أتعلمين كم تبلغ قسوةُ الانتظار حين يكون المنتظَر حبيبةً لن تأتي، وحين يعرف القلب، في مكانٍ عميقٍ منه، أن الباب الذي ظلّ مفتوحاً طوال الليل لن يُطرَق أبداً؟
*
إنها ليلةٌ لا تُنسى؛ ليلةٌ تتكاثر فيها الفوضى حولي، ويضيق المكان على وحدتي، وتنهض أطياف الذاكرة من مراقدها كأنها خرجت لتوّها من مقبرةٍ لم تُغلق أبوابها جيداً. لا أحد هنا سواي، وسوى غيابكِ الذي يتصرّف كأنه الكائن الوحيد الذي يملك حقّ الإقامة في هذا المكان.
*
أجلس قبالة العتمة، وأترك للساعة أن تمارس عبثها المعتاد؛ عقاربها تدور، لكن الزمن لا يتقدّم. ثمة شيءٌ عالقٌ في تلك اللحظة التي انطفأتِ فيها من العالم، شيءٌ لم يستطع الموت أن يأخذه، ولم تستطع الحياة أن تعيده إلى موضعه.
*
أتعلمين ما الذي يربكني أكثر؟
أنني لم أعد أتذكّركِ كما كنتِ؛ فالذاكرة لا تحتفظ بالوجوه على صورتها الأولى، إنها تعيد اختراع الغائبين كلما اشتدّ الحنين إليهم. تمنح عينيكِ ضواء لم يكن فيهما، وتستعيد نبرة صوتكِ من قاع الصمت، وتعيد ترتيب ملامحكِ فوق وسادةٍ لم يعد ينام عليها أحد.
*
وحده عطركِ ما زال عصيّاً على النسيان.
إلى أي مدى سيظلّ عطر جسدكِ عالقاً في ذاكرتي؟ كيف استطاعت رائحتكِ أن تنجو من انطفاء الجسد، وأن تتجاوز حدود الغياب، لتصبح سجّانةً خفيّةً لروحي؟ كلما ظننتُ أنني تحرّرتُ منكِ، باغتتني نفحةٌ عابرة، فتنهار المسافة التي شيّدتها بيني وبينكِ، وأعود إلى تلك اللحظة التي كان فيها العالم أقلّ وحشةً لأنكِ كنتِ فيه.
لم أكن أعرف أن للعطر ذاكرةً تفوق ذاكرة الإنسان، وأن بإمكان رائحةٍ واحدة أن تستعيد مدينةً كاملة، وأن تفتح في جدار الزمن نافذةً تطلّ على جسدٍ لم يعد موجوداً.
أحياناً أمدّ يدي نحو الفراغ، لا لأنني أتوهم أنكِ هناك، بل لأن الجسد يتأخر كثيراً في فهم ما أدركته الروح منذ زمن. وما أقسى أن يصبح الحنان حركةً بلا متلقٍّ، وأن تظلّ اليد تتذكّر دفء يدٍ لن تلامسها ثانية.
هذه الليلة لا أريد أن أقاوم ذاكرتكِ. سأدعها تفعل بي ما تشاء؛ لتقلب أدراج العمر، وتبعثر الصور، وتستخرج من عتمة السنوات ما تبقّى من ضحكتكِ. سأترك الحنين يمرّ في عروقي كأنه نهرٌ يبحث عن مصبٍّ اختفى، وسأصغي إلى ذلك الصمت الذي خلّفتِه، لعلّ فيه بقيةً من صوتكِ.
فأنتِ الآن لستِ امرأةً غائبةً فحسب؛ أنتِ المسافة التي لا تنتهي بين ما كان وما لن يكون، والباب الذي لم يعد يفضي إلى مكان، والقصيدة التي يكتبها الفقد كلما عجزتُ عن كتابة اسمكِ.
*
يا من لم يبقَ منكِ في هذا العالم سوى الذاكرة...
*
لا أعرف إن كنتِ قد رحلتِ حقاً، أم أن العالم هو الذي فقد القدرة على رؤيتكِ. لكنني أعرف أن ثمة ليلةً واحدةً تستطيع أن تختصر عمراً بأكمله، وأن بعض الغائبين لا يغادروننا؛ إنهم يغيّرون فقط هيئة حضورهم، فيتحوّلون من أجسادٍ نحبّها إلى ذاكرةٍ لا نملك شجاعة الخروج منها.
*
إنها ليلةٌ لا تُنسى...
ولعلّ أكثر ما يجعلها كذلك، أنني للمرة الأولى لا أنتظر عودتكِ، بل أنتظر أن أتعلم كيف أنجو من انتظاركِ.
***
كريم عبدالله – العراق








