أن تنتظم جمله المرتبكة في أبيات من الشعر الحر، والمحاكي قصائد أكبر الشعراء في بداياته، ولمّا تحدثنا في مكالمة فيديو شعرت أني أحتضنك بحرارة تتمرد على قيود المكان والزمان التي تشل جلستي أمام شاشة الموبايل، ولا بد أنكِ أدركت هوس جنوني بفتنتك المهيمنة على حواسي رغم جسارة العقود المتسلطة على ملامح وجه كل منا، رغم خبث الشيب المتذبذب في خصل شعري كيفما شاء، ورغم أن جزءًا مني ومنكِ ظل هناك، في بلادٍ لم تستطع لملمة حكايات العشاق المبعثرة في كل صَوب.

***

أخبرتني أنها آتية إلى مرفأ غربتي في مهمة عمل تستغرق عدة أيام، كما لو أن الشركة التي بدأتْ العمل فيها منذ سنوات، مرت عليها بمثابة عمر بأكمله بعيدًا عن سوح الوطن، أوفدتها لرؤيتي بالتحديد، كي تكمل لي سرد سلسلة الخيبات التي ألقتها نحو، مثل حمامة حلقت طويلًا في عصف الريح، يطوي جنحيها الوهن ويدرك قلبها وجع القنوط تحت وطأة ما عاشت مع زوج سرعان ما ملَّ أحضانها وراح يبحث عن أخريات ممن خلفتهن الحروب بكارى، يتقنَّ لما جنى من أرض النكبات مع كل دمارٍ جديد تخلفه الحروب، ولولا وجود أبناء لكان رماها مثل ثيابٍ قديمة لا يريد أن تثقل حقائبه عند السفر نحو بلد اللجوء الذي فرَ إليه بعد تغير وجه السياسة في بلادنا، بينما راودها شعور غريب أنها يمكن أن تلتقيني ذات محطة سفر من التي اعتاد اجتيازها المغتربون مهما جابت أقدارهم أنحاء الأرض.

لم تلبس عليه ثوب الحداد عندما شهقت فرحة وفاته بين أحضان إحدى العاهرات المتصيِّدات جيوب من ارتحلوا عن بلادهم بما اكتنزوا من غنائم الحروب، دون أن يخطر في بالهنَّ أن مغامرات الحروب الجديدة قد أتت على جُل ما استنزف من نكبات بلاده، وبينما راحت تعد لبداية جديدة عثرت على عاشقها القديم كي تبصر في لمعة عينيه زهو شبابها الآفل.

بعد أسبوع عشق أمضيناه معًا، صار كلٌ منا خلاله مرآة لشتات الآخر، تمزع عمره بين شقاء الغربة التي استوطنتنا، والتي صيَرتنا غرباء عن بعضنا في سوح فراشٍ واحد، رحلت عني من جديد، دون إلقاء سلام الوداع، ودون أن أخبرها أنها لم تعد لديّ إلا بمثابة آخر قصيدة من قصائدي المنسية، قد أتمتم كلماتها في نوبة حنين، ثم لا تلبث أن تتهاوى كلماتها في ذبالة أول كأس خمرٍ أرتشفه في ليالِ الجمود الذي احتواني منذ زمنٍ يبدو لي جد بعيد، كي تبقى ذكرى باهتة تأخذ بالتضاؤل رويدًا رويدا، تؤكد لي أن بعضًا مني لم يبرح سوح المعتقل بعد، رغم إعلان براءتي مما تبقى لديَ من ذلك العاشق والشاعر الذي كان يتغنى بحبيبته وبلاده، قبل أن تلقينا الدنيا في مهب الاغتراب.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

21 ـ 1 ـ 2025

في نصوص اليوم